هذا الفصل هو جزء من كتاب: التلمذة – البابا شنودة الثالث .
التلمذة على الطبيعة:
لعلى حينما أتكلم عن الطبيعة، أذكر قول المزمور:
"السموات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه".
نعم إن الطبيعة تتحدث. ولذلك يتابع المرتل تأملاته فى هذا المزمور قائلاً: "يوم إلى يوم يذيع كلاماً. وليل إلى ليل يبدى علماً..." (مز2، 1: 19).
يمكن للإنسان إذن أن يستمع إلى أحاديث الطبيعة، إلى حديث السماء وحديث الفلك. فما هى الدروس التى نتعلمها حينما نتتلمذ على الطبيعة؟ أذكر من بينها:
1 - تعطينا الطبيعة درساً فى النظام والدقة:
وفى مقدمة ذلك النظام العجيب الدقيق الذى يربط بين الشمس والقمر والكواكب والنجوم. كيف تدور الأرض حول محورها دورة منتظمة كل 24ساعة ينتج عنها الليل والنهار، وأيضاً تدور دورة أخرى حول الشمس كل عام تنتج عنها الفصول الأربعة. وكل ذلك بنظام لم يختل مطلقاً خلال آلاف السنين، بحيث يستطيع أى إنسان أن يتوقع ماذا سوف يحدث بعد ساعات أو أيام أو شهور، من حيث ضغط الهواء والرياح والأمطار والبرد والبحر، وترتيب الأزمنة والأوقات حسب نظام الطبيعة الدقيق... إنه درس لنا.
ومن أمثلة النظام والدقة أجهزة الجسد البشرى.
ونقصد هذه الأجهزة كما خلقها الله، وليس كما يفسدها الإنسان بإهماله. أو بتعرضه للمرض والوبأ والحوادث... إنها أجهزة دقيقة جداً، ومنظمة جداً سواء فى ذلك عمل القلب ودورة الدم فى جسم الإنسان، أو عمل المخ بكل مراكزه، أو الجهاز الهضمى، أو الجهاز العصبى، أو غيرها... تأمل العين كجهاز دقيق، والأذن كجهاز للسمع، واللسان كجهاز للذوق وللكلام ولمساعدة الجهاز الهضمى. عجب فى عجب، لدرجة أن علم الطب كانوا يدرسونه فى كليات اللاهوت، لأنه يعطى فكرة عن قدرة الله فى الخلق.
2 - نأخذ من الطبيعة درساً آخر، فى أنها تعمل بلا كلل ولا ملل، ولا تطلب راحة لنفسها..
تصوروا لو أن الأرض إتكأت على محورها، وطلبت أن تستريح ولو قليلاً من تعب هذا الدوران الذى لا ينتهى..! ماذا كان سيحدث حينئذ فى إضطراب النور والظلمة؟! ولكن الأرض لا تتوقف مطلقاً عن عملها، وكذلك القمر، وباقى أعضاء أسرة الفلك، من شمس وكواكب ونجوم. إنه عمل دائب، ونشاط عجيب، فى سبيل تأدية الرسالة بكل أمانة. وكل هذه دروس لنا.
3 - والطبيعة تعطينا درساً ثالثاً فى أنها تعمل لأجل غيرها، وأنها تنفذ مشيئة غيرها، بكل طاعة وبكل إخلاص.
حقاً ماذا تستفيده الطبيعة لذاتها من كل ما تعمل؟ ماذا يستفيده الماء حينما يتبخر بالحرارة ويصعد إلى فوق، ثم يتكثف كمطر وينزل إلى تحت. ويداوم الصعود والهبوط فى كل موسم كل عام، من أجل غيره..؟
الطبيعة كلها تعمل فى خدمة غيرها. أما ذاتها فلا وجود لها فى عملها. إنها تبذل وكفى. وهى تطيع القانون الذى وضعه لها الله، ولا تحيد عنه، ولا تناقشه...
حقاً، ماذا كان سيحدث، لو أن الأفلاك عقدت إجتماعاً، لتناقش فيه خطة عمل لها فى السنة المقبلة؟! أو لو طلبت أن تدبر أمورها، أو لو احتجت على العمل المستمر بدون توقف وبدون عطلة!!
