هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية والخادم الروحي – الجزء الأول – البابا شنودة الثالث .
2 - مركز الله فى الخدمَة
ما أكثر الكلام الذى يمكن أن يقال عن الخدمة. ولكن من أهم ما يقال هو مركز الله فى الخدمة: الله الذى هو سبب الخدمة، وهو الداعى لها، وهو العامل فيها، وهو غايتها وهدفها.
نقول ذلك، لأن كثيراً من الخدام يتحدثون فى موضوعات عديدة، ما عدا الله! لا ترى الله فى كلماتهم. ولا يدخلون الله فى قلبك، ولا يدخلونه فى حبك، ولا فى فكرك ولا فى حياتك...!
كلامهم مجرد معلومات، تزيدك معرفة، ولكن ليس فى الإلهيات، وليس عن الله... ربما عن الفضائل، عن التاريخ، عن مشاهير الشخصيات، عن العقيدة، عن الطقس، دون أن يبدو الله واضحاً فى كل هذا...! وهنا نود أن نبدى بضعة ملاحظات منها:
1 - إن الخدمة هى تواضع من الله
فالله يستطيع بلا شك أن يعمل العمل كله وحده. يستطيع أن يحول كل العالم إلى قديسين. يستطيع أن يدبر كل امور الخدمة بدونك وبدونى، وبغير إحتياج إلى أحد. يمكنه بروحه القدوس أن يغير القلوب، وأن يقود الخاطئ إلى التوبة...
ولكنه من تواضعه، أراد أن يشركنا معه فى عمله.
أدخلنا فى شركة الروح القدس، لكى يعمل بنا، ويعمل معنا، ويعمل فينا، ويعطينا نصيباً معه فى الخدمة، نسير فيها مع روح الرب، هو يعمل كل شئ، وينسبه إلينا...!
هل بعد هذا ننسى الله فى الخدمة؟ أهذا يليق؟!
بل أعجب من هذا أن إنساناً يتخذ الخدمة ليبنى نفسه!
ينحرف بالخدمة، فتحل الذات محل الله! يريد أن يبنى بها مركزاً له. وشهرة وسمعة وسلطة! ويكون له مذهباً فكرياً، ومجموعة خاصة... وربما بهذا تدخل الخدمة فى نزاعات وانقسامات. ويوجد بولس وأبولس. وتقف الذات فى محيط الخدمة ليقول (الخادم): ما مركزى فى الخدمة؟ وما حقوقى وكرامتى؟... وهكذا يور الجهد كله حول الذات، ويختفى إسم الله...! بينما الله هو الأصل...
2 - الله هو الذى يدعو إلى الخدمة
لقد قال السيد المسيح لتلاميذه "لستم انتم اخترتمونى. بل أنا اخترتكم، واقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر" (يو15: 16). وهؤلاء "الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم" (رو8: 29).
إن الله هو الذى يدعو، وهو الذى يختار. وهو الذى يعين، "ولا يأخذ أحد هذه الكرامة بنفسه، بل المدعو من الله كما هرون" (عب5: 4). سواء من جهو الكهنوت أو باقى الخدام، من جهة الإثنى عشر، كما من جهو السبعين (لو10: 1)، أو غير هؤلاء وأولئك. إنه يقول للآب "كما أرسلتنى إلى العالم. أرسلتهم أنا إلى العالم" (يو17: 18).
إذن الخدمة إرسالية، يرسلها الله، ويختار لها من يشاء.
هى عمله، والكرم هو كرمه، وهو يقيم فيه من يشاء من الوكلاء، يعملون فى الكرم تحت إشرافه... كيف إذن نعمل فى الخدمة. دون أن يكون الله هو الأساس فى كل شئ؟! إنه ليس فقط الذى يدعو ويختار ويرسل. وإنما أيضاً:
3 - الله هو المتكلم فى الخدمة
ولا يجوز فى الخدمة أن يتكلم أحد من ذاته. حتى بلعام نسمعه يقول: "الكلام الذى يضعه الله فى فمى، به أتكلم" (عد22: 38).
