هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية والخادم الروحي – الجزء الأول – البابا شنودة الثالث .
6 - الخادم الروحى قدوة وبَركة وحيَاته كلهَا خدمَة..
إن الخدمة ليست كلاماً، إنما هى "روح وحياة" (يو6: 63).
والخادم الروحى له الروح التى يحولها فى تلاميذه إلى حياة... هذه الحياة يلتقطونها منه، يتعلمون من حياته، ويقلدون شخصيته، فتتخلل نفوسهم وقلوبهم وأفكارهم.
إن الصغار قد لا يفهمون كل الكلام الذى يقوله الخادم. وما يفهمونه، كثيراً ما ينسونه. لكنهم يأخذون منه الحياة. ويتعلمون من طريقة معاملته، وطريقة كلامه، بل يتعلمون من اسلوبه، من نظراته، من اشاراته، من تصرفاته.. يلتقطون كل ذلك.. المعلومات قد ينسونها. ولكن أسلوب الحياة يظل راسخاً فيهم. فإن كان كل ما تملكه هو المعلومات، سوف لا يأخذون منك سوى معلومات، بلا روح بلا حياة..! فإبحث إذن ما هو نوع الحياة الى فيك، التى يمكن أن يمتصها منك أولادك؟ والتى تترك فيهم إنطباعاً من نوع خاص.
أخشى أن بعض الخدام تكون فى حياتهم عثرات. وهذه العثرات تؤثر فى تلاميذه تأثيراً سلبياً.
"وويل لمن تأتى من قبله العثرات، كما قال الرب (مت18: 7) هذه العثرات إما أن يقلدها المخدومونن فتضيع روحياتهم، وتهبط مثالياتهم، ويطالب الخادم بدمهم أمام الله (خر3: 33).
وأما أن تكون أخطاء الخادم سبباً فى إنتقادهم له، بل أيضاً وقوعهم فى خطية الإدانة. أو قد تكون تلك الأخطاء سبباً فى تركهم محيط هذه الخدمة كلها، وما يتبع ذلك من نتائج...
الخادم هو ملح للأرض. فماذا يحدث إن فسد الملح؟!
ما أصعب قول الرب فى ذلك!! "إن فسد الملح، لا يصلح بعد لشئ، إلا أن يطرح خارجاً ويداس من الناس" (مت5: 13).. إذن يجب أن تلوم نفسك وتقول:
"أننى حينما كنت بعيداً عن الخدمة، كانت خطاياى ونقائصى من نصيبى أنا وحدى.. وتأثيرها واقعاً علىّ وحدى، وكذلك عقوبتها. أما الآن فإن خطاياى تعثر الآخرين، وتوقعهم فى خطايا وتضيعهم... فإن لم يمن من أجل نفسى فعلى الأقل من أجلهم أقدس أنا ذاتى، لكى يكونوا هم أيضاً مقدسين فى الحق (يو17: 19).
من هنا ينبغى على كل خادم أن يفحص نفسه، ويصلح ذاته، ويكون بلا عثرة. بل ينبغى أن يكون قدوة ومثالاً.
بعكس الخادم الروحى الذى تترك حياته فى نفس كل من يقابله اثراً طيباً وانطباعاً روحياً يدوم لمدة طويلة...
دون أن يلقى عظة أو يتحدث فى موضوع روحى... بل مجرد مقابلته البشوشة الحلوة الطيبة، وملامحه والهادئة المملوءة سلاماً، ووداعته وطيبته وحسن لقائه للآخرين وحسن معاملته، هذا يجعل من يقابله يتأثر روحياً، ويقول فى نفسه: مباركة تلك اللحظات التى تقابلت فيها مع فلان. عجيب هذا الشخص الروحى. ليتنى أكون مثله فى شخصيته الروحية، وفى بشاشته ومعاملته الطيبة التى تبكتنى على خطاياى، وتذكرنى بإنى فى أحيان كثيرة كنت أقابل البعض بعدم إكتراث، أو بغير حماس، بدون ودّ وبدون بشاشة. ليتنى أغير حياتى وأصيرمثله ودوداً بشوشاً وديعاً...
وهكذا مجرد اللقاء به يقود الآخرين إلى التوبة.
لذلك فالخادم الروحى ليس مجرد مدرس، بل حياته كلها خدمة:
إن عبارة [مدرس فى مدارس الأحد] تعنى قصوراً فى أمرين:
أ - فكلمة مدرس تعنى مجرد التعليم، وليس الحياة وتأثيرها..
ب - وعبارة (فى مدارس الأحد) تعنى محدودة الخدمة فى هذا النطاق، بينما ينبغى أن يكون الخادم خادماً فى كل مجال يقابله فلا يحدها مكان هو الكنيسة، ولا زمان هو ساعة فى الأسبوع!!
إن كانت الخدمة هى عمل من أعمال المحبة، فلا يجوز أن تكون محبتنا قاصرة على فصل مدارس الأحد...!!
