في الحياة نسير كشبه المواسير – الراهب صليب الصموئيلي

الرئيسية » مقالات » الحياة الروحية المسيحية - اللاهوت الروحي » تأملات روحية مجمعة » في الحياة نسير كشبه المواسير – الراهب صليب الصموئيلي.

في الحياة نسير كشبه المواسير.

في الحقيقة إننا نسلك في الحياة كشبه المواسير إلى حد كبير.

هل تعريف يا عزيزي أوجه التشابه؟

* في تنوعها وأشكالها, فمنها الطويل والقصير, الطخين والرفيع, الكبير والصغير, المستقيم والملتوي.

* في حالتها العمرية, فمنها التي تحت الإنشاء والتصنيع, ومنها الجديد التي لم تستخدم بعد, ومنها المستخدم فعلاً, ومنها المتآكل والمتهالك وقد صار كسر.

* في وضعها عند الإستخدام, فمنها ما يدفن تحت الأرض فلا يرى, ومنها الظاهر فوق الأرض.

* في كيفية عملها, فمنها التي تحيا مع المواسير الأخرى كمجموعة متحدة إتحاد تام, لا تستطيع التفريق بينهم, وكأنها صارت واحدة في كل شئ, ومنها التي تكفي وحدها لعمل خاص لا يحتاج إلاّ هذه الواحدة فقط, وكأنها في مهمة خاصة جداً.

* في نوعية ما يسكن في أعماقها ويمر من خلالها إلى الآخرين, فهناك مواسير تمر في أعماقها المياه النقية لكي تروي الآخرين من خلالها, فهى تتنقى بتدفق المياه النقية داخلها وتُفرِّح الآخرين بإرتواء ظمأهم. إنها مواسير تستفيد وتفيد في آن واحد. إنها ليست مصدراً للمياة النقية, ولا أحد يخطر بباله أن يقدم لها شكراً على هذه المياة, إذ هى مجرد وسيلة تعبر من خلالها المياة النقية لنا, وكلما سمحت هذه المواسير للمياة النقية المرور فيها دون عائق, كلما غسلت المياة النقية أعماقها وطهرتها, وأيضاً كلما أسعدت الذين وصلت إليهم المياه عن طريقها وروتهم. إنها تمثل كل إنسان يسمح لله أن يحب خليقته من خلاله (أي من خلال هذا الإنسان) , فيصير وسيلة وأداة لنقل المياة النقية إلى الأرض لترويها, وهذا الإنسان يتنقى ويصير أبيض من الثلج من عمل المياة النقية المتدفقة من خلاله إلى الآخرين.

وهناك نوعاً آخر من المواسير يُستخدم لطرد المخلَّفات والفضالات ونفايا هذا العالم, ولك أن تتخيَّل كم الرواسب والروائح الكريهة التي تكمن في أعماقها مما يسير بداخلها, وكم وكم يكون الضرر على من تصل إليهم هذه المخلفات. إنها تمثل كل إنسان يُخبأ داخله خطايا وأمور قبيحة, مستسلماً لكلام الشيطان وأفعاله, وأموره الشريرة, فيصير وسيلة وأداة يمر من خلالها كل ما هو دنس وشر إلى الآخرين, وهذا الإنسان يزداد إتساخاً وقبحاً نتيجة لما يمر في أعماقه ومن خلاله إلى كل من حوله.

وهنا السؤال الذي أظن أنه إقتحم سياق الكلام...

ياترى كشبه أي المواسير أنا أسير؟!!!

هل أنا ماسورة ممتلئة من الله فتفيض بالخير على كل من حولها؟!!!

أم أنا ماسورة تحوي مخلفات ونفايا هذا العالم وتنقلها إلى كل من حولها بعد أن تكون قد إرتبطت بهذه المخلفات والروائح الكريهة وكأنها صارت جزءاً منها؟!!!

من أنا من الإثنين؟؟؟

لعلك يا صديقي تكون من النوع الأول.

فهنيئاً لك وطوبى لكل الذين هم حولك.

ولكن...

إن كنت يا أخي من النوع الثاني مثلي أنا أيضاً,.

فهل تريد أن تتغيِّر كما أنا أريد أيضاً؟!!!.

لا تيأس يا أخي وتقول لي:

"هل هذا ممكن بعد أن صرنا جزءاً من القذارة التي تمر فينا ومن خلالنا إلى الآخرين؟ , ومن يقبل على نفسه أن يقترب منا, ألاّ تشتم هذه الروائح الكريهة التي فينا أم أنك إعتدت عليها؟ , وإن كان ممكن التغيير حسب كلامك, فهذا ممكن للمواسير الصغيرة والقصيرة التي وإن وجدت من لا يستنكف من الإقتراب منها, فهى قد لا تأخذ من الوقت والجهد في تغيُّرها لصغرها وقصرها وبالتالي قلة ما تعلق بها من الأوساخ, ولكن ماذا عني أنا؟! أنا الماسورة الضخمة, الغليظة, الكبيرة, الطويلة, التي مرت في أعماقها المخلفات والنفايا من كل نوع لسنين طويلة حتى صرت جزءاً منها وصارت هى أيضاً جزءاً مني.

