الشرق بعد مجمع خلقيدونية وحتى الفتح العربى “451 – 641م”

الشرق بعد مجمع خلقيدونية وحتى الفتح العربى "451 – 641م"

كانت النتيجة المباشرة لقرارات مجمع خلقيدونية سنة 451م، هى الإنقسام الأول لكنيسة المسيح.

فقد وصفت الكنائس الغربية الكنائس الشرقية على أنها موفوفيزية Monophysite "تؤمن بطبيعة واحدة فى المسيح". بينما وصفت الكنائس الشرقية الكنائس الغربية بأنها Diophysite "أى تؤمن بطبيعتين فى المسيح".

وقد قاد أقباط مصر حركة المونوفيزية "الأرثوذكسية" فى كل الشرق.. على أنه يجب أن ننظر إلى هذا الأمر – بالإضافة إلى كونه موضوعاً إيمانياً – على أنه تعبيرخارجى لنمو الإتجاهات القومية فى مصر ضد الإمبريالية البينزنطية المتزايدة، التى بلغت أقصى مدى فى حكم جستنيان "527 – 565م".

وقد بلغ الجدل اللاهوتى بين الأرثوذكسيين "المونوفيزيين" فى كنيسة الأسكندرية وبين أصحاب مذهب الطبيعتين فى روما والقسطنطينية مبلغاً تجاوز حد اللياقة. وكان هو أساس الصدع الذى حدث بين الكنائس الشرقية والغربية.. ولكننا لا نبحث هذا الأمر بالتفصيل على المستوى اللاهوتى، فإن هذا لا يدخل فى دراستنا فى مادة التاريخ الكنسى. لقد تأثرت العوامل التاريخية الخاصة بهذا الصراع من جراء كثرة التعقيد والتشابك، ولذا فتعتبر دراسة تلك الفترة من أكثر المواضيع تعقيداً وصعوبة.. لقد إتهم الغربيون كنيسة الأسكندرية بالأوطاخية، كنتيجة للتآمر الذى حدث فى خلقيدونية ضدها. فى الوقت الذى اعتبرت كنيسة الأسكندرية الأوطاخية بدعة حرمتها مراراً وتكراراً، لأنها علّمت بأن طبيعة المسيح الناسوتية تلاشت فى طبيعته الإلهية. هذا بينما يؤمن الأقباط "كنيسة الأسكندرية" بأن المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين أو أن طبيعى المسيح اللاهوتية والناسوتية صارا طبيعة واحدة من طبيعتين – باتحادهما الفائق السرى – بغير إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير.. وقد أثبتت آباء كنيسة الأسكندرية ومعلموها هذا المعتقد السليم، مستندين إلى نصوص الكتاب المقدس، وما قرره مجمع نيقية المسكونى الأول سنة 325، وتعاليم القديس كيرلس الكبير فى مجمع أفسس الأول سنة 431.

والدوافع التى دفعت كنيسة روما والقسطنطينية على وجه الخصوص، إلى إتخاذ هذا الموقف المشين من كنيسة الأسكندرية والكنائس الشرقية، أمر لا يحتاج إلى كثير عناء لإظهاره.. فقد كان لآباء الكنائس الشرقية، وبالأخص آباء كنيسة الأسكندرية الدور القيادى فى المجامع المسكونية الثلاثة الأولى.. يكفى أن نقرأ للمؤرخ ستانلى فى كتابه "محاضرات عن الكنائس الشرقية" المطبوع فى إكسفورد سنة 1864 قوله.

"وأصبح بطريرك الأسكندرية بعد مجمع نيقية قاضى المسيحية فى المسكونة كلها"

ويكفى ان نقرأ فى تاريخ المجمع المسكونى الأول بنيقية عن الملك قسطنطين الكبير أنه وقف وسط المجمع الكبير الذى ضم 318 أسقفاً من أنحاء العالم المسيحى، ليصافح الشماس أثناسيوس "البابا أثناسيوس فيما بعد"، ويقول له.

"أنت بطل كنيسة الله"..

ثم يأتى المجمع الرابع الذى أنعقد فى أفسس سنة 449م برئاسة البابا ديسقوروس وتسيطر عليه كنيسة الأسكندرية.. كل هذا، كان له أثر عميق فى المدينتين الإمبراطوريتين روما والقسطنطينية.. إن وصف الغرب لمجمع أفسس الثانى بانه "مجمع اللصوص" ليظهر مدى الغيظ الذى أعمل فى نفوس هؤلاء الغربيين ضد كنيسة الأسكندرية وآبائها. وكدليل على مدى هذا الغيظ، فقد وحد مركيان وكنائس الغرب جهودهم فى حشد أكبر عدد من الأساقفة الغربيين فى مجمع خلقيدونية بلغوا نحو ستمائة أسقف، إجتمعوا لينقضوا قرارات مجمع أفسس الثانى، وليؤكدوا بصورة علنية تقدم كرسى الإمبراطورية فى روما على سائر كراسى العالم المسيحى.

لقد حاولت السلطة الحاكمة فى القسطنطينية فرض تعليم مجمع خلقيدوية بالقوة على الكنائس الشقية. لكن هذه الكنائس – وفى مقدمتها وعلى رأسها كنيسة الأسكندرية لم تلن لها قناة، وتصدت لهؤلاء الهراطقة مهما بلغت مناصبهم، وفضلت أن يتجدد عصر الاستشهاد على أن يفرطوا فى الأمانة أو يعوجوها.. وهكذا قامت الفتن، وأختل الأمن فى بلاد كثيرة، لا سيما فى مصر وفلسطين وسوريا وبلاد ما بين النهرين "العراق الحالية"، وأرمينيا وفارس "إيران الحالية"...

