3- التواضع فى الخدمَة

3 - التواضع فى الخدمَة

المفروض فى الخادم ان يتصف بصفات روحية ولعل فى مقدمتها التواضع ومن أهمية هذه الصفة أن السيد المسيح قال لتلاميذه: "تعلموا منى فأنى وديع ومتواضع القلب" (مت11: 29).

كان يمكن أن يركز على فضائل كثيرة تتمثل فى شخصه القدوس ولكنه ركز على التواضع والوداعة ذلك لأن الذى يخدم كثيراً ما يحارب بالكبرياء أو العظمة اذ يجد أنه قد إنتقل من صفوف المخدومين إلى مصاف الخدام.

وأنه أصبح من الأشخاص المهمين فى الكنيسة ومن الاشخاص الذين يؤخذ رأيهم فى سيامة كاهن جديد للكنيسة بل ربما يكون هو أحد المرشحين للكهنوت لذلك نريد أن نقدم بعض ملاحظات فى هذا الموضوع.

لا يجوز أن ينسى الخادم أنه خادم: إنه خَادم

حسن هذا اللقب أنه خادم وليس سيداً!

ولم نعطه لقب كارز، أو معلم، أو مدرس...

وظيفته أن يخدم لا أن يسيطر أو يتكبر فالكبرياء ليست من صفات الخادم والعجيب أن السيد المسيح نفسه لقب نفسه بلقب خادم. وعلى الرغم من أنه ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ19: 16) إلا أنه أنحنى وغسل أرجل التلاميذ لكى يعطيهم مثالاً (يو13: 5، 15). بل قال أيضاً.

"أن أبن الانسان لم يأت ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت20: 28).

ولقب خادم قد تلقب به الملائكة أيضاً فقيل عنهم فى رسالة العبرانين "أليس جميعهم أرواحاً خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب1: 14) وقيل فى المزمور "الذى خلق ملائكته أرواحاً، وخدامه ناراً تلتهب" (مز104: 4).

وكما لقب الملائكة بأنهم خدام، كذلك الرسل أيضاً:

يقول القديس بولس الرسول عن نفسه وعن زميله أبلوس "من هو بولس ومن هو أبلوس؟ بل خدامان أنتم بواسطتهما" (1كو3: 5). ويقول من مساعده تيخيكس "يعرفكم بكل شئ تيخيكس الاخ الحبيب والخادم الأمين فى الرب" (أف6: 21) ويقول عن أبفراس "الذى هو خادم أمين للمسيح لأجلكم" (كو1: 7) وقال عن القديس مرقس الرسول "إنه نافع للخدمة" (2تى4: 11). وقال بصفة عاملة "كفايتنا من الله، الذى جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد" (2كو5: 18، 20). وقال إن الله أعطانا خدمة المصالحة... نطلب من المسيح تصالحوا مع الله "(2كو18: 20)...

والآباء الرسل عند اختيار الشمامسة السبعة، قالوا "أما نحن فنعكف على الصلاة وخدمة الكلمة" (أع6: 4).

آباؤنا الرسل كانت لهم خدمة الكلمة، وخدمة المصالحة. والآباء الكهنة عموماً هم خدام المذبح وكلمة شماس معناها خادم.

والكاهن الذى يستلم الذبيحة يسمى فى الطقس (الكاهن الخديم) حتى الأرملة التى كانت تخدم فى الكنيسة أشترط فيها الرسول أن تكون مشهوداً لها فى أعمال صالحة أضافت الغرباء غسلت أرجل القديسين "(1تى5: 10) والعناية بالفقراء نسميها الخدمة الاجتماعية.

وحتى إجتماع مدرسى التربية الكنسية نسميه إجتماع الخدام.

فمادمت يا أخى خادماً أسلك فى أتضاع كخادم ولا يرتفع قلبك من الداخل. إفهم الكلمة فى جوهر معناها، ولا تجعلها تفقد حقيقتها ومدلولتها وكان القديس أوغسطينوس يصلى من أجل رعيته قائلاً "أطلب إليك يارب من أجل سادتى عبيدك...".

