مجمع أفسس المسكونى سنة 431م

مجمع أفسس المسكونى سنة 431م

عقد هذا المجمع وهو ثالث وآخر – المجامع المسكونية المعترف بها من كنائس العالم شرقاً وغرباً فى شهر يونيو سنة 431م يأمر الإمبراطور ثيئودسيوس وحضره مائتان أسقف وذلك للنظر فى بعض البدع التى ظهرت وفى مقدمتها بدعة بلاجيوس وبدعة نسطور وهذه الأخيرة كانت هى السبب المباشر فى عقدة المجمع.

ولد بلاجيوس ببريطانيا سنة 405 ورسم راهباً فقساً. وتتلخص بدعته فى أن خطيئة آدم قاصرة عليه دون نسله وأن كل إنسان منذ حال ولادته يكون كآدم قبل سقوطه. كما نادى بأن الإنسان بما فيه من إمكانيات وقدرات طبيعية قادر على الوصول إلى أسمى درجات القداسة دون الحاجة إلى معونة النعمة الإلهية.

أما نسطور فقد ولد فى مدينة مرعض وترهب فى دير قرب أنطاكية أظهر نبوغاً وحرارة فى الدفاع عن الإيمان القويم ضد المبتدعين فأختير ليكون أسقفاً على كرسى القسطنطينية ولكن نا أن صار أسقفاً حتى سقط فى بدعة شنيعة أقلقت الكنيسة زمناً ومازالت أذيالها حية حتى الآن.

نادى نسطور بأن المسيح أقنومين وشخصين وطبيعتين ولا ينبغى – تبعاً لذلك تسمية العذراء. "والدة الإله" كما عاب على المجوس سجودهم للطفل يسوع واستقطع المقطع الأخير من كل من الثلاثة تقديسات التى ترتلها الكنيسة فى صلواتها وبحكم منصبه أخذ ينشر تعاليمه الفاسدة فى كل مكان مؤثراً على الكهنة والأساقفة أيضاً.. رفض مؤمنوا القسطنطينية تعاليم نسطور الغريبة وبدأوا يثورون ضده، لكنه أمعن فى عناده. حضر بعض الرهبان ومثلوا أمامه وأبانوا له خطأ تعاليمه وإنحرافه عن الإيمان القويم فثار عليهم وأمر بحبسهم فى الكنيسة كما أمر خدامه بضربهم وإهانتهم وحالما سمع القديس كيرلس الكبير والبابا الأسكندرى بهذه البدعة كتب يفندها ويثبت التعليم الصحيح. وأرسل رسائل كثيرة لنسطور لكنه على الرغم من كل هذا لم يتنازل عن أرائه.

بين البابا كيرلس الكبير ونسطور:

بدأ البابا كيرلس الكبير المعروف باسم عمود الدين كفاحه ضد النسطورية برسالته الرعوية التى أصدرها على عيد القيامة لسنة 428م إذ فند فيها هذه البدعة. وكانت هذه الرسالة ترسل من الكرسى المرقسى إلى جميع الكنائس فى كل مكان. كما جاهر بخطأ عقيدة نسطور فى عظته التى ألقاها ليلة العيد وقال "إن مريم لم تلد إنساناً عادياً بل إبن الله المتجسد لذلك فهى بحق أم الرب" أم الله "وفى الحقيقة أن البابا كيرلس بعث رسائل إلى نسطور منها ما أرسله بيد بعض الأخوة ليسلموها إليه يداً بيد، ولكن الصلف تملك على نسطور حتى أنه رفض مقابلة من حملوا الرسالة إليه.

