1- ما هى الخدمَة روحياً؟

مقدمَة

لا شك أن الخدّام يحتاجون باستمرار إلى محاضرات عن روحانية الخدمة، لئلا يظنوا أن الخدمة هى مجرد تدريس ومعلومات...

والكتاب الذى بين يديك هو بعض محاضرات ألقيت فى الكاتدرائية الكبرى بدير الأنبا رويس بالقاهرة فى إجتماعات حضرها الألوف من الخدام وفصول إعداد الخدمة منذ بدأنا هذه الفصول من حوالى 16سنة تقريباً.

وسنوالى نشرها فى الأجزاء المقبلة من هذه السلسلة.

ونحدثك فى هذا الجزء عن الخدمة الروحية ومميزاتها المتعددة، ومركز الله فى الخدمة، والمقاييس الروحية السليمة لنجاح الخدمة، مع ما يقابلها من مقاييس خاطئة.

كما نحدثك عن الخادم الروحى القدوة وبالبركة، وما يتميز به من صفات، وكيف أنه دائماً يخدم، بل أن حياته كلها خدمة، ويشعر أن الخدمة ضرورة موضوعة عليه.

وهذا الكتاب هو الكتاب السادس من الكتب التى قدمناها لخدام التربية الكنسية ولفصول إعداد الخدام، سواء ما يخصهم أو ما يتعلق بأطفالهم.

أما الكتب الخمسة السابقة فهى: الغيرة المقدسة، والتلمذة، وكيف نعامل الأطفال، وآيات للحفظ بالأبجديةن ومسابقات فى الكتاب المقدس.

ونرجو بمعونة الرب أن نتابع نشر هذه السلسلة من كتب الخدمة، مصلين من أجل نجاح الخدمة فى كل مكان.

نوفمبر 1993م البابا شنوده الثالث.

1 - ما هى الخدمَة روحياً؟

ليست الخدمة مجرد تدريس أو تعليم، وإلا كانت عملاً عقلياً بحتاً والخادم ليس هو مجرد مدرس، ولا مجرد حامل معلومات ينقلها إلى آذان وأذهان تلاميذه... فما هى الخدمة أذن.

1 - الخدمَة محبَة

إنها محبة تملأ قلب الخادم نحو الله وملكوته، ونحو الناس وبخاصة الصغار منهم. هو يحب الله، ويريد أن الجميع يحبونه. وهو يحب الناس، ويريد أن يوصلهم إلى الله. وتعبيره عن هذه المحبة التى فى قلبه، هو الخدمة.

فالخدمة هى نتيجة طبيعية لشئ أعظم من الخدمة، هو المحبة.

إذن الخدمة هى حب فى القلب، فاض على هيئة خدمة... هى شهوة فى قلب الخادم، أن يوصل الناس إلى الله على قدر ما يستطيع، وبخاصة الذين اؤتمن على خدمتهم.

وإذا خلت الخدمة من الحب، تصبح خدمة جافة، وعملاً روتينياً، أو عملاً آلياً خالياً من الروح، وتتحول إلى مجرد تدريس معلومات، أو إلى مجرد نشاط علمى أو نشاط إجتماعى...

أما عندما نحب المخدومين كما يحبهم الله، وعندما نحبهم كما يحبنا الله... فحينئذ نصل إلى مثالية الخدمة...

ومادمنا لا نستطيع أن نصل إلى هذه الدرجة من الحب.. فلنحاول أن تمتلئ قلوبنا بالحب نحو المخدومين، على قدر ما تتسع قلوبنا للحب... وإذا تأملنا خدمة السيد المسيح، نجد دعامتها المحبة. فقد قيل عنه إنه "أحب خاصته الذين فى العالم، أحبهم حتى المنتهى" (يو13: 1). وحتى عمل الفداء، قيل عنه أيضاً "هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو3: 16).

وأنت: لا تستطيع أن تكون ذا تأثير روحى فى إنسان، إلا إذا كانت هناك محبة بينك وبينه.

وبهذه المحبة، يثق بك، ويقبل كلامك، ويفتح لك قلبه، فتعرف إحتياجاته الروحية. وبكل ذلك يمكنك أن توصله إلى الله وملكوته..

الخدم إذن فى مدارس الأحد، هو إنسان محب ومحبوب. يحب تلاميذه، وتلاميذه يحبونه، ويحب الخدمة، وتسرى محبتها فى قلبه وفى كل كياته.

