هذا الفصل هو جزء من كتاب: محاضرات في المجامع الكنسية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
مجمع نيقية المسكونى سنة 325م
أنعقد هذا المجمع – وهو بكر المجامع العامة المسكونية – فى مدينة نيقية فى شهر مايو سنة 325م. بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير لحسم بعض المسائل الدينية وفى مقدمتها المشكلة الكبيرة التى أثارها أريوس ونحاول الآن أن نقف عند بعض النقاط التى تعطينا صورة واضحة عن هذا المجمع.
أسباب إنعقاده:
لا شك أن الآراء الهرطقية التى نادى بها آريوس هى السبب المباشر لإنعقاد مجمع نيقية لكن كان هناك دواع نجملها فى الآتى:
(1) الخلاف حول تحديد يوم عيد القيامة:
وقد ظهر هذا الخلاف منذ وقت مبكر بين كنائس آسيا الصغرى وبين كنيسة روما حينما أعلن القديس بوليكربوس أسقف أزمير "سميرنا" وتلميذ يوحنا الحبيب أنه ينبغى الإحتفال بذكرى الصليب يوم 14 نيسان العبرى وهو اليوم الذى صلب فيه السيد المسيح وتذكار القيامة فى السادس عشر منه وهو اليوم الذى قام فيه المسيح، بغض النظر إن كان هذان اليومان يوافقان يومى جمعة وأحد "وهما اليومان اللذان تم فيهما الصلب والقيامة ولهما مدلولاتهما" أم لا. كانت الكنيسة القبطية تحرص على الأحتفال بذكرى هاتين المناسبتين فى يومى الجمعة والأحد.
وفى ختام القرن الثانى حاول فيكتور أسقف روما إرغام كنائس آسيا الصغرى على الإلتزام بيومى الجمعة والأحد لكن هذه الكنائس ردت عليه بعقد مجمع من خمسين أسقفاً وأعتبر فيكتور أسقف روما معتدياً وقرر عدم الإلتفات إلى تهديده. وأخيراً حاول البابا الأسكندرى ديمتريوس الكرام التوفيق بين الفريقين فعمل على أن يعيد المسيحيون بذكرى الصلب فى يوم الجمعة والقيامة فى يوم الأحد على أن يرتبطا بيومى 14، 15 نيسان العبرى. فجمع لذلك علماء الأسكندرية الفلكيين (وكانوا أشهر الفلكيين فى العالم آنذاك). ووضعوا قاعدتهم المشهورة وهى أن يعيد المسيحيون عيد القيامة يوم الأحد الذى يلى فصح اليهود مباشرة وعلى الرغم من هذا الحل إلا أن الخلاف ظل قائماً حتى حسمه مجمع نيقية مُقراً مبدأ كنيسة الأسكندرية سالف الذكر.
(2) الشقاق الذى أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط:
كانت ملاتيوس هذا معاصراً لدقلديانوس وقبض عليه وأودعه السجن وكان من جراء ذلك أنه ضعف وبخر للأوثان. ورغم أنه عاد وندم ورجع إلى المسيحية. لكنه بدأ يرسم أساقفة بدون أذن من رئيس الكنيسة البابا بطرس خاتم الشهداء فرسم حوالى 30 أسقفاً مما أضطر البابا بطرس أن يعقد مجمعاً مكانياً حرمه هو وأساقفته. لكن ملاتيوس لم يخضع لحكم المجمع وإستمر فى عصاينه الأمر الذى أتعب كنيسة الأسكندرية.
(3) موضوع إعادة معمودية الهراطقة:
وهذه مشكلة هامة شغلت الكنيسة ردحاً طويلاً من الزمان والمشكلة تتلخص فى هل يعاد عماد الهراطقة التائبين. وما هو وضع الذين قبلوا العماد على أيديهم. ظهر الخلاف كمشكلة بين القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة "فى شمال أفريقيا" وأسطفانوس أسقف روما. كان كبريانوس يرى "أن المعمدين من يد الهراطقة هم وحدهم الذين يجب إعادة معموديتهم أما الذين قبلوا العماد من الكنيسة الأرثوذكسية فعمادهم صحيح ولا يعاد" على عكس أسطفانوس الذى نادى بعدم جواز إعادة المعمودية إطلاقاً ", تحرج الأمر وعقد كلا الفريقان بعض المجامع المكانية لتدعيم رأيه تدخل القديس ديوناسيوس البطريرك الإسكندرية لحسم هذا الخلاف – وكان من كبار اللاهوتيين فى عصره – مؤيداً رأى كبريانوس. وإن كان هذا التدخل قد هدأ الجو. لكن الأمر أيضاً لم يحسم بصورة قاطعة إلا فى مجمع نيقية.
