هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية والخادم الروحي – الجزء الأول – البابا شنودة الثالث .
5 - الخادم الروحى
هناك سؤال يجول فى نفسى وفى أعماقى: أحقاً نحن خدام؟
سهل أن يرتئى الواحد منا فوق ما ينبغى (رو12: 3) ويظن أنه خادم لله!! بينما الخدمة فى أعماقها الروحية لها مقاييس عالية، وربما نحن لم نصل إليها.. أو ربما نكون قد بدأنا كخدام روحيين، ولكننا لم نحتفظ بهذا الطابع طول الطريق. فلنبحث إذن معا: من هو الخادم؟
الخادم الروحى هو لحن جميل فى سمع الكنيسة، وأيقونه طاهرة يتبارك بها كل من يراها. وهو سلّم يصل إلى السماء دائماً، يصعد عليه تلاميذه إلى فوق.
هو جسر ينقل غيره من شاطئ العالميات إلى شاطئ الروحيات، او ينقلهم من الزمن إلى الأبدية. هو صوت الله إلى الناس. وليس صوتاً بشرياً، بل هو فم يتكلم منه الله، ينتقل إلى الناس كلمة الله.
الخادم الروحى هو نعمة ألهية أرسلت من السماء إلى الأرض.. هو زيارة من زيارات النعمة، يفتقد بها الله بعضاً من شعبه.. يقدم لهم مذاقة الملكوت وطعم الحياة الحقيقية.
الخادم الروحى هوإنجيل متجسد، أو هو كنيسة متحركة.
هو صورة الله أمام تلاميذه. هو نموذج للمثل العليا، وقدرة للعمل الصالح، ووسيلة إيضاح لكل الفضائل.
الخادم الروحى يشعر بالدوام أنه فى حضرة الله. وتكون الخدمة بالنسبة إليه كمذبح مقدس، وعمله فيها رائحة بخور.
مهمة الخادم الروحى هى إدخال الله فى الخدمة. وهو يردد فى قلبه قول المرتل فى المزمور "إن لم يبنى الرب البيت، فباطلاً تعب البناءون" (مز126: 1).
الخادم الروحى له بإستمرار شعور الأنسحاق وعدم الإستحقاق
يشعر أنه فوق مستواه أن يعمل على إعداد قديسين، وأن يهيئ للرب شعباً مبرراً (لو1: 7)، مدركاً تماماً أن تخليص النفوس البشرية أمر أعلى منه. إنه عمل الله. وإن اشتراكه مع الله فى العمل، وشركته مع الروح القدس فى بناء الملكوت وفى تطهير القلوب، كلها أمور لا يستحقها. ولكنه على الرغم من شعوره بعدم الإستحقاق، فلا يهرب من الخدمة، بل يدفعه هذا الشعور إلى مزيد من الصلاة، حيث يقول للرب بإستمرار:
هذه الخدمة يارب هى عملك وليس عملى. وأنت لابد ستعمل بى أو بغيرى. وأنا مجرد متفرج: أتأمل عملك وأفرح وأسرّ (يو3: 29).
حقاً "ليس الغارس شيئاً، ولا الساقى شيئاً. لكن الله الذى ينمى" (1كو3: 7). فأعمل يارب عملك، وفرّح قلوب أولادك ولا تمنع عنهم نعمة روحك القدوس بسبب أخطائى أو ضعفاتى أو تقصيرى.
وهكذا بلجاجته فى الطلب، ينال الخادم نعمة من الله. وعندما تنجح الخدمة، يعطى مجداً للرب الذى عمل العمل كله.
الخادم الروحى هو بإستمرار رجل صلاة:
بالصلاة يخدم أولاده. وبالصلاة يحل مشاكل الخدمة. وتكون الصلاة بالنسبة إليه كالنفس الداخل والخارجن كما قال الآباء...
بعض الخدام يظنون أن غاية الإخلاص للخدمة، هى أن يعملوا... أما الخادم الروحى فيرى أن غاية الإتقان هى أن يعمل الله.. ليس معنى هذا أن يكسل ولا يعمل!! كلا، بل هو يعمل بكل جد وبكل بذل، ولكن ليس هو، بل الله الذى يعمل فيه. كما قال القديس بولس الرسول: "لكن لا أنا، بل نعمة الله التى معى" (1كو15: 10).. وكما قال أيضاً "لكى أحيا لا أنا، بل المسيح الذى يحيا فىّ" (غل2: 20).