الخادم الذى يحب مخدوميه، تكون خدمته لهم ممزوجة بالعاطفة:

إذا غاب واحد منهم، يحزن لغيابه، لأنه مشتاق إليه، وقد حُرم منه فى ذلك الأسبوع. وإن حضر فى فصله 28 تلميذا من ثلاثين، يكون مشتاقاً إلى الأثنين الباقيين. وعندما يفتقد أحد تلاميذه، تظهر عاطفته فى الإفتقاد.

ليست خدمته خدمة رسميات ولا شكليات، بل محبة لله وللناس.

وهو فى كل نشاط خدمته، لا يركز على ذاته، لكى يبدو أمام نفسه خادماً صالحاً وأميناً فى الخدمة، وليس خوفاً من محاسبة الله له، إنما يخدم حباً لمخدوميه.

وعندما يحضر درساً، يكون كل همه أن يعطى تلاميذه كل ما عنده. لذلك يبحث عن القصص التى يسرون بسماعها. بل ويجمع كل الأفكار النافعة لهم، وكل المعلومات المشوقة... لا لكى يكون الدرس ممتازاً ومثالياً، وإنما لأن المحبة من طبيعتها إسعاد الآخرين والعمل على منفعتهم، والتعب والبذل لأجل ذلك.

2 - الخدمة عطاء للكل

الخدمة هى طبيعة عطاء عند الخادم

يفعل ذلك بلا تغصب، ولا يضغط على إرادته لكى يخدم. بل يفعل ذلك بتلقائية وبحكم طبيعته. مثلما الشمس من طبيعتها أن تعطى حرارة ونوراً، وتعطى ذلك للكل بلا تمييز. ومثلما الشجرة من طبيعتها أن تعطى ظلاً أو زهراً أو ثمراً، وللكل.. وأيضاً مثلما الينبوع من طبيعته أن، يعطى ماء ورياً، وللكل.. هكذا الخادم من طبيعته أن يعطى حباً وتعليماً وإفتقاداً ومواساة ومعونة.. وللكل...

يعطى لكل احد، فى كل مناسبة، وفى كل مكان.

فى البيت فى محيط الأسرة، وفى محيط الدراسة أو العمل، وفى الكنيسة، وفى النادى، وفى كل مكان... إنه – كسيده – "يجول يصنع خيراً" (أع10: 38)... كل انسان يقابله فى الحياة، أو كل انسان يلقيه الله فى طريق حياته، يحاول – ولو بطريق غير مباشر – أن يعمل معه عملاً يقربه إلى الله بالأكثر.

الخدمة إذن هى خير متحرك

هى خير متحرك نحو الناس، يدفعهم إلى الله، بكل الطرق: بكلمة منفعة، أو بركة، أو معونة. يتحرك بها قلب الخادم نحو سائر القلوب حيثما يلتقى بهم. ذاته ليست ثمينة عنده.. وهو لا يركز عليها، إنما يبذلها بذلاً لأجل خير الناس..

3 - الخدمة هى غذاء روحى

غذاء يقدمه الخادم لأرواح مخدوميه، ليشبعهم بكلمة الله الصالحة.

حسبما قال الرب "يا ترى من هو الوكيل الأمين الحكيم الذى يقيمه سيده على عبيده، ليعطيهم طعامهم فى حينه.." (لو12: 42).. يعطيهم وجبة دسمة، من الكتاب والتأملات وسير القديسين، ومن التراتيل والألحان. بل ومن اللاهوت والعقيدة... كل ذلك فى أسلوب روحى مبسط محبب للنفس، ويربطهم بالله وبصفاته الجميلة.. ولعل سائلاً يسأل:

كيف يستطيع الخادم أن يقدم وجبة روحية دسمة لأولاده، فى ساعة واحدة كل أسبوع؟

والجواب: هو ان التأثير الروحى لا يرتكز على طول الوقت، وإنما على قوة الكلمة... الكلمة الروحية الصادرة من إنسان روحى، يتكلم روح الله من فمه. أو كلمة الله القوية الفعالة، التى شبهها الكتاب بسيف ذى حدين (عب4: 12).

إن كلمة واحدة سمعها الأنبا أنطونيوس فى الكنيسة، غيرت حياته كلها، وصارت سبباً فى إيجاد حياة ملائكية فى الكنيسة كلها..

الخدمة لا يعوزها الكلام الكثير، إنما الكلام الروحى المؤثر...