وفى 7 فبراير سنة 452م أصدر مركيان مرسوماً يقضى بعزل الإكليروس وأصحاب المناصب فى الدول إن هم ناقشوا موضوع الإيمان بصورة عامة وعلنية. أما بالنسبة لغير الموظفين فى الدول ممن يقيمون فى القسطنطينية فكان جزاءهم النفى خارجها وتقديمهم للمحاكمة.. توفيت بوليكاريا (بلشاريا Pulcheria) سنة 453 غير مأسوف عليها. وأثار مركيان أضطهاداً عنيفاً ضد الأرثوذكسيين واستشهد فى هذا الإضطهاد عديد من الأساقفة والكهنة والرهبان والمؤمنين فى الشرق، ممن رفضوا الخضوع لقرارات وتعليم خلقيدونية.. أما الأساقفة الذين زاغوا عن الحق إرضاء للملك الهرطوقى وطمعاً فى مآرب خاصة، فقد كانوا سبباً فى إهدار دماء زكية لا سيما فى فلسطين ومصر.

إن ما حدث فى مجمع خلقيدونية من هزيمة لكنيسة الأسكندرية على المستوى المسكونى، ومحاولة إذلالها بحرم ونفى بطريركها البابا ديسقوروس، لم يكن هو خاتمة المطاف فى الصراع، بل كان هو البداية.. وصل رسول إمبراطورى إلى الأسكندرية يحمل قراراً بعزل البابا ديسقوروس وتعيين القس الأسكندرى بروتيريوس Proterius "452 – 457". وقد تم ذلك بالقوة المسلحة، وإلى جانب هذا القرار كان رسول الملك مركيان يحمل معه رسالة إمبراطورية بمعاقبة كل من يجرؤ على العصيان. على أن الأقباط لم يقبلوا هذا الوضع وأضرموا نار ثورة فى الأسكندرية وتجدد عصر الإستشهاد ثانية. ولكن على يد مسيحيين.. قيل إن عدد من سقطوا قتلى فى هذا الإستشهاد يعدون بالآلاف "ذكر البعض أن عددهم بلغ أربعة وعشرين ألفاً" معظمهم من الأساقفة والكهنة والرهبان.. ومن بين من استشهدوا القديس مقاريوس أسقف أدكو بالصعيد. كان بالأسكندرية وحاول والى الأسكندرية أن يرغمه على أن يوقع قرارات مجمع خلقيدونية، لكنه رفض. فما كان من أحد الجنود إلا أن ركله فى بطنه بقوة فسقط على الأرض ميتاً نظراً لشيخوخته... أما بقية الأساقفة الذين رفضوا التوقيع فقد نالهم النفى والتشريد.

توفى مركيان فى فبراير سنة 457، وخلفه لاون الأول "457 – 474"، فاتخذه السكندريون فرصة لرسامة بطريركاً خلفاً للبابا ديسقوروس المعترف الذى تنيح فى منفاه فى 4 سبتمبر 454م. وهكذا رسم البابا تيموثاوس الثانى البطريرك 26 فى 16 مارس سنة 457، ويعرف فى المراجع باسم تيموثاوس إيلوروس Aelurus. وتبع ذلك أن انشقت أسقفية الأسكندرية بين سلسلتين من البطاركة: الملكانيين Melkites وكانوا من الروم "الأغريق"، وتتم رسامتهم فى القسطنطينية غالباً، ويخضعون لمجمع خلقيدونية. والسلسلة الأخرى الأرثوذكسيين "مونوفيزيين" وكانوا وطنيين أقباط تمسكوا بقوميتهم ورفضوا زعامة وسيطرة الروم والخلقدونيين.. لكن رسامة البابا تيموثاوس الثانى، وما تبعها من عقده مجمعاً بالأسكندرية حرم مجمع خلقيدونية وبروتيريوس الدخيل، جعلت والى الأسكندرية يلقى القبض على البطريرك تيموثاوس ويبعده إلى ابو صير Taposiris أما النتيجة فكانت مزيد من القتلى.

فى بداية الأمر لم تنظر السلطة المدنية بعين الإكتراث إلى هذا الصدع الجديد الذى حدث فى كنيسة الأسكندرية نتيجة إقامة بطريرك دخيل يفرض عليهم من الخلقيدونيين. لكن خطورة الموقف بدت واضحة حينما استغل شعب الأسكندرية فرصة إنشغال حاكمها بمحاربة الوندال بشمالى افريقيا وقبائل البلميس Blemyes فى صعيد مصر، فانقضوا على بروتيريوس الأمر الذى إنتهى إلى قتله وسحله فى شوارع الأسكندرية، وأحرقوا جثته وذروا رمادها فى الهواء إمعاناً فى التشفى والإنتقام. وكان ذلك فى 28 مارس سنة 457... وانتهى الأمر بصدور قرار الملك لاون بنفى البابا تيموثاوس الثانى إلى جزيرة غنغرة فى بفلاجونيا Gangra in Paphlagonia حيث نفى البابا ديسقوروس. وإن كانوا قد نقلوه إلى منفى آخر.. أما البابا تيموثاوس الثانى فقد كرس جهوده فى المنفى للكتابة ضد النساطرة والخلقيدونيين والأوطاخيين.

