هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية والخادم الروحي – الجزء الأول – البابا شنودة الثالث .
4 - مقاييس الخدمة ونجاحها
إن مقاييس الله غير مقاييس الناس. الله هو فاحص القلوب والكلى، والعارف بحقائق الأمر. هو الذى يستطيع أن يقيّم خدمة كل أحد. ويعرف مدى فاعلية الخدمة أو روتينتها. حقيقة الخدمة أو مظهرها.. ولا شك أننا فى الأبدية سنجد أموراً عجيبة ما كنا نتخيلها إطلاقاً.
ربما نرى فى الأبدية خداماً ما كنا نسمع عنهم!! وربما بعض الخدام الظاهرين الآن، لا نراهم هناك!!
حقاً إن مقاييسنا فى تقييم الخدمة غير مقاييس الله.. وهنا نريد أن نفحص ما هى مقاييس الناس فى نجاح الخدمة، وما حكم الله عليها. وندرس ما هى المقاييس الخاطئة، وما هى المقاييس السليمة. أول مقياس للناس، هو مقدار المسئوليات.
مقدار المسئوليات
يقيس الناس الخدمة بحجم المسئوليات الملقاة على الخادم، بينما الله له مقياس مختلف.
خذوا مثلاً إسطفانوس أول الشمامسة.
إنه مجرد شماس، لم ينل رتبة أعلى من ذلك. فهل نقيس خدمته برتبته؟! كلا، بلا شك. فإن الكنيسة المقدسة تضع إسمه فى مجمع القديسين قبل جميع البطاركة. وتقاس خدمتها بعمقها. وكيف انه كان مملوءاً من الروح القدس والحكمة والإيمان (أع6: 3، 5). "وإذ كان مملوءاً إيماناً وقوة، كان يصنع عجائب وآيات عظيمة فى الشعب" (أع6: 8).
ووقف أمام ثلاثة مجامع وأمام الذين من كيليكيا وآسيا، يحاورونه "ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذى كان يتكلم به" (أع6: 10). لهذا رأينا أنه بعد وضع اليد عليه كشماس "كانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جداً فى أورشليم، وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان" (أع6: 7).
هكذا كانت خدمة هذا الشماس وفاعليتها، حتى أن اليهود لم يحتملوا خدمته، فقبضوا عليه ورجموه. وفى رجمه رأى السموات مفتوحة وإبن الإنسان قائماً عن يمين الله (أع7: 56). "ورأوا وجهه كأنه وجه ملاك" (أع6: 5).
إن الإنسان فى خدمته أمام الله، يوزن مجرداً من صفاته الخارجية وظائفه. فيوزن فى عمق عمله، وفى عمق قلبه، وفى قيمة خدمته.
خذوا مثالاً آخر: القديس مارأفرام السريانى:
وما قام به من جهد كبير فى الخدمة وفى مقاومة الأريوسية وفى دفاعه عن الإيمان، حتى قبل أن يرسم إغنسطساً (أى قارئاً) من يد القديس باسيليوس الكبير. هذه الرتبة التى يحصل عليا الآن عشرات الآلاف من خدام مدارس الأحد، والتى كان يرى نفسه غير مستحق لها.
ولكن الأغنسطس مارآفرام كان له وزنه الجبار فى الكنيسة الجامعة، حتى أسموه "قيثارة الروح القدس" وأسموه الملفان أو المعلم، فى اشعاره وكتاباته الروحية ذات التأثير أو العمق العجيب..
أترانا نقيس خدمته برتبة أغنسطس؟! أم بأثره البارز فى خدمة الإيمان وفى التعليم، ليس فى جيله فقط، وإنما فى أجيال عديدة وحتى الآن.
خذوا مثالاً آخر: الشماس أثناسيوس فى مجمع نيقية المسكونى المقدس.
فى ذلك الوقت كان مجرد شماس، فى أول مجمع مسكونى ينظم 318 من الآباء الكبار، بطاركة وأساقفة، يمثلون كنائس العالم كله. ولكن عمله حينذاك لم يكن يقاس برتبته كشماس، وإنما بوقوفه ضد أريوس الهرطوقى، والرد على كل أدلته، فى قوة وفى فهم عميق للكتاب والمعنى السليم لنصوصه ودلالاتها اللاهوتية..
