ماذا يقول الآباء عن عظمة الإيمان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يقول الآباء عن عظمة الإيمان؟

يقارن مار يعقوب السروجى بين عظمة المحبة وعظمة الإيمان فيقول: [للمحبة درجات وارتفاعات وقمم، وكل نفسٍ حسب خفة جناحها تستطيع أن تتسلق عليها بمحبة الله... سيدى يا رجل الله، لنتعب إذا فى هذه القابلة للإضافة لكن ليُحفظ الإيمان كما هو بدون ثرثرة. أى أن المحبة ذهب، أما الإيمان فمرجانة، يقدر المرء أن يضيف على مثقال الذهب آلاف المثاقيل. وعلى المرجانة لا يقدر مقتنيها أن يضيف قيراطاً أو ذرة، لأن المسيح شُبه بها، وخبره لا يقبل إضافة المجادلين... ها أنتِ عفيفة (أيتها المرجانة)... جمالك يمينى، وليس فيكٍ يسار. اشتاق إليك التجار، لأن رؤيتك لا يُشبع منها. باعوا مقتنياتهم واشتروك، لينسوا مقتنياتهم بغناكِ. تكلمى معنا بصمتك، لأن رؤيتك تحير كثيراً[49]2].

ويقول القديس إكليمنضس السكندرى: [الإيمان هو قوة الله وقوة الحق. كمثال قيل: "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل" (مت17: 20)، كما قيل: "بحسب إيمانكم ليكن لكما" (مت9: 29). فنال إنسان الشفاء بإيمان آخر[50]3]. [مجازاة الإيمان عظيمة ويلا نهاية، يقول من يؤمن ينعم بأغنى نعم الله، لأنه سيمتلئ بعطايا الروح، فلا يسمن ذهنه فقط، بل يصبح قادراً على أن يفيض على قلوب الآخرين، كتيار النهر المتدفق الذى يفيض بالخير المُعطى من الله على جاره أيضاً.] ويقول القديس كيرلس الكبير: [لتفهموا من هذا يا أحبائى أن الإيمان يدخل بنا إلى حضرة المسيح، ويقدمنا إلى الله (الآب) فنُحسب مستحقين لكلماته[51]1]. ويقول القدّيس مار فيلوكسينوس: [الإيمان يعطى الإنسان قوّة إلهيّة فيه، حيث يؤمن أن كل شئ يريده يفعله!].

يقول القدّيس. أفراهاط: [لتقترب، أيها الحبيب، من الإيمان لأن قدراته كثيرة جداً (عب11: 33). أصعد الإيمان (أخنوخ) إلى السماء، وغلب الطوفان، وجعل العاقر تنجب! نجىّ الإيمان من السيف، وأصعد من الجب! أغنى الفقراء، وحلّ الأسرى، وخلَّص المضطهدين! أطفأ النار، وشق البحر، وزعزع الصخر، واعطى العطاش ماءّ للشرب، وأشبع الجياع. أقام الإيمان الموتى، وأخرجهم من الجحيم، وهذا الأمواج، وشفى المرضى. قهر الأعداء، وحطم الحصون. سدّ أفواه الأسود، وأطفأ لهيب النار. أنزل المتكبرين، وكرّم المتواضعين. كل هذه الأعمال القديرة صنعها الإيمان[52]2.] ويقول القديس مرقس الناس: [الإيمان الثابت برج حصين. والمسيح بالنسبة للمؤمن هو كل شئ].

يقول القديس أغسطينوس: [عظيم هو الإيمان، إنما لا فائدة منه إن خلا من المحبة] [الإيمان يفيض صلاة، والصلاة المفاضة تقوى الإيمان] [غاية الإيمان أن تؤمن، وغاية المحبة أن تعمل] [نستطيع أن نلمس ذاك الجالس فى السماء بإيماننا وليس بأيدينا].


[49] 2 راجع الرسالة السادسة عشر.

[50] 3 Strom. 11: 3.

[51] 1 In Luc. Ser 126.

[52] 2 Demonstrations, 18: 1 (Of Faith).