الذى يفعل هذا هو الإنسان (العاقل) الذى يتعبه عقله، والذى لا يأخذ درساً من الطبيعة، ولا ينفذ قوله لله: "لتكن مشيئتك، كما فى السماء كذلك على الأرض" (مت10: 6).
4 - والطبيعة تعطينا درساً آخر، درساً رابعاً فى التعاون والعمل الجماعى Team Work.
كلها تعمل معاً، لأداء واجب واحد. يكفى أن يأكل الإنسان وجبة من الطعام، لتجد اليد تعمل فى تقديم الطعام، الأسنان تطحنه واللسان يلوكه، ويقذفه إلى البلعوم والمرئ والمعدة، وإفرازات من هنا وهناك، حتى يؤخذ النافع منه، ويتحول إلى دم وإلى أنسجة وإلى طاقة، والزائد تخرجه الأمعاء إلى خارج. وكل عضو وكل جهاز فى الجسم، يعمل مع باقى الأعضاء من أجل خير الجسد كله، فى تعاون عجيب، يستلم من عضو، ليسلّم لآخر، مشتركاً مع غيره. بحيث لا نستطيع أخيراً أن نقول: [مَنْ الذى عمل؟] إنه الجهاز الهضمى كله. بل باقى الأجهزة كانت تعمل معه، كالقلب والمخ... حتى نُسب العمل إلى جهاز الهضم وحده...
نفس التعاون نجده أيضاً بين الحرارة والرياح والأمطار والنبات. الكل يعمل معاً، من أجل أداء سليم لنفع المجموع. ولا يمكن أن ينفرج جز من الطبيعة بعمل وحده.
ونفس التعاون نجده فى دولة النمل، وفى دولة النحل، بمشاركة عجيبة يعوزنى الوقت للتحدث عنها.
ألا نستطيع أن نتعلم من الطبيعة هذا الدرس؟
5 - مع درس آخر قال عنه الكتاب: "إن كان عضو واحد يتألم، فجميع الأعضاء تتألم معه" (1كو26: 12).
يكفى أن عضواً واحداً يتألم، فتجد الجهاز العصبى يتدخل، وتجد الإحساس بالألم يظهر، وربما تجد أجراس الخطر تدق لتدفع إلى علاجه: جرس من درجة الحرارة، أوجرس من نبضات القلب، أو من ضغط الدم، أو من صداع أو غيره. كلها تنادى قائلة: [هنا مرض. عالجوه]. وإن دخل ميكروب فى الجسم، تجد حركة دائبة من كرات الدم البيضاء، وتجد كل أجهزة المقاومة تستعد لمقاتلته... إلى جوار معونات من الأطراف ومن المخ...
ويكمل الرسول كلامه ويقول: "وإن كان عضو واحد يكرم، فجميع الأعضاء تفرح معه" (1كو26: 12). الوجه يبتسم، والقلب يطمئن، والأعصاب تهدأ، واليدان والقدمان كلها تقوم للخدمة وللتعبير عن فرحها. إنه درس تقدمه الطبيعة فى مشاعر الأسرة الواحدة.
6 - درساً سادساً تقدمه لنا الطبيعة، وهو أنها تعمل دون أن تتأثر برأى الناس فيها...
المطر ينزل فى موعده ويؤدى واجبه، لا يتأثر بشكر الزارع إذ روى زرعه، ولا بتذمر إنسان إبتل به، أو كوخ سقط من شدته، أو ملابس إبتلت... إن المطر لا يبحث عن المجد الباطل، لذلك لا يتأثر بمديح أو مذمة. يكفيه أنه يؤدى واجبه بأمانة.
كذلك الشمس والحرارة، والبرودة أيضاً، والرياح. تؤدى واجبها، ولا يهمها فى ذلك مديح مَنْ يرضى، أو إحتجاج مَنْ يتضايق. إنما أدا الواجب هو كل ما يشغلها.
7 - الدرس السابع الذى نأخذه من الطبيعة هو الحكمة.