إذن الخادم هو شخص يتكلم بما يضعه الله فى فمه.
هو مجرد شخص يأخذ من الله، لكى يوصل للناس. وما عليه إلا أن يكون موصلاً جيداً لكلمة الله. إنه شخص ناطق بالإلهيات... إننا نقرأ كثيراً فى سفر اللاويين هذه العبارة:
وكلم الرب موسى قائلاً: كلم بنى إسرائيل وقل لهم:
(لا1: 1، 2)، (لا4: 1، 2)، (لا7: 28، 29)، (لا11: 1، 2).
وهكذا كان موسى يأخذ من فم الله، ويكلم الناس. موسى ما كان يعرف أن يتكلم. وقد سبق أن قال للرب "لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس، ولا من حين كلمت عبدك، بل أنا ثقيل الفم واللسان". فأجابه الله "أنا أكون مع فمك. وأعلمك ما تتكلم به" (خر4: 10، 12).
وهوذا ربنا يسوع المسيح يقول لتلاميذه قولاً معزياً:
"لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم" (مت10: 20).
ما أجمل هذا، إن الإنسان لا يتكلم من ذاته، إنما يوصل كلمة الله للناس، وليس فكره الخاص، ولا مفهومه الخاص، وإنما فكر المسيح (1كو2: 15). بل هوذا بولس الرسول بكل مواهبه يطلب من أهل أفسس أن يصلوا بكل صلاة وطلبة فى كل وقت من أجله... وتسأله لماذا؟ فيقول:
"لكى يعطى لى كلام عند افتتاح فمى" (أف6: 19).
إنه يطلب أن يعطيه الله الكلام الذى يقوله... أليس هذا درساً لنا نتعلمه من هذا القديس العظيم، أعظم كارزى المسيحية؟! فهل أنت تصلى من أجل هذا أيضاً، لكى يعطيك الله كلمة عند افتتاح فمك غير معتمد على ذكائك ومعلوماتك وخبرتك...؟! فالله هو "المعطى كلمة للمبشرين بعظم قوة" (مز68: 11).
فإن كنت لم تأخذ من الله، فمن الخطورة أن تتكلم.
نعم من الخطورة أن تملأ أذهان الناس بكلام بشرى، أو كما يقول الرسول "بكلام الحكمة الإنسانية المقنع" (1كو2: 4)، وليس بكلام الله.
اسكب نفسك إذن أمام الله قبل الخدمة، لكى يعطيك الكلمة المناسبة النافعة للناس. الله إذن هو الذى يدعو ويرسل وهو الذى يعطى الكلمةظ. وماذا يعطى أيضاً؟
4 - الله هو الذى يعطى القوة والتأثير
لقد أمر السيد المسيح تلاميذه ألا يبرحوا أورشليم حتى يلبسوا قوة من الأعالى (لو24: 49). وماذا كانت تلك القوة؟ لقد قال لهم "ولكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وحينئذ تكونون لى شهوداً" (أع1: 8). وفعلاً لم يخدموا إلا بهذه القوة التى أخذوها من الروح القدس...
فإن كنت لم تأخذ قوة من الروح القدس، فبأى قدرة يمكنك أن تخدم؟!
إعداد الخدام
هنا ولعلنا نسأل: كيف يكون إعداد الخدام للخدمة؟
كثيرون يعدونهم بالمناهج: مناهج تربوية، ودروس فى الكتاب وفى التاريخ، وفى العقيدة وفى الطقس، مع تداريب عملية تحت إشراف. وكل هذا نافع، ولكنه ليس كل شئ.. ولا هو قبل كل شئ. وإنما...
لابد من الإعداد الروحى، الذى يمتلئ فيه الخادم من روح الله، ليأخذ منه ما يعطيه.