الخادم الروحى هو شعلة متقدة بالنار:
هو غيرة ملتهبة لخلاص النفس. يقول مع داود النبى "لا أدخل إلى مسكن بيتى، ولا أصعد على سيرير فراشى، ولا أعطى لعينى نوماً، ولا لأجفانى نعاساً... إلى أن أجد موضعاً للرب (فى قلب كل أحد) [مز131].
الخادم الروحى هو رائحة المسيح الذكية (2كو2: 15).
يشتم منه الناس رائحة المسيح، لأنه رسالته المقروءة من جميع الناس.. هو محرقة رائحة سرور للرب (لا1)، تشتعل فيها النار الإلهية، نار تتقد ولا تطفأ، حتى تحولها إلى رماد..
الخادم الروحى هو حركة دائبة دائمة متجهة نحو الله:
أو هو حركة داخل قلب الله، بسبب حركة إلهية داخل قلبه.. إنه يتعب دائماً لأجل راحة الآخرين. وراحته الحقيقية فى أن يوصل كل إنسان إلى قلب الله... هو شمعة تنير لكل من هو فى مجال نورها. وقد تذوب... حرارة ونوراً وحباً.. لكى يستضئ الناس بها، ولكى يتحقق قول الرب "أنتم نور العالم" (مت5: 14).
الخادم الروحى هو انسان دائم الصراع مع الله
يجاهد مع الثالوث القدوس، من أجل نفسه ومن أجل الناس لكى يأخذ منه وعداً لأجل المخدومين، حتى تصير أنفسهم ناجحة (3يو2) ومقبولة أمام الله...
الخادم الروحى هو روح، وليس مجرد عقل
ليس مجرد مدرس، ولا مجرد حامل معلومات ينقلها إلى الناس.. بل هو روح كبيرة إتحدت مع الله، وإختبرت الحياة معه، وذاقت ما أطيب الرب. وتريد أن تنقل هذه الحياة إلى غيرها.. تنقلها بالمشاعر، بالمثال الحى، بالقدوة الصالحة، بالصلاة والإبتهال لأجل المخدومين.
إنه لا يلقى دروساً، بل هو نفسه الدرس:
إنه العظة قبل أن يكون واعظاً.. إنه يدرك أن تحضير الدرس أو العظة ليس مجرد تحضير المعلومات، إنما هو تحضير ذاته، لتكون صالحة لعمل الروح فيه.. يذكر بإستمرار قول الرب "من أجلهم أقدس أنا ذاتى، لكى يكونوا هم أيضاً مقدسين فى الحق" (يو17: 19) ويضع أمامه العبارة التى قالها القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف "لاحظ نفسك والتعليم، وداوم على ذلك. لأنك إن فعلت ذلك تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً (تى4: 16).
الخادم الروحى لا يحتاج تلاميذه إلى إفتقاد:
لأنهم من تلقاء ذاتهم يشتهون درسه إشتهاء. وعندما يرونه فى الكنيسة، يكونون كمن وجد غنائم كثيرة. انهم ينتفعون من منظره ومن معاملاته، كما ينتفعون من كلامه وربما أكثر. كما أنه يستطيع أن يربطهم بالحب برباط قوى يجذبهم بشدة إلى الله وإلى الكنسة. إن درسه شهرة لنفوسهم ولأرواحهم ولقلوبهم ولعقولهم.
الخادم الروحى يحب تلاميذه، ويحب خلاص نفوسهم:
محبته لهم هى جزء من محبته لله وملكوته. وهو يحبهم كما أحب المسيح تلاميذه وقيل عنه إنه "أحب خاصته الذين فى العالم. أحبهم حتى المنتهى" (يو13: 1).
الخادم الروحى يحب الله من كل قلبه. ويريد أن تلاميذه يحبون الله مثله. فإن أحبوا الله تزداد محبته لهم إعجاباً بروحهم. وإن سقط بعضهم، تزداد محبته لهم إشفاقاً عليهم وسعياً لإنقاذهم.. وبهذا الحب كله، يعطيهم صورة مشرقة عن الدين وعن الله.
الخادم الروحى، أولاده روحيون مثله:
لأنه يربيهم فى حياة الروح، فيكونون على شبهه ومثاله. وعلى نفس القياس: الخادم الإجتماعى أولاده إجتماعيين. والخادم العقلانى الذى لا يهتم إلا بالعلم، يكون أولاده مجرد كتب تحمل معلومات... ما أصدق قول الكتاب فى قصة الخليقة، إن الله خلق "شجراً ذا ثمر، يعمل ثمراً كجنسه.. شجراً يعمل ثمراً، بذره فيه كجنسه" (تك1: 11، 12) إن كان الأمر هكذا، فلنحترس نحن كيف نكون... لأنه على شبهنا ومثالنا سيكون أولادنا.