آريوس وبدعته:
ولد آريوس فى مدينة القيروان "بلبيا" سنة 270م ودرس الكثير من العلوم والمعارف ثم نزح إلى الأسكندرية حيث إلتحق بمدرستها اللاهوتية فاظهر فى دراسته نبوغاً كبيراً. وعندئذ داخله الغرور وسعى للحصول على درجة من درجات الكهنوت. شجع فى بادئ الأمر ملاتيوس فى حركته العصيانية ثم عاد وأظهر خضوعاً مزيفاً للبابا بطرس خاتم الشهداء الذى اسمه شماساً فقساً سنة 306م. بدأ فى إعلان تعاليمه الفاسدة فى عهد البابا بطرس خاتم الشهداء وتنحصر هذه التعاليم فى إنكار لاهوت المسيح وانه غير مساو للآب فى الجوهر. وحالما وقف البابا بطرس على هرطقته حاول إرجاعه عن تعاليمه الفاسدة هذه ولما لم يقبل أعلن حرمه. بعد ذلك قبض على البابا بطرس وأودع السجن فى زمان الإضطهاد الذى أثاره دقلديانوس على الكنيسة – حاول بعض أتباع آريوس مع الباب بطرس وهو فىسجنه لكى يعطى حلاً لآريوس ولكنه أكد حرمه وإستدعى تلميذيه أرشيلاوس وألكسندروس – وأنبأهما بأنه سينال أكليل الشهادة كما تنبأ أنهما سيرتقيا السّدة المرقسية خلفاً له. وقال لهما ضمن ما قال عن آريوس "أن فيه مكراً مخفياً ولست أنا الذى حرمته بل السيد المسيح – لأنى فى هذه الليلة لما أكملت صلاتى ونمت رأيت شاباً قد دخل علىّ ووجهه يضئ كضوء الشمس وعليه ثوب متشح به إلى رجليه وهو مشقوق وأمسك بيديه القطعة الممزقة. فصرخت وقلت يا سيدى من الذى شق ثوبك؟ أجابنى آريوس هو الذى مزق ثوبى فلا تقبله. واليوم ياتيك قوم طالبين إرجاعه فلا تطعم وأوصى أرشيلاوس وألسكندروس بأن يمنعاه من شركتهما".
وعلى الرغم من هذه النصيحة فإنه عندما تبوأ ارشيلاوس الكرسى الأسكندرى قبل آريوس بعد الحاح بعض أتباعه. لكن أرشيلاوس لم يجلس على الكرسى البطريركى سوى ستة أشهر وخلفه ألسكندروس فجدد حرمه وناهض بدعته. حاول آريوس عن طريق بعض أتباعه أن ينال الحّل من فم البابا ألكسندروس لكن هذا الأخيرة قال لهم "قولوا لأريوس أوصانى أبى ألا أقبلك فلا تدخل إلىّ ولا أجتمع بك وذلك حسب أمر السيد المسيح فأعترف للمخلص بخطيئتك فإذا قبلك فهو يأمرنى بقبولك".
منذ ذلك الحين بدأ آريوس فى نشر ضلالته جهاراً فبينما كان البابا ألسكندروس يعظ ذات مرة عن سلطان المسيح فى أقامة الموتى مبيناً أن أبن الله الكلمة مساو للآب وأن طبيعة وذاتاً واحدة مع الآب. كان آريوس فى مكان آخر من الأسكندرية يعظ على الآية "أبى أعظم منى" مندداً برأى ألكسندروس ومنادياً بأن المسيح غير مساو للآب فى الجوهر بل هومخلوق بإرادة الآب.. ولكى يروح آريوس لتعاليمه الفاسدة نظم تعاليمه فى مقطوعات شعرية ضمنها كتابه المسمى ثالثاً ولقنها لأتباعه فأذاعوها بين العامة لكى يرددوها بأنغام خاصة لما للتلحين من أثر كبير فى نفوس السامعين. كانت النتيجة أن جمع البطريرك ألكسندروس مجمعاً سنة 319م. وأصدر رسائل ومنشورات كثيرة توضح عقائد الإيمان القويم. وإذ لم يرتدع آريوس وأتباعه عقد البابا مجمعاً بتجريد آريوس من رتبته الكهنوتية وكل من تبعه. وأتصل البابا ألكسندروس بسميه بطريرك القسطنطينية مظهراً له فساد آريوس وضلالته وشارحاً العقيدة الأرثوذكسية.