كيف نسدد بالإيمان ديوننا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف نسدد بالإيمان ديوننا؟

يقول القدّيس باسيليوس الكبير يليق بنا أن نؤمن أن الخطاة تلزمهم التوبة التى تؤهلهم لنوال المغفرة، ومع ذلك فإننا نترجى نوال الغفران كهبة للإيمان... وليس كدين لنا، إذ يوجد فارق بين من يطلب الغفران كهبة، ومن يطالب به كحق... عليك أن تسدد ديونك السابقة حتى تطلب ما ترجوه. تعالْ كمدين أمين يسدد ما عليه من ديون مستحقة عليه وذلك بالإيمان، قبل أن تطلب قرضاً جديداً. فالذى يقترض من الله يسهل عليه الوفاء بدينه أكثر مما لو اقترض من إنسان. لأن الإنسان يطلب مالا لتسديد قرضه، وهذا المال لا يكون ميسوراً على الدوام بالنسبة للمدين. أما الله فيطلب سداد الدين بمشاعر القلب التى فى مقدورك... الصلاة والصوم والدموع هي كنوز المدين الوفى، وهى أغنى ممن يقدم مالاً بلا إيمان.

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [كان حنانيا فقيراً، هذا الذى أحضر مالاً للتلاميذ بعد بيع عقاره، لكنه عجز عن الوفاء بدينه، بل ضخمه أكثر بعدم إيمانه (أع 2، 5: 1). أما الأرملة التى دفعت فلسين فى الخزانة فكانت غنية، هذه التى قال عنها الرب: "إن هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر من الجميع" (يو21: 3)، لأن الله لا يطلب مالك بل إيمانك. لا أنكر فاعلية الصدقة... لكن بشرط أن يرافقها الإيمان، لأنه ماذا تنتفع لو وزعت كل مالك ولكن بلا محبة؟! يهدف بعض الناس من العطاء إلى الكبرياء، إذا يطلبون مديحاً من الناس بأنهم تركوا كل شئ. وإذ هم يترجون جزاءً عالمياً يفقدون الحياة الأخرى]. ويقول القديس إكليمنضس السكندرى: [التوبة هي من عمل الإيمان. إن لم يؤمن الإنسان الذى استعبد نفسه للخطية فلن يكف عنها، وإن لم يؤمن بالعقوبة التى يسقط تحتها العاصى وأن الخلاص هو نصيب من يسلك حسب الوصيّة فإنه لن يصلح حاله[48]1.


[48] 1 Strom. 6: 2.

أيهما الأول: المعرفة أم الإيمان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

أيهما الأول: المعرفة أم الإيمان؟

يقول القديس كيرلس الكبير: [الجمرة المتقدة هى مثال وصورة للكلمة المتجسد... لأنه عندما تلمس شفاهنا، أى عندما نعترف بالإيمان به، ينقينا من كل خطية، ويحررنا من اللوم القديم الذى ضدنا].

ويقول القديس باسيليوس الكبير: [نقول بوجه عام بحسب العلوم الحسابية، الإيمان يسبق المعرفة. لكن إن قال أحد إن المعرفة تأتى قبل الإيمان، لا أعترض، إن أخذنا المعرفة بأنها تشير إلى المعرفة التى فى حدود الفهم البشرى[45]3]. ويقول القديس كيرلس الكبير: [الذين آمنوا الآن لهم القوة على التعلم أيضاً. لأنه هكذا يقول إشعياء النبى: "إن كنتم لا تؤمنوا فلن تفهموا" (إش 7: 9 LXX). لهذا كان من الصواب أن يتأصل فيهم الإيمان أولاً ثم يأتى بعد ذلك الفهم للأمور التي يجهلونها].

ويقول القدّيس أغسطينوس: [لما كان الفهم يكمن فى العيان وفي اللقاء الدائم، أما الإيمان فيقوتنا كالأطفال كابن فى قماط الأمور الزمنية (إذ نسلك الآن بالإيمان لا بالعيان)، علاوة على هذا فإننا ما لم نسلك بالإيمان لن نبلغ العيان الذى لا يزول بل يبقى دوماً، إذ يتنقى فهمنا بتمسكنا بالحق[46]4]. [يلزم أن يتقدم الإيمان الفهم، فيكون الفهم مكافأة على الإيمان[47]5].


[45] 3 Letter 11: 235 to Amphilochius of Iconium.

[46] 4 On Christian Doctrine, 12: 2 (17).

[47] 5 Sermon on N. T. Lessons, 1: 89.