الخادم الروحى يشعر أن أولاده أمانه فى عنقه:
سيعطى عنهم حساباً أمام الله فى يوم الدين. أنهم أولاد الله وقد تركهم فى يديه ليقوم بخدمتهم "ويعطيهم طعامهم فى حينه" (لو12: 42).. لذلك هو يعمل على الدوام بخوف الله، شاعراً بمسئوليته.
أريد من كل خادم أن يسأل نفسه عن ثلاثة أمور: روحانية خدمته، وروحانية حياته، وروحانية أولاده...
روحانية حياته من أجل ابديته وخلاص نفسه، وبسبب تأثير حياته على مخدوميه. وروحانية خدمته حتى تكون ذات تأثير مثمر فى إيجاد جيل روحانى. أما عن روحانية أولاده فتحتاج منه إلى جهد وصبر وطول أناة.
الخادم الروحى يطيل باله جداً، حتى تنبت بذوره وتنمو:
وحتى تخضر وتزهر وتثمر.. ولا يضيق صدره ولا ييأس إن تأخر إنباتها أو إثمارها... إنما يجاهد على قدر ما يستطيع، ويشرك الله معه، ويضع أمامه قول الرسول "يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل ضعفات الضعفاء" (رو15: 1).
إن بعض النفوس لا تعطى ثمراً سريعاً. وبعضها لا يستطيع أن يتخلص من أخطائه بسرعة. وهؤلاء وأولئك يحتاجون إلى من يطيل روحه عليهم حتى يخلصوا... كما يطيل الله أناته علينا، ليقتادنا إلى التوبة (رو2: 4).
قال القديس يوحنا ذهبى الفم: إن كان الجنين الجسدى يحتاج إلى شهور طويلة إلى أن يتكامل نموه ويخرج، فلنصبر إذن على الجنين الروحى حتى يكمل نموه.
الخادم الروحى هو مغناطيس شديد الجاذبية:
كل من يدخل فى مجاله، ينجذب إلى حياة الروح، وتكون له القدرة على جذب غيره أيضاً إلى نفس المجال الروحى.
إنه يجذب الناس إلى أبوة الله وأمومة الكنيسة، بكل ما تحمل من مشاعر الحنان والعطف وكل أساليب الرعاية والأهتمام.. وهكذا يلتصقون بالله المحب، ويرتوون بلبن التعليم من الكنيسة..
الخادم الروحى له كلمة الله الحية الفعالة (عب4: 12).
هذه التى تترك تأثيرها فى السامعين، ولا ترجع فارغة (أش55: 11). إنه يشع على الآخرين نوراً. وكل من يختلط به يستنير، ويأخذ شيئاً إلهياً.. إنه بركة تتدفق على كل أحد، ليس فى الكنيسة فقط، وإنما أيضاً فى البيت ومكان العمل وفى الطريق. هو خادم أينما وُجد.. الخدمة عنده لا يحدها مكان ولا زمان (2تى4: 5) ولا رسميات إنما روح الخدمة عنده تجعله يخدم كل من يصادفه أو يختلط به.. ليس هدفه أن يكون مدرساً ناجحاً، فربما يكون هذا تركيزاً على الذات.
إنما كل إهتمامه هو خلاص أنفس مخدوميه:
إنه ينسى ذاته من فرط تفكيره فيهم. ويقول كما قال القديس بولس الرسول "كنت أود لو أكون أنا نفسى مرفوضاً من المسيح، من أجل أخوتى وأنسبائى حسب الجسد" (رو9: 3).
الخادم الروحى يجاهد بإستمرار مع الله من أجل أولاده
يسكب نفسه أمام الله فى خدمته، لكى يقود الله الخدمة.. لكى يعطيه الرب الغذاء الروحى اللازم له ولمخدوميه، ويعطيهم القوة للسير فى طريق الرب.. ويظل يبلل قدمى الله بدموعه، إلى أن ينال منه إستجابة صلواته لخير هؤلاء.
وفى كل ذلك انسان فدائى، يفتدى غيره بنفسه وبراحته.
الخادم الروحى هو انسان أمين، يتعب بكل جهده فى الخدمة:
يضع أمامه بإستمرار قول الكتاب "ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة" (أر48: 10).
فهو يتعب لكى يستحق أن يعمل الله معه. يتعب لكى ينتظر الله إلى ذله وتعبه، فيعمل عنه العمل كله. وهكذا يستجيب الرب صلوات الآباء الكهنة، وهم يقولون له متضرعين "اشترك فى العمل مع عبيدك..".
