هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية والخادم الروحي – الجزء الأول – البابا شنودة الثالث .
8 - الخَادم الروحى دائماً يعمل والخدمة ضرورة موضوعة عليه
الله دائماً يعمل، وعلينا أيضاً أن نعمل، وفى ذلك قال السيد المسيح له المجد له (يو5: 17).
"أبى يعمل حتى الآن وأنا أيضاً أعمل"
وهو بهذا يعطينا القدوة الصالحة فى العمل الدائم المستمر، العمل بلا انقطاع من أجل ملكوت الله. هذا الذى قال عنه القديس بولس الرسول لتلاميذه تيموثاوس "اكرز بالكلمة، اعكف على ذلك فى وقت مناسب وغير مناسب" (2تى4: 2) أى كل حين.
وهكذا كان السيد المسيح يعمل باستمرار:
كان يعمل طول اليوم، حتى يميل النهار كما فى وعظه قبل معجزة الخمس خبزات والسمكتين، إلى أن "ابتدأ النهار يميل" (لو9: 12)، ثم أخذ يهتم بعد ذلك بطعامهم الجسدانى.
وكان يعمل بالليل، كما تقابل مع نيقوديموس ليلاً (يو3: 2)، وكما جاء إلى التلاميذ فى الهزيع الرابع من الليل (مت14: 25)، أو قد يأتى اليهم فى الهزيع الثانى أو الثالث (مت12: 38) أو فى نصف الليل. وأيضاً هو يعمل مادام نهار (يو9: 4).
والسيد المسيح كان يعمل أيضاً فى كل مكان:
كان يعمل وهو ماش فى الطريق (لو19: 1 - 5) كما فى هداية زكا وكان يعمل وهو جالس عند البئر كما فعل فى هداية المرأة السامرية (يو4: 6 - 7). ويعمل وهو فى بستان جثيسمانى مع الثلاثة تلاميذ (مت26)، ويعمل وهو ماش على الماء كما فعل فى تدريب بطرس وفى انقاذه من الغرق (مت14: 28 - 31) كان يعمل فى البرية ووسط الحقول، وعلى شاطئ النهار وشاطئ البحيرة، وفى البيوت كما فى بيت مرثا ومريم (لو10: 38)، وعلى الجبل كما فى عظته المشهورة (مت5: 1، 2).
كان يعمل فى كل وقت ومكان ومع كل أحد.
وكان يلقى بذاره فى كل موضع...
يلقيها على الأرض الجيدة التى تنتج ثلاثين وستين ومائة، ويلقيها حتى بين الأشواك، وعلى الأرض الحجرية، والتى ليس لها عمق، وعلى الطريق.. معطياً فرصة لكل أحد.. ويلقى خبزه على وجه المياه ليجده بعد حين (جا11: 1) وكما قال الرسول عنه كان يجول يصنع خيراً (أع10: 38).
حتى وهو على الصليب كان يعمل:
ليس فقط عمل الفداء وهو عمله الأساسى، وانما عمل أيضاً أعمالاً كثيرة، طلب المغفرة للذين صلبوه (لو23: 34) وعهد بأمه العذراء له (يو12: 26، 27) ومنح اللص التائب بركة الذهاب إلى الفردوس (لو23: 43).
بل كان يعمل خيراً فى وقت القبض عليه.
لأنه أثناء ذلك شفى ذلك العبد (ملخس) الذى ضربه بطرس فقطع أذنه (لو23: 50، 51) وأيضاً دافع عن تلاميذه فقال للذين قبضوا عليه "دعوا هؤلاء يذهبون" (يو18: 8) ليتم القول الذى قاله "أن الذين أعطيتنى لم اهلك منهم أحداً" (يو18: 9).
وفى أثناء ذلك كله وخلال محاكمته، كان يطلب من أجل بطرس لكى لا يفنى إيمانه (لو22: 31).
والله كثيراً ما يعمل فى صمت، ودون أن نطلب
الله الذى يحكم للمظلومين، والذى يحفظ الأطفال.. الذى نجى الفتية من أتون النار (دا3) وخلص دانيال من جب الأسود (دا6) وأرسل ملاكه لينقذ بطرس من السجن (أع12) وأظهر ليوحنا عجائب فى الرؤيا ماكان يفكر فيها ولا يطلبها (رؤ5، 4) واختطف بولس إلى السماء الثالثة (2كو12) وما كان يفكر فى هذا ولا طلبه.
وكما يعمل الله باستمرار، ملائكته أيضاً تعمل:
هؤلاء الذين قال عنهم داود النبى فى المزمور "يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه" (مز103: 20). وقال عنهم القديس بولس الرسول "أليسوا جميعهم أرواحاً خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب1: 14). إنهم يعملون فى البشارة ونقل أوامر الله إلى لاناس وتنفيذ أمره سواء بالإنقاذ أو بالعقوبة.