عقد البابا كيرلس مجمعاً مكانياً بالأسكندرية عرض عليه هرطقة نسطور وفيه تليت رسائل البابا كيرلس لنسطور وللأساقفة الأخرين فوافق عليها المجمع وأثبت خطأ تعليم نسطور، كما عقد كلسينيوس أسقف روما مجمعاً من أساقفته أثبت فيه وأقر الرسالة التى بعث بها البابا كيرلس إلى كلسينيوس رداً على رسالة هذا الأخير إليه بخصوص نسطور. ثم وضع البابا كيرلس إثنى عشر بنداً فصل فيها العقيدة المسيحية وحتم فيها بحرم من لا يؤمن بها "ولذلك فهى معروفة باسم حرومات القديس كيرلس":

The Anathemas of St. Cyril وبعث بها إلى نسطور طالباً إليه التوقيع عليها غير أنه أبى وقابل ذلك بكتابة بنود ضدها تؤيد بدعته وساعده فى ذلك بعض أساقفة أنطاكية من معتنقى بدعته. وهكذا أنقسمت الكنيسة إلى قسمين – كنائس روما وأورشليم وآسيا الصغرى وقفت بجانب القديس كيرلس الأسكندرى، أما كنيسة أنطاكية فأنحارت إلى نسطور.

إنعقاد المجمع

لما لمس البابا الأسكندرى كيرلس عناد نسطور وأنه لا فائدة ترجى منه أرسل إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير يقول له "إن أبائك كانوا غيورين على الكنيسة مؤيدين لها مدافعين عن عقائدها. وقد عاونوا رجالها فى تثبيت الإيمان الإرثوذكسى الصحيح فنالوا منهم البركة..

وهنا أنه فى عهدكم الزاهر قد ظهر نسطور هذا الذى يريد أن يشتت البيعة بضلاله.. لهذا نسأل جلالتكم أن تأمروا بعقد مجمع عام للنظر فى موضوع هذا الرجل فندعو لك ونبارك ملكك "وهكذا أرسل الإمبراطور رسائل دعوة إلى جميع الأساقفة ليحضروا إلى أفسس فى الموعد الذى حدده.

وبدأت الوفود فى الوصول إلى مدينة أفسس. وجاء القديس كيرلس الكبير يصحبه خمسون أسقفاً مصرياً كما أحضر معه القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين والأنبا بطرس السوهاجى رئيس دير فاو الراهبين.. وحضرت باقى الوفود. جاء يوبيناليوس أسقف أورشليم "وتأخر عن الموعد المحدد يوحنا أسقف أنطاكية وكذا نواب أسقف روما. وهكذا أضطر الآباء إلى تأخير عقد المجمع عن الموعد المحدد إنتظاراً لبقية الأعضاء. وبعد مضى نحو ستة عشرة يوماً أرسل الأساقفة المتأخرون إعتذاراً عن تأخيرهم وذكروا أنهم سيحضرون قريباً كما أنفذ يوحنا أسقف أنطاكية أسقفين حملاً موافقته على عقد المجمع قبل حضوره.

حدث هذا فى الوقت الذى تسلم البابا كيرلس أمراً ملكياً بوجوب عقد المجمع فوراً بدون إبطاء... حينئذ فقد أتفق رأى الآباء على عقد المجمع فى اليوم التالى. أما نسطور فقد حضر معه أربعون أسقفاً من أتباعه.

حاول الأساقفة. قبيل إنعقاد المجمع. التفاهم مع نسطور وثنيه عن معتقده الوخيم دون جدوى. لم يحضر الإمبراطور المجمع رغبة منه فى توفير الحرية التامة للأساقفة فى مناقشتهم فأناب عنه الكونت كنديديان، وكان هذا نسطورياً ورغب فى إدخال الرعب إلى نفوس الأساقفة قويمى الإيمان، فقبض على البابا كيرلس ومن معه من الأساقفة وسجنهم فى أحد مخازن الحبوب بالمدينة، لكنه لما رأى ثباتهم – عاد وأطلق سراحهم خشية إفتضاح أمره للإمبراطور.