الخادم الروحى لا يعمل بقدراته الخاصة، إنما بمواهب الروح القدس العامل فيه:
هو مجرد أداة يحركها الروح فى خدمة الملكوت. إنه يعيش على الدوام فى شركة الروح القدس. الروح القدس يعمل فيه، ويعمل به، ويعمل معه.
إنه انسان إمتلاء بالروح. إن تكلّم لا يكون هو المتكلم، وإنما روح ابيه يتكلم فيه (مت10: 20).. هكذا عمل تلاميذ المسيح كخدام للكلمة. فكانت لكلماتهم قوتها وثمارها...
الخادم الروحى ينمو بإستمرار فى محبة ربنا يسوع المسيح. وبإستمرار يكون مستواه أعلى من تلاميذه بكثير. بل فيما هو ينمو فى حياة الروح، ينمو تلاميذه معه فى المعرفة وفى المحبة والارتباط بالله..
إنه ليس إنساناً يتدرب على حياة التوبة، بل هو يتدرب على حياة الكمال:
وكلما ينمو يزداد إتضاعاً، شاعراً أن الطريق طويل قدامه، أطول بكثير من قدرة خطواته. لذلك يشعر فى كل حين بإحتياجه المستمر إلى الله.
الخادم الروحى يهدف إلى روحانية أولاده:
ولذلك فدروسه دسمة وعملية وتقربهم إلى الله. وهم يثقون بكلامه، كأنه كلام الله. لأنهم يوقنون أنه يأخذ من الله ويعطيهم. بعكس الخدام الذين فقدوا روحياتهم، وأصبحت لهم مجرد صورة التقوى.. لا قوتها.
الخادم الروحى لا يترك أمور العالم تشغله عن روحياته:
وإذا إستمر فى التركيز على ما فيه خلاص نفسه، فقد ينتهى به الأمر إلى التفرغ الكامل لخدمة الرب، أعنى حياة التكريس.
الخادم الروحى لا يشعر فى خدمته أن يعطى:
بل أنه بإستمرار – فى كل مرة يذهب إلى الخدمة – يشعر أنه يأخذ شيئاً جديداً من الله اثناء خدمته. ويرى أن الخدمة تعطيه أكثر مما يعطيها. إن الخدمة بالنسبة إليه واسطة من وسائط النعمة، تقويه وتسنده، وتقدم له وسطاً روحياً يلزمه بإستمرار أن يعيش فيه. كما تعطيه حياة الحرص والتدقيق والبعد عن العثرة.
الخادم الروحى يحيا أثناء خدمته حياة التلمذة:
لا يظن أن تلمذته قد إنتهت بتعيينه خادماً فى مدارس الأحد، أو ببدء عمله كواعظ أو كمعلم، إنما يستمر حياته كلها فى التلمذه.. فى كل يوم يتعلم شيئاً جديداً، ويختبر شيئاً جديداً. ومن واقع خبراته يكلّم مخدوميه..
إنه انسان عاش مع الله، واختبر الطريق الموصل لله:
وهو يحكى للناس هذا الطريق الذى اختبره وسار فيه زماناص، وعرف علاماته وحروبه ومطباته، وبركاته أيضاً، ويد الله العاملة فيه – يحكى كل ذلك بطريقة موضوعية بعيدة عن الذات...
حياة التلمذة عند الخادم الروحى هى موضوع طويل، ربما أعرض له بتفصيل أكثر، ينما أتحدث عن التواضع فى الخدمة...
الخادم الروحى هو انسان بعيد عن [الذات]..
ذاته لا تشغله، ولا تحرك طريقه فى الخدمة.. إنه إنسان روحى لا تعنيه ذاته، لقد مات عنها منذ زمن وأصبح كل تفكيره فى ملكوت الله، فى روحيات تلاميذه، وفى إراحة الناس وخدمتهم..
إنه انسان أتحدت مشيئته بمشيئة الله:
كل مشيئته أن يحقق مشيئة الرب فى الوجود. ومشيئة الله هى أن "جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون" (1تى2: 4). لذ هو يعمل مع الله فى هذا المجال، وليست له مشيئة خاصة. إنه يسعى إلى تحقيق المشيئة الإلهية فى نفسه وفى أولاده.. يعمل فى ذلك بكل مشاعره، وكل إرادته وكل القوة الممنوحة له.