لما وجد آريوس أنه قد ضيق عليه الخناق فى الأسكندرية وكل مصر غادرها إلى فلسطين وآسيا الصغرى حيث بعض أصدقائه من الأساقفة الذين إنخدعوا بضلالته وسمحوا له بنشرها ثم إتصلوا بالبابا ألكسندروس راجين قبوله فى شركة المؤمنين. لكن البابا رفض طالما هو باق على ضلالته. إقتنع بعض الأساقفة بينما عقد البعض الآخر مجمعين متتاليين فى عامى 322، 323م قرروا فيهما إلغاء الحرم الصادر من البابا ألكسندروس وعاد آريوس إلى الأسكندرية ثانية ينفث سموم تعاليمه ممعناً فى عناده وضلاله فطرده البابا ثانية فعاد من حيث أتى.
إتصل أوسابيوس أسقف نيقودميدية بالأمبراطور قسطنطين راجياً وساطته لحل هذا الخلاف. أنتدب الإمبراطور هوسيوس أسقف قرطبة لهذه العملية المهمة فأتى إلى الأسكندرية لكنه لم يفلح فى مهمته. فعاد إلى الإمبراطور شارحاً له الأمر طالباً عقد مجمع عام لعلاج هذه المشكلة الخطيرة.
جلسات المجمع
إنعقد المجمع فى مدينة نيقية فى شهر مايو سنة 325م وخصص لإجتماعاته الساحة الوسطى فى القصر الإمبراطورى بالمدينة نظراً لإتساعها. بعد أن أعدت فيها المقاعد الكثيرة ووضع فى الوسط كرسى من الذهب ليجلس عليه الإمبراطور قسطنطين الذى رغب فى حضور جلسات المجمع "ومدينة نيقية هى العاصمة الثانية لولاية بيثينية وتقع فى الشمال الغربى لآسيا الصغرى وقد تهدمت ولم يبق منها سوى أطلال وفى موضعها الآن قرية" أسنيك "التركية.. وكانت المدينة على جانب كبير من الجمال. وقد أختيرت مدينة نيقية لإنعقاد المجمع لتوسط موقعها بين آسيا وأوربا بالإضافة إلى جوها الصحى. هذا ولم تختر مدينة نيقوميدية وهى العاصمة الأولى لمقاطعة بيثينية نظراً لما كان معروف عن الميول الأريوسية لأسقفها أوسابيوس.
بدأت وفود الأساقفة تصل إلى نيقية قبيل الموعد المحدد لإنعقاد المجمع، وكان فى مقدمة الحاضرين وفد كنيسة الأسكندرية وكان يتألف من البابا ألكسندروس وشماسه أثناسيوس مع عدد من الأساقفة من بينهم بفنوتيوس أسقف طيبة والأنبا بوتامون أسقف هرقلية بأعالى النيل اللذين قلعت عيناهما بالسيف وكويت حواجبهما بالحديد المحمى بالنار فى زمان الأضطهاد.
وبلغ عدد الآباء الذين حضروا المجمع 318 أسقفاً منهم 310 من الشرق وثمانية أساقفة فقط من الغرب ولعل ذلك راجع إلى ضعف المسيحية فى الغرب أنذاك، وإذ لم يتمكن سلفستروس أسقف روما من الحضور لكبر سنه أناب عنه القسين وتين وويكندس. ولا شك أن الحاضرين فى المجمع كانوا خليطاً من الأساقفة اللاهوتيين الجهابذة ومنهم البسطاء من أمثال القديس أسبريدون أسقف قبرص والقديس نيقولاوس أحد الآباء اليونان وكلاهما أظهر الرب قداسته وكرامته.
