ما هو معنى كلمة “السر” فى العهد الجديد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو معنى كلمة "السر" فى العهد الجديد؟

يتحدث معلمنا بولس عن "السرّ الذى كان مكتوماً فى الأزمنة الأزلية" (رو16: 25)، وهو يشير إلى معاملات الله فى العهد الجديد الذى حقق الخطة الإلهية العجيبة لكى ما يسترد المؤمن علاقة الحب والانفتاح على عمل الله، الذى يتحقق بصلب السيد المسيح وقيامته وعمل نعمته فى كنيسته ليهيأها كعروس سماوية يدخل بها إلى الآب فى مجيئه الثانى.

ركز آباء الكنيسة الأولى على الحديث عن "الأسرار الكنسية"، بكونها تُعد شعب الله كما تُعد كل عضو فيها ليتمتع بالبنوة لله خلال المعمودية، وسكنى الروح القدس فى المؤمن كهيكل الرب وروح الله يسكن فيه فى سر الميرون، والغسل المستمر من خطاياه خلال سرّ التوبة والاعتراف، والاتحاد المستمر بالمسيح خلال الإفخارستيا، والشفاء الروحى والجسدى خلال سرّ مسحة المرضى، وإقامة كنيسة البيت فى سرّ الزواج، وإتمام هذه الأسرار بالمسيح يسوع خلال سرّ الكهنوت.

خلال الألف سنة الأولى من صعود المخلص وحلول الروح القدس فى يوم الخمسين كانت الكنيسة تمارس الأسرار الكنسية دون أن تنشغل بعدد الأسرار، إذ لم يوجد بين المؤمنين من يشك فى عمل الله خلال هذه الأسرار الكنسية بل كان الكل متهللين بعمل الله فيهم.

تكشف هذه الأسرار الكنسية عن نظرة الكنيسة المقدسة للجسد المدعو للشركة مع النفس فى الأمجاد السماوية إذ يتمتع بطبيعة جديدة، وقد أوضح الرسول ذلك فى شئ من التفصيل فى الأصحاح الخامس عشر من رسالته الأولى فى أهل كورنثوس، حتى يشارك الجسد النفس فى الميراث الأبدى. فالمؤمن يدخل بكل كيانه إلى الميراث الأبدى.

ما ركز عليه الآباء أن هذه الأسرار يتممها السيد المسيح نفسه خلال الكاهن، وليس الكاهن مما عنده. يقول القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو: [ليس داماسيوس ولا بطرس أو أمبروسيوس أو غريغوريوس هو الذى يُعمد. نحن نتمم كخدام، إنما شرعية الأسرار تعتمد عليك (يارب). إنه ليس فى سلطان بشرى تحقيق المنافع الإلهية، بل هى عطيتك يارب]. ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [حتى الآن المسيح الملاصق لنا الذى أعدّ المائدة هو بنفسه يقدسها. فإنه ليس إنسان يحول القرابين إلى جسد الرب ودمه، بل المسيح نفسه الذى صُلب عنا. فالكاهن ينطق بالكلمات، أما التقديس فيتم بقوة الله ونعمته. بالكلمة التى نطق بها: "هذا هو جسدى" تتقدس القرابين ([386])].

لا يكف روح الله عن العمل بكل وسيلة ليقودنا كعروس واحدة تتحد بالعريس السماوى، كلمة الله المتجسد يسوع المسيح، فيتحقق كمال العريس فى حضن الآب. الأسرار فى جوهرها خبرة إعداد العروس والتصاقها بالعريس بعلم الروح القدس، حسب مسرة الآب السماوى. حيث تتحقق شهوة قلب الله أن يقيم من البشر عروساً مقدسة لتحيا فى السماء، تتمتع برؤياه وشركة المجد الإلهى. إنها تمارس الحياة الزمنية على الأرض كتهيئة مستمرة لهذه الرؤية والعريس الفريد. كما هى دعوة شخصية للمؤمن باسمه، بكونه موضع حب الله وتقديره كعضو حىّ فى الكنيسة الجامعة الممتدة من آدم إلى آخر الدهور.