ما هى علاقة الإيمان بالمعرفة العلمية والروحية

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى علاقة الإيمان بالمعرفة العلمية والروحية

يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [ليست معرفة بدون إيمان، ولا إيمان بدون معرفة... الابن هو المعلم الحقيقي عن الآب. إننا نؤمن بالابن لكى نعرف الآب، الذى معه أيضاً الابن... معرفة الآب والابن، بطريقة الغنوسى الحقيقى، إنّما هى بلوغ للحق بواسطة الحق... حقاً، قليلون هم الذين يؤمنون ويعرفون[42]]. كما يقول: [لكى نتبنّى الأمور الحسنة ونرفض عكسها لا يتحقّق ذلك بالإيمان وحده، وإنما بالإيمان ملتحم مع المعرفة. فحيث لا يكون للجهل وجود فى التدريب والتعلم تصير هناك معرفة للأمورالإلهيّة والأمور البشرية[43]1]. ويقول القديس أغسطينوس: [هيا أيها الأحباء التفتوا إلى ما يقدمه لكم الرسول من نصائح غالية، فهو يقول: "كما قبلتم المسيح يسوع ربنا، هكذا اسلكوا فيه، متأصلين مبنيين فيه، وراسخين فى الإيمان". ففى هذا الإيمان البسيط والمؤكد يجدر بنا أن نمكث راسخين فيه، حتى يفتح هو ذاته للمؤمنين المخبأين فيه، إذ يقول نفس الرسول: "المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة"، وهو لم يخفها عن أحد لكى يرفضوها، بل ليثير فيهم الاشتياق للأمور المذخرة[44]2].


[42] Strom. 1: 5.

[43] 1 Strom 6: 1.

[44] 2 Sermons on N. T. Lessons!: 5.

هل يتعارض الإيمان مع الفهم العقلي والبحوث العلمية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يتعارض الإيمان مع الفهم العقلي والبحوث العلمية؟

مع تركيزالقديس باسيليوس على الإيمان بكونه يُقَّدِس عقل الإنسان وقلبه، فيتقبّل العلم المتناغم مع الإيمان، ينتقد المؤمنين الذين يستخفون بالدراسات العلمية والفلسفية، ويحسبونها مملوءة خداعاً.

إنه لم ينسّ فضل دراساته حتى على أيدى غير مؤمنين، فقد سمت بطريقة تفكيره، وتعلق بالأكثر بكلمة الله. يقول: [أظن أن كل إنسان عاقل يُفكّر بأن العلم هو الأمر الرئيسي من بين كل ما هو صالح، وفى منال عقولنا. ولا أقول بأن علومنا هى وحدها عالية ونبيلة، لأنها تحتقر أناقة الخارج لتتعلّق بجمال الأفكار، وإنَما أيضاً العلم الذى من الخارج، الذى يرفضه كثير من المسيحيين القليلين المعرفة، ويعتبرونه خادعاً وخطراً يُبعدنا عن الله... لهذا علينا أن نحتفظ بما يمكنه أن يُساعدنا على التأمل فى الحق، مُتجنّبين كل ما يؤدى إلى الشرّ والخطأ والهلاك[39]].

معتقديره العظيم للعلم والفلسفة، يؤكد ضرورة التمتع بروح التمييز بنعمة الروح القدس فلا ننحرف عن المعرفة الحقيقية والتمتع بعمل الله. يقول القديس باسيليوس: [يهمنا جداً ألا ننكبّ بجهلٍ على العلوم، وإنما أن نعرف ما هو الأكثر فائدة منها... وخوفاً من أن نتعلق بها، وننسى علم الله، منغمسين فى أبحاث باطلة، من الضرورى أن نستعمل التمييز فى التربية بطريقة نختار فيها العلم المفيد، ونتجنّب كل ما هو مضرّ[40].

يقول القديس ماراسحق السريانى: [الإيمان هو مدخل الأسرار. ما تقوم به عيناً الجسد بالنسبة للأشياء الحسّية يقوم بها الإيمان بعينىّ النفس، إذ يتطلع إلى الكنوز الخفيّة. لنا عينان للنفس، كما لنا عينان (للجسد)... بالواحدة نرى مجد الله الخفى المختوم داخل الطبيعة، مع قدرته وحكمته وفكره الأبدى من نحونا، هذه الأمور كلها التى يمكن إدراكها خلال عنايته الإلهية لنا على وجه الخصوص. بنفس العين نرى الطغمات الروحية رفقاءنا. أما بالعين الأخرى فنرى مجد طبيعة الله المقدّسة[41].


[39] الأب الياس كويتر المخلصى: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البوليسية، بيروت، 1989، ص136.

[40] الأب الياس كويتر المخلصى: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت 1989، ص136.

[41] A. J. Wensinck: Myh\stic Treatises by Isaac of Nineveh, 1923, p210. Dana Miller: The Ascetical Homilies of St. Isaac the Syrian, 1984,p. 223.