انظر مثلاً إلى الكرمة: إنها تنفض أوراقها فى الشتاء، حتى تعطيك فرصة أن تتمتع بأشعة الشمس تحت التكعبية. ثم تعود فتكتسى بالأوراق فى الصيف، لأنك تحتاج وقتذا إلى الظل وليس إلى الدفء.
وبالمثل يمكننا أن نتحدث عن أشجار البنسيانا (من أشجار الظلال) وكثير من الأشجار التى تنفض أوراقها.
ومن الحكمة أيضاً أن كثيراً من النباتات والثمار تظهر فى الوقت الحسن، المناسب للإنسان:
البطيخ مثلاً يظهر فى الصيف، لأنه محتاج أن ترتوى بمائه، بسبب حرارة الجو. والبرتقال يظهر فى الشتاء، لأنك محتاج إلى ما فيه من فيتامين (ج)، لتتقى نزلات البرد. وبنفس الوضع يمكن أخذ كثيراً من الثمار موضعاً للتأمل فى حكمة مواعيد ظهورها...
8 - الدرس الثامن الذى نأخذه من الطبيعة هو نكران الذات:
نأخذ هذا الدرس من الجذور مثلاً. فهى قابعة فى الأرض لا تظهر، بينما هى تحمل الشجرة كلها، وكلما تزداد الشجرة إرتفاعاً، تزداد الجذور تشعباُ وإختفاء فى الأرض، لكى تتمكن من نزولها إلى أسفل، أن تعطى فرصة ترتفع بها الشجرة إلى فوق. هل تسمى هذا بذلاً أم محبة، أم إتضاعاً أم إنكاراً للذات، أم خدمة للآخرين، أم كل هذا معاً؟ وإنه لكذلك...
تُرى لو أصابت الجذور مشاعر من الغيرة، فحسدت الجذع والساق والأغصان والأوراق على ظهورها ومديح الناس لها، واشتهت أن تكون مثلها..! فترك الجذر أرضه واختفاءه وصعد إلى فوق مثل الأغصان الراقصة فى الهواء؟! أما كانت تنهار الشجرة كلها. ولكننا نشكر الله، لأن الجذور لا تتصرف هكذا، فهى متواضعة، وثابتة فى تواضعها، ولا تغار...
نفس الدرس نأخذه من أساسات الأبنية:
الناس يمتدحون العمارة الشاهقة فى مبناها، وإتساعها، وعلوها، وديكوراتها، وأنوارها، وأثاثاتها... إلخ. أما الأساس المختفى تحت الأرض، فلا أحد يتحدث عنه، بينما هو يحمل البناء كله. ولكنه منكر لذاته. وكلما يرتفع البناء، كلما يهبط هو إلى أسفل. إنه لا يبحث عن المديح، وإنما عن سلامة المبنى الظاهر. أما هو فيكفيه أنه فى العمق...
9 - والطبيعة تقدم لنا درساً تاسعاً: فى تنوع الفضائل.
فكما رأينا لا يقتصر الأمر على فضيلة واحدة، وإنما هى باقة متنوعة الألوان. فبينما تعطيك الزهرة فكرة عن الجمال والعطاء، تعطيك ثمرة فكرة عن أنها تعيش لتبذل ذاتها لحياة غيرها، وثمرة أخرى لعلاجه. وثمرة تقبل أن تكون مرة المذاق، لأنها هكذا تكون مفيدة للصحة...
10 - وبعض أجزاء الطبيعة تعطينا الدرس العاشر فى القوة والصمود.
مثل ذلك الجيل أو التل، الذى مهما هبت عليه الرياح والأمطار، هو ثابت لا يتزعزع. ومهما حفر فيه الإنسان مغارات أو طرقاً، أو بنى عليه أبنية، هو هو قائم لا يهتز. ومثال ذلك أيضاً الجنادل فى مجرى النهر، تصدمها المياه والأمواج، وهى ثابتة لا تعبأ بالصدمات ولا تتأثر بها...
11 - وأحياناً نأخذ من الطبيعة درساً فى التأقلم مع البيئة.