بعد نفى البابا تيموثاوس أقام الخلقيدونيين بالأسكندرية بطريركاً دخيلاً خلفاً لبروتيروس دعوه تيموثاوس أيضاً وهو المعروف باسم تيموثاوس سالوفاكيولس Salophaciolus وكان تعيينه بقرار من الإمبراطور زينون Zeno. لكن الشعب قاطعه، وكانوا يقصدون الأديرة للصلاة. لكنهم كانوا لا يفتأون عن رفع الإحتجاجات إلى الامبراطور طالبين إعادة البابا تيموثاوس ثانية من المنفى... وما أن تولى زينون حتى لجأ إليه أقباط الأسكندرية الأرثوذكسيين يلتمسون عودة بطريركهم تيموثاوس الثانى من المنفى. لكن القائد باسيليسكوس Basiliscus تمكن من عزل زينون وملك مكانه. ويبدو أن باسيليسكوس أراد أن يستعين بقوة الأرثوذكسيين فأصدر أمر سنة 476 بإعادة البابا تيموثاوس من المنفى. وفعلاً ترك منفاه ووصل إلى القسطنطينية حيث استقبل إستقبالاً حاراً بواسطة المؤمنين وحل ضيفاً على البلاط الملكى. وهناك زاره كثيرون للإستشفاء والتبرك... ترك القسطنطينية إلى الأسكندرية ومر على أفسس. وفى الأسكندرية أستقبل استقبالاً حافلاً من كل الشعب والإكليروس والرهبان والراهبات، وهم يهتفون "مبارك الآتى باسم الرب.." ودخل الكنيسة الكبرى بعد أن غادرها البطريرك الدخيل.. ومما هو جدير بالذكر أن البابا تيموثاوس – بموافقة الإمبراطور – نقل جسد البابا ديسقوروس فى صندوق فضى إلى الأسكندرية حيث جنّز فى إحتفال مهيب كمعترف، ووضع جسده فى مدفن الآباء البطاركة.

ومما يذكر أنه فى سنة 476 حين تقابل البابا تيموثاوس الثانى مع الملك باسيليسكوس، طلب إلى الملك أن يصدر مرسوماً بحرم طومس لاون والزيادة التى أضافها مجمع خلقيدونية على الإيمان النيقاوى.. استجاب باسيليسكوس لهذا المطلب وعقد مجمع فى القسطنطينية حضره خمسمائة أسقف يتقدمهم البابا الأسكندرى تيموثاوس، ومار بطرس الثانى الأنطاكى فحرموا المجمع الخلقيدونى ولاون الرومانى وطومسه.. وضع صيغة قرار المجمع الراهب بولس أحد الرهبان الوافدين من الأسكندرية وأصدر به منشوراً عاماً وفيه أعلن وجوب التمسك بالإيمان النيقاوى الذى ثبتته ثلاثة مجامع مسكونية فى القسطنطينية سنة 381م وأفسس الأول سنة 431، وأفسس الثانى سنة 449. كما أمر بإحراق طومس لاون وتعليم مجمع خلقيدونية حيثما وجد.. وقد وقع هذا القرار تيموثاوس الأسكندرى وبطرس الأنطاكى وبولس الأفسسى ومعه أساقفة آسيا الصغرى والشرق، وأنستاسيوس الأورشليمى وأساقفة ولايته وغيرهم نحو سبعمائة أسقف. أما أكاكيوس Acacius بطريرك القسطنطينية فقد تردد فى التوقيع.

الملك زينون والأرثوذكسيين:

لم يسترح أكاكيوس بطريرك القسطنطينية للنصر الذى أحرزه الأرثوذكسيين بقيادة البابا تيموثاوس. حرض الإكليروس والرهبان فى القسطنطينية، وأغلق الكنائس، مظاهرة صاخبة ضد باسيليسكوس مدعياً أنه هرطوقى. فاضطر باسيليسكوس إلى إلغاء مرسومه السابق لاسيما وأن الظروف السياسية كانت فى غير صالحة، إذ أن زينون كان قد أعد جيشاً كبيراً لمقاتلته وأسترداد عرشه... وفعلاً أنتهى الأمر بعودة زينون وطرد باسيليسكوس فى سبتمبر 476. وبعودته أصدر مرسوماً بإلغاء منشور باسيليسكوس الدينى، ونفى بولس الأفسسى وبطرس الأنطاكى، وأرسل يتهدد البابا تيموثاوس الأسكندرى، لكن هذا الأخير تنيح سنة 477.. وأقام الأرثوذكسيين بطريركاً خلفاً لتيموثاوس هو بطرس الثالث المعروف باسم بطرس منغوس Mongus (477 – 490) البطريرك 27، وكان هو أحد تلاميذ البابا ديسقوروس ورئيس شمامسة كنيسة الأسكندرية... عقد مجمعاً فور تنصيبه وقرر حرم مجمع خلقيدونية ولاون وطومسه.. فأرسل إليه الملك زينون يتوعده، فأخذ يتخفى فى بيوت المؤمنين بالأسكندرية.. وفى نفس الوقت أعاد الملك البطريرك الخلقيدونى تيموثاوس سالوفكيولوس Salophaciolus لكنه توفى سنة 482.. توسل الأقباط لدى الإمبراطور زينون أن يجعل بطريركهم بطرس منغوس هو البطريرك الوحيد، لكن الإمبراطور رفض طلبهم، وأقيم بطريركاً خلقيدونياً هو يوحنا طلايا Talaia كان يحوز على مساندة روما، لكنه لم يكن على علاقة ود مع دوائر القصر والكنيسة بالقسطنطينية. وانتهى أمر هذا الدخيل بالهرب إلى روما.. وفى هذاالوقت بدأ التقارب بين أكاكيوس بطريرك القسطنطينية (471 – 489) وبطرس الثالث "منغوس" البطريرك السكندريى، فى الوقت الذى أخذ زينون يفقد الأمل فى كسب الأرثوذكسيين (المونوفيزيين) فى الأسكندرية عن طريق العنف، وبات واضحاً أنه لابد من التفكير فى إيجاد حل لإعادة السلام للكنيسة الذى يؤثر بدوره على سلام الإمبراطورية ووحدتها.

