هذا الفصل هو جزء من كتاب: التلمذة – البابا شنودة الثالث .
كلمة المنفعة:
الإنسان الروحى يتتلمذ على كلمة المنفعة، يبحث عنها من كل مصادرها: من الكتاب المقدس أولاً، ومن أقوال الآبا، ومن المعلمين الموثوق بهم، ومن أى مصدر، حتى لو كانت كلمة من فم خاطئ ولكنها نافعة...
من ذلك قصة مارافرام السريانى والمرأة الناظرة إليه:
هذه المرأة نظرت إلى القديس مارافرام، وأطالت التطلع إليه وتركيز نظرها عليه حتى خجل، وسألها لماذا تثبت نظرها عليه هكذا؟ فأجابته: [ذا شئ طبيعى أن أنظر إلى رجل، لأن المرأة عندما خُلقت أخذت من جسم رجل. أما أنت فكان ينبغى أن تنظر إلى الأرض، لأنك أخذت من تراب الأرض]...
فانتفع القديس من كلمة المرأة، وتدرب أن ينظر إلى الأرض... وهناك مثال آخر بنفس الطريقة وهو:
إنتفاع القديس أنطونيوس من كلمة المرأة التى خلعت ملابسها، ونزلت أمامه لتستحم!
قال لها: [يا امرأة، أما تستحين أن تخلعى ملابسك أمامى، وأنا رجل راهب؟!] فأجابته المرأة: [لو كنت راهباً لسكنت فى البرية الجوانية، لأن هذا المكان لا يصلح لسكنى الرهبان]. فانتفع القديس أنطونيوس بكلمتها جداً وقال لنفسه: [هذا صوت الله إلىَّ أرسله على فم هذه المرأة]. وقام ودخل إلى البرية...
كان الناس فى القديم يعبرون البر والبحر فى سفر طويل، لكى يسألوا أحد الآباء عن كلمة منفعة.
وبستان الرهبان حافل بقصص من هذا النوع. رحلات بلاديوس وجيروم وروفينوس كلها من هذا النوع. وقد خلّقت لنا كتبهم تراثاً ثميناً نفع العالم روحياً...
ولم يقتصر الأمر على الصغار أو العوام، بل حتى الكبار أيضاً فى مراكزهم كانوا يلتمسون كلمة منفعة.
مثل القديس البابا ثاؤفيلوس (البطريرك 23) الذى كم من مرة كان يأتى إلى الأديرة ليأخذ كلمة منفعة من الرهبان القديسين. وقصصه معروفة فى زيارة الأنبا أرسانيوس، وفى زيارة الأنبا بفنوتيوس. كذلك زيارة القديس البابا بنيامين (البطريرك 38) للأديرة وأماكن المتوحدين. والمعروف أن القديس أثناسيوس الرسولى كان يتتلمذ على القديس الأنبا أنطونيوس الكبير.
نسمع عن القديس مقاريوس الكبيرأنه طلب كلمة منفعة من الصبى زكريا!!
فتعجب الصبى وقال له: [أنت يا أبى كوكب البرية ومنارها، تطلب منى كلمة أنا الصغير؟!] فأجابه القديس مقاريوس فى إتضاع: [أنا واثق يا ابنى بالروح القدس الذى فيك، أن عندك شيئاً ينقصنى أن أعرفه].
ونسمع عن القديس مقاريوس أيضاً أنه أخذ كلمة منفعة من صبى كان يرعى بقراً...
إن التلمذة لا يعوقها السن أو المركز، وطوباه مَنْ يحيا تلميذاً طول حياته..
مشكلتنا أننا نظن أننا نعرف، او أننا وصلنا إلى الحد الذى نحتاج فيه أن نسأل أو أن نتعلم... بينما نجد جماعة مثل رسل السيد المسيح يسألونه مرة قائلين: "عملنا يارب أن نصلى" (لو1: 11). مَن مِنَ الناس لم يكن يعرف كيف يصلى؟! الكل يعرفون.. أو يظنون أنهم يعرفون... ولكن الرسل سألوا عن أمر يبدو واضحاً! وكانت النتيجة أن الرب علمهم الصلاة الربية، وكانت منفعة...
من هنا كان من صفات التلمذة: الإتضاع.
يبدأ بشعور الإنسان ان محتاج أن يتعلم، وأن يسأل، وأن يسترشد. وشعوره أن غيره يفهم أكثر، وأن الله قادر أن يعطى غيره ما يرشده به.