لا يأخذ منه فقط الكلامن وإنما أيضاً القوة والروح والتأثير، كما يأخذ منه كذلك الحب العميق الذى يحب به المخدومين ويسعى به إلى خلاصهم بكل اجتهاد.
لقد قال بطرس الرسول كلمة فى يوم الخمسين. نخست القلوب. فآمن ثلاثة آلاف من اليهود، إذ نخسوا فى قلوبهم. واعتمدوا فى ذلك اليوم (أع2: 41). فكيف حدث ذلك؟ هل كلمة عادية تحدث كل هذا التأثير؟ كلا. وإنما:
كانت الكلمة تحمل قوة، تحمل روحاً، وتحمل أيضاً لسامعيها قدرة على التنفيذ...
هناك فرق بين إنسان يقول لك كلاماً، فتقتنع به، ومع ذلك تشعر بعجزك عن التنفيذ، وبين إنسان آخر يعطيك الإقتناع ومعه القدرة على العمل. المسألة ليست مجرد ثقافة أو لباقة أو قدرة على التخاطب. إنما روح يصل إلى السامع مع الكلام الذى يصل إلى أذنيه.
إذن تحضيرك للدرس هو تحضير نفسك روحياً...
لكى تكون فى حالة روحية، تملأ فيها النعمة قلبك، وتمنحك مع الكلمة وتأثيراً. وتستطيع أن تحضر الله معك، يدخل إلى الفصل. وهو الذى يتكلم على لسانك، وهو الذى يعمل فى القلوب وفى الأسماع. ويشعر السامعون إن الله كان معهم أثناء الكلمة. ويقولون: حقاً إن هذه الكلمة مملوءة من روح الله... كنا نشعر أثناءها أن روح الله يحرك قلوبنا. ويشعل إحساساتنا ومشاعرنا.
الخادم الحقيقى هو إنسان حامل الله (ثيؤفورس):
مثل لقب القديس أغناطيوس الأنطاكى. إنه يحمل الله معه أينما سار. وينقله إلى الناس، إنه إنسان عاش مع الله. وذاق حلاوة العشرة مع الله. وهو يقدم هذه المذاقة إلى الناس. ويقول لهم "ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب" (مز34: 8).
لذلك نقول إن هناك فرقاً بين الخدمة والتدريس...
التدريس هو توصيل المعلومات إلى العقول من شخص تربوى خبير بطرق التعليم. أما الخدمة فى توصيل الناس إلى الله عن طريق شخص روحى لا يعطيهم مجرد معلومات، إنم يعطيهم روحاً، ويعطيهم حباً لله ولملكوته.
عندنا فى مدارس الأحد مدرسون كثيرون ليسوا خداماً.
عندنا كثيرون يقرأون الكتب، ويمتلئون بالمعلومات. ولهم قدرة على تفهيم الآخرين هذه المعلومات. ولكن هل هذه هى الخدمة؟! إن هذا تعليم وليس خدمة... اما الخدمة فهى روح ينتقل إلى السامعين فيشعلهم بمحبة الله. وهكذا يكون الخادم: يوصل الروح والحب، وليس مجرد الكلام.
إنه شخص يحب الناس: وينقل إليهم محبة الله.
إنه ثابت فى الله. وبالتالى ثابت فى المحبة، لأن الله محبة (1يو4: 16). والله يدرب خدامه على الحب، لأن الحب عنصر لازم للخدمة، بدونه تصبح الخدمة مجرد نشاط. والمحبة التى فى القلب هى التى تخدم. ولا تستريح حتى توصل كل نفس إلى قلب الله.
إن كنت لم تصل إلى هذه المحبة، فأنت لم يتم إعدادك بعد للخدمة.
ولكن أية محبة؟ نجيب: تحب الناس كل الحب، كما يحبهم الله. تحبهم لأنهم أخوتك، ولأنهم أولاد الله. تحب خلاص أنفسهم، وتحب أرواحهم لكى توصلها إلى الله. تحب الكنيسة التى هى جسده وتحب الملكوت الذى هو متعة الناس بالله. ومن كل قلبك تريد أن الجميع يحبون الله، لأنه هو قد أحبهم أولاً (1يو4: 19).
