هذا الفصل هو جزء من كتاب: التلمذة – البابا شنودة الثالث .
التلمذة على أب الإعتراف:
سعيد هو الإنسان الذى له أب اعتراف على مستوى الإرشاد الروحى. لا يسمع فقط ويقرأ التحليل، وإنما يرشد أيضاً ويعلم، ويشرح الطريق الروحى، ويمنح ابنه فى الاعتراف موهبة الإفراز والتمييز...
ذلك هو المعلم الذى درس الطريق الروحى واختبره.
ودرس النفس البشرية، وعرف ضعفاتها، وغرائزها، وميولها، ودوافعها. كما يكون أيضاً قد درس حروب الشياطين وحيلهم ومكرهم وخداعهم. وعرف أيضاً وسائل الإنتصار عليهم.
مثل هذا الأب، يمكن التتلمذ عليه.
فإن لم يوجد، يبحث المعترف عن مرشد روحى.
يضعه إلى جوار أب الاعتراف، ويسأله فيما يمكن أن يتصرف به فى حياته الروحية... المفروض أن يكون أب الاعتراف هو المرشد، لأن نفس المعترف مكشوفة أمامه. فإن لم تكن له هذه الموهبة، أو كان وقته ضيقاً جداً لا يكفى لإرشاد المئات من المعترفين عليه، بالإضافة إلى مسئولياته الأخرى، حينئذ تقضى الضرورة إلى وجود مرشد يسند المعترف بنصائحه وتشجيعاته، ويكشف له ما خفى عن معرفته، حتى لا يسير فى الضباب.
لقد ألقيت على أبنائى الكهنة محاضرات كثيرة عن أب الاعتراف، أرجو أن أنشرها قريباً فى كتاب...
ومن جهة التلمذة على الآباء والمرشدين، لنا ملاحظات:
1 - ينبغى أن يكون المرشد سليماً فى عقيدته، سليماً فى إرشاده وفى قيادته، مجرباً مختبراً
وإلاَّ إنطبق قول الكتاب "أعمى يقود أعمى، كلاهما يسقطان فى حفرة" (مت14: 15). وهذا الوضع إنتقده السيد بالنسبة إلى الكتبة والفريسيين، وقال عنهم إنهم قادة عميان (مت24، 16: 23). وقال لهم موبخاً: "إنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً. ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم أكثر منكم مضاعفاً" (مت15: 23).
2 - إذن فإذا إنحرف الأب والمرشد، لا تجوز له طاعة، ولا يجوز قبول لإرشاده.
من هنا كان على الإنسان أن يسترشد، وفى نفس الوقت يكون مفتوحاً العينين. ويحرص على راحة ضميره فى كل ما يقبله من إرشاد. وعلى الأب أو المرشد أن لا يكتفى بمجرد التوجيه، إنما أيضاً يقنع ويثبت التعليم بآيات الكتاب أو بقصص وأقوال القديسين.
3 - ولا مانع من أن يسأل الإنسان معلمه أو مرشده وأباه الروحى.
فتلاميذ السيد المسيح نفسه كانوا يسألونه، ويستوضحونه بعض الأمور. فكان – تبارك اسمه – يشرح لهم، ويضرب الأمثال، ويذكر لهم بعض آيات الكتاب، ويفسر لهم (لو27: 24).
فإن وجد أحد فى نصيحة مرشده ما يخالف كلام الله، فليتذكر قول الكتاب "ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس" (أع29: 5).
4 - وليس من الصالح أن يحاول المعترف أن يكون صورة من أبيه الروحى فى كل شئ.
فربما ما يناسب أباه لا يناسبه هو. وربما ظروف أبيه ومقدراته ونفسيته تختلف عنه تماماً. إنما يأخذ المبادئ، ويطبقها على قدر طاقته الروحية، وحسبما يناسبه هو ويناسب شخصيته.
5 - وفى نفس الوقت لا يجوز للمرشد أن يلغى شخصية من يتتلمذ عليه...
ولا يجوز أن يسيره فى تياره على الرغم منه، غير مراعِ ظروفه ونفسيته وميوله!! فإن كان المرشد مثلاً محباً للوحدة والهدوء، لا يجوز له أن يدفع كل تلاميذه على الوحدى، فربما بعضهم له شخصية إجتماعية، ويحب خدمة الناس والوجود معهم، وإفادتهم والاستفادة منهم...
6 - كما يمكن أن يكون للإنسان أكثر من مرشد...
يسأل كلا منهم فيما يتقنه من أمور... بحيث لا يقع فى تناقض بين الإرشادات. فإن حدث شئ من هذا أو ما يشبهه، يتخذه مجالاً للسؤال وللدرس، ولمزيد من المعلومات... ولمواجهة الرأى بالرأى، فى غير إحراج، وبدون ذكر أسماء...