ويثبت التاريخ أن وفد كنيسة الأسكندرية كان له الصدارة والمكانة الأولى فى المجمع. قال المؤرخ الإنجليزى ستانلى فى كتابه "محاضرات عن الكنائس الشرقية" لم يكن ألسكندروس هذا أسقف أول كراسى العالم المسيحى من حيث سمو المنزلة والأهمية فحسب بل وأعلى هذه الكراسى كعباً من الوجهة العلمية. وكان هو المنفرد بلقب "بابا" لا يعرف به رسمياً فى المجمع سواه. لأن كلمة "بابا رومية" كانت وقتئذ ما لم يتمخض به التاريخ. واما بابا الأسكندرية فكان علماً على رأسه نار ولقب وإعزاز وحب ومهابة وإجلال عرف به رأس كنيسة الأسكندرية فكان هو الذى يخاطب به بصفة خاصة ". وثمة إجتماعات تمهيدية كانت تعقد فى الشوارع والمنازل كانت تدور خلالها مباحثات ومناقشات حول القضية الرئيسية التى سينعقد المجمع لأجلها ألا وهى بدعة آريوس. كما حضر إلى نيقية فى الأيام القليلة السابقة لإنعقاد المجمع الكبير كثير من الفلاسفة والوثنيين والمسيحيين وقيل أن بعضهم شارك فى المباحثات التمهيدية التى أشرنا إليها.
وبعد أن أخذ الأساقفة أماكنهم فى المجمع حضر الإمبراطور قسطنطين وجلس عن يمينه البابا ألكسندروس وأثناسيوس رئيس الشمامسة وأوسابيوس القيصرى الذى قام بأعمال السكرتارية. وجلس عن يساره أوسيوس أسقف قرطبة الذى أسند إليه رئاسة المجمع لكبر سنه، وآريوس وأكبر أعوانه، كما أصطف الجمهور على جانبى القاعة.
إفتتح المجمع فى عشرين مايو وإنتهى فى 25 أغسطس من سنة 325م وكانت الجلسة الأولى جلسة إفتتاحية ألقى فيها سكرتير المجمع خطاب الإفتتاح ورد عليه الإمبراطور قسطنطين بخطاب آخر. ولما بدأ المجمع يزاول أعماله والنظر فى بدعة آريوس حدث جدل ونقاش كثير مما دعا إلى رفع الجلسة وإنفضاضها دون الوصول إلى نتيجة ما.
وفى اليوم التالى إنعقد المجمع وقدم آريوس صورة معتقدة الفاسد وفيه.
"أنالأبن ليس مساوياً للآب فى الأزلية وليس من جوهره وأن الآب كان فى الأصل وحيد وأخرج الإبن من العدم بإرادته وأن الإبن إله لحصوله على لاهوت مكتسب".
إنبرى رئيس الشمامسة أثناسيوس وأفحم آريوس بردوده القوية وحججه الدامعة مُظهراً ضلالة وفساد رأيه مما آثار إعجاب جميع الأساقفة الذين فرحوا لفصاحته وهو لم يبلغ بعد الثلاثين من عمره حتى أن الإمبراطور قسطنطين نفسه أخذته الدهشة ونظر إليه وقال له "أنت بطل كنيسة الله" وعندما إبتدأ الآباء فى تحديد المعتقد السليم كان الآريوسيون يوافقون على ظاهر أقوالهم ثم يؤولونها بما هو لصالح معتقدهم، وأخيراً تدخل أثناسيوس وإقترح أن تضاف إلى العقيدة عبارة Homo - Ousious ومعناها "مساو فى الجوهر" للتعبير عن حقيقة صلة الآب بالأبن غير أن الأريوسيين رفضوها وأرادوا أن يستبدلوها بعبارة Homi - Ousious ومعناها "مشابه فى الجوهر". وبعد نقاش كبير أخذ رأى المجمع فوافق على إقتراح أثناسيوس وتعبيره. وتوالت جلسات المجمع إلى أن تم وضع قانون الإيمان من اول "نؤمن بإله واحد" حتى "نؤمن بالروح القدس" وقد وقع على قانون الإيمان هذا أكثر من 300 أسقف، ولما إمتنع آريوس وانصاره عن التوقيع حرمهم المجمع وقرر نفى آريوس وحرق كتبه.
القضايا الآخرى التى نظرها المجمع:
بعد الإنتهاء من الحكم فى قضية آريوس نظر المجمع فى بعض القضايا الأخرى وأصدر رأيه فيها. واما هذه القضايا فكانت:
(1) موعد عيد القيامة:
وقد قرر المجمع أن يعيد جميع المسيحيين فى موعد واحد هو يوم الأحد الذى يلى الفصح لليهود. وقرر أن بابا الأسكندرية هو الذى يقوم سنوياً بإبلاغ أساقفة العالم عن موعد عيد القيامة.