الأسرار هى عمل ليتورجى (جماعى كنسى)، خلاله يختبر كل مؤمن التجديد المستمر لأعماقه، فيرى ملكوت الله داخله (لو17: 21)، ويتشكل إنسانه الداخلى ليصير أيقونة العريس السماوى.

الأسرار الإلهية وهى تحتوى على قراءات من الكتاب المقدّس، وصلوات وابتهالات وتشكرات وتسابيح مع طقوس بترتيب وتدبير روحى فائق، إنما هى أغنية العرس التى تحول كل شئ إلى قيثارة يعزف عليها روح الله القدوس، فيسير موكب العروس وسط تهليلات السمائيين، فيشترك الكل فيه حتى الخليقة الجامدة.


[386] [] Cf. Catena Aurea.

ما هى آداب الحضور فى بيت الرب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى آداب الحضور فى بيت الرب؟

يحدثنا القديس باسيليوس الكبير عن احترام بيت الله، قائلاً: [ "السماوات تُحدث بمجد الرب" (مز18: 2). يقتصر عمل الملائكة على تمجيد الله، ويقتصر عمل الجنود السماوية فى أن تعطى مجداً للخالق. كل الخليقة الناطقة وغير الناطقة، الأرضية والسماوية، تُمجد خالقها. وأولئك الذين يتركون منازلهم للاجتماع فى الهيكل ويتكلمون يستحقون الشفقة، لأنهم لا يستمعون لكلام حق، ولا يُقيمون نفوسهم على ضوئها لقد سبتهم الخطية دون أن يتأثروا، لا يتألمون بسبب خطاياهم التى يتذكرونها، ولا يخشون الدينونة، لكنهم يتصافحون مع بعضهم، ويجعلون من بيت الصلاة مكاناً للثرثرة، ومُحتقرين قول المزمور: "فى هيكله الكل قائل مجد" (مز29: 1 - 2) أما أنت، فلم تكتف بعدم إعطاء المجد لله فى هيكله بل زدت على ذلك بمضايقتك الآخرين. تريد أن تجذب اهتمام الآخرين نحوك، وبالضوضاء التى تصدر عنك تمنعهم من الاستماع لتعليم الروح. انتبه إذن لئلا تكون نهايتك مثل نهاية الذين يُجدفون على اسم الله... فى هيكله الكل قائل: مجد. لم تأتِ هذه الكلمات من فراغ، لأن فى هيكل الرب يوجد الذين يثرثرون بلا توقف. فوجودهم فى الهيكل باطل، ليس باطلاً فقط، بل وسبب فى دينونتهم! ([385])].


[385] [] تفسير المزمور 29.

ما هو ترتيب أجراس الكنيسة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو ترتيب أجراس الكنيسة؟

أ. تدق أجراس الكنيسة أثناء "التقدمة"، لتعلن أن المسيح الملك يملك على نفوسنا خلال ذبيحته، كما تُدق أثناء التناول لتعلن فرح الكنيسة بهذا العيد السماوى!

ب. تدق الأجراس فى الأعياد بدقات خاصة (فرايحى).

ج. تدق الأجراس بنغمة الحزن عند انتقال عضو من الإيبارشية، كمشاركة الكنيسة فى حزن أعضائها، هذه الدقات تتم أيضاً عند بدء الصلاة فى كل ساعة من ساعات الجمعة العظيمة.

د. فى الأعياد السيدية وأيام الآحاد وفى فترة الخماسين، لا تدق الأجراس بنغمات الحزن قط حتى فى الجنازات، إذ تحتفل الكنيسة متهللة بهذه المناسبات.

ما هى استخدامات الجرس والبوق؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى استخدامات الجرس والبوق؟

حلت الأجراس فى الكنيسة عوض أبواق العهد القديم، حيث كانت تستخدم فى الأغراض التالية:

1. استلام الشريعة الإلهية (خر3: 27)، حيث يقرر الكتاب المقدس أنه عندما ارتفع صوت البوق أكثر فأكثر تحدث موسى وأجابه الله فى الرعد. أما الآن فتضرب الأجراس فى الكنيسة بكونها جبل سيناء الجديد حيث يلتقى الله مع شعبه ويتكلم معهم.

2. فى الحروب (قض3: 27)، والكنيسة هى ساحة المعركة الروحية حيث يناضل أولاد الله ضد الخطية بسلاح الروح القدس.

