هذا الفصل هو جزء من كتاب: محاضرات في المجامع الكنسية – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
مجمع خلقيدونية سنة 451م
بعد إنفضاض مجمع أفسس الثانى عاد مندوبوا لاون وحملوا إليه قرارات المجمع وضمنها قرار حرم وعزل فلابيانوس أسقف القسطنطينية الذى كان يشاركه رأيه بخصوص طبيعتى السيد المسيح من بعد الإتحاد. ولا شك أن هذه القرارات أغضبت لاون فضلاً عن أن بعض الأساقفة المقطوعين قصدوه واحتجوا أمامه ضد قرارات مجمع أفسس الثانى فوعدهم على مساعدتهم وأرجاعهم إلى كراسيهم.
حاول لاون ما أمكنه أن يعقد مجمعاً عاماً فى مقر كرسيه تستأنف فيه الأحكام التى أصدرها مجمع أفسس الثانى. كتب إلى الإمبراطور ثيئودوسيوس وحرك فالنتيانوس إمبراطور الغرب وأمه وزوجته فكتبوا هم أيضاً ثلاث رسائل إلى ثيئودوسيوس دون جدوى. ولا شك أن هذه المساعى تكشف عن نفسية لاون الذى طار لبه وأكل الحسد قلبه للمكانة الرفيعة التى تبوآها بابوات الأسكندرية حتى فى المحافل المسكونية.
البابا ديسقورس والأسقف لاون:
ترامت إلى أسماع البابا ديسقورس موقف لاون من قرارات مجمع أفسس الثانى رفضه إياها وتمسكه بما جاء بالرسائل التى بعث بها فلابيانوس والتى تظهر بنفس أراء فلابيانوس الذى حرمه المجمع. يضاف إلى ذلك أن لاون أفسح صدره للمبتدعين من أتباع نسطور الذين حكمت عليهم المجامع المسكونية. وإزاء كل ذلك لم يكن فى إمكان ديسقوروس أن يقف مكتوف الأيدى إزاء الأخطاء التى تبدد الإيمان. فعقد مجمعاً مكانياً من أساقفته بالأسكندرية وأنتهى إلى إصدار قراره بحرم لاون بعد ما ثبت للمجمع ثبوتاً قاطعاً الأسباب التى توجب هذا الحرم.
وفى سنة 450م مات الإمبراطور ثيئودوسيوس دون أن يخلف نسلاً وأصبح وريث العرش أخته بوليكاريا التى كانت نذرت الرهبنة. لكن تقاليد الدولة لم تكن تسمح بإعتلاء النساء العرش. على أى حال فإنه بموت ثيئودوسيوس فقد البابا ديسقوروس عنصراً عظيماً فى قضية الإيمان. تزوجت بوليكاريا باحد قادة الجيش ويدعى مركيان فصار هو الإمبراطور للشرق وكان ميالاً لمبادئ نسطور كما كانت بوليكاريا على جانب كبير من الدهاء والغطرسة والكبرياء.
البابا ديسقوروس وبوليكاريا ومركيان:
كان موت ثيئودسيوس فرصة سنحت للاون ليجدد مسعاه فى موضوع عقد مجمع عام فى روما، وفعلاً بعث نواباً قابلوا مركيان والملكة. لكن الظروف السياسية تدخلت لتمنع هذا الأمر. فكانت سياسة مركيان وبوليكاريا ألا يدعا إمبراطور الغرب يتدخل فى شئون الشرق الدينية حتى أن مركيان بإيعاز من زوجته كتب إلى لاون يقول له "إنى مستعد لعقد المجمع فى القسطنطينية وإذا كانت مشقة تحول دون حضورك فأنا أقوم مقامك فى رئاسة المجمع". كانت بوليكاريا تميل إلى فلابيانوس وتعاليمه فى الوقت الذى كانت تنظر بعين الخوف إلى بابا الأسكندرية "الذى كانوا يسمونه فرعون مصر" وما وصل إليه من قوة ونعمة. وكانت ترى فى إتساع سلطانه خطراً يهدد بإنفصال مصر عن مملكتها لو سنحت.