حتى أنه – وهو شماس – قام بصياغة قانون الإيمان المسيحى فى مجمع نيقية، القانون الذى تؤمن به كل كنائس العالم.. هنا الخدمة لم تكن تقاس بالرتبة، وإنما بأثرها وفاعليتها.
مثال آخر هو القديس سمعان الخراز.
ماذا كانت رتبته؟! لا كاهن، ولا شماس، ولا حتى أغنسطس... إنما عامل بسيط ربما لا قيمة له فى المجمع، ولا وظيفة له فى الكنيسة.
ولكن قيمة خدمته كانت فى عمق عمله، وعمق صلواته، وفى انقاذه الكنيسة كلها بمعجزة نقل الجبل المقطم أيام البابا إبرآم بن زرعة وفى حضوره. هنا نوعية الخدمة، وليس علو الرتبة...
خذوا أيضاً مثال القديس الأنبا رويس.
لم يكن أسقفاً ولا قساً ولا شماساً، ولم تكن له أية وظيفة رسمية فى الكنيسة، ولا أية خدمة معينة. ومع ذلك دعته الكنيسة من آبائها. وكانت له خدمات تظهر يد الله فيها بكل وضوح.
كذلك يمكن أن نذكر: أبراهيم الجوهرى.
كان علمانياً، وله وظيفة علمانية فى الدولة، أى أنه لم يكن مكرساً للرب. ومع ذلك كانت له محبته العميقة للكنيسة، وخدماته التى لا يمكن أن تنسى التى قام بها من أجل عمارة الأديرة والكنائس، وفى العناية بالفقراء بأسلوب يضعه فى مرتبة الخدام، بل أنه يفوق الكثيرين منهم.
مثال خارج الكنيسة القبطية هو ميشيل إنجلو.
كان فناناً. لكن خدماته فى محيط الأيقونات الكنيسة، سجلت له إسمه فى التاريخ وبخاصة فى كاتدرائية القديس بطرس فى الفاتيكان.
وهنا لا نسأل عن درجته الكنسية أو عن رتبته، إنما عن عمق خدمته. والناس يعرفون ميشيل أنجلو، وربما الملايين لا تعرف إسم البابا الذى عاش أنجلو فى أيامه. وإن عرفوا إسمه يقولون إنه البابا المعاصر لميشيل أنجلو..!
نقطة أخرى نذكرها فى مقاييس البشر الخاطئة بالنسبة إلى الخدمة، وهى شرف وعظمة المكان.
عظمة المكان
وقد ينسبون أهمية الخادم إلى أهمية وعظمة المكان الذى يخدم فيه، كأنما خدمته تستمد قدر عظمتها من المكان، وليس من الشخص، ولا من عمق ونوعية الخدمة. والواقع غير ذلك.
ومن أمثلة ذلك القديس غريغوريوس النيازينزى.
ينتسب إلى بلدة نيازينزا التى صار أسقفاً لها، وربما لا يعرف أحد تحديد مكانها بالضبط، غير أنها كانت إحدى مدن قيصارية كبادوكية التى تتبع للقديس باسيليوس الكبير.
غير أن القديس غريغوريوس لم يستمد عظمته وشهرته من عظمة المدينة التى يخدمها، وإنما من شخصيته اللاهوتية ومحاضراته العميقة التى ألقاها عن الثالوث القدوس، حتى إن الكنيسة منحته لقب "الناطق بالإلهيات". إيبارشيته لم تمنحه الشهرة، إنما هو الذى منح الشهرة لبلدة نيازينزا المجهولة بالنسبة إلى الكثيرين.
مثله أيضاً القديس أغريغوريوس أسقف نيصص.
وهو أخو القديس باسيليوس الكبير. وقد رسمه أخوه على نيصص، التى لا يعرف الكثيرون مكانها. ولكنها ضمن إيبارشية قيصارية كبادوكية. هى بلدة غير مشهورة، الذى سجل إسمها فى التاريخ هو اسقفها القدس غريغوريوس، الذى كتبه كثيراً ضد الأريوسيين وله تأملات كثيرة، وكتاب عن التطويبات.
