4- ما هو الملء أو حياة الكمال عند الرسول؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

4 - ما هو الملء أو حياة الكمال عند الرسول؟

كثيراً ما أشار الرسول إلى الملء بأسلوب أو آخر، فمن كلماته:

"من التصق بالرب فهو روح واحد" (1كو6: 17).

"إذاً إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً" (2كو5: 17).

"ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذى صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداء" (1كو1: 30).

"مملوئين من ثمر البرّ الذى بيسوع المسيح لمجد الله وحمده" (فى1: 11).

"لكى تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذى فى العالم بالشهوة" (2 بط 1: 4).

"وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أى المؤمنون باسمه. الذين وُلدوا ليس من دمٍ ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله" (يو1: 12 - 13).

3- لماذا لم يختر السيد المسيح شاول الطرسوسي من بين تلاميذه؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

3 - لماذا لم يختر السيد المسيح شاول الطرسوسي من بين تلاميذه؟

السيد المسيح العالم بكل شيء (يو16: 30)، حتى أفكار البشر حتماً كان يعلم قلب شاول وفكره، إذ كان جاداً فى دراسة الناموس وفى جهاده لينعم ببرّ الناموس، إذ قال عن نفسه: "من جهة البرّ الذى فى الناموس بلا لومٍ" (فى3: 6). وبسبب غيرته على الناموس، بجهالةٍ جدف على المسيح واضطهد تلاميذه وافترى على المؤمنين، إذ يقول: أنا الذى كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً ولكننى رُحِمت، لأني فعلت بجهل فى عدم إيمان "(1تى1: 13).

لقد اختار السيد غالبية تلاميذه من صيادى السمك البسطاء، وكما يقول الرسول: "اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء، واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء (1كو1: 27). ولم يختر شاول الطرسوسى لكى شاول يختبر بنفسه هو شخصياً عمل الناموس وهدفه وإمكانياته. إذ يقول الرسول بولس:" أيها الرجال الإخوة أنا فريسي ابن فريسي (أع33: 6). ويقول: "من جهة الختان مختون فى اليوم الثامن، من جنس إسرائيل من سبط بنيامين، عبرانى من العبرانيين، من جهة الناموس فريسي" (فى3: 5 - 6). لهذا حين آمن بالسيد المسيح أدرك الفارق ما بين عمل الناموس وعمل المسيح فيه، إذ يقول: "لأنه بأعمال الناموس كل ذى جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية" (رو3: 20). "فماذا نقول: هل الناموس خطية؟ حاشا... لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته" (رو7: 7). لقد أدرك أن دور الناموس هو أن يكتشف المؤمن حاجته إلى المُخَلِّص الإلهى كى يدخل به إلى الكمال أو إلى الملء. "لأن غاية الناموس هل المسيح للبرّ لكل من يؤمن" (رو10: 4).

يقول القدّيس يوحنا الذهبى الفم[226] أن الإنسان لا يمكن أن يحيا ولا أن يتبرَّر ما لم يُتَمِّم كل الفرائض وأحكام الناموس، الأمر الذى يعتبر مستحيلاً! لهذا فإذ أراد اليهود أن يتبرّروا بالناموس فالناموس عينه يُعلن عن العجز التام لكل إنسان أن يُحقّق البر والحياة... بهذا يدفعنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح الذى وحده غير كاسرٍ للناموس، بل وقادر على تبرير مؤمنيه. بهذا لم يترك الرسول بولس لليهود عذراً يلتمسونه، فإن الناموس نفسه يُعلِن عن المسيح بكونه وحده يتركَّز فيه البرّ؛ من ينعم بالبرّ الذى قصده الناموس، ومن يرفضه إنما يرفض البرّ حتى وإن ظنّ فى نفسه أنه بالناموس يتبرّر.

ويقول القدّيس إكليمنضس السكندرى: [المسيح هو غاية الناموس للبرّ، الذى أنبأنا عنه بالناموس لكل من يؤمن[227].].

إذ دعا السيد المسيح شاول الطرسوسي الفريسي، شعر الرسول أن رسالته هى التمتُع بحياة الملء بالمسيح يسوع. هذا الملء تحدث عنه السيد المسيح فى صلاته الوداعية: "أيها الآب القدوس احفظهم فى اسمك الذين أعطيتنى ليكونوا واحداً كما نحن" (يو17: 11).

"ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا" (يو17: 21).

"ليكون فيهم الحب الذى أحببتنى به، وأكون أنا فيهم" (يو17: 26).


[226] In Rom. hom 17.