إن كنت خادماً فيجب أن تتصف بالطاعة...

طاعة الله وطاعة لرؤسائك فى الخدمة ومدبريك.

بعض خدام التربية الكنسية يتحدون الاب الكاهن فلا يحترمونه ولا يطيعونه ومع ذلك يقولون إنهم خدام! ونفس الوضع نقوله عن الكاهن الذى لا يطيع أسقفه!! ونقوله عن أعضاء مجلس الكنيسة!!

لا تظن أنك إحد قادة العمل الرعوى أو التعليمى فى الكنيسة.

بل تذكر باستمرار أنك خادم وأسلك كما يليق بخادم واحذر أن تفقد تواضعك لأنه كما يقول الكتاب "قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم16: 18).

2 - من الأمور الأخرى التى تجلب التواضع فى الخدمة:

التلمّذة

يظن بعض الخدام أنهم لم أصبحوا خداماً أنتهى بالنسبة إليهم عصر التلمذة وهذا فهم خاطئ.

إنما لكى تحتفظ بتواضعك إحتفظ باستمرار بتلمذتك.

كل المسيحين فى العصر الرسولى كانوا يدعون تلاميذاً والسيد الرب لما أرسل الاحد عشر للكرازة قال لهم "أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (مت28: 19). وفى أنتشار الكرازة قيل "وكانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جداً" (أع6: 7).

إذن استمر تلميذاً للرب وتلميذاً للكنيسة ولا يكبر قلبك.

وان شعرت أنك صرت معلماً وأصبحت فوق مستوى التلمذة أعرف جيداً أنك بدأت تسقط فى الكبرياء.

أتذكر أننا حينما كنا خداماً فى مدارس الاحد فى كنيسة الانبا أنطونيوس منذ حوالى 45 سنة كان كل خادم يجلس كمستمع أو كتلميذ فى أربعة اجتماعات كل أسبوع: فى أجتماع الاسرة وفى أجتماع الخدام واجتماع الشبان وفى الفصل الكبير الذى كان يبدأ فى السابعة والربع مساء، بعد أنتهاء التدريس فى باقى الفصول. وباستمرار كان الخدام يتعلمون من غيرهم فيستمرون فى تواضعهم.

قل لنفسك أنا باستمرار مازلت أتعلم ومحتاج أن أعرف.

وإن عشت فى حياة التلمذة ستتخلص من مشاكل كثيرة:

ستتخلص أولاً من روح الجدل وكثرة المناقشات (المقاوحة) وتكون مستعداً أن تتقبل الرأى الآخر بروح طيبة. لأن الذين يدخل فيهم روح الجدل يسلمهم الى روح العناد وتصلب الرأى ويظنون أنهم يفهمون أكثر من الكبار. بل وقد يظنون أنهم هم الكبار.

احتفظ إذن بطفولتك الروحية حسب قول الرب:

"إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الاطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات" (مت18: 3)...

وما أكثر الأمثلة لقديسين عاشوا تلاميذ:

يشوع ظل تلميذاً لموسى طول حياته إلى أن رقد موسى فى الرب وأليشع ظل تلميذاً لإيليا إلى أن صعد إلى السماء، فودعه بعبارة يا أبى يا أبى يا مركبة أسرائيل وفرسانها (2مل2: 12) والقديس أثناسيوس الرسولى مع أنه كان بابا الاسكندرية أحتفظ بتلمذته للقديس أنطونيوس الكبير ولما كتب سيرته قال "وأنا نفسى صببت ماء على يديه" أى كان يخدمه.

كان التلاميذ قديماً يجلسون عند أقدام معلميهم.

فلا يجلسون إلى جوارهم وأمامهم بل كان المعلم يجلس على كرسى وتلاميذه جلوس على الأرض عند قدميه وعن هذا قال القديس بولس الرسول "ولدت فى طرسوس كيليكية ولكن ربيت فى هذه المدينة مؤدباً عند رجلى غمالائيل (أع22: 3) هذا هو إتضاع التلميذ أمام معلمه ويعتبر أيضاً أنه ليس فقط يعلمه بل يربيه أيضاً ويؤدبه.