ويقول الكتاب "ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم" (مز34: 7).
ونحن البشر يريدنا الله أن نعمل وعملنا على أنواع منه.
أولاً: العمل الجوانى
هو عمل داخل النفس: مع النفس، تحاسبها، تؤدبها، وتصلح مع فيها، وعمل آخر داخل النفس مع الله، عمل حب، مناجاة، مشاعر فى ناموسه تلهج النهار والليل. كل هذا عمل جوانى. ولذلك فإن الراهب المنشغل بهذا العمل الجوانى يسمونه (الراهب العمال).
هناك عمل آخر يمكننا القيام به، وهو عمل المصالحة:
وهو عمل روحى، هدفه مصالحة الناس مع الله.. وفى ذلك قال القديس بولس الرسول "وأعاطنا خدمة المصالحة.. نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله" (2كو18: 20).
عمل فى الخدمة نعمله، ونشترك فيه مع الله.
الله يعمل معنا، ويعمل بنا. وفى ذلك يقول القديس بولس الرسول عن نفسه وعن زميله أبولس "نحن عاملان مع الله" (1كو3: 9). يشترك روح الله القدوس معنا فى العمل، ونصير نحن شركاء الروح القدس. ونقول لله فى الأوشية: اشترك فى العمل مع عبيدك، فى كل عمل صالح ".
لقد قال الرب لتلميذيه: هلما ورائى فأجعلكما صيادى الناس "(مت4: 9).
معنى هذا أننا نسير وراءه فيجعلنا صيادين وكيف؟ نحن نرمى الشبكة، وهو يدعو السمك للدخول فيها. وهكذا يعمل معنا. ولا نقوم بالصيد وحدنا. فإن بطرس لما عمل فى الصيد وحده، بدون المسيح، قال له أخيراً "تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئاً" (لو5: 5). نعمل مع الله – والله سيرى عملنا. وسوف يكافئنا عن كل عملنا. أليس هو القائل لكل راع من رعاة الكنائس: "أنا عارف أعمالك" (رؤ3، 2). والذى كان له تعب فى الخدمة، قال له الرب "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك... وقد إحتملت ولك صبر، وتعبت من أجل إسمى ولم تكل" (رؤ2: 2، 3).
من أجل هذا يقول الرسول "كونوا راسخين غير متزعزعين، مكثرين فى عمل الرب كل حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلاً فى الرب" (1كو15: 58).
"إن الله ليس بظالم حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التى أظهرتموها نحو إسمه، إذ قد خدمتم القديسين وتخدمونهم" (عب6: 10) حتى كأس ماء بارد تسقون به أحد هؤلاء الصغار، لا يضيع أجره "(مت10: 42) حتى الذى يأتى إلى الرب فى الساعة الحادية عشرة من النهار ليخدم فى كرمه، سيأخذ أجرته كالآخرين.. هناك كلمة خطيرة أذكرها فى وجوب العمل وأهميته، وهى قول الرسول:" من يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل، فتلك خطية له "(يع4: 17).
إذن الخطية ليست فقط فى السلبيات، أى فى عمل الشر. وإنما أيضاً أهمال الإيجابيات، أو عدم عمل الخير هو أيضاً خطية. دفن الوزنة فى التراب خطية (مت25: 24).
قد يعتذر إنسان ويقول: أنا لا أعرف أن أخدم!!
مثل هذا الإنسان يذكرنى بأرميا النبى الذى قال فى طفولته للرب "لا أعرف أن أتكلم، لأنى ولد" فإنتهره الرب وقال له "لا تقل إنى ولد. لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب.. ويذكرنى أيضاً بموسى النبى الذى قال" لست أنا صاحب كلام.. بل أنا ثقيل الفم واللسان "(خر4: 10). ها أنا أغلف الشفتين" (خر6: 30). ولم يقبل الله منه كل هذا الإعتذار عن الخدمة..
إن الله يعرف تماماً مقدار ما أعطاك من قدرات..
يعرف العقل الذى أعطاه لك، ويعرف الوقت الذى منحك إياه، ومقدار المعرفة التى لك، ونوع المواهب، ويعرف الظروف المتاحة لك للخدمة. فكيف يمكنك أن تهرب أو تعتذر؟! كيف تهرب من قول (الكتاب) من يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل، فتلك خطية له ".. والمعروف أن" أجرة الخطية هى موت "(رو6: 23). إن الله سيحاسبك على كل معرفة وهبك إياها ولم تستخدمها. لأنه هو القائل:
"كل من أعطى كثيراً، يطلب منه كثير" (لو12: 48).