الهنوتيكون Henoticon:

كانت الفكرة الجديدة لحل المشكلة الدينية هو ما عرف باسم الهنوتيكون أى وسيلة الإتحاد أو عمل الإتحاد أو كتب الإتحاد أو مرسوم الإتحاد. كانت الميول الأولى لكل من الإمبراطور زينون والبطريرك القسطنطينى أكاكيوس خلقيدونية. لكن ثورة باسيليسكوس – وإن كانت وقتية – لكنها أثبتت لكليهما بدون شك مدى قوة الأرثوذكسيين "أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة" وأهمية مسالمتهم. لذا كان من الضرورى أن توضع صيغة إيمان يقبلونها بدلاً من صيغة الإيمان الخلقيدونى.. والحقيقة أن واضه الهنوتيكون كان هو أكاكيوس. كان يهدفان إلى العودة بالكنيسة إلى المفهوم اللاهوتى السابق لخليقدونية أى قبل الإنقسام.. وفى سنة 482 تمكن من إقناع الإمبراطور زينون – دون كبير عناء – بالموافقة على المحاولة الجديدة. لقد اعترف الهنوتيكون بقرارات المجامع المسكونية الثلاثة الأولى، وحرم كل من نسطور وأوطاخى وأتباعهما. ولم يتعرض للنقطة الحساسة وسبب الإنقسام وهى الخاصة بطبيعة المسيح. وحرم كل من يؤمن بإيمان آخر..

كان المرسوم فى صورة رسالة موجهة من الإمبراطور زينون إلى "الأساقفة والإكليروس والرهبان والمؤمنين فى الأسكندرية ومصر وليبيا والخمس مدن الغربية".

أما خلاصة الهنوتيكون فكانت كالآتى:

"بما أن الإيمان الذى لا عيب فيه وحده ينجينا وأمور الجيل، لذلك قدم إلينا محبو الله رؤساء الأديرة والرهبان عرائض ملتمسين فيه ابدموع أن يتم أتحاد الكنائس المقدسة فتنضم إلى بعضها البعض. تلك الأعضاء التى فرقها عدو الخير منذ زمن، حتى مات بعض المؤمنين بدون إقتبال سر العماد، وآخرون بدون تناول القربان المقدس. فضلاً عن سقوط ربوات من القتلى، الذين بدمائهم الغزيرة تخضبت الأرض والهواء. ولذلك فقد قررنا نحن والكنائس الأرثوذكسية فى كل مكان، ورؤساء الكهنة الذين يدبرونها، ألا نعرف إيماناً آخر سوى الذى وضعه الآباء القديسون الذين إجتمعوا فى أفسس وحرموا نسطور ومن نسجوا على منواله. فنحرم نحن أيضاً نسطور وأوطاخى اللذين علما خلافاً للإيمان المذكور. ونقبل الفصول الإثنى عشر التى كتبها الطيب الذكر ومحب الله كيرلس الذى كان رئيس أساقفة كنيسة الأسكندرية الجامعة. ونعتقد بأن الوحيد إبن الله والإله يسوع المسيح، الذى نزل وتجسد حقاً من الروح القدس ومن مريم العذراء والدة الإله، والذى هو من طبع الآب بالاهوت ومن طبعنا بالناسوت (1)، وهو واحد لا إثنان (2)، وأن العجائب والآلام التى احتملها بالجسد هى لهذا الوحيد إبن الله الواحد (3). أما الذين يميزون (4)، أو يبلبلون أو يقولون بالخيال، فلا نقبلهم البتة. ذلك أن التجسد الحقيقى المنزه عن الخطيئة الذى من والدة الإله لم يزد على الإبن شيئاً فقد ظل الثالوث وما بعد تجسد الإله الكلمة الواحد من الثالوث أيضاً. إننا نكتب بهذا إليكم لا لنعلن إيماناً جديداً، لكن لنبين أننا نحرم كل من أرتأى أو يرتأى شيئاً آخر سواء كان ذلك فى مجمع خلقيدونية أم فى أى مجمع آخ، ولا سيما نسطور وأوطاخى، والذين ينسجون على منوالهما.

ملاحظة:

نلاحظ أن العبارة الموضوع فوقها (1) هى ضد أوطاخى، والموضوع فوقها (2) هى ضط نسطور، والموضوع فوقها (3) هى ضد طومسن لاون والموضوع فوقها (4) تعنى النساطرة والخلقيدونيين.

وواضح مما تقدم أن الهنوتيكون كان خطوة كبيرة نحو تفكير الأرثوذكسيين القائلين بالطبيعة الواحدة فى المسيح.. كانت النتيجة المباشرة هو التقارب بين كنيستى الأسكندرية والقسطنطينية، على الرغم من أن كنيسة روما لم ترحب بالأمر برمته، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من هذ الإتجاه المضاد.