الكلام الذى يحمل قوة الروح، القوى فى إقناعه وفى تأثيره، والذى يدفع إلى التنفيذ. أما الخدمة التى لا تأثير لها ولا روح، فإنها تشبه بذاراً فقدت أجنتها... والمطلوب هو الخدمة التى تذخل إلى العمق، وتحرك القلب، وتعمل عملاً، وتكون لها قوة دافعة...

4 - الخدمَة هى غيرة مقدسة

هى شعلة من النار داخل القلب، تجعله ملتهباً بمحبة الناس، والسعى إلى خلاصهم. بحيث لا يهدأ إلا إذا استطاع توصيلهم إلى الله. وكما قال المرتل فى المزمور "غيرة بيتك أكلتنى". وكما قال القديس بولس الرسول "من يعثر وأنا لا ألتهب؟!" (2كو11: 29).

فالذى يحب الناس، وتملكه الغيرة لأجل خلاص نفوسهم، لا تتقدي خدمته بمجموعة معينة، بل يحب الكل، ويخدم الكل... ويضع أمامه قول الرسول "صرت للكل كل شئ، لأخلص على كل حال قوماً" (1كو9: 22).

الراعى الصالح (يو10: 11، 14). وهو الذى قال "أنا أرعى غنمى واربضها.. وأطلب الضال، واسترد المطرود، وأجبر الكسير، وأعصب الجريح" (حز34: 15، 16). وعنه قال داود النبى "الرب لى راعِ، فلا يعوزنى شئ" (مز23).

وإنه تنازل من الله أن يشركنا معه فى العمل وفى الأهتمام بأولاده.

إنه قادر أن يقوم وحده بعمل الرعاية والأهتمام. ولكنه من فرط تواضعه منحنا أن نعمل معه فى هذا المجال، تبارك اسمه... وأستطاع بذلك القديس بولس الرسول أن يقول عن نفسه وعن زميله ابللوس: "نحن عاملان مع الله" (1كو3: 9).

ومن هنا كانت الخدمة هى شركة مع الروح القدس

الروح القدس هو الذى يعمل لبناء الملكوت، ونحن مجرد آلات فى يديه. يعمل فينا، ويعمل بنا، ويعمل معنا. يعطى كلمة للمتكلمين، ويعطى تأثير للسامعين. وما الخادم سوى أداة فى يد الروح... أما إذا كانت مجرد عمل بشرى، لإنها باطلة بلا نفع..

لذلك نقول عن العظة: نسمع كلمة الرب من فم (فلان)...

لأنه حسب قول الرب "لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم" (مت10: 20). ولذلك ما أجمل ما قيل عن كل رسالة من الرسائل المقدسة إلى الكنائس السبع التى فى آسيا "من له أذنان للسمع فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" (رؤ2: 3).

ونحن نفرح بعبارة "ما يقوله الروح".. إنها تعطى معنى للخدمة هو:

5 - الخدمَة هى جسر بين الله والناس

ليتك تكون جسراً صالحاً فى خدمتك، توصل ما يقوله الروح.. الخدمة هى جسر يوصل الناس بالله، أو جسر تنتقل عليه عطايا الله إلى الناس.. فالخادم الروحى هو الذى يأخذ من الله ليعطى تلاميذه. لا يعطى من ذاته. لأن الرب أمر أن لا تقدم على المذبح نار غريبة، بل النار المقدسة التى نزلت من عند الله.

الخدمة تشبه بسلم يعقوب الواصل بين السماء والأرض.

هذا الذى قيل عنه إن ملائكة الله صاعدة ونازلة عليه (تك28: 12) صاعدة بطلبات الناس، ونازلة بالأستجابة من عند الله... ألم يقل الرب "أسألوا تعطوا" (مت7: 7). هنا الخدّام فى خدمتهم كملائكة الله فى السماء.. يرفعون صلواتهم إلى السماء، لكى يعطيهم الله كلمة عند إفتتاح أفواهم "(أف6: 19).

ومن سلم يعقوب تنزل إليهم الكلمة التى يقولونها لأولادهم وتلاميذه... وهم فى ذلك يتشبهون بالملائكة.

6 - فالخدمة هى عمل الملائكة والرسل

وهكذا قال القديس بولس الرسول عن الملائكة: "أليسوا جميعاً أرواحاً خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب1: 14). وقال عن نفسه وعن سائر الرسل إن الرب "أعطانا خدمة المصالحة.. اذن نسعى كسفراء للمسيح، كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح" تصالحوا مع الله "(2كو5: 18، 20).