ما أصعب أن خادماً يقرأ كتاباً أو كتابين فيتكبر على معلميه.

ويتكبر أيضاً على آبائه الكهنة ويفرض مشيئته على أب اعترافه فإما أن يوافق الاب على رأيه أو يعصاه!! وهكذا يصير حكيماً فى عينى نفسه الامر الذى نهانا عنه الكتاب فقال لا تكن حكيماً فى عينى نفسك وعلى فهمك لا تعتمد "(أم3: 7، 5) عش إذن تلميذاً متواضعاً.

والتمس المعرفة من كل مصادرها:

تتلمذ على أب أعترافك وعلى آباء الكنيسة وعلى الاجتماعات الروحية وتتلمذ على الطبيعة على زنابق الحقل وطيور السماء وتتلمذ على الكتب الموثوق بها ولا تظن مهما كبرت أنك قد ارتفعت عن مستوى التعليم.

إن تاريخ الكنيسة يسجل لنا قصصاً عجيبة عن أتضاع القديسين فى التلمذة.

تصوروا واحداً من الآباء الكبار مثل القديس موسى الأسود يطلب كلمة منفعة من الصبى زكريا فلما يستحى الفتى منه قائلاً: "أنت عمود البرية وتطلب منى كلمة؟!" يجيبه القديس "صدقنى يا أبنى لقد عرفت من الروح الذى عليك ان عندك كلمة أنا محتاج أن أعرفها"..!

والقديس مكاريوس الكبير أخذ كلمة منفعة من راعى بقر... وكان الآباء يلتمسون كلمة منفعة بينما كانت لهم سيرة ملائكية يشتهى الكثيرون أن يتعلموا منها.

التواضع فى التعليم

صدقونى أكثر ما يتعب كنيستنا حالياً هو عدم التواضع فى التعليم.

كل خادم يأتى له فكر جديد فى تأملاته أو من قراءاته يحاول يجعله عقيدة ويدرسه للناس وهناك نوع من الكتاب، ويروق لهم إلغاء المفهوم السائد ليقدموا بدلاً منه مفهوماً جديداً وكأن الواحد منهم قد اكتشف ما لا تعرفه الكنيسة كلها والناس جميعاً وكأنه يعلم ما لا يعلمون.

المشكلة هى تقديم المفاهيم الشخصية وليس تعليم الكنيسة وعقيدتها.

ومحاولة للجدل وللاثبات ولاقناع الناس بخطأ المفهوم السائد والبعض قد ينتقد الكنيسة. والبعض يغير ألفاظ. القداس والبعض يصرح يزيجات بعكس قوانين الكنيسة والبعض يصلى بقداسات غير مألوفة فى كنيستنا.

وكل واحد من هؤلاء يعتبر نفسه مصدراً للتعليم.

وكأنه جبهة مستقلة فى تعليمه أو جزيرة قائمة بمفردها فى المحيط وأن تدخلت الكنيسة لاصلاح الوضع، يقيم الدنيا ويقعدها، ويحيط نفسه بمجموعة خاصة من تلاميذه لتسانده. ويقف ضد الكنيسة وينادى بأن تعليمه هو السليم والكل مخطئ!

وقد تجد لكل فرع من التربية الكنسية منهجاً خاصاً.

أمين الفرع لا يعجبه المنهج العام، فيعدل فيه ويبدل، أو يضع منهجاً خاصاً يرى أنه الأفضل والأصوب. وإن شاء الله سنضع منهجاً موحداً ونأخذ فيه رأى الاباء وقادة الخدمة نرجو بعد وضعه أن يتواضع الخدام ويعملوا به... ولا يقف لنا أحد ليقول من حقى أن أعترض... ومن حقى أن أرفض. ومن حقى أن أسير حسب فكرى والا فأين هى الديمقراطية فى الكنيسة ولا يقول له أحد أين هو التواضع؟!

الكنيسة الأولى تميزت بالفكر الواحد.

لأنها كانت كنيسة متضعة تخضع لفكر قادتها.