فى ذلك الوقت سنة 482 توجه بعض علماء الأسكندرية ليشفعوا لدى زينون فى بطريركهم البابا بطرس الثالث "منغوس". وحالما التقوا بالملك بسطوا أمامه ما حل بالمؤمنين والكنائس من شدائد من جراء مجمع خلقيدونية، اقتنع الملك بعودة البطريرك بطرس إلى كرسيه بشرط أن يقبل الهنوتيكون ويوقع عليه، ويدخل فى شركة مع الأساقفة الآخرين الذين يقبلونه.

رد الفعل فى الأسكندرية:

بدراسة الهنوتيكون وجد البابا بطرس أنه لا يضاد الإيمان الأرثوذكسى. فهو يقبل إيمان وقرارات المجامع الثلاثة الأولى المسكونية نيقية والقسطنطينية وأفسس، وحرومات كيرلس الكبير الإنثى عشر، ويشجب نسطور وأوطاخى.. ومن ثم فقد قبله ووقع عليه، ووعد بان يقبل فى شركته الذين يرجعون تائبين ومعترفين بما فى الهنوتيكون... وفى الكنيسة الكبرى بالأسكندرية أخذ يفسر للإكليروس والرهبان والمؤمنين مضمون الهنوتيكون، موضحاً أنه يتضمن الإيمان الصحيح، شارحاً لهم لماذا قبله...

لكن بعض الإكليروس المغالين تحفظوا ضد الهنوتيكون، محتجين بخلوة من حرم صريح للزيادة التى أدخلها المجمع الخلقيدونى على الإيمان. وأخذوا يناهضون البطريرك بطرس لقبوله، وعلى وجه الخصوص كيف يصبح فى شركة مع الخلقيدونيين. وكانت تحدث فتنة كبيرة لولا أنه حرم علناً طومس لاون ومجمع خلقيدونية. وشرح لهم لماذا قبل فى شركته من قبلوا الهنوتيكون الذى نقض كل ما أضيف إلى المجامع الثلاثة الأولى، حتى لو كانوا قبلاً خلقيدونيين.

رد الفعل فى روما:

عقد فيلكس أسقف روما مجمعاً سنة 484م حرم فيه أكاكيوس، على الرغم من القبض على مندوبيه وحبسهم فى القسطنطينية بأمر زينون.. أما رد الفعل فى القسطنطينية فكان حذف إسم أسقف روما من القداسات. لقد حدثت ثغرة بين القسطنطينية وروما عرفت فى الكنيسة الكاثوليكية باسم إنقسام أكاكيوس. وقد دامت هذه الفرقة نحو 35عاماً.

خلفاء زينون:

على الرغم من وفاة أكاكيوس سنة 489 وبطرس منغوس سنة 490 والملك زينون سنة 491، فقد ظل الهنوتيكون مرعياً من الإمبراطور الجديد أنستاسيوس الأول "491 – 518". وكان على أساقفة القسطنطينية أن يوقعوا على الهنوتيكون عند تنصيبهم.. وظل الأمر على هذا النحو حتى توفى أنستاسيوس.. كانت تلك الفترة هى التى برز فيها القديس ساويروس الأنطاكى "512 – 518" المحامى الكبير عن عقيدة الطبيعة الواحدة فى عظاته اللاهوتية الشهيرة.

حدث رد الفعل عندما تبوأ الإمبراطور جوستن الأول "518 – 527" للعرض الإمبراطورى يساعده إبن عمه جستنيان وكانا خلقيدونيين.. عزل ساويروس الأنطاكى، وأنقذ حياته بالهرب إلى مصر. أعيدت الوحدة بين كنيستى القسطنطينية وروما بواسطة هورميداس Hormidas أسقف روما، الذى أرسل مندوبين إلى القصر الإمبراطورى فى القسطنطينية بصيغة أخرى للإيمان، فيها يلعن ويحرم أوطاخى ونسطور وديسقوروس وأكاكيوس، وكل أصحاب عقيدة الطبيعة الواحدة.

تبوأ جستنيان العرش "527 – 565" وأحس كخليفة للقياصرة الرومان، أن عليه واجباً، هو أن يعيد الإمبراطورية الرومانية. وفى نفس الوقت أراد أن يكون لها إيمان واحد وقانون واحد وكنيسة واحدة.. هذه بإختصار كانت سياسة جستنيان.. وهكذا بدأ جستنيان العمل فى القضية الإيمانية اللاهوتية.. صمم على تحقيق الوحدة فى الكنيسة كخطوة أساسية لتحقيق طموحه فى السيطرة على الكنيسة.. كان خلقيدونياً وبدأ يظهر ميولاً نحو الخلقدونيين لكنه تراجع عن الدخول فى نزاع من الأرثوذكسيين أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة.. كانت زوجته الإمبراطورة ثيودورا Theodora أرثوذكسية فى الخفاء، ودافعت عن الأرثوذكسية ومعتنقيها بكل ما أوتيت من قوة، وما أستطاعت إلى ذلك سبيلاً، لكن بحكمة حتى لا تثير ثائرة الإمبراطور. كانت ثيودورا إمرأة متدينة، ذا شخصية قوية، ظهر نفوذها فى تشكيل سياسة الدولة الدينية. وبفضل جهودها سمح جستنيان للأساقفة الأرثوذكسيين المنفيين بالعودة إلى ديارهم وكراسيهم. كما دعا كثيرين من الأرثوذكسيين إلى القسطنطينية إلى مؤتمر دينى للتصالح، وطلب إليهم أن يناقشوا كل الأسئلة التى يكتنفها الشك مع خصومهم.. وهكذا تمكن ساويروس الأنطاكى أن يأتى فى أمان إلى القسطنطينية سنة 533م على رأس مجموعة قوية من مصر لهذا الغرض، ومكث هناك سنة كاملة لكن إجراء أو قراراً حاسماً لم يتخذ، فقد كانت المشكلة بما يكتنفها من تيارات خفية وأهواء شخصية أعقد من أن تحل.