3. فى الاحتفال بالأعياد، ونحن لا نكف عن دق الأجراس فى كل خدمة حتى مجئ السيد المسيح الأخير، أى الاحتفال بالعيد الأبدى، حيث يسمع صوت بوق الله (تس4: 16).

4. فى تدشين الملوك (2مل9: 13).

هل نستخدم أجراس اليد فى كنائسنا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل نستخدم أجراس اليد فى كنائسنا؟

أشارت سجلات الكنائس البريطانية والإيرلندية بأن أجراس اليد استخدمت منذ القرن السادس. ويروى رينودت أن أساقفة مصر الذين رافقوا جورج ابن ملك النوبة عند زيارته مصر حوالى عام 850م كانوا يضربون أجراساً عند رفع الأسرار المقدسة، إلا أن هذه العادة لا يوجد لها أى أثر فى طقسنا، إذ لا نستخدم أجراس اليد على المذبح ([384]). تُستخدم للتنبيه للسجود فى الكنيسة الكاثوليكية.


[384] [] Butler: Ancient Churches of Egypt, vol. 2, p 81.

ما هو تاريخ استخدام الأجراس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو تاريخ استخدام الأجراس؟

استخدام الأجراس فى الخدمة الإلهية قديم، فقد كانت الأجراس تعلق بين الحلية التى تثبت على أفود رئيس الكهنة، حتى يُسمع أصواتها أينما دخل الهيكل أو خرج منه (خر28: 33 - 35). بجانب هذه الأجراس الصغيرة توجد أيضاً أجراس كبيرة تسمى "ميجرفيتا" ([382]) وتقول الميشنا: [عندما تدق هذه الأجراس رنينها عال جداً، حتى أنك لا تسمع صوت أى إنسان يتكلم فى أورشليم كلها ([383])]. كانت هذه الأجراس تدق لأغراض ثلاثة.

أ. تنبيه الكهنة للخدمة.

ب. حث اللاويين على التسبيح.

ج. دعوة الناس أن يُخرجوا ما هو نجس إلى بوابة Nicanor.

فى كنيسة العهد الجديد الأول، خلال القرون الثلاثة الأولى، كانت هناك استحالة لاستخدام الأجراس لدعوة المؤمنين للعبادة، وذلك بسبب الاضطهاد أما استخدامها فيُنسب إلى القديس بولينوس أسقف نولا عام 400م ولو أن رسالته التى حوت وصفاً تفصيلياً للكنيسة جاءت خاوية من ذكر الأجراس، مما يجعل هذا الرأى الخاص بنسبة إدخال الأجراس إليه مشكوك فيه.

جدير بالذكر أنه ساد فى الغرب اعتقاد بأن الأجراس أصلاً وثنية، يعمدونها بطقس خاص لتجديدها، لكن أخيراً تطلعوا إلى الصلاة على الأجراس بأن الكنيسة تطلب من الله أن يستخدم أصواتها فى حث قلوب الشعب للتعبد له.


[382] [] O'Brien: A Hisory of the Mass and its ceremonies.

[383] [] Mishana is the oral law of the Hebrews, consists of various traditions respecting the Law of Moses The Mishana and Gemara (or a commentary on mishana) from the Talmud, of which there are two binds, i. e. , that of Jerusalem and that of Babylon.

بماذا تتسم حجرة المعمودية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

بماذا تتسم حجرة المعمودية؟

أولاً – القبو: إذ يرفع المُعمد نظره وهو صاعد من مياه المعمودية يرى فوقه قبة هى صورة السماوات، تُقام فوق الجرن إما كسقف لحجرة المعمودية أو كعرش ملاصق للجرن من أعلى، تعبر عن الاعتقاد بالعماد كبدء حياة سماوية، خلالها يصير المعمد حديثاً فى ملكوت الله.

ثانياً - الدرجات: فى أغلب كنائسنا الأثرية تُوجد مجموعتان من الدرجات من جهة الشرق والغرب. هذه الدرجات التى هى فى صلب مبنى الجرن تكشف لنا عن طقس العماد فى الكنيسة. من إحدى الدرجات ينزل طالب العماد فى الماء ويغطس أما السلم الآخر فربما يستخدمه خادم السر حيث يقف عليه أثناء إتمام السر ليضع يده على رأس طالب العماد ويغطسها ثلاث دفعات.