فإن قلت "ليست لى مواهب". يقول لك: أعمل على قدر مالك من مواهب. على قدر ما أعطيت من وزنات: واحدة أو إثنتين أو خمس (مت25) لكن لا تقف مطلقاً فى ملكوت الله خاملاً بلا عمل!! إذن لماذا خلقك الله وأوجدك؟! ولماذا جعلك عضواً فى جسده؟! هل يوجد عضو بلا عمل؟! إذن لابد أن تعمل، مهما كانت مواهبك محدودة فإن كنت أميناً فى هذه المواهب المحدودة، يقول لك:
"كنت أميناً فى القليل، سأقيمك على الكثير" (مت25: 21).
وسيقول لك أيضاً "أدخل إلى فرح سيدك. الله لا يهمه القليل أو الكثير، إنما يهمه أن تكون أميناً فيما عندك. تعمل فى خدمته على قدر طاقتك.. لكن لابد أن تعمل. وهو يكمل.. تقول له:" ليس عندى سوى دقائق معدوده فى اليوم يقول لك: إعمل عملى فيها بأمانة. وسأباركها وأجعلها تثمر.. تقول له: ليس معى سوى خمس حصوات فى حربى مع جليات!! يقول لك تكفينى منها حصاه واحدة ضعها فى مقلاعك، وأنا سأجعلها تصل إلى رأس الجبار.. والباقى أحتفظ به لأى جليات آخر يقابلك فى المستقبل..
هنا ونتكلم عن صفات العمل الذى يعمله الخادم الروحى:
أولاً: يجب أن يتصف بالأمانة لأن الرب يقول "ترى من هو الوكيل الأمين الحكيم، الذى يقيمه سيده على عبيده ليعطيهم طعامهم فى حينه" (لو12: 42). وإن سألت عن حدود هذه الأمانة، يقول.
"كن أميناً إلى الموت، فأعطيك إكليل الحياة" (رؤ2: 10)..
إلى الموت، إلى حد بذل الذات، إلى حد الإستشهاد. تكون أميناً فى نوعية العمل، وفى كميته، أميناً من جهة الموضوع، ومن جهة الأشخاص مهما كلفتك تلك الأمانة من جهد، ومن ثمن وأيضاً.
2 - ولذلك تعمل عمل الرب بلا رخاوة، بلا كسل لأن الكتاب يقول:
"ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة" (أر48: 10).
أعمل بكل حماس، وأستخدم الإمكانيات التى عندك مهما كانت قليلة.. وتذكر أن الله إشتغل بإمكانيات بشرية كانت قليلة أيضاً "إختار جهال العالم، وضعفاء العالم، والمزدرى وغير الموجود" (1كو1: 27، 28) وإستطاع بها أن يخزى الحكماء والأقوياء. إعمل إذن، والله سيعمل فيك ومعك.. أن حصاة داود التى هزمت سيف ورمح جليات، تذكرنا باولئك الصيادين الذين وقفوا ضد فلاسفة العالم، وقادة الرومان، وشيوخ اليهود، وكل الكتبة دارسى الناموس. المهم أن تعمل، وتستخدم كل إمكانياتك مهما بدت أمامك ضعيفة. وثق أن الله سيعمل بها.
3 - أخدم بروحك وقلبك. ليس كمجرد رسميات.
ليس كمجرد واجب عهدت به إليك الكنيسة. بل ضع كل قلبك فى الخدمة. متذكراً قول الرب "يا ابنى أعطنى قلبك" (أم23: 26). وهكذا بكل مشاعرك تحب الخدمة. وتحب المخدومين، تحب الملكوت. وقبل الكل تحب الله الذى تخدمه.
4 - ولتكن خدمتك باسلوب روحى.
لأن كثيرين أخذوا مسئوليات ضخمة فى الكنيسة. وفشلوا لأنهم لم يسلكوا فى خدمتهم باسلوب روحى. وإنما سلكوا باسلوب إدارى. أو اجتماعى أو عقلانى. وتحولت الخدمة عندهم إلى مجرد أنشطة.
وتحولت الدروس إلى مجرد معلومات..
أما أنت. فلتكن خدمتك بعيدة عن الذات. تقول فيها مع المرتل فى المزمور:
"ليس لنا يارب ليس لنا. لكن لإسمك القدوس إعط مجداً" (مز115: 1).
6 - ولتكن خدمتك مملوءة بالرجاء مهما تأخر الثمر، ومهما قامت عقبات... لا تفشل إطلاقاً. ولا تيأس. بل إلق خبزك على وجه المياه. فإنك تجده بعد أيام كثيرة "(جا11: 1).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.