7 - الخدمة هى دين علينا

الخدمة هى جزء من الدين الكبير الذى علينا من نحو الكنيسة التى ربتنا وعلمتنا، وأرشدتنا إلى طريق الله، وأعطتنا روح الخدمة. وعلينا أن نخدمها كما خدمتنا.

بل أن الخدمة دين علينا نحو الله نفسه، الذى أحبنا كل الحب، ومنحنا ان نعرفه، وعلمنا طرقه. وعلينا أن نحبه بالمثل، ونظهر هذا الحب من نحو أولاده الذين تركهم وديعة فى أيدينا. ولذلك نخرج بنتيجة هامة وهى أن:

8 - الخدمَة واجب

إنها واجب روحى على كل انسان -.

كل انسان يحب الله ويحب الناس، لابد أن يخدم. إنه لا يستطيع أن يرى أناساً يهلكون أمامه، بينما يقف صامتاً مكتوف اليدين. كذلك الذى أختبر محبة الله له، يجد دافعاً داخلياً يدفعه إلى الحديث عن محبة الله...

المرأة السامرية لما عرفت المسيح، ذهبت مباشرة لتخبر الناس وتحدثهم عنه قائلة "تعالوا وأنظروا" (يو4: 29).

فتحولت ليس فقط من خاطئة إلى تائبة، بل بالأكثر إلى انسانة كارزة، تحب المسيح، وتحدث الناس عنه... وحدث مثل هذا الأمر مع كثيرين من الذين شفاهم المسيح، فجالوا فى كل مكان يتحدثون عنه...

كل إنسان أذن يمكنه أن يخدم، ولكن حسب تنوع المواهب

هناك من يخدم فى مجال الفقراء وعمل الرحمة، وآخر يخدم المرضى، وثالث يخدم فى حل مشاكل الناس، ورابع يخدم فى مجال التعليم، إن أذنت له الكنيسة بذلك وخامس يخدم عن طريق القدوة الصالحة...

أما الذى لا يخدم، فهو انسان مقصر فى واجب مفروض عليه فى حدود امكانياته. هو مقصر فى حق أخوته... فإن قصرت فى الخدمة أو أمتنعت عنها، ينبغى أن تعترف بذلك أمام أبيك الروحى. لأن تقصيرك فى الخدمة، يدل على أن محبتك غير كاملة نحو الآخرين ونحو الله وملكوته وأولاده...

9 - الخدمَة أمانة ووزنة ومسئولية

إن الأولاد الذين تركهم الله أمانة فى أعناقنا، فسوف يسألنا عنهم واحداً فواحداً: ماذا فعلنا فى بنيانهم الروحى. الخدمة إذن مسئولية أمام الله والكنيسة ومسئولية خطيرة... وفى خطورتها أقول الآتى اعلموا أن الخادم منكم، ربما يكون المصدر الوحيد لتعليم الدين فى هذه الفترة من حياة تلاميذه.

ربما لا يجدون فى البيت ولا فى المدرسة ولا فى المجتمع مصدراً آخر يغذيهم روحياً. وكذلك الكنيسة تركت هذه المسئولية إليكم، لتقوموا بها، واعتمدت عليكم فى ذلك...

فإن لم يجد الأولاد الغذاء الروحى فى الكنيسة على أيدى خدامها، فقد تضيع حياتهم بسبب إهمال الخدام!! إذن مصير الحياة لهذا النشئ لهذا الجيل الصاعد تتوقف على مدى أمانة الخدام: هل سيشعلون قلوبهم بمحبة الله، ويملأون عقولهم بالمعرفة الدينية السليمة، أم سيخرجونهم فارغين، تقف أرواحهم إلى الله من الفراغ الذى عاشوه، لأن مدرسيهم فى التربية الكنيسة لم يهتموا بهم..

ترى هل سيقول الله للخادم "نفس تؤخذ عوضاً عن نفس".

وذلك حين يحاسب الخادم قائلاً له "اعطنى حساب وكالتك" (لو16: 20). قفوا إذن بخوف أمام الله. وتذكروا بإستمرار أن الخدمة ليست مجرد نشاط، إنما هى مسئولية. هى وزنة لابد أن نقدمها لله بربحها (مت25).

10 - الخدمة هى قدوة وتسليم

الخدمة هى تسليم، أكثر من التعليم.

هى تسليم الحياة لآخرين، تسليم الصورة الإلهية لهم، تسليم النموذج الحى. فالخادم هنا، هو وسيلة إيضاح للحياة الروحية السليمة بكل فضائلها...