كيف يكون هذا ممكن بالنسبة لي؟!!!

إسمح لي يا أخي أن أجيبك على جميع أسئلتك:

في البداية أنت تقول أهذا التغيير ممكن؟!!!

أتذكر يا أخي ميِّة النارالتي كانت تسري فينا أحياناً حين حدوث أي إنسداد, وكم كان شعورنا حينئذ؟!. كنا من حرارة النار نشعر إننا نتفتت, ولكن ما تلبث أن تهدأ الحرارة نبدأ في الشعور بإحساس جديد بعد أن زالت جميع الأوساخ الراسخة بأعماقنا, وكنا لا نكاد نصدق هذا الشعور حتى تتدفق دفعات أخرى من المخلفات والأوساخ إلى أعماقنا مرة أخرى فتعيد حالتنا لما كانت عليه من قبل.

أما المياة النقية التي كلمتك عنها فهى أقوى تأثيراً من ميِّة النار بما لا يقارن في قوة تطهيرها وديمومة فاعليتها, ذلك لأن المياة النقية هو الله.

الله الذي قال عن نفسه تبارك أسمه أنه يسكن في الطوفان.

الله الذي قال عن روحه القدوس أنه أنهار ماء حية.

الله الذي قال عن أبنه الوحيد أنه ينبوع الماء الحي.

الله القادر على كل شئ, هل لا يستطيع أن يطهرك ويغيِّرك!!!!!

وحينما تتدفق داخلك هذه المياة النقية سوف تصير ماسورة جديدة (خليقة جديدة) , ليست للأوساخ والنفايا سلطان عليك مرة أخرى, بل تصير كلك جديد, من الداخل ومن الخارج, وتصير ماسورة تصلح للكرامة وليس للهوان.

أما عن سؤالك الثاني بخصوص من لا يستنكف من الإقتراب منا؟!!

هل رأيت أماً تستنكف من طفلها وهو متمرغ في أوساخة, يتضرع إليها بصراخه, ويستعطفها بدموعه, ويمد ذراعيه نحوها ملتمساً سرعة مجيئها, هل تظن أنها تتركه حتى ينظف نفسه بنفسه لكي تأتي إليه وتحمله؟!!! صدقني أنها سوف تقوم بكل مايعجز هو عن طلبه وأكثر, فإن كانت هذه مشاعر وأفعال الأم المخلوقة من الله, فكم يكون الخالق تبارك أسمه!!!!!.

الله هو أبونا الذي لا يستنكف من الإقتراب منا مهما كانت حالتنا لأنه بالحق يحبنا, والمحبة تحتمل كل شئ, وترجو كل شئ, وتصبر على كل شئ, وتصدق كل شئ, المحبة لا تسقط أبداً.

وأما عن سؤالك الثالث, فمهما كان حجمك وشكلك وكميات الأوساخ العالقة في أعماقك من سنين طويلة, وتمر من خلالك إلى الكثيرين.

صدقني يا أخي سوف يبقى شكلك وحجمك... ولكن....

بتدفق المياة النقية في أعماقك تتنقى جداً وتصير أبيض من الثلج, وأيضاً هذا التدفق الغزير في حجمك الكبير سوف يروي بغزارة كل من حولك, بل وقد يصل إلى مسافات بعيدة من الأرض لترويها, وبقدر ما كنت يوماً ما إناء للهوان, بقدر ما ترتفع وتصير إناء للكرامة. لأنه حيثما كثرت الخطية إزدادت النعمة جداً.....

ألاّ تذكر يا أخي رحاب الزانية التي كانت يوماً ما إناء للهوان, وكيف صارت بعد تصديقها لوعود الله, وإيمانها به. حتى أنها صارت إناء لكرامة عظيمة جداً وهى أن تصير جدة للسيد المسيح له كل المجد, وغيرها أمثلة كثيرة...

وفي سير الآباء القديسين, القديس موسى الأسود الذي كان يوماً ما قائداً لمجموعة من اللصوص والأشرار, وكيف عملت فيه النعمة حتى صار آباً لمجموعة كبيرة من الآباء الرهبان. والقديس أغسطينوس من ماضي ملئ بالخطايا إلى أسقف وراعي للكنيسة.

هل توافقني الآن على الرغبة في التغيير؟

الله يقول: "كل من يطهر نفسه يصير إناء للكرامة".

إن كنت تقول كيف أطهر نفسي؟!!! , أقول لك:

الله يقول: "أطلبوا لتأخذوا ليكون فرحكم كاملاً".

إسأل الله معي الآن: ياربي يسوع المسيح إن أردت تقدر أن تطهرني.

"فتحنن يسوع ومد يده ولمسه وقال له: أريد فإطهر. فللوقت وهو يتكلم ذهب عنه البرص وطهر" (مرقس 40: 1 - 42).