هذا الفصل هو جزء من كتاب: التلمذة – البابا شنودة الثالث .
التلمذة على الكتب:
الأصل هو التلمذة على الآباء والمعلمين. وكما قال الشاعر:
فخذوا العلم على أربابه واطلبوا الحكمة عند الحكماء.
ولكن ماذا يحدث إن لم تجد المعلم ولا الأب ولا المرشد. هناك إذن الكتب. فيها كل شئ. وقد تنفعك مع وجود المرشد أيضاً.
أوريجانوس أعظم عالم فى عصره: تتلمذ على الكتب.
قيل عنه إنه كان يستأجر المكتبات ويبيت فيها. ويظل يقرأ طول الليل، ويلتهم ما يوجد فى المخطوطات من كنوز المعرفة. وقال عنه القديس جيروم: [إنه كان يقرأ وهو يأكل، ويقرأ وهو يمشى... حتى إمتلأ عقله من العلم]. ولكن أوريجانوس أصابه ضرر من بعض قراءاته.
وفى عصرنا الحاضر نذكر اسم حبيب جرجس.
لم يجد معلماً فى الإكليريكية يتلقى عليه العلم، وبخاصة بعد مرض ونياحة القمص فيلوثاوس إبراهيم، فلجأ إلى الكتب يلتهم معلوماتها إلتهاماً. واستطاع أن يكون معلم اللاهوت الأول فى جيله. وأن يكتب فى العقيدة وفى الروحيات وفى سير القديسين وفى مناهج التربية الكنسية والتعليم الدينى. وكان كل مصدر علمه هو الكتب.
ولكن على الإنسان أن يحسن إنتقاء الكتب التى يقرأها ويتتلمذ عليها، وأن يقرأ بإفراز وحرص، ولا يعتنق كل ما يقرأ.
فهناك كتب – حتى لمشاهر الكتاب – قد تحمل معلومات غير سليمة. وليست كل الكتب معصومة. فعلى القارئ أن يضع أمامه قول القديس بولس الرسول: "افحصوا كل شئ وتمسكوا بالحسن" (1تس21: 5). وكذلك قول القديس يوحنا: "لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هى من الله" (1يو1: 4).
وأيضاً على الإنسان أن يميز بين القراءة والتطبيق.
فهناك مبادئ روحية تحتاج إلى إرشاد فى تطبيقها، وقد تحتاج بعض الفضائل إلى تدرج كبير فى تنفيذها. وقد يقرأ إنسان فى بستان الرهبان عن فضيلة اتقنها أحد القديسين، ربما بعد جهاد سنوات حتى وصل إليها، فهل يأخذها القارئ كنقطة إبتداء، مقلداً القديس فيما وصل إليه أخيراً، دون أن يحاكيه فى تدرجه وجهاده..
نقول هذا عن بعض درجات الصلاة، والصمت، والصوم، والوحدة، وما شابه ذلك من أمور يحتاج تنفيذها إلى إرشاد روحى.
ونشكر الله أن المكتبة القبطية تذخر حالياً بالعديد من الكتب الثمينة:
سواء من أقوال الآباء المترجمة، أو من سير القديسين، أو الكتب الروحية والعقيدية والتاريخية والطقسية، وشتى ألوان المعرفة.
وعلى الإنسان أن ينتقى ما يشبع قلبه وفكره.
وأن يصنع لنفسه برنامجاً يومياً فى القراءة، أو على الأقل برنامجاً أسبوعياً، بحيث إن قصّر فى يوم تسنده قراءة يوم آخر.
والخادم بالذات يحتاج إلى مزيد من القراءة، ليكون مشبعاً لتلاميذه.
وذلك حتى لا يقدم لهم معلومات مكررة، أو معلومات سطحية سبق لهم معرفتها. ولا شك أن الخادم العميق فى معرفته، يشعر تلاميذه بدسم معلوماته، فيقبلون عليه وعلى دروسه. وهو لا يستطيع أن يتلمذهم، إلاَّ إن كان قد تتلمذ أولاً وتعمق فى معرفته. وكما يقول المثل:
[إمتلئوا. لأنه لا يفيض إلاَّ الذى إمتلأ].
والتلمذة على الكتب لها إتجاهان: المعرفة، والحياة. ولكن تحول بعض معارفك إلى حياة، عليك بالتداريب الروحية.
إقرأ، وافهم جيداً. واستخرج المعانى الروحية النافعة والمناسبة لك. سجلها فى مفكرة خاصة، لكى تتذكرها بين الحين والحين. ودرّب نفسك عليها، وحاسب نفسك إن قصّرت. وهكذا تحول المعلومات الروحية إلى حياة.
وفى حديثنا عن الكتب وأوريجانوس، نذكر اثنين تتلمذا عليه:
إنهما القديسان باسيليوس الكبير، وأغريغوريوس الناطق بالإلهيات. مع أنهما لم يعاصراه، إذ عاشا فى القرن التالى له. ولكنهما تتلمذا على كتبه. تماماً كما قال اليهود للمولود أعمى: "نحن تلاميذ موسى" (يو28: 9). مع أنهم لم يعاصروا موسى النبى، لكنهم تتلمذوا على الأسفار الخمسة التى كتبها، والتى أطلق عليها اسم "ناموس موسى".
لا شك أنكم رأيتم كثيرين من الناس الطيبين. فهل استفدتم منهم؟ صدقونى أن الله سيديننا فى اليوم الأخير، إن لم نستفد مَمنْ أرسلهم إلينا كعناصر ممتازة يمكن أن نقتدى بها، مثلما قال عن معاصرى حياته فى الجسد على الأرض: "إن ملكة التيمن ستقوم فى يوم الدين مع هذا الجيل وتدينه" (مت42: 12).
ربما تسمع أو تقرأ عن الوداعة ولا تفهم معناها بالضبط. ثم يرسل الله لك إنساناً وديعاً، تراه فتتلمذ على وداعته، وتفهم منه ما هى الوداعة أكثر مما تشرحه الكتب...
وهكذا فى كل فضيلة يرسل لنا الرب عينات حيّة: فى التواضع، فى البساطة، فى الغيرة المقدسة، فى الإيمان، فى كافة الأمور الروحية التى قد تعجز الكتب عن شرحها بدقة، والتى قد يكون معناها أكثر من إحتمال تعبير الألفاظ... وإن سأل الله "لماذا لم تتلمذوا على هذه النماذج العملية؟!" حينئذ "يستد كل فم" (رو19: 3)..
أتظن أن التلمذة هى فقط على الكتب والعظات والإرشاد ا لروحى؟ كلا. فهناك تلمذة على أشخاص لا يتحدثون عن الفضائل، إنما تتحدث فضائلهم عنهم.
لذلك خذ درساً من كل فضيلة تراها فى أى إنسان، أياً كان، مسيحياً كان أو غير مسيحى، خادماً كان أو علمانياً...
ننتقل إلى فرع آخر من التلمذة، وهو التلمذة على الطبيعة.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.