انظروا فى إتضاع التلميذة ما قاله القديس بولس الرسول عن نفسه أنه تربى وتأدب "عند رجلى غمالائيل" (أع3: 22)، إذ ما كان التلميذ يستطيع أن يجلس مع معلمه فى مستوى واحد، وإنما يجلس عند قدميه...
ومن شروط التلمذة أيضاً أن ما تسمعه، ينبغى أن تحفظه جيداً فى داخلك، حتى لا تنساه. كما قال داود النبى:
"خبأت كلامك فى قلبى، لكى لا أخطئ إليك" (مز119).
إن نسيان الوصية يوقعك فى الخطية، وينسيك ما تريد أن تتملذ عليه من مبادئ وقيم. لذلك قال الرب:
"ولتكن هذه الكلمات التى أنا أوصيك بها اليوم على قلبك وقصها على أولادك. وتكلم بها حين تجلس فى بيتك، وحين تمشى فى الطريق، وحين تنام وحين تقوم. وأربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك. واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك" (تث6: 6 - 9)... كل ذلك لكى لا تنساها.
وهكذا أيضاً تفعل حتى لا تنسى تداريبك الروحية.
فأنت تتلمذ على كلام المعلمين فقط، وإنما على حياتهم، حتى دون أن يتكلموا. تمتص الحياة منهم، بما فيهم من أمثولة طيبة وقدوة صالحة.
فليست الأذن وحدها وسيلة التعلم، وإنما العين أيضاً:
يروى عن القديس الأنبا شيشوى، أنه من فرط تواضعه ما كان يعطى تعليماً لمَنْ تعليماً لمَنْ يتتلمذ إليه. فلما عاتبه الآباء لأنه لم يعط أية إشادات لأخ جديد سلموه إليه ليعلمه... قال لهم: [أنا لست رئيساً لا معلماً. فإن أراد هو أن يتعلم شيئاً، فلينظر كيف اتصرف وكيف أعمل، ويعمل هكذا مثلى، دون أن آمره].
ومن أمثلة التعليم من السيرة، أن ثلاثة إخوة زاروا القديس الأنبا أنطونيوس، فإثنان منهما سألاه. أما الثالث فجلس صامتاً، فلما استفسر منه القديس لماذا لم يسأل عن شئ، أجابه الأخ:
[يكفينى مجرد النظر إلى وجنك يا أبى].
كان مجرد النظر إلى وجه القديس درساً يتعلم منه الأخ وهو صامت. يرى القديس كيف يتكلم وكيف يجيب، ويبصر ملامحه الوديعة الهادئة المتضعة... ويتعلم..
مثال آخر: فى إحدى المرات زار البابا ثاؤفيلس برية شيهيت. فقال الآباء للقديس الأنبا بفنوتيوس: [قل كلمة لينتفع البابا]. فأجابهم: [إن لم ينتفع من سكوتى، فمن كلامى أيضاً سوف لا ينتفع].
حقاً إن الصمت يمكن التتلمذ عليه، تماماً ككلام المنفعة.
ولعل من أروع الأمثلة على ذلك القديس أرسانيوس الكبير، الذى كان كثيرون يتتلمذون على صمته، ويستفيدون من قدوته الصالحة أكثر من كلام معلمين آخرين...
وهكذا يتتلمذ الآن على حياة الآخرين، على الصفات الجميلة التى فيهم. ويمتص فضائلهم، دون أن يلقوا عليه دروساً فى تلك الفضائل. وقد فعل القديس الأنبا انطونيوس هكذا فى أول عهده بحياة الرهبنة: فكان يتعلم من حياة النساك الذين يراهم:
كان كالنحلة التى تمتص من كل زهرة رحيقاً...
يتعلم من أحد النساك الهدوء، ومن آخر التواضع، ومن ثالث الصمت، ومن رابع حسن الكلام... وما فعله القديس أنطونيوس يذكرنا بتعليم آخر نافع وهو:
لا تحاول أن تكون فى تلمذتك صورة كربونية من شخص واحد بالذات...
فلا يوجد شخص واحد من نبى البشر فيه كل الفضائل. كما أن ما يناسب شخصاً معيناً قد لا يناسبك أنت. إنما خذ من كل شخص ما يعجبك فيه من صفات جميلة. وخذ من هذه الصفات بالقدر الذى يصلح لك وبالأسلوب الذى يوافق طبعك وعقليتك وظروفك.
وهكذا تكون
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.