الخدمة ليست مجرد معرفة تنتقل من عقل إلى عقل، إنما هو روح وحياة يمتصها المخدوم من الخادم... من خادم يحل الله فيه، وينتقل حبه إلى السامع، فيشعر بنفس الحلول ومسكين هو ذلك الخادم البعيد عن الله، أى فراغ يقدمه لسامعيه؟ وكيف يقدم الله للناس وهو لم يختبروه؟!
ما أجمل المثل القائل: فاقد الشئ لا يعطيه.
ونود هنا أن نقدم مثالاً من سفر الرؤيا يوضح علاقة الرب بالكنيسة وبالخدام.
مثال المنائر والكواكب
قال القديس يوحنا الرائى إنه أبصر الرب فى وسط سبع منائر من ذهب هى السبع الكنائس، ويمسك فى يمينه سبعة كواكب هى ملائكة الكنائس (رؤ2: 1) (رؤ1: 20)...
والرؤيا تشرح كيف أن الله فى وسط الكنيسة "الماشى فى وسط السبع المنائر الذهبية". أليس هو الذى قال "حيثما أجتمع إثنان أو ثلاثة بأسمى، فهناك أكون فى وسطهم" (مت18: 20). أو ليست هذه هى صورة خيمة الإجتماع فى وسط خيام الشعب كله... والله يكون فى وسط الكنائس عاملاً ومدبراً ومقوياً، ومعطياً كلمة للمتكلمين.
إنه النور الحقيقى. وبنوره تنير هذه المنائر السبع...
إنه الزيت المقدس الذى تتشبع به الفتيلة، فتضئ فى المسرجة. وهو عصارة الحياة التى تسرى فى الكرمة، فتنتعش وتنمو وتثمر. وهو الذى يمسك الخدام فى يمينه، ويحركهم حيث يشاء.
يمينه هى التى تتحرك بهم. فيخيل إلى الناس أن الخدام هم الذين يتحركون...
وفيما هم فى يمينه، يغنى كل خادم بمزمور قائلاً: "يمين الرب صنعت قوة. يمين الرب رفعتنى" (مز117). وإن كان الخادم فى يمين الله فلا يمكن أن يشرد أن ينحرف او يضل. لأنه لا يتحرك من ذاته، بل يمين الله هى التى تحركه. عليك إذن أن تتأكد من وضعك.
إن لم تكن فى يمين الله، فلا يمكنك إذن ان تخدم.
إذن إعداد الخدام فى جوهره هو وضعهم فى يمين الله، فيعمل بهم، ويتحرك بهم من موضع إلى موضع، كمجرد أدوات طيعة فى يديه. كل منهم طينة ناعمة لينة، طيعة فى يدى الفخارى العظيم، يصنع بها آنية للكرامة (رو9: 21). إنها الخدمة الفعالة الناجحة.
والخادم يحاول باستمرار أن يستمد قوة من الله تتجدد فيه كل يوم.
إنه يصلى باستمرار ويقول إن العالم صعب كما ترى، يزخر بفنون متعددة من الفساد. ومن أنا حتى أقاوم المنجذبين إليها؟ أنت يارب الذى تستطيع أن تمنح القوة لى، ولهؤلاء السامعين، فاعطنى كلمة من عندك، واعطنى حكمة أسلك بها، واحفظنى حتى لا أكون عثرة لأحد.
أنت ترشدنى وترشدهم. تعلمنى وتعلمهم، ترعانى وترعاهم، وتقودنى وإياهم إلى المراعى الخضراء وينابيع المياه الحية.
وكما قال القديس أوغسطينوس "إننى أبدو معلماً لهم، ولكننى تلميذاً معهم فى فصلك. وقد أبدو راعياً لهم، ولكننى واحد منهم فى قطيعك". بهذا تدخل الله معك إلى الخدمة، ويكون الدرس الذى تلقيه، هو درس من الله لك ولهم. درس فى محبة الله والإلتصاق به.