لا يقل أحد إذن ان خدمتى فقدت قيمتها لأنها فى بلدة صغيرة أو فى قرية!! ولو إننى خدمت فى مدينة كبيرة، لكان لى شأن آخر!!
إن السيد المسيح ولد فى قرية صغيرة هى بيت لحم "الصغرى فى يهوذا" (مت2: 6).
وانتسب إلى مدينة الناصرة، التى كان يعجب البعض هل يخرج مها شئ صالح!! (يو1: 46). ولكنه مع ذلك أعطى الناصرة شهرة فى التاريخ. وكان يدعى "يسوع الناصرى" (مت26: 71). وفى نفس الوقت أيضاً منح شهرة لقرية بيت لحم، فصارت مزاراً مقدساً...
خدام آخرون يقيسون (عظمتهم) فى الخدمة بطول مدة هذه الخدمة. ويعتبرون ها نوط تقدير للخدمة!
طول مُدة الخدمَة
البعض يقيس قوة الخادم بطول مدة خدمته. ومن هنا جاء تعبير (الخدام القدامى). وفى الحقيقة ليس هذا مقياساً سليماً. فقد يوجد خدّام لهم مدة أقصر من غيرهم، ولكنها أكثر إنتاجاً وأعظم أثراً.
يوحنا المعمدان: خدم سنة أو سنتين بالأكثر.
ولكنه استطاع خلال تلك الفترة القصيرة أن يهيئ الطريق أمام الرب، ويعدّ له شعباً ويتقدم أمام بروح إيليا وقوته (لو1: 17).
والسيد المسيح نفسه كانت خدمته تجسده قصيرة!
حوالى ثلاث سنوات وثلث، قال عنها للآب: العمل الذى أعطيته قد أكملته (يو17: 4). وقال عنها أيضاً "أنا مجدتك على الأرض".. أتم الفداء، والتعليم، وقدم القدوة، وصحح الأخطاء، وأعاد الصورة الإلهية للناس.
البابا كيرلس الرابع، مدة حبريته أقل من 8 سنوات.
ومع ذلك منحته الكنيسة عن هذه الفترة لقب (أبو الإصلاح) من أجل عمق الخدمة التى قدمها.
ويعوزنا الوقت إن تكلمنا عن بعض الآباء الكهنة:
القس منسى يوحنا كاهن ملوى مثلاً:
تنيح وعمره 30 سنة. واستطاع فى تلك الفترة أن يقدم آلاف من العظات، وكتاب يسوع المصلوب، وطريق السماء، وتاريخ الكنيسة الذى ألفه وهو شماس. وكان له تأثير روحى واسع النطاق على الرغم من قصر مدة خدمته.
والقس أنطونيوس باقى خادم كوينز:
وهو أول كاهن أرسلته إلى أمريكا سنة 1972. لم يخدم فى أمريكا سوى خمسة أشهر. ولكن خدمته توجت بعبارة قالها له الشعب هناك: لقد عرفنا الرب يوم عرفناك...
والخدمة إذن لا تقاس بطول مدتها، وإنما بعمقها...
وقد يأتى إنسان إلى كنيسة كضيف ويلقى عظة.
وتكونى هذه هى كل خدمته فى هذه الكنيسة. وتمر سنوات طويلة، والناس لا ينسون تلك العظة وتأثيرها. بينما يخدم غيره فى نفس الكنيسة سنوات طويلة يلقون خلالها عظات عديدة، ولكن ليس بنفس التأثير.
إن يوماً واحداُ يخدمه بولس الرسول، لهم أعظم وأعمق من سنوات طويلة يخدمها آخرون.
مقياس آخر يقيس به البعض نجاح الخدمة وهو:
كثرة المخدومين
كما تتميز عظة قائد فى جيش، بأنه قائد مائة أو قائد ألف وهكذا كلما زاد عدد المخدومين، يعتبرون هذا دليلاً على نجاحها ونموها. وقد يكون الأمر كذلك فعلاً، ولكنه ليس مقياساً قابتاً بصفة مطلقة...
فليس نجاح الخدمة فى كثرة عدد المخدومين، وإنما فى الذين غيرت الخدمة حياتهم، وأوصلتهم إلى الله...