وكخطوة نحو الأرثوذكسيين أصدر جستنيان فى سنة 544 مرسوماً أدان فيه ثلاثة من عمد النسطورية عرفوا باسم الثلاثة فصول Tria Kephalain وهم تيودور من مبسيستيا Theodore of Mopsuestia وثيودوريت من قورش Thedoret of Cyrus وإيبسا من أديسا Ibas of Edessa وقد رحبت كنائس الشرق بإدانتهم، بينما تذبذبت كنائس الغربيين فى قبول هذا المرسوم أو رفضه.. ولم تهدأ المسألة التى أثارها مرسوم جستنيان المعروف باسم الثلاثة فصول إلا بموت جستنيان، وإرتقاء الإمبراطور جوستن الثانى (565 – 578)، الذى أصدر هنوتيكون آخر سنة 571م.

أحوال مصر:

تميزت أحوال مصر السياسية خلالها تلك الفترة بسوء التنظيم. ولعل الخلافات الدينية كانت سبباً جوهرياً ساعد على ذلك.. كان فى مصر الملكانيون تسندهم قوات الدولة. بينما الأرثوذكسيين كان عليهم أن يعتمدوا على قدراتهم فى كل المجالات... كما تميزت تلك الفترة بنمو الإحساح بالقومية المصرية، الأمر الذى كان يقوده ويغذيه الأرثوذكسيين.. كانت هذه هى حالة البلاد بينما كان البرابرة يحومون كالجوارح على حدود مصر.. وإزاء هذه الحالة قسم جستنيان مصر إلى قسمين إداريين:

الأسكندرية والوجه البحرى وجعل له حاكماً، وصعيد مصر وجعل له حاكماً آخر، كانت خطية جستنيان التخفيف عن كاهل الحاكم الواحد لكل البلاد، لكن عملية التقسيم بذرت بذور التنافس وسوء التنظيم بين الحاكمين لأقليم واحد.

كما استحدث جستنيان أمراً خطيراً كان له أسوأ الأثر على نفسية الأقباط ومستقبل مصر السياسى. فحينما نصب أبولينارس Apolinarias لكرسى الأسكندرية سنة 541م قلده بالإضافة إلى وظيفته الدينية سلطات عسكرية لتنفيذ سياسته الدينية. وما لبث أن أعطى هذا البطريرك الملكانى حق جمع ضرائب مباشرة لصيانة الكنائس والرعاية. كانت هذه سابقة خطيرة لمن أتى بعده من الأباطرة.. لقد أعطوا لأنصارهم الوسائل التى يمكنهم بها أن ينكلوا بخصومهم الدينيين ويجددوا الإضطهاد الدينى مرة أخرى وفى صورة أخرى بين المسيحيين والمسيحيين.. كانت بداية المأساة على يد الأسقف الدخيل أبوليناريس الذى حاول كبح جماح العناصر الأرثوذكسية الهائجة.. فكانت النتيجة مذبحة شعبية مروعة...

ومما يذكر بالخير لجستنيان إهتمامه بالقضاء على الوثنية التى كانت ما تزال حية فى أطاف الإمبراطورية. فشجع الإرساليات إلى بلاد النوبة. لكن زوجته تيودورا سارعت وأحبطت خططه بإرسال بعثات أرثوذكسية إلى تلك البلاد مقابل الإرساليات الملكانية.. كما أغلق جستنيان معابد إيزيس الوثنية فى جزيرة فيلة ومعابد آمون فى واحة سيوة، وحل محلها كنائس مسيحية. كما بنى الدير الذى يحمل الآن إسم سانت كاترين فى جبل سيناء، وكان يعرف سابقاً باسم دير الإستحالة "إستحالة الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه".

المونوثيليتية Monotheletism: "القول بمشيئة واحدة فى المسيح":

السنوات المتبقية للحكم البيزنطى فى مصر تؤلف واحدة من أكثر فترات التاريخ المصرى إمتلاء بالأسى.. فمن مشاكل إغتصاب السلطة الإمبراطورية فى القسطنطينية، وما ترتب على ذلك من مطامع فى إدارة إقليم مصر، إلى ما أحدثته المنافسة بين حاكمى شطرى مصر من إضطراب وتشويش فى شئون الحكومة..

وهكذا تعرضت مصر إلى عناصر الشر من الداخل، وأطماع الغزاة من الخارج..

وهكذا ظهرت عصابات منظمة لنهب بعض المدن كما حدث فى بوصير وكانت على مقربة من مركز السلطة فى الأسكندرية، بينما كان أحد الحكام منشغلاً بإنزال آخر والإستيلاء على السلطة فى المدينة العظمى! كان عرش الإمبراطور فوكاس Phocas "602 – 610" يترنح فى ذلك الوقت، ووقع فى قبضة مغتصب آخر للعرش الإمبراطورى هو هرقل Heracluis، وكان قائداً بيزنطياً لجيوش الدول فى أفريقيا. عبر البحر الأبيض المتوسط وتمكن من إسقاط خصمه، واستولى على العرش 610م.