الخدمة إذن هى المدرس، قبل أن تكون الدرس.

هى حياة تنتقل من شخص إلى آخر، أو إلى آخرين.

هى حالة انسان ذاق حلاوة الرب، ويذيقه لآخرين قائلاً "ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب" (مز34: 8).. أنها حياة تسرى من روح كبيرة إلى أرواح أخرى. أو هى حياة إنسان إمتلاء بالروح القدس، ففاض من أمتلائه على غيره..

ليس الأولاد محتاجين كثيراً إلى مدرس يملأ عقولهم كلاماً ويحشوها أفكاراً، بل هم يحتاجونت إلى قلب نقى ملتصق بالله، يوصلهم إلى الله ويشفع فيهم عنده.

هم محتاجون إلى قدوة يحاكونها، ويرون فيها المسيحية الحقة المُنقذة عملياُ.

وربما يكون هناك مدرس فى مدارس الأحد، ليس فصيحاً كما يجب، ومعلوماته ليست كثيرة، ولكنه يؤثر كثيراً فى الأولاد. مجرد منظره يغرس فيهم محبة الله، طريقة كلامه، طريقة معاملاته، أسلوبه الروحى، ملامحه الوديعة الهادئة البشوشة، كل ذلك يعلمهم عن الدين أكثر من الدروس.

هم يرون صورة الله فيه. فيحبون الله الذى يعمل فى حياته.

ويحبون أن يصيروا مثله، وأن تكون حياتهم كحياته...

إن الأولاد يحبون التقليد، فكونوا نماذج صالحة أمامهم وأعلموا أن روحياتهم أكثر من روحياتكم، وقلوبهم أكثر صفاء، ومبادؤهم أسمى. هم صفحات بيضاء فى فترة طفولتهم، لم يكتب فيها العالم بعد شيئاً رديئاً. يحتاجون إلى مستوى عالِ لكى ينفعهم.

والسيد المسيح حينما قال: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال، فلن تدخلوا ملكوت السموات "(مت18: 3) لم يقصد: إن لم تصغروا وتصيروا مثل الأطفال، وإنما إن لم تكبروا (فى براءتكم) وتصيروا مثل الأطفال..

فإن لم تكونوا قدوة لهم، فعلى الأقل لا تكونوا عثرة.

هم – ببساطتهم – يقبلون كل ما يصدر منكم، ويصدقون ما تقولونه لهم. فليكن كلامكم هو الحق والبر الذى ينتظرون معرفته ويتوقعون أنكم تنفذونه. أما عن العثرة – فى التعليم أو الحياة – فقد قال عنها الرب "من أعثر أحد هؤلاء الصغار... فخير له أن يعلق فى عنقه حجر الرحى، ويلقى فى البحر.." (مت18: 6).

وبسبب القدوة الصالحة، يوجد ما يسمى بالخدمة الصامتة.

التى يقدم فيها الانسان تعليماً حتى دون أن يتكلم. يتعلم الناس من حياته دون ان يعظ. بل هو نفسه العظة..

أما الذى لا يقدم عظة بحياته، فكلامه عن الخدمة باطل، ولا يأتى بثمر.. إنه مجرد صنج يرن.

11 - الخدمة هى امتلاء وفيض

إنها حياة وليست كلاماً، ليست مجرد معرفة ننقلها إلى الناس. بل الكلام الذى فيها، ينبغى أن يتحول إلى حياة. كما قال السيد المسيح له المجد "الكلام الذى أقوله لكم هو روح وحياة" (يو6: 63). فهل كلامك فى خدمتك فيه حياة تتسبب فى حياة الآخرين؟ أنظر ماذا يقول الرب: "جئت لتكون لهم حياة، ويكون لهم أفضل" (يو10: 10).

فهل ثمرة خدمتك هى تغيير حياة سامعيك إلى أفضل؟

هل أنت فى خدمتك تعطى الآخرين حياة؟ أو تفيض عليهم من حياتك؟

أم ينطبق عليك المثل القائل "فاقد الشئ لا يعطيه؟!

أذن لابد أن تكون لك أولاً حياة وشركة مع المسيح وخبرة سابقة بالحياة الروحية لكى تستطيع أن تقدم الناس إلى الناس.. وهناك مثل معروف فى مجال الخدمة وهو "لا يفيض إلا الذى أمتلأ..".