(2) بخصوص الشقاق الذى أحدثه ملاتيوس أسقف أسيوط:
فقد قرر المجمع حفظ حقوق بابا الأسكندرية الواجبة فى رئاسته على الأساقفة الذين فى أقليم مصر.
(3) مشكلة معمودية الهراطقة:
أيد المجمع رأى الكنائس الشرقية فى أنه لا تعاد معمودية من هرطق عند رجوعه وأوجب إعادة معمودية من يعمدهم الهراطقة.
(4) زواج الكهنة:
قرر المجمع السماح لمن يريد من الكهنة أن يتزوج مع الإحتفاظ ببتولية الأساقفة وعدم زواج الكهنة المترملين.
قوانين المجمع
سن الآباء المجتمعون بالمجمع عشرين قانوناً لسياسة الكنيسة عامة وافق عليها بالإجماع جميع الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع كما قبلتها كقوانين صحيحة جميع الكنائس شرقاً وغرباً. لكن الكنيسة الرومانية طلعت على الكنيسة الجامعة بعد المجمع النيقاوى بما يقرب من مائة عام وإدعت أن هذه القوانين عددها 84 قانون. أما بواعث هذا الإدعاء فهى محاولة إثبات رئاسة أسقف روما على العالم المسيحى كخليفة للسيد المسيح على الأرض. وضمنوا ذلك القانونين المزورين 33، 44 من القوانين المنسوبة لنيقية.
وأول ما ظهر هذا التزوير كان عند إجتماع مجمع قرطاجنة سنة 418م الذى طلب القديس أغسطينوس إنعقاده للنظر فى بدعة البلاجيين. وقد أرسل أسقف روما لحضور هذا المجمع نائباً عنه. وفى أولى جلسان المجمع طلب نائب أسقف روما قراءة رسالة أسقفه فوجد الحاضرون وكان عددها 217 من الأباء أن هذه الرسالة تشير إلى قوانين منسوبة إلى مجمع نيقية دون أن يكون لها اى أساس فى القوانين الثابتة بجميع الكنائس.
وإزاء هذه البلبلة قرر أعضاء المجمع إرسال مندوبين إلى الأسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية للإطلاع على قوانين نيقية الأصلية. وكان نتيجة ذلك أن أثبت المجمع أن جميع النسخ لقوانين مجمع نيقية الموجودة بقرطاجنة خالية تماماً من هذه القوانين المزعومة. ونصح المجتمعون اسقف روما أن يوفد من قبله من يتحقق من ذلك من النسخ الأصلية الموجودة بالكراسى الرسولية الشرقية.
وقد أثبت كيرلس مقار فى كتابه.
"الوضع الإلهى فى تأسيس الكنيسة"
أن هذه القوانين المزورة المنسوبة إلى نيقية إنما هى قوانين مجمع مكانى عقد فى سرديكا سنة 347 ولا صلة له بمجمع نيقية...
وثابت تاريخياً ومنطقياً من مراجعة هذه القوانين أنها تشير إلى أشياء وإلى أحداث لم تظهر إلا بعد مجمع نيقية مما يثبت تزويرها. ومن أمثلة ذلك القانون المزور رقم 42 الذى يقول "والحبش فلا يبطرك عليهم بطريرك من علمائهم ولا بإختيار منهم انفسهم لأن بطركهم إنما يكون من تحت يد صاحب كرسى الأسكندرية وهو الذى ينبغى أن يصلح عليهم جاثليقاً الذى هو من دون البطريرك ومن قبله... ألخ".
هذا القانون ينظم العلاقة بين الكنيسة الحبشية وكنيسة الأسكندرية وبديهى أنه مزور ولا يمكن أن يكون صادراً عن المجمع المسكونى الأول ثابت تاريخياً أن الحبشة لم تخضع لكرسى الأسكندرية إلا بعد أن أرسل البابا أثناسيوس فرومنتيوس إليها وسامة أسقفاً بأسم "الأنبا سلامة" سنة 330م. أى بعد الإنتهاء من مجمع نيقية بخمس سنوات على الأقل أضف إلى هذا أن لقب بطريرك لم يستعمل ضمن الإضطلاحات الكنسية إلا فى القرن الخامس وعلى وجه التحديد بعد مجمع خلقيدونية. وحتى المجمع النيقاوى كان اللفظ المستعمل أسقف وأسقفية أو أسقفيات.
هذا مثل واحد على تزوير هذه القوانين. ويعوزنا الوقت إن أردنا إثبات بطلانها تاريخياً ومنطقياً.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.