[227] Strom 9: 2.

2- ماذا يعنى الرسول بحياة الملء؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

2 - ماذا يعنى الرسول بحياة الملء؟

كثيراً ما يتحدَّث الرسول عن حياة الملء، سواء بالنسبة للكنيسة الجامعة أو المؤمن كعضوٍ فى كنيسة المسيح. إنه يرى الكنيسة المنطلقة نحو السماء حيث تنضم إلى صفوف الطغمات السماوية، كعروسٍ تحمل أيقونة عريسها السماوى، يُناجِيها قائلاً: "ها أنتِ جميلة يا حبيبتى، ها أنتِ جميلة، عيناكِ حمامتان" (نش1: 15). وفى نفس الوقت يشعر كل مؤمنٍ أنه الابن (او الابنة) الخاص الذى يُعِدْ له أبوّه السماوى مسكناً فى السماوات.

الملء فى ذهن الرسول بولس هو ان يسترد الإنسان المؤمن صورة الله التى فقدها بسبب الخطية، وأن يتمتَّع ببرّ المسيح، فيصير موضع إعجاب السماويين وتكريمهم.

هذا ما دفع الرسول أن يُرَكِّز أنظارنا على الملء أو التمتُّع بالعطايا التالية:

أولاً: عطية البنوة لله.

ثانياً: إدراك المؤمن بانطلاقه نحو الكمال باتحاده مع مُخَلِّصه.

ثالثاً: الشعور بالشبع الداخلى والفرح الدائم خلال خبرته بعربون السماء.

رابعاً: التهاب قلب المؤمن بالاشتياق نحو خلاص كل بنى البشر.

خامساً: تمتُّعه بالتجديد المستمر حيث ينطلق كما من مجدٍ إلى مجدٍ!

سادساً: مع شعوره بالغِنَى الداخلى، يشعر أنه غريب على الأرض، مُترنّماً: "آمين، تعال أيها الرب يسوع" (رؤ22: 20).

سابعاً: يشعر أن الكتاب المقدس هو الفردوس الروحى، حيث يقطف من أشجاره ثمر الروح القدس: "محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان، وداعة تعفُّف" (غلا5: 22 - 23).

ثامنآ: لن يتوقَّف قلبة عن الشكر والتسبيح لله حتى وهو نائم!

1- ماذا يعنى الكتاب المقدس بالملء وأيضاً بالفراغ؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

1 - ماذا يعنى الكتاب المقدس بالملء وأيضاً بالفراغ؟

خلق الله الإنسان على صورته ومثاله (تك1: 27)، فكان آدم وحواء يجدان شبعهما فى خالقهما، إذ كان صوت الربّ ماشياً فى الجنة (تك3: 8). حقاً كانا عروسين فى جنة عدن كما فى القصر الملكى يتمتَّعان بالحضور الدائم للربّ وكان سرّ فرحهما وسعادتهما وشبعهما. كانا يتلامسان مع محبة الله فى أعماقهما كما فى كل ما هو حولهما، ولا يشعران بالفراغ قط، إذ كانت المخلوقات الأرضية خاضعة لهما، وتخدمهما بفرحٍ.

أما وقد أعطى آدم وحواء للربّ القفا لا الوجه بكسر الوصية الإلهية بإرادتهما الحرة، واقتحام الخطية قلبيهما لتملك عليهما، فقد فقدا صورة الله ولم يعودا على مثاله، عانا من الفراغ الداخلى، ولم يستطع العالم كله أن يشبعهما.

تجسد كلمة الله ليُخَلِّصهما هما ونسلهما، فأقام ملكوته فى داخل قلوب المؤمنين (لو17: 21). أقام من قلوب المؤمنين كنيسة مقدسة، إذ أرسل روحه القدوس ليسكن فيها (رو8: 11). بهذا تتحقق حياة الملء خلال استرداد الصورة الإلهية والتمتُّع بعربون السماء (أف1: 14)، وإعلان المجد الحقيقى الداخلى والنمو المستمر يوماً فيوماً حتى يراه المؤمنون وجهاً لوجه فى الفردوس. هذا ما تمتَّع به اللص، إذ سمع الصوت الإلهى: "اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو23: 43).

هذا النمو المستمر فى الشركة مع الله يُحَقِّق الملء الدائم فى حياتنا. هذا الملء هو عمل الثالوث القدوس الذى لا يتوقَّف، ففى كل يومٍ نختبر أبوة الآب وعضويتنا فى جسد المسيح، وقيادة الروح العامل فينا. هذا الملء غيرالمنقطع هو نعمة إلهية مجانية، تهيئنا لحياة الشكر والتسبيح الخفى مع الطغمات السماوية.