وهكذا يكون الله هو الدرس وهو أيضاً المدرس.
وبهذه تكون الخدمة عبارة عن نعمة من الله تعمل فى إنسان من أجل إنسان آخر، لتربط كليهما بالله. أو تكون الخدمة هى شركة الروح القدس حيث يشترك الروح مع الخادم من أجل المخدومين، وإن كانت الخدمة هكذا، فماذا يكون التكريس إذن؟!
التكريس هو نمو فى الحب، حتى يصبح القلب كله لله، والوقت كله لله، فى مناجاته أو خدمته.
ولكن ماذا عن الذين ينهمكون فى الخدمة، حتى تنسيهم الله؟ هؤلاء لم يفهموا الخدمة بمفهومها السليم، وظنوها مجرد دروس ومعلومات!! أو مجرد أنشطة وحركة! أو هم قد انشغلوا بالوسيلة عن الهدف! أو جعلوا ذاتهم هى محور الخدمة، وبعدوا بالخدمة عن الله نفسه.
الخدمة ليست مجرد معرفة. فالمعرفة كانت أول حرب للإنسان.
لذلك حينما اشتهى شجرة المعرفة (تك3) وأكل منها، فصار جاهلاً. لأنه اشتهى "معرفة الخير والشر" وليس معرفة الله، الذى نقول له فى القداس الإلهى "اعطينى فضل معرفتك" هذه المعرفة التى قال عنها ربنا يسوع المسيح لله الآب "هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحد..." (يو17: 3).
والإقتصار على المعرفة يخرج علماء وليس متدينين.
ما أكثر الذين يعرفون. ويعلمون ويشرحون، وحياتهم خالية من الله! وإن جادلتهم فى شئ يضجون ويثورون، ولا تبدو فى ملامحهم صورة الله! ما أكثر العلماء، ما أقل القديسين... ومع ذلك نحن نحب المعرفة. ولكن أية معرفة؟ معرفة الله ومعرفة طرقه، كما قال داود النبى للرب "علمنى طرقك، فهمنى سبلك". وأيضاً المعرفة المتواضعة التى لاتنتفخ (1كو8: 1). والمعرفة التى هى مجرد وسيلة تقود إلى الله. لأن كثيرين ملأوا عقولهم وعقول الناس بمعلومات ينطبق عليها قول الكتاب "الذى يزداد علماً يزداد غماً" (جا1: 18). فابحث معلوماتك من أى نوع هى؟
البعض ظنوا الخدمة مجرد أخلاقيات لا روحيات.
والأخلاقيات موجودة فى الفلسلفة أيضاً، وخارج نطاق الدين، كما فى الفلسفة الرواقية مثلاً. وتجدها فى بعض الديانات البدائية، كما فى الهندوسية والبوذية. ولكن هناك فرقاً بين الأخلاقيات والروحيات. فالواحدة منها قد تكون مجرد سلوك، بينما الأخرى فيها روح الإنسان تتعلق بروح الله. وما أكثر ما نجد إنساناً مهذباً، ولكن لا علاقة روحية بينه وبين الله.
إذن فى الخدمة هناك مستويات تتطور من مجرد المعلومات، إلى الأخلاقيات إلى الروحيات والإلهيات.
فمن أية الأنواع أنت وخدمتك؟ وهل تحرص فى خدمتك أن تربط مخدوميك بالفكر، أم بالمجتمع، أم بك أنت؟ أم تربطهم بالله. هل تعلمهم مجرد الخلق الكريم، أم تدربهم على القداسة التى بدونها لا يعاين أحد الرب، وعلى نقاوة القلب التى يصبحون بها صورة الله، ويؤهلون لسكنى الله فيهم، بالإيمان...؟
الفضائل لازمة، ولكنها ليست منفصلة عن الله، وكذلك المعلومات.