كان القديس الأنبا أنطونيوس الكبير، يأخذ دروساً من كل النساك المحيطين به فى بداية حياته الرهبانية. يتعلم من هذا الوداعة، ومن ذاك الصمت، ومن ثالث النسك والزهد، ومن رابع الصلاة والتأمل، ومن خامس الحكمة... إلخ.
7 - وقد يحتاج الإنسان فيما يتلقاه من المرشد أو من الكتب إلى شئ من التدرج:
فليس كل ما يقتنع به الإنسان من الفضائل أمراً سهلاً فى تنفيذه. ربما يحتاج إلى وقت، وإلى وقت طويل... من أجل عدم تعود النفس على هذا الجديد من الفضائل، وربما لمقاومة العادة، أو بسبب حروب الشياطين ومحاولتهم عرقلته فى طريق الله، أو بسبب العقبات التى تصادفه من بيته أو من البيئة المحيطة...!
كذلك فالشئ الذى يدركه بسهولة، قد يفقده بسهولة.
فليس المهم أن يمارس إنسان فضيلة ما، إنما المهم أن يثبت فيها حتى تصبح جزءاً من طبعه. ولهذا فكل فضيلة لا يبقى الإنسان فيها زمناً، قد تكون عارضة فى حياته وغير ثابتة.
فلا يصح أن يقفز الإنسان بقفزات سريعة فى الطريق الروحى، ويحاول أن يصل قبل الوقت.
إنما فى هدوء وتروِ وإتزان، ينبغى أن يسير خطوة فخطوة، حتى يصل بخطوات ثابتة، و "لا يرتئى فوق ما ينبغى" (رو3: 12). ولا يسرع إلى درجة معينة قبل أن يتقن ما قبلها. ولا يضغط على مرشده وأبيه الروحى لكى يسمح له بتلك السرعة.
8 - ولا يجوز أن تعتبر أباك الروحى مجرد جهاز تنفيذى لما تعرضه من رغبات روحية!
لا تعرض عليه قرارات واجبة التنفيذ، وإنما مجرد رغبات، أو على الأصح مجرد مقترحات أو أسئلة أو تطلعات، يقول لك ل هى صالحة لك أم هى غير صالحة. ولا تضغط عليه فى أن يسمح لك أن تنفذ، ولا تغضب إذا لم يسمح..! وإلاَّ كان الإرشاد صورياً، وتصبح فى هذه الحالة كمن يسلك حسب هواه، إنما يريد من الأب أن يوافق، ليعطى هواه ورغباته شرعية روحية...
9 - قبل أن تذهب للاسترشاد الروحى، عليك أن تصلى أن يهب الله لمرشدك الفكر الصالح الذى يناسب حياتك
أى تصلى ان ينفذ الله مشيئته فى حياتك عن طريق هذا الأب أو المرشد. فيقودك فى الارشاد الذى يريد الله أن يقدمه لك، ويرشده بما يرشدك به...
10 - اعرف أن الفضائل التى تسلك فيها حسب هواك، قد تقودك إلى المجد الباطل...
لذلك يقول الآباء فى البستان [إذا وجدت شاباً صاعداً إلى السماء بهواه، فاجذبه إلى أسفل]. والخطورة هنا فى عبارة [بهواه] ويقول الكتاب:
"على فهمك لا تعتمد" (أم5: 3).
وقد شرح الكتاب هذا الأمر فى آية تكررت مرتين متقاربتين فى نفس السفر وهى "توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة، وعاقبتها طرق الموت" (أم12: 14؛ 25: 16). وقد يتشبث الإنسان بهذه الطريق التى تبدو مستقيمة، ويكون فيها وفى تشبثه كل الضرر له.
وربما تكون هذه الطريق التى تبدو له مستقيمة هى من خداع الشياطين...
وما أكثر ما شرحه مار إسحق والقديس مار أوغريس فى هذه النقطة بالذات!! على أن المتشبث بفكره، الذى يقود نفسه حسب هواه، قد يقنع نفسه بأن هذا الفكر من الله، وأن الروح هو الذى الهمه هذا الفكر!
11 - ما أخطر حالة من يقول إنه يتلقى معرفته من الله مباشرة! وأنه يتتلمذ على المسيح مباشرة.
وبهذا يرفض أن يتتلمذ على الناس. وفى نفس الوقت لا يضمن هل الفكر الذى أتاه هو من الله أم ليس من الله...!
ومن عجب أن من يقول هذا الكلام ليس هو نبياً، وليس هو من الإثنى عشر. ولا يستطيع أن يقول كما قال بولس الرسول "تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً" (1كو23: 11).
12 - إن التعليم من الله قد يعنى التعليم من مصادر إلهية.