ملكوت الله هو شغله الشاغل، يلهج فيه نهاراً وليلاً:
يشعر بمقدار المسئولية الملقاة عليه. وبأهمية النفوس التى تركها الله أمانه فى يديه، سيعطى عنها حساباً أمام الديان العادل.. لذلك هو يسلك فى خدمته بكل أمانة وجدية، ليس فقط من أجل تلك المسئولية عن مخدوميه، بل بالأكثر بسبب محبته لهم وإهتمامه بهم.
الخادم الروحى هو قلب كبير، يتسع للكل، ولا يضيق بأحد:
هو وكيل أمين حكيم، أوكله الله على أولاده، لكى يعطيهم طعامهم فى حينه (لو12: 42). ينطبق عليه قول الكتاب "رابح النفوس حكيم" (أم11: 30). وفى حكمة خدمته نراه خبيراً بالنفس البشرية: بطبيعتها ونزعاتها، وحروبها وسقطاتها، ومتاعبها وآلامها وهو فى كل ذلك قول القديس بولس الرسول "اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم، واذكروا المذلين كأنكم أنتم أيضاً فى الجسد" (عب13: 3).
الخادم الروحى هو لهيب نار مشتعل فى خدمته:
إنه انسان حار فى الروح (رو12: 11) دخلت فيه النار المقدسة التى الهبت التلاميذ فى يوم البندكسطى. لهذا فهو يعمل عمل الرب بحرارة، بكل القلب، بكل الرغبة، بكل حماس.. هو أمين فى خدمته حتى الموت (رؤ2: 10) يتعب فيها، ويجد لذة فى تعبه.
ويجد لذة أيضاً فى عمله مع الله:
الروح القدس يعمل فى الناس لأجل خلاصهم. وهويعمل مع الروح القدس لهذا الغرض نفسه، كما قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن زميله بولس "نحن عاملان مع الله" (1كو3: 9) نشترك معه فى العمل، أو نصبح أداة فى يديه يعمل بها...
الخادم الروحى يحتفظ بطفولته الروحية (مت18: 3) ويرفض أن يفطم نفسه عن ثدى التعليم:
إنه باستمرار يقرأ ويتعلم. ومهما نما تلاميذه، يقدم لهم شيئاً جديداً. إنه كالأشجار الدائمة الخضرة، لا يذبل ابداً، ولا يصفّر، ولا تتساقط أوراقه... الخضرة دائماً تجرى فى عروقه. لذلك هو دائم الزهر أو الثمر، دائم الحياة، دائم النضرة والخضرة..
إنه لا يعطى من ذاته، وإنما ما يأخذ من الروح فإياه يعطى. يقول للرب.
الكلام الذى أعطيتنى، قد أعطيتهم (يو17: 8)
إنه راكع دائماً، يطلب لأولاده من الرب غذاء يوم بيوم. يقول للرب دائماً "لست أريد أن أعطيهم من بشريتى ومن جهلى. بل الكلام الذى تضعه أنت فى فمى، هو الذى أقوله لهم.
إنه أذن حساسة لفم الله:
يميز صوت الله، ويعلن مشيئته للناس. لذلك ترتبط خدمته بالصلاة.. لأنها ليست عملاً بشرياً.
الخادم الروحى يهتم بالغذاء الروحى لأولاده:
فهو يأخذ غنيماته الصغيرات إلى موارد المياه وإلى المراعى الخضراء، يرعاها بين السوسن (نش6: 3). إنه يهتم بروحياتها، ولا يقتصر على المعلومات يحشو بها عقلها. ولكن ليس معنى هذا أن نهمل المعرفة، وإنما نأخذ منها ما يبنى الروح، ولا نركز على بناء العقل فقط.
الخادم الروحى: حتى إن تكلم فى موضوع لاهوتى أو عقيدى أو طقسى، يتكلم كلاماً روحياً:
أما الخادم العقلانى: فحتى إن تكلم فى الروحيات، يحولها إلى علم ونظريات وأفكار!! بعض الخدام إبتدأوا بالروح، وإنتهوا كعلماء يقدمون علماً للنفس، مجرد أفكار مرتبة خالية من الروح، ولم تعد فى كلماتهم المسحة الروحية التى تؤثر فى الناس وتقربهم إلى الله..
كونوا إذن خداماً روحيين، واخدموا خدمة روحية.
أقول هذا لأنى خائف على هذا الجيل، الذى كثرت فيه المعرفة جداً، وضعفت الروح.
واختلفت عن الجيل الماضى، التى كانت فيه مراكز الخدمة كأبراج الحمام، تهدل بنشيد الحب الإلهى.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.