8- هل فى ممارسة الميطانية سقوط فى مذلّة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

8 - هل فى ممارسة الميطانية سقوط فى مذلّة؟

للأسف يظن البعض أن ممارسة الميطانية خاصة أمام الناس فيه نوع من المذلّة. إن كان السمائيون بسجودهم فى مخافةٍ ورعدةٍ يتمتَّعون بانعكاس بهاء الله عليهم، لذلك يشعر الإنسان بمهابتهم إن التقى بهم، هكذا يتمتَّع المؤمن بنوع من المهابة بممارسته للميطانيات بطريقة لائقة.

7- ما هى قيمة الميطانية إن خَلت منها المحبة والتواضع؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

7 - ما هى قيمة الميطانية إن خَلت منها المحبة والتواضع؟

من يمارس الميطانية بدون محنة وتواضع، تحسب نوعاً من السخرية. هكذا سجد الجنود الرومان أمام يسوع فى دار الولاية فى سخريةٍ واستخفافٍ بشخصه (مت27: 29). لذلك يدعونا القديس مار اسحق السريانى أن نُمارِس الميطانية بروح التواضع والمحبة، إذ يقول: [تواضع أمام كل الناس فترتفع فوق رؤساء هذا الدهر (الشياطين). بادِرْ الجميع بالتحية والسجود تُكرَّم أكثر ممن يحملون هدايا من الذهب الخالص.].

6- كيف تطفئ الميطانيات لهيب الغضب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

6 - كيف تطفئ الميطانيات لهيب الغضب؟

إذ سمع يعقوب أن أخاه عيسو خرج للِّقاء معه، سجد نحو الأرض سبع مرات أمام أخيه فاسترضى وجهه وزالت العداوة من قلب عيسو (تك33: 3).

وإذ أدركت أبيجايل أن داود فى ثورة غضب على رجلها نابال الذى أساء إليه، انطلقت للقائه، وسجدت أمامه، فهدأ داود وتجنَّب سفك الدماء والانتقام لنفسه (1صم25: 23). أُعجِب داود بحكمة أبيجايل وتراجع عن غضبه أمام تواضعها وانسحاقها.

وعندما سجدت أبيجايل أمام داود (1صم25: 23) لتصرف عنه روح الغضب، ماذا رأى فيها؟! لقد قال لها: "مبارك عقلك، ومباركة أنتِ" (1صم25: 33).

5- ما هى مشاعر المؤمن وهو يمارس الميطانيات؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

5 - ما هى مشاعر المؤمن وهو يمارس الميطانيات؟

تختلف المشاعر حسب الدافع لممارسة الميطانيات، غير أن المشاعر المشتركة فى كل الميطانيات هى الشعور بالحضرة الإلهية، سواء كان الشخص يُقَدِّمها للعبادة كما يفعل السمائيون، أو من أجل التوبة والاعتراف بخطيته مع الاشتياق الحقيقى للرجوع إلى الله والتمتُّع بالأحضان الإلهية، أو كنوعٍ من الحب المتبادل بين المؤمنين (خاصة الرهبان) مع ممارستها بروح التواضع. او إن مورست الميطانيات لصرف روح الغضب عن الأخ أوة الإخوة، أو كنوع من الشكر لحسن تصرف الأخ أو الأخت. أو نوع من الاعتذار وطلب السماح عما أخطأ به سواء إلى شخصٍ ما أو إلى الله الخ. فى كل المواقف ما يشغل فكرنا هو الحضور الإلهى وطلب رضاه وبركته.

فى ممارستنا للميطانية، كعبادة الله، نُشارِك السمائيين مخافتهم للرب وتهليلهم بخالقهم.

وفى ممارستنا لها من أجل التوبة، فمع انسحاق نفوسنا بسبب خطايانا، نفرح بعمل المُخَلِّص غافر الخطايا، وبلقائنا به كأبناء وبنات يجدون أحضان المُخَلِّص مفتوحة لاستقبال الراجعين إليه. هكذا تختلط مشاعر الحزن مع الفرح الروحى.

وإن كنا نمارس الميطانيات من أجل متاعبنا، فإننا نُقَّبِّل قدميّ المُخَلِّص: "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم" (مت11: 28).

كما نتقدَّم إليه كأطفالٍ صغارٍ محبوبين إليه، مُتذكِّرين كلماته: "دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات" (مت19: 14؛ مر10: 14؛ لو18: 16).