السيد المسيح كان يعظ الآلاف كما فى الخدمة الروحية التى سبقت معجزة الخمس خبزات والسمكتين. وكانت له خدمة أخرى مركزة فى الإثنى عشر، وكانوا أهم من تلك الآلاف بكثير، بل هم الذين جذبوا إلى الإيمان مدناً وأقطاراً فيما بعد.
وجميل قول الكتاب فى نجاح خدمة هؤلاء:
"وكان الرب فى كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أع2: 47).
إذن ليس نجاح الخدمة فى عدد الذين يسمعون، إنما فى عدد الذين يقبلون الكلمة بفرح، وتثمر فيهم، وتقودهم إلى التوبة، وإلى حياة القداسة والكمال.
ومن هنا كنا ننادى بفصول مدارس الأحد المحدودة العدد، التى يستطيع فيها المدرس أن يهتم بكل تلميذ، ويخدمه خدمة حقيقية ناجحة، ويفتقده ويرعاه.
وبنفس الوضع عملنا على تقسيم الإيبارشيات إلى مناطق محدودة يستطيع الأسقف أن يرعاها ويزورها، ويهتم بكل مدينة فيها وكل قرية، ولا تضيع تلك المدن والقرى وسط المسئوليات الضخمة التى كان يكلف فيها المطران برعاية بضع محافظات!!
وقد ارانا الرب بأمثلة عديدة أهمها العناية بالفرد الواحد فى الخدمة، كما فعل مع زكا (لو19) وأيضاً مع نيقوديموس (يو3) ومع المولود أعمى (يو9) وغيرهم...
والبعض يضع مقياساً آخر لنجاح الخدمة وهو: كثرة الإنتاج
كالقيام بعدد كبير من الخدمات، أو إنشاء عدد كبير من فروع الخدمة، أو منا لأنشطة...
وقد يتوه فى كل ذلك، ولا يحسن الإشراف على كل تلك الأنشطة، أو يضطر إلى تعيين عدد من الخدام بغير إعداد. وتفقد الخدمة روحياتها بكثرة إتساعها وقلة عمقها...
إذن ما هى المقاييس السليمة لتقييم الخدمة؟
وما هى عناصر القوة فى الخدمة؟
عناصر القوة فى الخدمة
أهمية الخدمة هى ما فيها من قوة ومن عمق، وما فيها من حب وبذل. ما فيها من تأثير، ومن تغيير للناس. وليس الأمر مسألة ضخامة المسئوليات، أو شهرة المكان، أو كثرة المخدومين، أو طول مدة الخدمة، وسائر هذه الأمور الجانبية...
وسنحاول هنا أن نتناول بالتفصيل بعض نواحى القوة فى الخدمة، فنذكر منها:
الكلمة المؤثرة
ظهرت هذه فى خدمة السيد المسيح له المجد:
انظروا دعوة متى الإنجيلى مثلاً: يقول الكتاب "وفيما هو مجتاز رأى لاوى بن حلفى جالساً عند مكان الجباية، فقال له ابتعنى. فقام وتبعه" (مر2: 14) (مت9: 9)... إنها مجرد كلمة قالها لإنسان جالساً فى موضع مسئولية مالية. قالها الرب له، فترك مسئوليته، وقام وتبعه، دون أن يسأل إلى أين؟
ونفس قوة الكلمة وتأثيرها فى الدعوة... ظهرت فى دعوة الرسل الأربعة الصيادين.
يسجل ذلك القديس مرقس الإنجيلى فيقول "وفيما هو يمشى عند بحر الجليل، أبصر سمعان وإندراوس أخاه يلقيان شبكة فى البحر – فإنهما كانا صيادين – فقال لهما يسوع هلمّ ورائى فأجعلكما تصيران صيادى الناس. فللوقت تركا شباكهما وتبعاه. ثم اجتاز من هناك قليلاً، فرأى يعقوب بن زبدى ويوحنا أخاه، وهما فى السفينة مع الأجراء، وذهبا وراءه" (مر1: 16 - 20).
بتأثير قوة الدعوة، تركوا كل شئ، وللوقت...