فالإنسان المحب أينما يوجد، تفيض محبته على غيره. كل إنسان يقابله، ينال نصيباً من حبه. إنه كسيده "يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون" (1تى2: 4)...
حقاً إن مدارس الأحد قد تكون مجال تخصصه. ولكن هذا لا يمنع عمومية خدمته. فكل شخص يدفعه الله إلى طريقه، وكل من يقابله فى غربة هذا العمل، لابد أن يدخل فى مجال تأثيره الروحى. ليس كمدرس، وإنما كحياة روحية تتحرك فى عمق، وتؤثر روحياً فى غيرها، تلقائياً... وإن أتيح له الكلام، لإغنه يجعل الله هو محور حديثه، بطريقة مشوقة غير مصطنعة...
ويكون اسم الرب حلواً فى فم الخادم. يجب أن يتحدث عنه، بطريقة تجذب الناس إليه...
إن اسم الله على فمه، ليس فى الكنيسة فقط، بل فى كل مكان. يحدث الناس عنه فى شغف. وينتهز كل فرصة مناسبة، ليحكى قصصاً عن معاملات الله المملوءة حباً وحكمة... وحتى إن لم يتكلم، فإنه يقدم للناس نموذجاً طيباً عن الحياة المرتبطة بالله...
بعض الناس يظنون المبادئ المسيحية مثاليات من يستطيع تنفيذها؟! أما الخادم الروحى، فيقدم هذه المثاليات منفذة عملياً فى حياته...
وبتأمل حياته، يتيقن الناس أن الحياة مع الله ممكنة وسهلة... ويرون أن الذى يسير مع الله، تكون حياته موفقة وناجحة، ويكون محبوباً من الكل، فيشتاقون إلى حياة مثل حياته، التى تجول تصنع خيراً: تعطى هذا كلمة منفعة، وتعطى ذلك حباً وبشاشة. وتعطى ثالثاً أمثولة طيبة.. المهم أنها تعطى بإستمرار خيراً ونفعاً...
إنه كالشمس، أينما ظهرت تنير:
هى منيرة بطبيعتها. وبحكم طبيعتها تعطى نوراً وحرارة وحياة، للكل.. والخدام الروحيون هكذا بالنسبة إلى الآخرين، هم نور للعالم (مت5: 14). كل انسان يراهم، يستنير ولا يسلك فى الظلمة... فهل أنت نور فى حياتك، وبالتالى فى خدمتك؟
هل كل من يراك، يمجد الله بسببك؟ وكل من يتحدث معك، يخرج بكلمة منفعة، وكل من يجتمع بك، يشكر الله على إنه جلس معك فى ذلك اليوم، وعلى النعمة التى حلت عليه عن طريقك؟
الخادم الروحى بكرة للوسط الذى يعيش فيه:
انظر ماذا قال الرب فى دعوته لابرام إلى الآباء: قال له "اجعلك أمة عظيمة، وأباركك وأعظم اسمك. وتكون بركة" (تك12: 2). فالمطلوب من الخادم الروحى، ليس فقط أن يكون مباركاً من الرب، بل بالأكثر يكون بركة.
كان إيليا بركة فى بيت أرملة صرفة صيدا. وكان يوسف الصديق بركة فى كل أرض مصر.
وكان أبونا نوح بركة للعالم كله. به حفظت الحياة فى العالم:
ولم يفن الرب الأرض كلها ومن عليها، من أجل نوح البار. به بقيت الحياة البشرية، وتتسم الله رائحة الرضا (تك8: 21).
وأصبحنا كلنا أولاد نوح، كما نحن أولاد آدم...
فهل أنت هكذا: أينما حللت تحل البركة؟
وتكون خدمتك بركة للناس فى كل مكان تخدم فيه. ويبارك الله خدمتك، ويجعلها مثمرة وذات تأثير. ويبارك أيضاً كل من تخدمهم، ويشعرون أنك كنت بركة فى حياتك، وأنه من نعم الله عليهم، أنك كنت الخادم الذى قام برعايتهم؟
الخادم الروحى يشعر من يخدمهم أنه رجل الله.
فهكذا كان إيليا، وبهذا اللقب كانوا يدعونه (1مل17: 24) فهل يراك الناس بهذه الصورة، انك صوت الله فى آذانهم، وانك مرسل منه إليهم، وإنك صورة الله أمامهم؟
يذكرهم وجودك معهم بالله ووصاياه وبقدسية الحياة..
وهل – كرجل الله – يرون فيك ثمار الروح (غل5: 22، 23)؟ ويرون تأثير الروح فى كلماتك، ويختبرون أنك بركة لحياتهم...
لا تظن أنك بمجرد إلقائك بعض الدروس فى الكنيسة، قد صرت خادماً. بل تفهم ما معنى كلمة (خادم) وما صفاته.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.