إننا نتعلم من الله فى كتابه المقدس. نتعلم من السيد المسيح فى سيرته المقدسة. ومع ذلك نحتاج ألى من يفسر لنا هذه الكتب، وإلى من يقودنا فى الطريق الروحى. فليس التعلم مجرد فهم نظرى، بقدر ما هو تطبيق عملى.
13 - وإلاَّ فلماذا أوجد الله المعلمين والمرشدين؟!
فلماذا قال للتلاميذ "وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (مت20: 28) إن كان يمكن للإنسان أن يتعلم من الله مباشرة؟! ولماذا "أعطى البعض أن يكونوا... رعاة ومعلمين" (أف11: 4). ولماذا قيل "أم المعلم ففى التعليم" (رو7: 12). ولماذا قيل إنه من فم الكاهن تُطلب الشريعة (ملا2).
إن عبارة "يكون الجميع متعلمين من الله" (يو45: 6)، نفهمها بآية أخرى هى "من يسمع منكم، يسمع منى" (لو16: 10).
إن من يطلب أن يتعلم من الله مباشرة، أو يتتلمذ على المسيح مباشرة، ربما ينقصه الاتضاع الذى يقبل التعليم من المعلمين والمرشدين، ويعوزه أن يتذكر قول الرسول "اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله..." (عب7: 13).
وأيضاً "أطيعوا مرشديكم واخضعوا. لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يعطون حساباً، لكى يفعلوا ذلك بفرح غير آنين، لأن هذا غير نافع لكم" (عب17: 13).
إن القديس بولس الرسول قد إمتدح تلميذه تيموثاوس الأسقف قائلاً: "وأما أنت فقد تبعت تعليمى وسيرتى وقصدى وإيمانى..." (2تى10: 3). لماذا لم ينصحه أن تعليمه وسيرته من الله مباشرة؟! وهل ترانا أعظم من القديس تيموثاوس الذى تلقى تعليمه من بولس الرسول؟! ولماذا يقول القديس بولس للمؤمنين "كونوا متمثلين بى، كما أنا بالمسيح" (1كو1: 11) "كونوا متمثلين بى معاً أيها الإخوة" (فى17: 3)...
14 - إن الفكر الذى يرفض التلمذة على الكنيسة، ويريد أن يتعلم من الله مباشرة، ليس هو فكراً أرثوذكسياً، وليس هو فكراً إنجيلياً كتابياً...
وذلك فى ضوء نصوص الكتاب التى ذكرناها، وأمثالها كثير جداً، ومنها كل الآيات التى تتحدث عن التعليم والكرازة والإرشاد والوعظ ووظيفة الكنيسة فى التعليم. وفى كل كنائس الدنيا – مهما إختلفت عقائدها – يوجد وعاظ ومنابر للوعظ. ما لزوم كل هذا إن كان الناس يتعلمون من الله مباشرة؟!
15 - الحياة الروحية أيها الأخوة تحتاج إلى إتضاع قلب وفى التلمذة إتضاع...
أما الذى يصر على أن يتعلم من الله مباشرة، فقد يقع فى الكبرياء. وتستطيع الكبريا أن تسلمه فريسة سهلة للشياطين، فيقدمون له ما شاءوا من التعليم. وكل المبتدعين والهراطقة فى تاريخ الكنيسة، رفضوا أن يتتلمذوا على الكنيسة، واتبعوا فكرهم، ظانين أن ذلك الفكر هو من الله!!
16 - حقاً. ما أدراك أن الفكر الذى تظن أنه من الله، هو من الله حقاً؟!
يروى لنا البستان أن القديس مقاريوس الكبير جاءه فكر أن يزور الآباء السواح فى البرية الجوانية، فيقول هذا القديس العظيم [... فبقيت مقاتلاً هذا الفكر ثلاث سنوات، لأرى هل هو من الله أم لا..]!
وأنت بكل بساطة ترى أنك تتعلم من الله مباشرة، وأن الروح قال لك كذا وكذا!!
أى روح هذا؟ وكيف تضمن؟!
إن الكتاب يقول "لا تصدقوا كل روح، بل إمتحنوا الأرواح هل هى من الله؟ لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" (1يو1: 4). ويقول أيضاً "امتحنوا كل شئ" (1تى21: 5).
17 - ربما تكون هناك مصادر كثيرة للفكر الذى تظنه من الله.
قد يكون فكرك الخاص، أو هواك الخاص. وقد يكون فكراً مترسباً فى عقلك الباطن من قراءات أو سماعات سابقة. وقد يكون خدعة من الشيطان.. وأنت محتاج أن تتباطأ وتتروى، وتقرأ الكتاب، وتسأل وتسترشد.
أيها الأحباء، تواضعوا، وتتلمذوا...
واذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.