الظروف كانت نتيجة هذه العوامل مجتمعة أن عقد الإمبراطور مركيان مجمعاً فى قصره بالقسطنطينية دعا إليه كثيراً من الأساقفة كان معظمهم من النساطرة كما بعث إلى البابا ديسقوروس برسالة يدعوه فيها إلى حضور هذا المجمع. حضر البابا ديسقوروس ودهش كثيراً لعدد الأساقفة المجتمعين بلا سبب. ولما قيل إن الملك يهدف إلى توضيح الإيمان قال فى جراءة "إن الإيمان لهو فى غاية الكمال ولا يعوزه شئ من الإيضاح وهو مقرر ومثبت من الآباء أمثال أثناسيوس وكيرلس وغيرهم".
حاول البعض أن يستميلوه ليوافق على رسالة لاون "طومس لاون" التى تثبت الطبيعتين بعد الإتحاد لكنه قال "إن إعتقاد البيعة ينبغى ألا يزاد عليه أو ينقص منه. فالمسيح واحد بالطبع والجوهر والعقل والمشيئة كما كرز الآباء. ثم أخذ يشرح لهم المعتقد السليم وخطأ التعليم الجديد الذى يهدفون إلى تثبيته موضحاً كلماته بأمثلة كثيرة منها التشبيه الذى أورده القديس كيرلس الكبيرة عن إتحاد اللاهوت بالناسوت فى شخص المسيح، وأنه يشبه إتحاد النار بالحديد فإذا ضرب الحديد بالمطرقة فإن الحديد هو الذى يتأثر ولكن النار لا يلحقها شئ.
وقيل إن أغلب الأساقفة إقتنعوا برأيه لكن الأمر لم يكن مسألة إقتناع بل كانت هناك أسباب خفية تحرك هؤلاء جميعاً للحد من نفوذ ديسقوروس فرفع مركيان الجلسة. وتباحث مع الأساقفة المقطوعين فى أمر ديسقوروس وكيفية التغلب عليه. وأخيراً استقر رأيهم على عقد مجمع بعيد عن العاصمة على أن لا يناقشوا ديسقوروس فى أمر الإيمان الذى كان الحق واضحاً فيه بل يقتصروا على البحث فى أمر الأساقفة المقطوعين ورسالة لاون "طومس لاون". وهكذا صدرت الأوامر الملكية بعقد مجمع فى مدينة خلقيدونية بآسيا الصغرى وتقع مقابل مدينة القسطنطينية.
إنعقاد المجمع
إختلف المؤرخون فى عدد من حضور هذا المجمع من الآباء فمن قائل أنهم كانوا 330 أسقفاً ومن قائل أنهم 630 أسقفاً ومن الآباء المشهورين الذين حضروا البابا ديسقوروس مع بعض أساقفته ويوبيناليوس أسقف أورشليم ومكسيموس أسقف أنطاكية وأناطوليوس أسقف القسطنطينية. أما لاون أسقف روما فقد أناب عنه ثلاثة أشخاص "أسقفين وقس".
حرص مركيان وبوليكاريا على حضور جلسات المجمع ومعهما رهط كبير من حاشيتهما وكثير من الضباط والجنود بملابسهم الرسمية كما حضر القضاه الذين احتيروا لإدارة جلسات المجمع. كان المجمع بالصورة التى أنعقد عليها يظهر المؤامرة الدنيئة التى دبرها فى الخفاء أتباع كل من فلابيانوس ولاون.
عقدت الجلسة الأولى لهذا المجمع – على أرجح الأراء فى الثامن من شهر أكتوبر سنة 451م فى كنيسة القديسة أوفيما بمدينة خلقيدونية. وما كاد مركيان ينتهى من إلقاء الخطاب التقليدى لافتتاح المجمع حتى نهض أحد مندوبى لاون واعترض على جلوس البابا ديسقوروس فى مقدمة الآباء بدعوى أنه قد جئ به إلى المجمع ليحاكم لأنه أقدم على عقد مجمع أفسس السابق بدون أذن كرسى روما. وإذ أدرك القضاه أن هذا الإدعاء باطل أفحموه بالإجابة فلاذ بالصمت.
ثم نهض أوسابيوس أسقف دور بلاوس الذى عزله مجمع أفسس الثانى مع فلابيانوس وأدعى أن ديسقوروس حكم عليه وعلى زميله فلابيانوس ظلماً.. وهنا قال البابا ديسقوروس "إن الحق يتضح عند قراءة أعمال المجمع السابق"... بعد ذلك دخل إلى المجمع تاودريتوس أسقف قورش المقطوع لنسطوريته وطلب الإنضمام إلى أعضاءه بدعوى أنه أعيد إلى كرسيه بأمر لاون أسقف روما. وهنا حدث هرج ومرج لأن فريق لاون وفلابيانوس كانوا أكثريه فى المجمع.