وبينما كان ذلك يحدث، إذا بالجيس الفارسى بقيادة خسروية Chasroes Parirz يجتاح أقاليم الدولة الأسيوية فى سوريا وفلسطين. وفى لحظة تبوأ هرقل للعرش "610 – 641"، كان الجيش الفارسى على مقربة من مدينة أنطاكية. فى سنة 613 دخل دمشق، وفى سنة 614 سقطت أورشليم فى يده، وحمل الصليب المقدس وآلات تعذيب المسيح. وفى سنة 619 بينما كانت إحدى فرق الجيش تتجه إلى البسفور كانت فرقة أخى تغزو مصر التى ظلت فى قبضة الفرس قرابة عشر سنوات.

كانت الحالة الإمبراطورية الرومانية تدعو للرثاء، وبدأ كل شئ وكأنه قد ضاع. وبينما كان هرقل يفكر فى الهرب إلى قرطاجنة بشمالى أفريقيا، وضع البطريرك البيزنطى سرجيوس أموال الكنيسة وكنوزها تحت تصرف الإمبراطور للقيام بأول حملة لإسترجاع الصليب المقدس. كانت الخطة التى وضعها هرقل أن يضغط على الفرس فى أماكن قريبة نسبياً من القسطنطينية حتى يضطر هم للإنسحاب من مصر. وبالفعل تم ذلك سنة 627، وتمكن هرقل من إستعادة الصليب المقدس ووضعه فى القبر المقدس بأورشليم.

عادت مصر ثانية إلى الحكم البيزنطى، لكن هرقل لم يستفد شيئاً من الدرس القاسى ولم يكتف بأنه أحيا سياسة جستنيان فى مصر، بل بالغ فيها بزيادة. فقد عين بطريركاً ملكانياً، صار هو حاكم مصر كلها فى نفس الوقت، مع منحه سلطان دينية وحربية ومالية وتنظيمية وقضائية واسعة.. وفى محاولة جديدة لكسب فريق الأرثوذكسيين من أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة، دون أن يخسر الخلقيدونيين الغربيين، لجأ إلى صياغة إيمانية جديدة تحل محل الهنوتيكون الذى لم يحقق النجاح الكامل.. أتحد هرقل مع سرجيوس بطريرك القسطنطينية "610 – 638" وأعلن فى سنة 622 العقيدة الجديدة التى عرفت باسم "المونوثيلتية" Monotheletism وهى القول بمشيئة واحدة فى المسيح، على أمل أن تحل محل الإعتقاد بطبيعة واحدة فى المسيح فى الأقاليم الهائجة فى سوريا ومصر.

ودون التعرض للموضوع الحساس الملتهب الخاص بطبيعة المسيح، وهل هو طبيعة واحدة ام طبيعتين، ركزت المونوثيليتية على وحدة مشيئتى المسيح الناسوتية واللاهوتية وأنهما كانت متطابقتين، متوافقتين، غير متغيرتين.. كان هرقل يأمل أن يقبل الأرثوذكسيين الصيغة الجديدة، وهى فى نفس الوقت لا تتعارض مع أنصار خلقيدونية الغربيين، وقولهم بالطبيعتين...

فى البدء بدت هذه الفكرة وكأنها مقبولة لدى بعض رؤساء الكنائس من الجانبين.. وممن قبلوها أثناسيوس بطريرك أنطاكية "621 – 629"، وهونوريوس الأول أسقف روما "625 – 638".. على أن قبول هذه الصيغة لم يدم إلا بين موارنة لبنان بينما قوبل هونوريوس بمقاومة عنيفة من أساقفة الغرب.

فى سنة 638 طبع هرقل مرسومه الذى عرف باسم "أكتيسيس" Ecthesis وعزم على إرغام الجميع على قبول المونوثيليتية.. لكن المقاومة الكبرى لتلك العقيدة الجديدة كانت فى الأسكندرية، حيث رفض الأقباط أى حل بيزنطى إبتداء من خلقيدونية إلى الهنوتيكون والمونوثيليتية... كان الخوف من الإبتعاد عن عقيدة أثناسيوس وكيرلس عمود الدين، فضلاً عن شعور الأقباط بقوميتهم، جعلهم أكثر الرافضين للحيدة عن التقاليد القديمة، ليقابلوا السلطة الإمبراطورية فى منتصف الطريق فى المسائل الخاصة بالإيمان.

لكن مصر كانت ذات أهمية خاصة للإمبراطورية، إذ كانت تعتبر مخزن غلالها. لذا فقد رفض هرقل الإستسلام للنزعة الإنفصالية الدينية والمدنية. كان مصمماً على فرض معتقده باى وسيلة. كانت الخطوة الأولى فى تنفيذ هذا المخطط هى تعيين سيروس Cyrus أسقف فاس Phasis فى القوقاز قرب البحر الأسود – والذى كان ذا ميول نسطورية ويتمتع بذكار وولاء ريائى للإمبراطور – تعيينه بطريركاً ملكانياً على الأسكندرية والحاكم الإمبراطورى لإقليم مصر، تحت شريطة أن يقهر الأقباط لكى يقبلوا الإيمان الخلقيدونى والمونوثيليتية بأى وسيلة.. وسيروس هذا هو المعروف فى المراجع العربية باسم المقوقس وكان صوله إلى الأسكندرية فى سنة 631. وبدأ فى تنفيذ خططه بلا أدنى شفقة. وفى خلال عشر سنوات غداً من أكثر الطغاة المكروهين فى تاريخ مصر.. لقد استخدم الصليب وصولجان الحكم لسحق المقاومة الوطنية.