ما أقوله فى ذلك عن الخادم فى الكنيسة، أقوله أيضاً عن الأب والأم فى اليبت. فهل التربية المنزلية هدفها إيجاد أبناء مؤدبين هادئين، أم إيجاد أبناء الله، تربطهم بالله علاقة حب، وعلاقة طاعة وإنتماء، ليكونوا مقدسين له فكراً وجسداً وروحاً. ولهم سلوك طيب نابع من محبتهم بالله وملكوته. ويعدون أنفسهم باستمرار لسكنى الله فيهم...
هذا المنهج هو الذى يدخل فى التدريس فيعطيه روحاً.
أمثلة فى التعليم
1 - فى الكتاب المقدس هل تقدم فيه معلومات، أم قصة الله مع الناس فى محبتك ورعايته واحتماله؟
أتحكى قصص الكتاب كما تحكى روايات من التاريخ المدنى؟ أم تركز على الله ومعاملاته. الله الذى أحب البشر قبل أن يوجدوا، ومن أجل هذا خلقهم. وفى محبته رعى وهدى وفدى. إنه عمانوئيل الذى تفسيره "الله معنا" (متى1: 23). وما الحديث عن الخلق، سوى حديث عن محبة الله الخالقة، وعن قدرة الله الفائقة، وعن حكمة الله المدبرة، التى رتبت للإنسان كل شئ قبل أن يخلقه الله...
2 - وإن تحدثنا عن الخطية والتوبة، أيكون حديثاً عن الله؟
فالخطية ليست مجرد فساد وضلال، إنما هى بالأكثر انفصال عن الله، وتمرد على الله. والتوبة ليست مجرد إصلاح السيرة، إنما هى بصورتها السليمة تصالح مع الله ورجوع إلى الله، وتغيير المسيرة من محبة العالم إلى محبة الله. وهكذا تكون الدعوة إلى التوبة: لماذا تحيا بعيداً عن الله، محروماً منه؟! اقترب إذن إليه وتمتع به وبعشرته، كما يقول المرتل "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب".
3 - وعلى هذا النحو فكيف يكون تدريس سير القديسين؟
هل هو مجرد سرد لتاريخ حياتهم وأعمالهم؟ أم كيف أعد الله هذه النفوس، حتى وصلت إلى ذلك المستوى العالى؟ وكيف قواها وحفظها؟ وكيف أحبوه هم من كل القلب وظهرت هذه المحبة فى حياتهم.
هل قصة القديس هى قصة حياته، أم هى حكاية الله داخل هذا الإنسان؟
أو هى قصة عمل الله فيه، ومحبة الله له، ومحبته هو لله. وكما لخص بولس الرسول تاريخ حياته بقوله "لأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فىّ" (غل2: 20). أنستطيع إذن أن نحكى سيرة القديسين بدون حياة الله فيهم؟! بدون المواهب التى من الله، وقيادة الله لهم فى موكب نصرته (2كو2: 14). وقصة الحب الإلهى الذى أغناهم عن محبة الأقرباء والأصدقاء والمعارف. وكما قال الشيخ الروحانى "محبة الله غربتنى عن البشر والبشريات".
4 - والنعيم الأبدى: هل نصفه بعيداً عن البشرية؟!
هل هو مجرد سماء، ومجرد نعم وملكوت، وأورشليم السمائية؟ وهل هو جنة؟ أم النعيم السمائى هو التمتع بالله نفسه، هو العشرة الدائمة مع الله ومع القديسين الذين أحبوه هو تحقيق لقوله الإلهى "حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضاً" (يو14: 3) إنه "سكنى الله مع الناس" (رؤ21: 3).
5 - وبنفس الأسلوب يكون تدريس اللاهوت والعقائد والطقوس.
فلا تكون مجرد معلومات عقلية جافة، إنما تكون حديثاً ممتعاً عن الله، يشعر فيه سامعوك أنك "ناطق بالإلهيات" بأسلوب شيق ممتع يعمق محبتهم لله.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.