كيف نكسب رافضى الإيمان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف نكسب رافضى الإيمان؟

دُعيت طالبة من كلية الصيدلية بجامعة الإسكندرية أن تقضى أجازة الصيف مع طالبة من كلية الصيدلة بأروبا الغربية فى ذلك الوقت، وذلك ضمن برنامج زيارات متبادلة بين طلبة البلدين فى أيام الرئيس جمال عبد الناصر. عند عودتها إلى الإسكندرية، أرسلت إليها الطالبة التى استضافتها شكرها على قبول دعوتها لها، وأنها تحسب هذه الفترة (ثلاثة شهور الصيف) من أجمل فترات عمرها. هذا وقد اعتذرت عن سخريتها بها بسبب إيمانها بالله والكتاب المقدس والحياة الأبدية. قالت إنها كانت تحبها جداً، وفى نهاية كل يوم كانت توبخ نفسها على سخريتها بإيمانها. ولكن مع كل صباح تعود إلى السخرية مرة أخرى طوال الثلاثة شهور.

فى هذا الخطاب اعترفت لها بأنها رأت فيها الإنسانة التى لا تعانى من الشعور بالعزلة، وأنها مُحبَّة لكل من يتعامل معها بروح التواضع، وفى شركة عجيبة مع هذا الإله المحب والقدير. كما طلبت منها أن تكون على اتصال بها، وأن تتمتع بما تتمتع هى به.

قال لى أحد الأحباء يعمل مهندس لمسح قاع البحر. كان على المركب مهندس بريطانى مُلحد. إذ قمت صداقة بيننا، بعد خمسة عشر يوماً وهو فى عودته إلى إنجلترا، قال له: "إنى أشكرك على فرصة الحوار التى دارت بيننا طوال الأسبوعين، فإننى لم أجد إنساناً متديناً يتحدث معى بروح الوقار والإنصات. ربما أختلف معك فى بعض النقاط، لكننى قررت عند عودتى إلى بلدي أن أعيد تقييم حياتى، واسترجع كلما قلته لى".

لماذا يرفض البعض الإيمان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا يرفض البعض الإيمان؟

فى لقاء مع أحد الإخوة وهو قائد لجماعة منكري وجود الله قال لي: كثيرون يدعوننا ملحدين. إننا نؤمن بوجود قوة خارقة للفكر البشري. لكننا نرفض الإيمان بالله للأسباب التالية:

أ - نرفض وجود كائن خفى يتحكم فى حياة البشر، ويطالبنا بما هو ليس في استطاعتنا، ويهددنا بعقوبات أبدية، هذا ما يصوره بعض المتدينون تحت اسم "الله". إنهم لا يبرزون فيه روح الحب. يتعثر البعض فى الإيمان بالله بسبب تشويه صورة أبوة الله، حتى بالنسبة للأطفال الصغار، حيث تقوم البعض فى الإيمان بالله بسبب تشويه صورة أبوة الله، حتى بالنسبة للأطفال الصغار، حيث تقوم الأسرة أو الكاهن أو الخادم بتقديمه كقاضِ حازم للغاية، كمن يلتقط الخطأ، يتجاهل ضعفاتنا. على النقيض، الوالدان أو القائد الذى يحمل روح الحب يجذب النفوس إلى الله الذى قيل عنه: "الله محبة".

ب - إننا لسنا فى حاجة إلى الإيمان بغيبيات غير ملموسة.

ج - من جهة سلوك المتدينين، إذ نرفض الارتباط بجماعة معينة، تضم أشخاصاً يستخفون بمن لا يقبل إيمانهم، يحاورونهم بروح المعجرفة.

أذكر فى عام 1971 دخلت فتاة الكنيسة فى لوس أنجيلوس فى منتصف الليل تقريباً وكان مجموعة من الشباب معاً. سألتها عن علاقتها بالله، فقالت لى: ومن هو الله؟ أجبتها: "إنه أبونا وأبوكِ" قالت: "ما معنى أنه أبونا؟" وإذ قلت لها مثل والدك، أجابت أنها لا تعرف أين يعيش هو أو والدتها، ولا تريد أن تعرف مسكنهما. لم تذق أبوة وأمومة والديها، ولا الحب الزيجى الذى بين والديها، فلم تستطع أن تتذوق حب الله، ولم يعد للإيمان به موضع فى قلبها.

سألتها عن حياتها فأجابت علانية وسط الحاضرين إننى أعيش مع صديقى boyfriend.