ثم إستأنفوا قراءة بقية أعمال مجمع أفسس الثانى فإدعى اسقف أفسس مع بعض أساقفة الشرق بأنهم لم يوافقوا على قرارات المجمع المشار إليه إلا مرغمين تحت ضغط الجنود شاهرى السلاح. وهنا قال لهم أساقفة مصر "إن جندى المسيح لا يرهب القوة التى لا تخيف إلا الجبان. أضرموا النار ونحن نعلمكم كيف يكون الإستشهاد".
وأستأنف القارئ تلاوة أعمال المجمع السابق حتى وصل إلى ذكر رسالة لاون فسأل القضاه البابا ديسقوروس عن سبب عدم قراءتها فأجاب بأنه أمر مرتين بقراءتها وأيده فى ذلك أسقف أورشليم، وأضاف أنها أرجئت لولا ورود رسالة من الإمبراطور ثيئودسيوس قرئت أولاً. وبعد ذلك لم تتل رسالة أسقف روما سهواً. ثم بدأ القارئ فى تلاوة إعتراف أوطاخى الذى قدمه لمجمع افسس الثانى ومصادقة الأساقفة على أورثوذكسيته، ومن بينهم باسيليوس أسقف سولكيا. غير أن هذا الأسقف وقف وأنكر مصادقته على إعتراف أوطاخى. فتألم البابا ديسقوروس لكذب هذا الأسقف وقال "لست أدرى ما الذى يدعو باسيليوس إلى الإنكار وهو يعلم أنه إنما صادق على تعليم صحيح قدم إلينا" ثم قال "إذا كان أوطاخى قد جحد العقيدة الصحيحة التى تضمنتها رسالته ونادى بتعليم غريب فهو لا يستحق العقاب فقط بل هو جدير بأن يحرق بالنار".. وبعد أن تراجع وأنكر باسيليوس إيمانه السليم الذى أعلنه فى مجمع أفسس الثانى نظر إليه البابا ديسقوروس وقال له من فمك تتبرر ومن فمك تدان. لقد أستحييت من الناس فتجاوزت حدود الصلاح وأهنت الإيمان ألا تعلم أنه لا حياء فى الحق ولا رياء فى الدين.
ولعل الأساقفة المدعين كذباً وزوراً وبهتانا على البابا ديسقوروس قد تأثروا من تأنيبه لهم أو ضعفوا أمام حججه فلم يجدوا بداً من التسليم فوقفوا فى المجمع وقالوا "أخطأنا ونطلب الغفران ولما سئلوا ثانية ما الذى دفعهم ولهذا التغيير المفاجئ كان جوابهم نفس العبارة السابقة" أخطأنا ونطلب الغفران ". ولما أدرك خصوم ديسقوروس أن الأمر سيفلت من أيديهم قرروا رفع الجلسة على أن يستأنفس بعد خمسة أيام.. كانت هذه فى الواقع مهلة ليحيكوا فيها مزيداً من المؤامرات.
وفى مخطط المؤامرة هداهم تفكيرهم إلى عقد جلسة سريعة قبل الموعد المحدد لا يحضرها القضاة ولا ديسقوروس وذلك حتى يخلو لهم الجو وبهذا يتمكنوا من إصدار ما يحلو لهم من قرارات وفعلاً عقدت الجلسة الثانية فى اليوم الثالث أى قبل الموعد المحدد بيومين بعد أن وضعوا حراساً على البيت الذى كان نازلاً فيه ديسقوروس كى يمنعوه من الخروج إذا حاول ذلك. أما عن تصرفات الأساقفة المجتمعين الذى يتصرفون عن حقد وحسد فكانت خالية من روح المسيحية إذ أنهم عقدوا جلستهم وأرسلوا لأستدعاء البابا ديسقوروس فى الوقت الذى وضعوا حراساً على بيته ليمنعوه من الخروج. وملا جاء رسل المجمع يطلبون حضوره قال لهم "إن الحراس يمنعوننى من الخروج.. إننى لا أحضر هذا المجمع إلا إذا حضره القضاة".