12 - إذن الخدمة هى امتلاء وفيض

إن الناقص لا يمكنه أن يفيض. بل يمتلئ أولاً ثم يفيض على غيره. أنظروا إلى الأثنى عشر رسولاً كمثالِ وكيف أعدّهم السيد المسيح للخدمة: لقد قضوا مع السيد الرب أكثر من ثلاث سنوات يمتصون الحياة منه... من المعلم الصالح، أكثر وأعمق معلم عرفته الأرض، يأخذون دروساً من قدوته، من تعاليمه النقية الخالصة، ومن تطبيقاته العملية، مع وسائل إيضاح عجيبة، تتمثل فى الآيات والعجائب، وفى طريقة المسيح فى الخدمة. وكانت الدروس كل يوم وكل ساعة، إذ كانوا يعيشون مع المسيح بإستمرار ومع كل هذا قال لهم "لا تبروحوا أورشليم حتى تلبسوا قوة من الأعالى" (لو24: 49) "ولكنكم ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم. وحينئذ تكونون لى شهوداً" (أع1: 8).. ولما حلّ الروح القدس عليهم فى يوم الخمسين، بدأوا خدمتهم بهذا الأمتلاء، ففاضوا من روحهم على المسكونة كلها...

بل كان الامتلاء من الروح القدس شرطاً لأختيار الشمامسة السبعة (أع6: 3).

وأنتم أيها الأحباء: هل أمتلأتم من الروح القدس، حتى يقيمكم الرب على خدمة أولاده؟ ولعلكم تسألون: ما مقياس هذا الأمتلاء؟ على الأقل هو ظهور ثمار الروح فى حياتكم (غل5: 22، 23) ولا أجسر أن أقول مواهب الروح، فهى مستوى عالِ ربما ليس لكل أحد...

أنت تدرّسون أطفالاً. والطفل فى سن يتميز بأنه يلتقط الحياة ويقلد... وربما ينسى الأولاد كلامكم. ولكنهم لا ينسون حياتكم. فهل أنتم ينبوع حياة لهم؟ أم بلا تأثير؟ أم ينبوع عثره؟ حاشا...

13 - الخدمة حياة تنتقل من إنسان إلى آخر

ليس فقط فى مجال القدوة والتسليم.. بل أمامى مثال عجيب ورد فى الكتاب المقدس عن خدمة السبعين شيخاً الذين ساعدوا موسى النبى فى الخدمة. قال الرب لموسى "إجمع إلىّ سبعين رجلاً من شيوخ إسرائيل.. وأقبل بهم إلى خيمة الإجتماع.. فأنزل أنا وأتكلم معكم هناك. وأخيراً من الروح الذى عليك وأضع عليهم، فيحملون معك ثقل الشعب" (عد11: 16، 17).. صدقونى، كم وقفت متعجباً، وأتأمل هذه الآية: آخذ من الروح الذى عليك، وأضع عليهم...!!

14 - الخدمة هى قوة فعّالة

هى قوة الروح العامل فى الخادم وفى المخدومين

هى قوة كلمة الله التى لا ترجع فارغة (أش55: 11)، كقوة الحياة التى فى البذرة: تلقيها فى الأرض، فلا تكف عن العمل والنمو، حتى تعطيك ثمراً ثلاثين وستين ومائة (مت13: 8).

15 - الخدمة روح وليست رسميات

يظن البعض أن الخدمة هى مجرد الشكل الخارجى: دفتر تحضير منظم، تتميم على الأرض، إفتقاد، تحفيظ... وينتهى الأمر عند هذا الحد... بينما هى روح قبل كل شئ...

هى روح الخادم التى يمتصها الأولاد منه. هى الروح التى يلقى بها الدرس، والروح التى يتعامل بها مع الأولاد.

هى قلب الخادم قبل لسانه...

هى حرارته القلبية، قبل وسائله التربوية.

16 - الخدمة واسطة روحية للنمو

ليس للأولاد فقط، إنما للمدرس أيضاً...

الدرس الذى لا يتأثر به الخادم شخصياً، وتكون له فاعلية فى حياته، لا يمكن لهذا الدرس أن يؤثر فى المخدومين... إذن فالدرس هو واسطة روحية له هو، ينمو بها روحياً، ومعه ينمو أولاده...

والمدرس الذى يظن أن الدرس هو لتلاميذه فقط، ليس هو خادماً بالحقيقة.. إنما الكلام الذى يقوله لهم، ينبغى أن يلتزم به هو أيضاً. وهم يرون هذا الكلام منفذاً فى حياته.

[Place Image #01 here].

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

2- مركز الله فى الخدمَة

المحتويات
المحتويات

المحتويات