يشرح القديس كيرلس الأورشليمى هذا الطقس، قائلاً: [أنتم تنزلون فى الماء ثلاث دفعات وتصعدون أيضاً. هنا تلميح خفى يرمز للثلاثة أيام التى دفن خلالها السيد المسيح وقيامته، فان الماء المخلص يحمل لكم موتاً وحياة فى نفس الوقت]. وللقديس يوحنا الذهبى الفم تعليل جميل إذ يقول: [حين تغطس الرأس فى الماء، كأنما فى قبر يدفن فيه إنساننا القديم بكامله... وإذا يخرج بعد ذلك يطفو ويخرج إنساناً جديداً، وكما يسهل علينا أن نغطس ثم نطفو هكذا يسهل على الله أن يدفن الإنسان القديم ويلبسنا الإنسان الجديد].

ثالثاً – أيقونة المعمودية: فى أغلب الكنائس القبطية توجد أيقونة عماد السيد المسيح فى نهر الأردن بواسطة القديس يوحنا المعمدان، وذلك على القبو الذى لمبنى المعمودية. وكأن الكنيسة تريد أن تركز أنظارنا إلى حقيقة لاهوتية طالما نادت بها مدرسة الإسكندرية وهى أن عمادنا هو امتداد لعماد السيد المسيح، يستمد الأول فاعليته من الثانى، أو كما يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [إن المؤمن يتحد بالسيد المسيح أثناء عماده اتحاداً لا ينفك ([380])].

تمثل الكنيسة سفينة الرب حيث تبحر نحو السماء، توجد بها المنارة التى يُعلق داخلها الأجراس، وذلك مقابل برج المراقبة. بهذا الفكر رأى هرماس فى كتاب الراعى ([381]) الكنيسة برجاً فى وسط المياه.


[380] [] Paed 25: 1: 3, Strom 14: 7: 1.

[381] [] Hermas: The Shepherd, vision3.

ما هى أشكال المعمودية من الجانب الهندسى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى أشكال المعمودية من الجانب الهندسى؟

تتكون بعض المعموديات فى الكنائس الأولى من حجرة واحدة، والبعض يلحق بها حجرة أخرى تسمى "حجرة مسحة الميرون" Chrismation يتم فيها سر المسحة للمعمدين حديثاً على يد الأسقف، وأحياناً يلحق بها حجرة ثانية تستخدم فى خلع الملابس وارتدائها.

هذا ويرى البعض ([375]) أنه بسبب التصاق سرى العماد والميرون أقيمت المعموديات فى بداية الأمر فقط فى المدن التى بها كرسى الأسقف حيث كان هو وحده الذى يهب مسحة الميرون.

أما شكل حجرة المعمودية، فانه حتى القرن الرابع كان الشكل العام هو "مربع الجوانب"، وغالباً ما تنتهى الحجرة بقبو. ومع بدء القرن الخامس ظهرت فى أوروبا معموديات هى وجرنها على شكل سداسى الجوانب أو ثمانى الجوانب أو دائرية الشكل وأحياناً على شكل صليب. ويمكننا أن نؤكد أن الشكل الأخير من الأصل شرقى دخل إلى شمال أفريقيا ثم فى أوروبا ([376]).

أولاً: الشكل الرباعى الجوانب. يحمل هذا الشكل رسم المقابر ومدافن الشهداء "مارتيريا" فى القرون الأولى، إذ يفهم العماد بكونه موتاً مع المسيح ودفناً وقيامة معه! وقد أشار القديس أمبروسيوس قوله ([377]): [جرن المعمودية يظهر إلى حد ما بشكل القبر]. ويخاطب المعمدين قائلاً ([378]): [حين تغطسون تنالون شبه الموت والدفن، وتتقبلون سرّ الصليب].

ثانياً: الشكل السداسى الجوانب. إشارة إلى اليوم السادس، أى الجمعة، حيث علق الرب على خشبة الصليب ودفن. وهنا نجد أيضاً تركيزاً على مفهوم العماد كشركة موت ودفن مع المسيح، كقول الرسول بولس: "كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة" (رو6: 3 - 4).