سألتها: هل تفكرين فى الزواج منه؟

أجابت: إنني أقضي معه فترة من اللهو والرقص والسكر، استبدله بعد عدة أشهر بآخر.

سألتها: هل أنتِ سعيدة؟ أجابت علناً: فى المظهر أعيش فى حياة تبدو مملوءة سعادة. وقد يحسبنى البعض أننى أسعد إنسانة على وجه الأرض. والحقيقة إننى بائسة للغاية، لأن حياة اللهو بكل مظاهرها لا تهبنى شبعاً داخلياً ولا سلاماً ولا أماناً ولا فرحاً حقيقياً.

هذا ما يجنيه البعض من أبنائنا وبناتنا، لأن الأسرة لا تحمل أيقونة السماء.

أروى قصة واقعية عاشها شاب بالإسكندرية فى عام 1972: كان هذا الشاب طالباً فى الثانوية العامة. أمسك بالإنجيل وألقاه على الأرض، وقال أمام الجميع: "إن كان يوجد الله فليرفع قدمى من الإنجيل، أخذه زملاؤه المسيحيين وذهبوا به إلى كنيسة السيدة العذراء مريم بمحرم بك. بصق على أيقونتها، وقال لها: إن كانت العذراء مريم موجودة فلتمسح البصاق من الأيقونة.

طلب منى زملاؤه أن أفتقده. وبالفعل ذهبت ومعى شماس خادم. عندما فتح والده الباب ورآني صرخ: "انقذنى، سأموت بسبب ابنى الوحيد. اثبت له أن الله موجود". بهدوء طلبت منه أن يهدأ، وأنا سأتحدث معه. طلب الأب أن أبدأ المناقشة معه أمامه وأمام والدته. فأمسكت بيد الابن، وقلت للأب: سأجلس معه.

دخلت معه حجرته، وقلت له أنا سمعت عنك من زملائك، وقد جئت لا للنقاش معك، وإنما لأتحدث معك بروح المحبة لأجل سلامك الداخلى.

بعد حديث حول كلمات القديس أغسطينوس أن وراء كل إلحاد شهوة، قلت له: أنا أعلم أنك فى أعماقك تريد أن تلتقى مع الله، ولكن ما يحجبك عنه إما أنك تريد الزواج بفتاة غير مؤمنة، أو أنك تعانى من شهوات تظن أنك عاجز عن الخلاص منها، أو فى تشامخ تريد أن تبلغ إلى نجاح معين تحسبه أمراً مستحيلاً.

أجابنى: "لست أعانى من هذه الأمور، إنما ما دفعنى لإنكار وجود الله والدىّ، فأنا ابن وحيد، وأبى وأمى يخنقاننى بحبهم غير الحكيم، يريدان أن يحركاننى كقطعة شطرنج. إنني أردت أن أكون قائداً ويلتف حولي البعض ويحسبوننى بطلاً.".

أجبته: ولماذا لا ترجع إلى الله، فهو يحبك ومات من أجلك.

سأل: "هل يقبلنى الله وقد وضعت قدمى على الإنجيل، وبصقت على أيقونة العذراء مريم؟".

أجبته: "انهما يتطلعان إليك كطفلٍ تصرف فى غضبه، ويبسط الربّ يده لا ليعاتبك بل ليقبلك".

سأل ثانية: "متى أعترف؟".

أجبته: "أنت اعترفت، وإلهك يُسرّ برجوعك إليه!

سأل: "متى أعود إلى الكنيسة؟".

أجبته: "أنت فى حضن الكنيسة أمك الآن".

خرجنا من الحجرة، فسألنى والده الشيخ، "هل ستبدأ النقاش؟".

أجابه الشاب: "لو سمحت يا بابا، اتركنى أتفاهم مع أبينا.".

مرة أخرى منذ حوالي خمس سنوات جاءنى شاب تخرج فى الجامعة، وطلب منى أن يعترف. قال: "لقد قررت إعلان إلحادى على كل أصدقائى. وفى اللحظات الأخيرة سألت نفسي: إذا رأيت والدتى الدائمة التهليل مع المسيح، ماذا سأفعل؟ إن تهليل والدتى الدائم وفرحها بغير انقطاع ردنى إلى السيد المسيح، كى أكون معها فى يوم الربّ العظيم!".