أما البروتستانتية التى نادت بالحرية فى التفسير والتعليم، فقد تكونت فيه مواهب متعددة زادت فيها مذاهب على المائة أما الكنيسة المحافظة التقليدية فإنها تحفظ الايمان سليماً، ولا تسمح بالمفاهيم الفردية التى تتحول إلى عقائد بل تنصح أصحابها بالإتضاع.

الخادم المتواضع أيضاً لا يستعرض معلوماته!!

إنما يقدم التعليم فى أسلوب روحى هادئ. لا يحاول أن يفلسف المعلومات ولا يمسك ببعض الكلمات ويضع أمامها النص العبرى أو اليونانى، أو بعض الترجمات الانجليزية. وقد لا يكون الشعب على علم بشئ من كل هذا. وقد لا يكون كل هذا لازماً لإثبات الفكرة التى يقدمها. وقد لا تكون المراجع التى يستخدمها سليمة وقد يتبع فى ذلك بعض المذاهب التى تسير بالمنهج العقلانى لا بالمنهج الروحى...

الخادم المتواضع ينزل إلى مستوى المخدومين ولا يبهرهم بمعلومات فوق مستواهم لا تفيدهم بشئ.

إنه لا يفكر فى ذاته والمستوى الذى يريد أن يأخذه الناس عنه. إنما ينشغل بفائدة الناس الروحية، بينما تختفى ذاته تماماً.

لذلك هو يحضر درسه أو عظته أو محاضرته ولا مانع عنده أن تكون ورقة تحضيره ظاهرة فهو لا يضيع فائدة السامعين من أجل أن يأخذوا عنه فكرة أنه يتكلم من الذاكرة...

الخادم المتواضع يهتم بتحضير درسه.

ولا يعتمد على معلوماته السابقة ولا على ذاكرته، كما يفعل بعض الخدام الكبار، ولا يحضرون ما يقولون فتبدو كلماتهم أحياناً ضعيفة لأنهم لم يتواضعوا بل وثقوا بأنفسهم وبقدراتهم أزيد مما يجب.

الخادم المتواضع يحترم عقليات السامعين مهما صغروا.

ويبذل كل جهده لكى يقدم لهم كلاماً دسماً يشبعهم.

التواضع والذات

الخادم المتواضع ينكر ذاته. يختفى لكى يظهر الرب، كما قال القديس المعمدان "ينبغى أن ذاك يزيد وأنى أنا أنقص" (يو3: 30). أما غير المتواضع فيتخذ الخدمة ليبنى بها ذاته بطريقة خاطئة فهو يفكر كيف يرتقى فى الخدمة، وليس كيف يرتقى بالخدمة، ويفكر فى مستوى المجالات التى يتكلم فيها، وربما يسعى إلى المناصب وقد يصطدم بقيادات الكنيسة. ويتعود كيف يأمر وينهى وينتقد...

وربما يفتخر بخدمته ومدتها ومستواها.

يقول أنا لى 20 سنة فى الخدمة. أنا خرجت أجيالاً... ويكبر فى عينى نفسه ويريد أن يطاع، ولا أن يطيع ويصطدم بالأنظمة الموضوعة. ويحكى قصصاً عن ماضيه ويدخله روح العظمة.

الخادم المتواضع يكون كالنسيم الهادئ.

فى دخوله وخروجه لا يشعر به أحد، أن يكون رقيقاً دمثاً وديعاً، لطيفاً فى معاملاته، لا يخدش شعور أحد، لا يجرح أنساناً، لا يهتم بتولى مناصب فى الخدمة، يطيع فى كل ما يوكل اليه، "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته" (مت12: 19) "ولا يرتئى فوق ما ينبغى" (رؤ12: 3).

أحذر أن تفقدك الخدمة تواضعك.

لأن كثيرين كانوا متواضعين قبل الخدمة ثم تغيروا. أما أنت فلا تكن كذلك لنه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟! (مت16: 26).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

4- مقاييس الخدمة ونجاحها

2- مركز الله فى الخدمَة

المحتويات
المحتويات

المحتويات