كما نتقدَّم إليه كمرضى محتاجين إلى الطبيب السماوى، مُتذكِّرين كلمات إشعياء النبى: "لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها" (إش53: 4).

أيضاً نخضع بالميطانيات أمام الرب، كجنودٍ يلجأون إلى قائد المعركة، إذ وحده يُحَطِّم إبليس وكل خططه، ويُبَدِّد ظلمة قوات الشر، وننشغل بأن نخضع لمشيئة الله، ونتمتَّع بالسكون المقدس والبر الإلهى أثناء ممارستنا الميطانيات. أيضاً كثيراً ما يلتهب قلب المؤمن بالشوق نحو السماويات فيرفع يديه ونظره نحو السماء بعد ممارسته للميطانية. يقول القديس مار اسحق السريانى عن ارتباط السجود بالفرح السماوى: [المداومة على السهر مع ضرب الميطانيات بين الحين والآخر ولا تتأخَّر كثيراً عن أن تكسب العابد المجتهد فرحة الصلاة... أعطِ نفسك للصلاة وأنت تحصل على لذة الميطانيات وتداوم فيها بسرور.] يدعونا القديس مار اسحق السريانى أن نُمارِس الميطانيات أمام صليب السيد المسيح، إذ يقول: [لا شيء فى الجهاد النسكى أعظم وأشد تعباً من أن يلقى الإنسان بنفسه أمام صليب المسيح، الأمر الذى لا تحتمله الشياطين.].

4- ما هو ارتباط الميطانيات بالصلاة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

4 - ما هو ارتباط الميطانيات بالصلاة؟

إن كانت الصلاة هى تقدمة عبادة عقلية، فبالميطانيات يشترك الجسد مع العقل فى التقدمة، كقول الرسول: "فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تُقَدِّموا أجسادكم ذبيحة حيَّة مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو12: 1).

قَدَّم لنا السيد المسيح الصلاة النموذجية مُفتتحاً إياها بالقول: "أبانا الذى فى السماوات"، ومُقَدِّماً للمؤمنين دالة البنوة حتى يتحدَّثوا مع الآب بدالة قوية. لكن يليق بهم أيضاً أن يتسلَّحوا بروح المخافة الإلهية. إذ يقول: "الابن يكرم أباه، والعبد يكرم سيده، فإن كنت أنا أباً فأين كرامتى؟، وإن كنت سيداً فإين هيبتى، قال لكم رب الجنود" (مل1: 6). بعمل الميطانيات نُعلِن هيبة الله ومخافته فينا دون تجاهل أبوّته وحنانه ورحمته.

بناموس الطبيعة يُكرم الابن أباه، وبقوانين العالم يهاب العبد سيده ويطيع أوامره، ويحرص على خدمة مصالحه. الابن الذى لا يُكرم أباه يسقط تحت لعنة الناموس الطبيعى، والعبد الذى لا يسمع لسيده يسقط تحت عقوبة قوانين المجتمع. هذا هو موقف الابن والعبد. اما بالنسبة لنا فبقانون النعمة الإلهية يليق بنا أن نُكرِّم الله كأب لنا ولا نستهين بحبه وحنوّه. لهذا تمتزج ممارستنا للصلاة بالميطانيات، خاصة فى الصلوات السهمية القصيرة.

يُقَّدِّم لنا مار اسحق السريانى التدريب التالى، وهو إن هوجمنا بالملل فى الصلاة لسببٍ أو آخر مثل هجوم فكر يُشَتِّت مشاعرنا، نُمارس الميطانيات طالبين من الله أن يُسَمِّر مخافته فى قلوبنا. إنه يقول: [أحْبِب الميطانيات فى الصلاة أكثر من المزامير (إن حورب الشخص بالسرحان أثناء الصلاة بالمزامير وعانى من تشتيت الفكر)، وعندما تعطيك الصلاة يدها تعوّضك عمّا فات من تدبيرك[224].].

يكشف الأب ماريوس فيكتورينوس عن أهمية الميطانيات، قائلاً: [بالركوع نُحَقِّق الشكل الكامل للصلاة والتضرُّع. لذا نحني ركبنا. يلزمنا أن نميل إلى الصلاة ليس فقط بأذهاننا وبأجسادنا. حسناً نحني أجسامنا لئلا نخلق فينا نوعاً من التشامخ ونحمل صورة الكبرياء[225].].


[224] - راهب من دير البرموس (نيافة الأنبا مكاريوس): مدخل إلى الميطانيات فى التدبير الروحى، الطبعة الرابعة 2002م، ص11.

[225] Marius Victorianus, On. Ephes. 3: 1: 14.