لماذا يُدعى الله ثيؤس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا يُدعى الله ثيؤس؟

يقول ج. ل. بريستيج[35]5 Pristige إن بعض آباء الكنيسة الأولى أمثال إكليمنضس وديونسيوس الإسكندري قد تبعوا هيرودوت[36]6 فى ربطه بين ثيؤس "الله" وتثيمى "التدبير". يقول القديس إكليمنضس: [دُعى الله ثيؤس لأنه وضع أساس التأسيس والتنظيم كمدبرٍ[37]1]. وذلك على خلاف أرسطو القائل إن الله هو المحرك الأول، الذي حرك العالم وتركه للقوانين الطبيعية. إننا نؤمن بأن الله هو الحب اللانهائى، حركة محبته نابعة من داخله خلاف علاقة الثالوث القدوس الأزلية. وقد استعلن حب الله بخلقته العالم، ولا تزال هذه المحبة فعَّالة، وستبقى حتى بعد مجئ المسيح الثانى.

ويؤكد الآباء الإسكندريون بقوة أن الله وهو غير مُدرك، يعتنى بالإنسان خلال محبته الفريدة، لأن ملكوت محبته السماوى يتأسس فى أعماق نفس الإنسان، "ها ملكوت الله داخلكم" (لو17: 21). قدرة الله هى تلك المحبة الدائمة الحركة. يقول البابا أثناسيوس: [الله فى وجوده الذاتى يحتضن كل شئ، ولا يحتويه شئ، فى صلاحه وقوته هو فى الكل، لكنه خارج الكل من جهة طبيعته اللائقة به[38]2].


[35] 5 G. L. Prestige: God in Patristic Thought, 1936,P1.

[36] 6 Herodotus: Hist, Book 2, Ch, 52.

[37] 1 St. Clement: Stromata, Book,1, Ch. 29.

[38] 2 St. Athanasius: De Decretis, Ch. 3.

ماذا طلب موسى من الله فى أول لقاء معه حيث دعاه للخدمة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا طلب موسى من الله فى أول لقاء معه حيث دعاه للخدمة؟

إذ دعا الله موسى كأول قائد لشعب الله فى العهد القديم، طلب موسى منه أن يتعرف على اسمه. وكنائب عنهم أعلن له الله عن اسمه أنه "يهوه" أى "الذى يكون". ماذا يعني تعبير: "الذى يكون"؟ يعنى أنه موجود، يعمل لحساب شعبه المختار، وذلك على خلاف الديانات اليونانية التى غالباً ما كانت تتطلع إلى الله بكونه الكائن المتعالى جداً عن شئون العالم.

ماذا نطلب بالإيمان من السيد المسيح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا نطلب بالإيمان من السيد المسيح؟

كثيرون يطلبون معجزات من السيد المسيح. لقد نزل إلينا كى نتعرف عليه نطلبه هو يسكن فينا. يقول البابا كيرلس الكبير: [ما يجب ملاحظته تماماً أن الله لا يود تقديم ما هو مُبهر وعجيب بطريقة باطلة أو بلا هدف، فإن مثل هذا بعيد عن جوهر الله الذى لا يعرف الكبرياء ولا العجرفة، إنما يعمل ما هو لخير البشرية وسلامها. أقول هذا لكيلا يتوقع أحد من الإيمان المقدس والقوة الإلهية أن تتم تغيرات بلا نفع مثل تغيير عناصر معينة وتحويلها أو تحريك جبال أو مزروعات... أنه يتحقق ذلك أن كان فيه نفع حقيقى، عندئذ لا ينقص الإيمان قوة للتنفيذ[32]1.] كما يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [اقبل المسيح، اقبل البصيرة، اقبل نورك، لكى تعرف الله والإنسان حسناً. "حلو هو الكلمة الذي يهبنا النور، إنه" أثمن من الذهب والحجارة الكريمة، وأشهى من العسل وقطر الشهد "(مز19: 10) [33]2]. كما يقول: [كل لقبٍ من ألقابه لا يعبر بمفرده عنه، لكنها كلها معاً تشير إلى قدرة القدير... يتبقى لك بعد ذلك أن تدرك بنعمته الإلهية غير المُدرك، بواسطته وحده الصادر عنه[34]3]. ويقول القديس أغسطينوس: [يحل المسيح بالإيمان فيك؛ وإذ يحضر الإيمان يكون المسيح حاضراً، استرخاء الإيمان هو نوم للمسيح. قم وحث نفسك، قائلاً: يا رب إننا نهلك 2.].


[32] 1 On Luke home 113 - 6.

[33] 2 St. Clement: Exhortation to the Heathen, Ch. 9. "The Ants - Nicene Farhers".

[34] 3 St. Clement: Stromata, Book 5, Ch,12,.