أى بدون تردد، وبدون إبطاء، وبدون جدال، تركوا السفينة والشباك والأب، ومصدر الرزق. بل قال بطرس للرب ملخصاً كل ذلك ".. تركنا كل شئ وتبعناك" (مت19: 27).. ذلك لأن كلمة الدعوة كانت لها قوتها، فحدثت الإستجابة لها بسرعة، لأنها اخترقت القلب والفكر والإرادة.
وكما كانت قوة الكلمة فى الدعوة، كانت للسيد أيضاً قوته فى الوعظ والتعليم.
لما أكمل عظته على الجبل، قيل عنه "بهتت الجموع من تعليمه، لأنه كان يكلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة" (مت7: 28، 29). وقيلت نفس العبارة عن تعليمه فى كفر ناحوم "فبهتوا من تعليمه، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة" (مر1: 22).
وكانت له قوة الكلمة فى إقناعه من يحاورهم:
إنه المنطق العجيب والدليل القوى الذى شرح به للكتبة والفريسيين جواز فعل الخير فى السبوت (مت12: 1 - 12). وكذلك فى موضوع القيامة، قيل إنه "أبكم الصدوقيين" (مت22: 34). وبعد ردوده القوية على الناموسيين والفريسيين، قيل "فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة. ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله البتة" (مت22: 46).
والكلمة كان لها تأثيرها أيضاً فى عاطفيتها وحبها:
مثل قوله لزكا العشار "أسرع وانزل لأنه ينبغى أن أمكث اليوم فى بيتك" (لو19: 5)... كلمة فى عمق محبتها وتواضعها قادت ذلك الرجل الخاطئ إلى التوبة، فقال "ها أنا يارب اعطى نصف أموالى للمساكين. وإن كنت قد وشيت بأحد، أرد أربعة أضعاف"... وهكذا بكلمة من الرب لها قوتها، حدث خلاص لذلك البيت.
إن قوة الكلمة المؤثرة نراها أيضاً فى خدمة آبائنا الرسل.
عظة واحدة ألقاها بطرس الرسول فى يوم الخمسين، كانت نتيجتها أن اليهود نخسوا فى قلوبهم، وانضم إلى الإيمان ثلاثة آلاف نفس، واعتمدوا جميعهم (أع2: 37 - 41). وقبلوا ذلك بفرح.
وقوة الكلمة تظهر فى خدمة بولس الرسول أيضاً. حتى أنه وهو أسير يُحاكم أمام فيلكس الوالى، "بينما يتكلم عن البر والتعفف والدينونة العتيدة، ارتعب فيلكس الوالى" (أع24: 25). وفى محاكمته أمام أغريباس الملك، قال له ذلك الملك "بقليل تقنعنى أن أصير مسيحياً" (أع26: 28).
قوة البذل
البعض قد يستريح للخدمة السهلة التى لا تعب فيها ولا صعوبة. ولكن قوة الخدمة تظهر فى صعوبتها واحتمال هذه الصعوبة، بكل بذلك وفرح...
مثال ذلك خدمة القديس بولس الرسول "تعب وكدّ، فى أسهار مراراً كثيرة، فى جوع وعطش.. فى برد وعرى... بأسفار مراراً كثيرة، بأخطار سيول، بأخطار لصوص، بأخطار فى المدينة، بأخطار فى البرية، بأخطار فى البحر..." (2كو11: 26، 27) "فى صبر كثير، فى شدائد فى ضرورات فى ضيقات، فى ضربات فى سجون، فى اضطرابات فى أتعاب، فى أسهار فى أصوام" (2كو6: 4، 5).
ومع ذلك يقول: "كحزانى ونحن دائماً فرحون" (2كو6: 10).
الخدمة الروحية تعب من أجل الرب وملكوته، وهى جهاد وتعب من أجل خلاص النفس. وقيل عنها:
"كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" (1كو3: 8).
وهكذا كانت خدمة الآباء الرسل. بدأت وسط اضطهادات الرومان، ودسائس اليهود، ومعارضة وشكوك الفلاسفة الوثنيين، وعذابات الإستشهاد، وفى أماكن جديدة، لا مؤمنون فيها ولا كنائس ولا أية إمكانيات... وبلا كيس ولا مزود.