كان ذلك سبباً فى إنخفاض شعبية هرقل إلى الحضيض، بعد شهرته التى نالها نتيجة إسترداد الصليب المقدس من الفرس.. لقد أزال سيروس بتصرفاته كل ولاء للقسطنطينية فقد أخذ يتعقب ويطارد أساقفة الأقباط والقوميين من الأقباط. كان عليهم إما أن يقبلوا معتقده أو يفقدوا حياتهم. ويذكر كتاب تاريخ البطاركة للأنبا ساويروس اسقف الأشمونين فى القرن العاشر "إنه لعظم البلاء والضيق العذاب الذى أنزله (المقوقس) بالأرثوذكسيين لكى يدخلوا فى الأمانة الخلقيدونية، ضل جماعة منهم لا يحصى عددها. قوم منهم بالعذاب، وقوم بالهدايا والتشريف، وقوم بالسؤال والخداع حتى أن قيروس أسقف نيقيوس وبقطر أسقف الفيوم، وكثيرين مثلهم خالفوا الأمانة الأرثوذكسية، لأنهم لم يسمعوا وصية الأب المغبوط بنيامين، ولم يختفوا كغيرهم، فصادهم بصنارة صلالته فضلوا بالمجمع الخلقيدونى الطمث".

ومن فرط الضيق هرب البطريرك القبطى الأرثوذكسى البابا بنيامين الأول 38 "633 – 662" إلى دير صغير بالصعيد وأختفى خلال السنوات الأخيرة للحكم البيزنطى فى مصر وحتى الفتح العربى ومن الذين نالهم الشدائد واستشهدوا فى تلك الفترة مينا شقيق البابا بينامين.. يقول تاريخ البطاركة "قبض على الطوباوى مينا شقيق الأب بنيامين البطريرك، وعذبه عذاباً شديداً، وأمر بوضع مشاعل تحت جنبيه حتى خرج شحم كليتيه من جنبه وسال على الأرض. وقلع أضراسه وأسنانه باللكم لإعترافه بالأمانة. وأمر أن يملأ جوالق رملاً ويجعل القديس مينا فيه ويغرق فى البحر".

وقد خلفت زيارات المقوقس لمدن وقرى الدلتا والصعيد فزعاً عظيماً.. فالضرب بالسياط والسجن والقتل كانت مقرونة بمصادرة الممتلكات وأوانى الكنائس. وحتى الأديرة لم تنج منه فقصدها ليصطاد مخالفيه فى الرأى والمعتقد. ورهبان الأديرة إما أنهم قاوموه مقاومة خاسرة، وإما أنهم هربوا من أمامه، حتى المتوحدون والنساك قبض عليهم وعذبوا حتى الموت. ولدينا قصة الأنبا صموئيل المعترف فى دير القلمون بصحراء الفيوم كمثال لمقاومة الأقباط البطولية أمام إرهاب البيزنطيين.. لقد جروا الأنبا صموئيل من منسكه بالسلاسل، وحول عنقه طوق من حديد كأشر المجرمين. اقتيد إلى مدينة الفيوم حيث أهين وجلد وضرب على أسنانه، وأخضع لكل أنواع العذابات الشيطانية وأمر الجنود بقتله. ولم ينقذه من أيديهم سوى سدول الليل، الأمر الذى مكن تلاميذه من سرقته وهو بين الحياة والموت...

فى تلك الفترة حل بالأقباط من الإذلال ما لا عهد لهم به من قبل فى كل العصور. وتحملت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عذابات المجدّفين على يد ذلك المستعمر الملكانى... والعجيب أنها استطاعت تحمل كل هذه الضيقات دون أن تلين لها قناة، واستمرت حية شاهدة للإيمان الحق والشجاعة البطولية. حقيقة أن بعض أبنائها ضعفوا واستسلموا للمستعمر لسبب أو لآخر، لكن تلك كانت حالات فردية وليست جماعية. أما نتيجة كل ذلك فهى أن الأقباط حملوا لمضطهديهم من البينزنطيين، ولكن ما هو بيزنطى كراهية عميقة. وقد عبّر الأقباط عن كل ذلك، ليس فقط فى العقيدة الأرثوذكسية، بل فى اللغة القبطية والأدب القبطى أيضاً، وفوق كل ذلك فى الفن القبطى.. لقد اتسعت الهوة بين الكنيستين القبطية والبينزنطية، ولم يعد ممكناً تخطيها. لقد ذهبت الخلافات إلى ما وراء حدود المعقول. وكأن الموقف كان يعد لتغيير كبير، مهما يكن هذا التغيير لقد وقع الفتح العربى لمصر.. وكان ذلك إيذاناً ببدء صفحة جديدة من تاريخ كنيسة الأسكندرية العريقة، ذلك السجل الحافل بآلام الأقباط وثباتهم وبطولتهم وشجاعتهم وحبهم لإلههم.

ومن الكواكب التى ظهرت فى تلك الفترة وأنارت الكثيرين بضيائها للسلوك فى عالم الروح والفضيلة الأنبا بسنتاؤوس أسقف قفط، والأنبا يوأنس أسقف البرلس، والأنبا دانيال قمص برية شيهيت...

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

مجمع خلقيدونية سنة 451م

المحتويات
المحتويات