جلسات المجمع

كان مكان إنعقاد المجمع هو الكنيسة الكبرى بأفسس وكان عدد الحاضرون مائتى أسقفاً وأختير البابا الأسكندرى كيرلس ليرأس المجمع. أرسل الآباء إلى نسطور ثلاث مرات ليمثل أمام المجمع فرفض الحضور محتجاً بأنه لا يرى لزوماً لحضوره. وأخيراً قال أنه لا يمكنه الحضور قبل وصول يوحنا الأنطاكى وأساقفته. ولم يأخذ المجمع بهذه الإدعاءات لعلمه بسوء نية نسطور ولإضطراره لعدم تأخير أنعقاد المجمع.

أفتتحت الجلسة الأولى بتلاوة رسالة الإمبراطور ثم تليت رسائل القديس كيرلس التى بعث إلى نسطور كما قرئت بنوده الإثنى عشر وردود نسطور عليها ثم قرار مجمعى الأسكندرية وروما المكانيين اللذين عقدا ضد نسطور فوافق المجمع عليها جميعاً.

ثم بدأ المجمع مناقشة تعاليم نسطور وآرائه. وفى هذه الجلسة الأولى التى أستمرت حتى المساء أصدر المجمع حكمه ضد نسطور جاء فيه "لهذا رأينا بناء على القوانين المقدسة أن نبرز ضده هذا الحكم بكل حزن ودموع سائلين المولى بواطية هذا المجمع المقدس أن يعدمه درجة الأسقفية وليكن مفرزاً من أية شركة كهنوتية" وأرسلوا كتاباً لنسطور جاء فيه "أعلم أنه لأجل تعاليمك النفاقية وعصيانك على القوانين قد عزلت وقطعت من هذا المجمع المقدس بموجب قوانين الكنيسة وحكم عليك بأنك عديم الدرجة ومسلوب الوظيفة وغريب من كل خدمة كنسية". ثم قرر المجمع بحسب التعليم الرسولى أن سر التجسد المجيد قائم فى أتحاد اللاهوت والناسوت فى أقنوم الكلمة الأولى بدون إنفصال ولا إمتزاج ولا تغيير، وأن السيدة العذراء هى والدة الإله. ثم وضع الآباء مقدمة قانون الإيمان التى مطلعها "نعظمك يا أم النور الحقيقى.." كما حكم المجمع أيضاً بحرم بلاجيوس وتعاليمه الفاسدة.

لم يقبل نسطور حكم المجمع بحرمه بل ذهب إلى القسطنطينية يحمل معه تقارير خاطئة دونها كنديديان نائب الملك الموالى لنسطور وملاءها بالطعن فى رئيس المجمع واعضائه وبعد خمسة أيام وصل يوحنا أسقف أنطاكية ومعه 32 أسقفاً، وكون مجمعاً من أساقفته قرر فيها عزل كيرلس الأسكندرى وممنون أسقف أفسس ورفض قبول أسقفة المجمع الأفسسى فى شركته ما لم يعدلوا عن قراره السابق ضد نسطور. وبمعاونة كنديديان تمكن يوحنا من إرسال قراراته إلى الإمبراطور طالباً التصريح بإعادة إنعقاد المجمع من جديد.

لم تمض أيام حتى وصل نواب أسقف روما حينئذ عقد البابا كيرلس الجلسة الثانية بحضورهم. وبعد أن تليت أعمال الجلسة الأولى قرئت رسالة أسقف روما. ثم تكلم مندوبوا روما مؤيدين القديس كيرلس.

وفى اليوم التالى عقد المجمع جلسته الثالثة وفيها وقع نواب روما على حكم المجمع وقراراته. ثم عقدت الجلسة الرابع والخامسة وبحثوا ما أقدم عليه يوحنا أسقف أنطاكية فقرروا تبرئة القديس كيرلس وممنون أسقف أفسس كما حرموا يوحنا أسقف أنطاكية.