وكمثال لذلك: خدمة القديس مارمرقس الرسول:
دخل الأسكندرية، فقيراً بحذاء ممزق، حيث لا مسيحيون هناك، ولا كنائس، بل توجد ديانات عديدة: منها آلهة الرومان بقيادة جوبتر، وآلهة اليونان بقيادة زيوس، والعبادات الفرعونية بقيادة آمون ورع، وكذلك اليهودية فى إثنين من أحياء الأسكندرية. ومكتبة الأسكندرية الحافلة بمئات الآلاف من كتب الوثنيين.. وعدم وجود أية إمكانيات على الإطلاق. ولكن مارمرقس صبر وجاهد، حتى حوّل الجميع إلى مسيحيين.
ماذا نقول أيضاً عن الذين بشروا فى بلاد أهلها من أكلة لحوم البشر؟!
إن الخدمة التى يبذل فيها الإنسان ويتعب، هى الخدمة الحقيقية ومقياس التعب والبذل، هو مقياس أساسى فى الخدمة...
مثال ذلك خادم يتعب ويحتمل من أجل تهذيب تلميذ مشاكس فى فصل، أو أم تتعب فى تربية إبن عنيد، أو كاهن يتعب فى خدمة أو فى رعاية الحالات الصعبة، أو فى المشاكل العائلية المعقدة.
مقياس آخر للخدمة هو عنصر العمق:
عنصر العمق
أعمال عظيمة قام بها أنبياء ورسل فى خدمة.
ولكن لا يوجد واحد منها يوازى طاعة أبينا إبراهيم فى ذهابه لتقديم إبنه الوحيد محرقة للرب... (تك22).
هنا عمق معين يعطى لعمله وزناً خاصاً وقيمة ليست لأى عمل آخر. هنا إيمان وبذل، ومحبة نحو الله أكثر من محبته للإبن الوحيد إبن المواعيد...
وكثيرون قدموا عطايا مالية لبيت الله.
ولكن فاقت كل هؤلاء الأرملة التى ألقت الفلسين فى الصندوق. وعمق عطائها أنه كان من أعوازها (لو21: 4).
وما أكثر الذين حاربوا حروب الرب بقوة وانتصروا.
ولكن فاق كل هؤلاء تقدم الصبى داود بحصاة فى مقلاعه ليحارب بها جليات الجبار الذى أخاف الجيش كله... لقد كان فى تقدمه للمحاربة إيمان عميق بأن الحرب للرب، والله هو الذى سيدفع ذلك الجبار إلى يديه (1صم16).
إنك قد تلقى مائة درس فى مدارس الأحد.
ولكن كلها لا تكون عند الله مثل مرة واحدة كنت فيها مريضاً ومرهقاً، ومع ذلك لم تستسلم لهذا العذر، وذهبت إلى الخدمة مفضلاً الخدمة على نفسك... أو أنك ذهبت لتخدم فى ايام إمتحان، وأنت محتاج إلى كل دقيقة من وقتك... هنا للخدمة عمق خاص.
إن الله لا يقيس الخدمة بكثرتها، وإنما بعمقها ونوعيتها. وهناك مقياس آخر لعمق الخدمة هو:
الخدمة فى الخفاء
الخدمة المخفاة تكون أعمق من الخدمة الظاهرة. الخدمة الظاهرة قد ينال منها الخادم شهرة أو مديحاً. وهكذا لا تكون كلها للمخدومين أو لله كما هو الحال فى الخدمة المخفاة.
ومع ذلك فالخدمة الخفية قد تكون أقوى.
إن الناس يعجبون بالبناء الشاهق الجميل فى منظره وفى هندسته. ولا يتحدثون إطلاقاً عن الأساس القوى المخفى تحت الأرض، الذى يحمل هذا البناء كله، ويعمل عمله فى خفاء.
والناس يعجبون بلمبات الإنارة التى تبهرهم بضوئها. ولا يفكر احد فى المولد الكهربائى الذى يغذى هذه اللمبات بالنور، والذى لولاه ما كانت تضئ. ويقيناً هو العنصر الأقوى والأساسى.