ثالثاً: الشكل الثمانى الجوانب. يرمز إلى قيامة الرب فى اليوم الثامن من الأسبوع، أو اليوم الأول من الأسبوع الجديد. وبهذا تتأكد شركة القيامة مع المسيح فى المعمودية.

رابعاً: الشكل الدائرى. يذكرنا بنعمة المعمودية كميلاد جديد (يو3: 3). والشكل الدائرى يوضح أيضاً سمة المعمدين، فقد دخلوا دائرة الأبدية، يعيشون فوق كل حدود، فى جو سمائى!!

خامساً: شكل الصليب. يعلن لنا حقيقة العماد كصليب. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [المعمودية صليب. ما كان الصليب بالنسبة للسيد المسيح والدفن أيضاً هكذا المعمودية بالنسبة لنا ([379])].


[375] [] Davies J: Early Christian Church, 1965, p 203.

[376] [] Dict. Of Liturgy & Worship. See Baptistery & Font.

[377] [] De Sacr. 1: 3: 1.

[378] [] Ibid 7: 2: 23.

[379] [] Ep. Ad Rom 4: 10.

لماذا تُقام المعمودية فى غرب صحن الكنيسة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا تُقام المعمودية فى غرب صحن الكنيسة؟

يتطلع الأقباط إلى المعمودية وجرنها كأنهما الهيكل المقدس. فإن جرن المعمودية هو باب السماء الذى يدخل بالمؤمنين إلى هذا العرش. فالجرن هو رحم الكنيسة، خلاله تنجب أبناء لله السماوى، بفعل الروح القدس، فى استحقاقات دم الابن، لهم حق الدخول إلى عرش الله، يتنالون الأسرار المقدسة، ويتحدون مع السماوى. إذ نقبل سرّ العماد نشارك الرب أعماله الخلاصية. لهذا أوصى تلاميذه قبيل صعوده أن يعمدوا، قائلاً: "اذهبوا... تلمذوا... عمدوا" (مت28: 19). وبالفعل انطلقت الكنيسة منذ البداية فى طاعة للرب تكرز بالمسيح وخلاصه وفى نفس الوقت تدعو العالم كله للعماد، أى تدعوهم لاختبار الحياة المصلوبة والمقامة فى المسيح، وأن يتقبلوا روح المسيا. هذا الفهم اللاهوتى للمعمودية كان له صداه فى إقامة المعموديات وفى تحديد مواقعها وأشكالها ومبانيها وأيقوناتها الخ.

فى حكمة روحية بالغة حددت الدسقولية موقع المعمودية فى الجانب الغربى الشمالى، أى عند المدخل على اليسار. وكأن الروح يريد أنه يعلن للداخلين إلى الكنيسة أنه لا يجوز أن يعبر أحد إلى صفوف المؤمنين وينعم بسرّ المذبح ما لم يجتز أولاً داخل المعمودية ليؤكد ميلاداً روحياً يؤهله للاتحاد بالذبيح الإلهى! فالنفس التى تريد العبور إلى قدس الأقداس لتحيا بالمسيح يسوع حياة إلهية يلزمها أولاً أن تدخل مع الرب فى مياه الأردن... هذا ما رآه هرماس فى القرن الثانى، إذ شاهد الكنيسة برجاً مقاماً على المياه ([368]). يقول Bouyer: [هكذا يكون استقطاب الكنيسة عند الشرق بالمذبح مكملاً باستقطاب آخر عند الغرب بالمعمودية، حيث يتم العبور من عالم الظلمة إلى عالم النور].

وللمعمودية بالطبيعة بابان، أو على الأقل ممران يجتازان بالجرن: واحد تجاه الغرب يدخل منه طالبو العماد تاركين وراءهم عالم الظلمة، والآخر فى الشرق يعبرون منه إلى عالم الكنيسة المستنير والمجتمع للإفخارستيا ". هذه الصورة تنقلنا إلى ليالى عيد القيامة فى العصور الأولى حيث كانت أفواج طالبى العماد تدخل الباب الغربى للمعمودية على يسار الكنيسة لتعبر إلى صحن الكنيسة من باب داخلى شرقى، وقد قاموا مع المسيح، يحملون داخلهم روح الرب المقام، مدهونين بمسحة الروح، لابسين الثياب البيض لمدة أسبوع كامل كخليقة جديدة شبيهة بالسمائيين. متوجين بأكاليل الغلبة ضد قوات الظلمة، حاملين فى أيديهم مشاعل مضيئة إذ قبلوا الاستنارة الداخلية.