إبلاغ الإمبراطور قرارات المجمع:

ضرب كنديديان مندوب الإمبراطور الموالى لنسطور حصاراً شديداً على المجمع ومدينة أفسس وحتى لا يتصلوا بالإمبراطور. فكر الآباء فى طريقة يوصلون بها قرارتهم إلى الإمبراطور فأحضروا شخصاً فأحضروا شخصاً إرتدى ملابس شحاذ وأمسك فى يده عكازاً مفرغاً من الداخل وضعت بداخه قرارات المجمع. وأستطاع بهذه الحيلة أن يفلت من الحصار الشديد الذى ضربه كنديديان على المدينة كلها، وأن يصل إلى دلماتيوس العابد الذى كان الإمبراطور يجله كثيراً لقداسته وتقواه. وأسرع دلماتيوس – عندما وصلته القرارات – فى مقابلة الإمبراطور حيث أطلعه على أعمال المجمع وأحكامه فوافق عليها وأعتمدها.

لكن نسطور وأتباعه لم يكفوا عن محاولاتهم خداع الإمبراطور ليعدل عن إعتماده لقرارات المجمع وأخيراً انتدب المجمع ثمانية من أساقفته كما انتدب يوحنا الأنطاكى ثمانية منهم. وتقابل الوفدان مع الإمبراطور فى مدينة خلقيدونية وبعد مباحثات طويلة اقتنع الأمبراطور بصحة أحكام المجمع فثبتها وأمر بنفى نسطور بعيداً عن القسطنطينية.

القوانين التى وضعها المجمع:

وضع المجمع المسكونى الثالث فى جلساته الختامية قوانين لسياسة الكنيسة، قرر فى الستة الأولى منها توقيع الحرم على كل من ينحرف عن الإيمان القويم ويشارك نسطور فى معتقده الفاسد. كما وافق على قبول كل من يرذل هذه التعاليم النفاقية وأعلن أن ما يجربه الأساقفة المنحرفى الإيمان من رسامات تعتبر باطلة.

وفى القانون السابع تحذير وحرم لكل من تسول له نفسه أن يعبث بقانون الإيمان الذى وضعه الآباء بزيادة أو نقص. أما القانون الثامن فقد حدد سلطة كل من الأساقفة، كما حرم على الأسقف أن يعتدى على حقوق غيره.

بين البابا كيرلس ويوحنا أسقف انطاكية:

استمر الشقاق بين البابا كيرلس الكبير ويوحنا الأنطاكى فترة من الزمن بعد إنتهاء مجمع أفسس غير أن الإمبراطور تدخل وطلب إليهما أن يتحدا ويزيلا ما بينهما من فرقة. فأخذا يتبادلان الرسائل حتى وافق يوحنا على رسالة للقديس كيرلس بعثها إليه على يد شماسين ووقع عليها بعد تغيير فقرات إلتبس عليه فهمها. كما أرسل يوحنا رسالة إلى البابا كيرلس حملها إليه بولس مطران حمص الذى ألقى خطاباً بليغاً فى الأسكندرية بين يدى البابا كيرلس أبان فين محاسن الإتحاد، وهكذا تم الصلح بينهما سنة 433م.

ذيول النسطورية:

لم تمت النسطورية بحرم نسطور ولا بموته وإن كانت قد ضعفت كثيراً. ذلك لأن معلمى الرها بالعراق ومن تتلمذ فيها تمسكوا بتعاليم نسطور ونشطوا فى نشرها. ولما طردهم أسقف المدينة هربوا إلى مدينة نصبين بالشام، ومعهم بعض الكهنة. وهناك شيدوا مقراً لهم واقاموا رئيساً عليهم دعوه "جاثليق" وعملوا على نشر بدعتهم فى بلاد فارس وكاشور والهند وغيرها. ومازال بعض النساطرة حتى الآن فى بعض هذه الأقاليم خاصة فى شمال العراق.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

مجمع أفسس الثانى سنة 449م

مجمع القسطنطينية المسكونى سنة 381م

المحتويات
المحتويات