3- ما هو ارتباط الميطانية بالتوبة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

3 - ما هو ارتباط الميطانية بالتوبة؟

إن كانت التوبة تبدأ برجوع الإنسان إلى نفسه كما فعل الابن الضال (لو15: 17)، فإنها لا تقف عند هذا الوضع، بل ينطلق المؤمن نحو أبيه فيجد أباه السماوى يركض إليه ويسقط على عنقه، ويدخل به إلى بيته، ويقيم له وليمة فاخرة (لو15: 22 - 23). فيذوب حزن الخاطيء، وتتهلل نفسه بمحبة أبيه له.

هكذا لا تقف الميطانية عند انطراح وجه الإنسان ليلامس الأرض عند الجبهة، وانما يقوم المؤمن ويقرع صدره (لو18: 13) حيث يُقيم مُخَلِّصه السماوى ملكوت الله فيه، أو يبسط يديه ويرفعهما إلى فوق، ويتطلَّع نحو السماء مُعلِناً اشتياقه لرؤية أبيه السماوى والتمتُّع بشركة المجد الأبدى.

وما نقوله بخصوص التوبة وممارسة الميطانيات نختبره فى كل أنواع العبادة لله، الأمر الذى يكشف عنه آباء الكنيسة، حيث تنطلق قلوبهم "من مجدٍ إلى مجدٍ" (2كو3: 18).

هذه الخبرة العملية قَدَّمَتها لنا المرأة الخاطئة التى غسلت قدمىّ المُخَلِّص بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها، وسرعان ما سمعته يمدحها، قائلاً للفريسي: "قد غُفِرَت خطاياها الكثيرة لأنها أَحَبَّت كثيراً" (لو7: 47).

هذا الفكر الإنجيلى اختبره كثير من آباء الكنيسة والأمهات، إذ كانوا يمارسون الميطانيات بكمية كبيرة بفرحٍ وبهجةٍ، ولا يشعرون بالتعب والملل. إنهم يترنمون سرّياً مع الرسول بولس، قائلين: "فإن سيرتنا نحن هى فى السماويات" (فى3: 20).

يقول القديس مار اسحق السريانى "كلما استنار الإنسان فى الصلاة، شعر بضرورة عمل الميطانيات وأهميتها، ويحلو له الثبات فيها. فكلما رفع رأسه، ينجذب من فرط حرارة قلبه للسجود، لأنه يحس بمعونة قوية فى ذلك ويزداد فرحه وتنعمه[223]".

وجاء فى بستان الرهبان: [قال الأخ: "ماذا أفعل يا أبى، لأننى ضعيف والوجع غالبّ عليَّ وليست لى قدرة على مقاومة الأفكار"؟ فقال له الشيخ: "إذا ألقوا بالأفكار فيك فلا تجاوبهم، ولكن اهرب إلى الله بالصلاة أو السجود، وقُل: يا الله ارحمنى، واصرف عنى هذه الأفكار بقوتك العظيمة، فإنى ضعيف عن مقاومتها". فقال له الأخ: "إذا وقفتُ لأُصلِّي لا أشعر بخشوع لأنى لا أعرف قوة الكلام". فقال له الشيخ: "أنا سمعتُ أنبا موسى (أو أنبا بيمين فى بعض المراجع) وجماعة من الآباء يقولون: إنّ الراقى لا يعرف قوة الكلام الذى يعزِّم به، لكن الحية تشعر بقوته فتخرج؛ هكذا نحن أيضاً إن كنا لا نعرف ما نقول ولكن الشياطين يعرفون قولنا فينصرفون عنا".

جاء فى تعاليم الأب إشعياء للمبتدئين: [إذا أخطأتَ فى أمرٍ فلا تَسْتَحِ ولا تكذب، لكن اصنع ميطانية وقرّ بذنبك واستغفر لك.].

[إن قال لك إنسانّ كلمةً عنيفة، فلا تنفر ويستكبر قلبك عليه، ولكن بادر باتضاع واصنع ميطانية ولا تلُمْه فى قلبك وإلاّ يتحرك الغضب عليك. إن كذب عليك أحدّ (أى افترى عليك) فى شيءٍ لم تفعله، فلا تهتم ولا تجزع، لكن اتضع واصنع ميطانية. وإن كنتَ فعلتَ أو لم تفعل فقُلْ: "اغفر لى، فإننى لن أعود إلى ذلك".].


[223] - راهب من دير البرموس (نيافة الأنبا مكاريوس): مدخل إلى الميطانيات فى التدبير الروحى، الطبعة الرابعة 2002م، ص 10.