كنباتات الصحراء التى لا تجد لنفسها ماء، فلا تعرض أوراقها للبخر والنتح، وإنما تنطوى بطريقة أبرية، فلا تفقد بذلك ماء. ومثال آخر فى الدب القطبى والثعلب القطبى الذى يتكون له فرو ليتقى البرد، بينما الجواد والفرس يكون جلده عكس ذلك لأنه لا يعيش فى جو بارد. أنأخذ من هذا درساً آخر فى عناية الله بمخلوقاته؟ لا شك نأخذ...
12 - يذكرنا الشوك فى البند السابق بأن كل الأشياء تعمل معاً للخير، وهذا درس إيمانى...
قال أحد الأدباء كلمة حكيمة وهى: [حتى الأشواك يمكن أن تصلح سماداً للحقل]!! وليس هناك غرابة فى ذلك، لأن الشوك إذا حرقته، يتحول إلى رماد، والرماد يصلح أن يكون سماداً وينفع الإنسان، إلى جوار منفعة أخرى من حرقه وهى الدفء، أو إستخدام الحرارة فى منافع أخرى. وهذا يعطينا درساً آخر فى أن ننتفع من كل شئ، حتى من الأشواك التى تبدو لأول وهلة أنها ضارة.
13 - هناك درس فى التواضع نأخذه من السحاب والماء.
يتبخر الماء فيخف ويرتفع إلى فوق ويصير سحاباً. ولكنه فى ذلك لا ينسى أصله أنه كان تحت فى مستوى أقل من سطح الأرض. وهكذا يتضع، لأنه يعرف أن هذا الارتفاع سوف لا يدوم. وسيأتى وقت يبرد فيه ويتكثف، وتهب ريح فتسقطه إلى الأرض، وقد تمتصه جذور شجرة فيهبط إلى تحت الأرض...
أترى يستطيع السحاب أن يفتخر على الماء، وهو يعرف أصله ومصيره؟ 1.
أم هل يمكن أن يصاب الماء بصغر نفس إن تذكر زملاءه من القطرات التى تبخرت وارتفعت إلى فوق؟!
كلا، فكل من الاثنين راض بحالته، سواء أصعده الله إلى السماء، أو أهبطه إلى الأرض، أو إمتصته جذور شجرة، أو دخل فى شرايين الأوراق أو الأغصان...
إنه درس آخر فى حياة التسليم.
14 - درس آخر نأخذه من السباخ الذى تسمد به الأرض.
قد يراه إنسان فيحتقره، لنتانة رائحته وسوء منظره، بينما يرضى السباخ بحاله، والله الذى خلقه قادر أن يغيره. فقد يدخل فى طعام شجرة تمتصه، وتنقله غذاء لبراعمها، فيتحول إلى ثمرة، يأكلها الإنسان وتدخل فى تركيب جسمه، وقد تتحول إى نسيج فيه.
أترى يتضع الإنسان حينما يدرك أن بعض أنسجته كانت سباخاً فى الأرض فى يوم ما؟!
إنها دروس روحية لكل من يحب أن يتعلمن وأن يتأمل. يذكرنا بقول الرب: "انظروا، لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار" (مت10: 18).
15 - درس آخر نأخذه فى عناية الله واهتمامه:
يتضح من قول الرب: "تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل. ولكن أقول لكم إنه ولا سليمان فى كل مجده كان يلبس كواحدة منها. فإن كان عشب الحقل الذى يوجد اليوم ويُطرح غداً فى التنور، يُلبسه الله هكذا، أفليس بالحرى أن يلبسكم أنتم يا قليلى الإيمان؟!" (مت28: 6 - 30).
إنه درس فى أننا لا نحمل هماً بسب إحتياجنا. فالله هو المهتم بنا، دون ان نطلب.
حقاً إن الله حينما وضع آدم فى الجنة، وضعه فى مكان كله فوائد روحية، لمن يتأمل. لقد أعطى له الله الحق أن يتسلط على الأرض ويخضعها (تك26، 28: 1). ولكن...
كان الأفيد له أن يتأمل ويتعلم، لا أن يتسلط!
ننتقل إلى نقطة أخرى فى مصادر التلمذة وهى:
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.