لقد وردت فى قصائد سليمان Odes of Solomon قصيدة عذبة على لسان كل من المعمدين حديثاً ينشدها أثناء دخوله صحن الكنيسة: "إنى خلعت الحماقة وتركتها عنى. والرب جددنى بثوبه! أنا ارتديت عدم الفساد باسمه. وخلعت الفساد بنعمته! طردت الظلمة، ولبست النور! التحفت بغطاء روحك القدوس، وأنت نزعت عنى ثوب الجلد! الرب هو رأسى، تاجى فلا أتركه! هو إكليل الحق، قد ضُفر لأجلى! ([369])".

نعود إلى موقع المعمودية، فان كل مؤمن أثناء دخوله إلى صحن الكنيسة يرى حتماً المعمودية فيذكر أين وُلد ومن هى أمه، ومن هو أبوه، أو بمعنى أدق يدخل إلى الكنيسة وقد التهب قلبه بحب أمه الروحية وأبيه السماوى. لهذا يقول ترتليان: [جرن المعمودية هو عمل الثالوث من أجل خلاص البشرية! بالروح القدس صار الجرن أماً للجميع... هذا ما يعنيه المزمور بقوله: "أبى وأمى قد تركانى" (مز27: 10)، إذ فشل آدم وحواء فى البقاء إلى الأبد. وأما الرب فضمنى... لقد وهبنى الجرن أماً لى، وصار العلىّ أبى، والرب الذى اعتمد من أجلنا هو أخى ([370])].

ارتبط موقع حجرة المعمودية بفهم الكنيسة اللاهوتى لسر العماد بكونه "نذراً"، فيه التزم المؤمن بجحد الشيطان والدخول فى عهد مع المسيح. ففى كل يوم إذ يدخل المؤمن الكنيسة ليشترك فى صلاة باكر وعشية يتطلع إلى حجرة المعمودية فيذكر تعهده ويلتزم بوفائه كل يوم. هذا الفهم يظهر بقوة فى كتابات آباء الإسكندرية، خاصة العلامة أوريجينوس الذى يرى العماد بدء الحياة الجديدة ([371])، ينبغى أن تتجدد يومياً ([372]). هذا التجديد دعاه "حفظ نعمة العماد" ([373])، وأوضحه بالقول إن اللوغوس قادر أن يعمل فى نفس المعمد كما فى الكرمة حتى تنضج عناقيدها وتبلغ كمال حلاوتها تدريجياً ([374]).


[368] [] Hermas: The Shepherd.

[369] [] Odes Of Solomon 9: 11 - 10; 8: 15; 2: 21; 8: 25; 1: 1 - 2. Bernard: Odes of Solomon, p 72, 28, 90, 167, []. Danielou: Hist. Of Early Christ. Doctrine, p 326, 7.

[370] [] PG 692: 39 B.

[371] [] In Gen. Hom. 4: 13.

[372] [] In Rom. Com. 5.

[373] [] In Jer. Hom. 3: 2.

[374] [] In Cant. Com. 2.

هل مارس المسيحيون الأوائل سرّ العماد داخل جدران مبنى الكنيسة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل مارس المسيحيون الأوائل سرّ العماد داخل جدران مبنى الكنيسة؟

بجانب الأتجاه السابق للعماد فى الهواء أقيمت معموديات فى عصر مبكر جداً. ووجدت حينما تمكن المسيحيون من بناء كنائس لهم أو تخصيص مواضع خاصة بالعبادة. فقد اكتشفت معموديات فى سرادق روما حيث كانت العبادة أثناء الاضطهادات.

بمعنى آخر، سعى المسيحيون أن يكرسوا حجرة خاصة لممارسة العماد فى نفس الوقت الذى كانوا فيه يخصصون بعض البيوت للعبادة.