وبنفس الأسلوب قد يعجب الناس بالسيارة الفخمة فى منظرها الخارجى، أما الموتور القوى الذى يحركها فلا يفكر فيه أحد، لكنه يعمل عمله فى خفاء.
وهكذا فى الخدمة، قد يعجب الناس بنجاحها وبمجهود الخادم فيها. ولا أحد يفكر فى الصلوات التى رُفعت من أجلها، وكانت السبب فى نجاحها... هذه الصلوات هى الخدمة الخفية القوية.
كلنا نذكر سفر لعازر الدمشقى للحصول على زوجة مؤمنة لاسحق ابن سيده إبراهيم، وكيف نجح فى مهمته، وعاد معه برفقة. ولكن من يذكر صلوات إبراهيم التى رفعت من أجل لعازر الدمشقى، وكانت السبب فى نجاحه. ولذلك قال ذلك العبد الأمين لأهل رفقة "لا تعوقونى والرب قد انجح طريقى" (تك24: 56). وكيف أنجح الرب طريقه؟ كان ذلك بدعاء إبراهيم الذى قال له "إن الرب الذى سرت أمامه، يرسل ملاكه معك وينجح طريقك" (تك24: 40).
حقاً إن الصلاة هى خدمة مخفاة.
وهكذا قال القديس بولس الرسول لأهل أفسس "مصلين بكل صلاة وطلبة.. لأجل جميع القديسين ولأجلى، لكى يُعطى لى كلام عند إفتتاح فمى" (أف6: 18، 19).
كلام الواعظ هو الخدمة الظاهرة. أما أمثال صلاة أهل أفسس فهى خدمة مخفاة. يضاف إليها فى أيامنا، خدمة الإفتقاد التى تأتى بسامعين يسمعون العظة... وكذلك خدمة كل الذين يرتبون للاجتماع وينظمونه...
الإجتماعات العامة خدمة ظاهرة. ولكن تقبل الإعترافات وقيادة الخطاة إلى التوبة هى خدمة مخفاة...
وقد يوجد فى إحدى الكنائس كاهنان: أحدهما يعظ ويحضر الكثيرون لسماعه، وخدمته ظاهرة للكل. بينما زميله الآخر ليست له اجتماعات للوعظ. ولكنه يقضى الساعات الطويلة يستمع إلى الإعترافات، ويقود المعترفين إلى التوبة، ويرشدهم، ويصلى لأجلهم. وخدمته هذه عميقة الأثر جداً... وهكذا كان القمص ميخائيل إبراهيم...
وربما من أمثلة الخدمة المخفاة: العمل الفردى:
العمل الفردى
إن خدمة المجموعة الكبيرة لها صفة العمومية. وقد تحدث تأثيراً عاماً، لا تتلوه متابعة... أما الخدمة الفردية، ففيها التخصص، وفيها المتابعة. وهذا أعمق.
انتقل الآن إلى خدمة أخرى هى:
الخدمة الصامتة
وأعنى بها خدمة القدوة. وهى خدمة عملية.
وليس فيها الحديث عن الفضيلة والقداسة، وإنما تقديم النموذج أو المثال العملى لها، بدون شرح أو كلام. وهى خدمة أكثر عمقاً، حتى إن كان صاحبها لا يُحسب بين الخدام. إنه ليس واعظاً، ولكنه هونفسه العظة، يتعلم الناس من حياته لا من كلماته. وإن تكلم يتعلمون منه أسلوب الكلام الروحى..
يذكرنى هذا النوع من الخدمة بأحد الآباء الذى لم يطلب من القديس الأنبا أنطونيوس كلمة منفعة، وإنما قال له "يكفينى مجرد النظر إلى وجهك يا أبى..".
ولعله من هذا النوع تنبثق خدمة أخرى هى:
خدمة البركة
كما قال الرب لأبينا إبرآم حينما دعاه "أباركك وتكون بركة" (تك12: 2). وهكذا نجد ان يوسف الصديق كان بركة فى أرض مصر، وكان بركة من قبل فى بيت فوطيفار. وكان إيليا النبى بركة فى بيت أرملة صرفة صيدا. وكان أليشع النبى بركة فى بيت الشونمية...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.