وأخيراً أصدر الأساقفة المجتمعون حكمهم المغرض على البابا ديسقوروس غيابياً، وفى غياب أساقفته والقضاة ونواب الملك ويقضى هذا الحكم بإسقاط الأسقفية عنه وعزله من خدمة الكهنوت ثم أرسلوا إليه قرارات المجمع، فتلاها على مسمع من بعض أساقفته وإذ وجدها مخالفة لتعاليم البيعة المقدسة كتب على هامشها ما يظهر فسادها كما كتب حرماً على كل من يتجاسر على تغيير العقيدة الأرثوذكسية أو يتلاعب بقوانين المجامع المسكونية.
وما أن تسلم الخلقيدونيون كتاب أمانتهم حتى طيروا الخبر إلى مركيان الذى تملكه الغيظ وعول على قتل ديسقوروس لولا خشيته مغبة هذه الجريمة فاكتفى بنفيه إلى جزيرة غاغرا بآسيا الصغرى، وبقى فى منفاه خمس سنين صرفها فى هداية الضالين وشفاء المرضى وإنتقل إلى عالم المجد سنة 457م.
وهكذا كان مجمع خلقيدونية وما أصدره من قرارات سبباً فى إنقسام العالم المسيحى هذا الإنقسام الذى مازال العالم كله يجنى ثماره حتى الآن. تلك الثمار التى زرع بذارها لاون أسقف روما ونماها خلفاؤه.
ولا نود أن ننهى هذا الفصل من دراستنا دون أن نشير إلى شخصية ديسقوروس الذى تدعوه الكنيسة "بطل الأرثوذكسية العظيم" فقد كان شيخاً وقوراً جمع بين الروحانية والعمق الدراسى اللاهوتى والشجاعة المسيحية والرغبة فى التضحية حتى بالنفس من أجل الإيمان. حدث أثناء حضوره فى المجمع الذى أنعقد فى القصر الإمبراطورى بالقسطنطينية والذى دعا إليه الملك مركيان أن أحد الأساقفة الحاضرين أخذ يوجه إلى ديسقوروس الكلام طالباً إليه أن يذعن لرغبة الإمبراطور ولا يخالفه كى يبقى فى منصبه. فما كان من البابا ديسقوروس إلا أن قال له "إن القيصر لا يلزمه البحث فى هذه الأمور الدقيقة بل ينبغى له أن يشتغل بأمور مملكته وتدبيرها ويدع الكهنة يبحثون عن الإيمان المستقيم فإنهم يعرفون الكتب وخير له أن لا يميل مع الهوى ولا يتبع غير الحق. دهش الجميع من جراءة ديسقوروس. وهنا قالت بوليكاريا" يا ديسقوروس لقد كان فى زمان والدتى أفدوكسيا إنسان قوى الرأى مثلك "تقصد يوحنا الذهبى الفم" وانت تعلم أنه لم يجنى من جراء مخالفتها خيراً وإنى أرى أن حالك سيكون مثله "فأجابها ديسقوروس بكل شجاعة. وأنت تعرفين ما جرى لأمك نتيجة اضطهادها لهذا القديس وكيف إبتلاها الله بالمرض الشديد الذى لم تجد له دواء ولا علاجاً حتى مضت إلى قبره وبكت عليه واستغفرت الرب فعوفيت.
وهأنذا بين يديك فافعلى ما تريدين وستربحين ما ربحته أمك... "كانت نتيجة هذه الكلمات أن تهجمت هذه الشريرة ومدت يدها وصفعته صفعة شديدة اقتلعت ضرسين من أضراسه لشيخوخته. وما لبث أن إنهال عليه بعض رجال القصر وأوسعوه ضرباً. وإمعاناً فى الإستهزاء به نتفوا شعر لحيته.. أما هو فبقى صامتاً محتملاً وهو يقول" من أجلك نمات كل النهار "ثم جمع الأب الضرسين مع شعر لحيته وأرسلها إلى شعبه بالإسكندرية مع رسالة قال فيها" هذه ثمرة جهادى لأجل الإيمان. إعلموا أنه قد نالتنى آلام كيرة فى سبيل المحافظة على إيمان آبائى القديسين. أما أنتم الذين بنيتم إيمانكم على صخرة الإيمان القويم فلا تخافوا السيول والهراطقة ولا الزوابع الكفرية ".
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.