هذا الفصل هو جزء من كتاب: مسيحنا فوق الزمان – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
من أجلك نمات كل النهار
جولة بين ربوع التاريخ المقدس.
عينة من خدام الكلمة.
بولس الرسول – أغناطيوس الشهيد.
عينة من المعترفين والشهداء.
جماعة من المعترفين – بفنوتيوس المعترف – تيموثاوس.
ومورا.
عينة من المدافعين: يوستينوس الشهيد.
عينة من اللاهوتيين وعلماء المسيحية.
أثناسيوس الرسولى – ديسقوروس.
عينة من النساك: مكسيموس ودوماديوس - أرسانيوس.
عينة لعلمانيين أتقياء: سعيد بن كاتب الفرغانى.
«من أجلك نمات كل النهار. قد حسبنا مثل غنم للذبح. ولكننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذى أحبنا» (رو 8: 36).
، 37)، هذه الكلمات التى استشهد بها القديس بولس الرسول، هى مقتبسة مما قاله المرتل قديماً فى سفر المزامير (مز 44: 22). فمن هم المتكلمون الذين قالوا فى العهد القديم والعهد الجديد "من أجلك نمات كل النهار"...؟ إنهم أحباء الله الأمناء فى القديم كما فى الجديد... إنهم سحابة الشهود الكبيرة من القديسين أحباء الله، أبطال الإيمان، الذين قهروا ممالك، صنعوا براً، نالوا مواعيد، سدّوا أفواه أسود. أطفأوا قوة النار. نجوا من حد السيف. تقووا من ضعف... عذبوا ولم يقبلوا النجاة لكى ينالوا قيامة أفضل... أولئك هم الذين.
«لم يكن العالم مستحقاً لهم. تائهين فى برارى وجبال ومغاير وشقوق الأرض» (عب 11: 33 - 39)).
.. هكذا نرى أن محبى الله – فى كل ز مان ومكان – ظلوا على حبهم ووفائهم له، ولو كان ذلك سبباً فى تحملهم الآلام والضيقات حتى الموت من أجله... كان هذا هو الطابع الذى ميز أولاد الله قديماً وحديثاً.
لكن الرسول بولس فى العهد الجديد يضيف إلى الكلام القديم بعداً جديداً. هذا البعد الجديد هو أن الضيقات والأحزان التى تأتى على أولاد الله، عوض أن تخمد أنفاسهم وتوقف نشاطاتهم، فإنها على العكس من ذلك، تكون لهم سبباً فى نصرة عظيمة بالمسيح وفيه... "لكننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذى أحبنا"... أما عن الذى أحبنا فهو المسيح، الذى قال عنه يوحنا فى انجيله.
«أحب خاصته الذين فى العالم. أحبهم إلى المنتهى» (يو 13: 1)).
.. إن كنيستنا تعبر عن ذلك فى صلواتها الطقسية. ففى قسمة الصوم المقدس الكبير تقول "الصوم والصلاة هما اللذان عملا بهما الأبرار والصديقون ولباس الصليب، وسكنوا فى الجبال والبرارى وشقوق الأرض، من أجل عظم محبتهم فى الملك المسيح"... ثمة أمر أود أن ألفت النظر إليه، وهو أن القضية التى نعالجها هى قضية حب. فالنصرة التى يشير إليها الرسول هى "بمن أحبنا"... وكصدى لمحبة المسيح نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً (1يو 4: 19).
يوحنا الرسول حبيب المسيح، أعلنت له رؤيا عما هو عتيد أن يحدث فى السماء، دوّنها لنا... لقد رأى يوحنا فى تلك الرؤيا ملاكاً معه ختم الله الحىّ، ونادى على الملائكة الذين أعطوا أن يضروا الأرض والبحر قائلاً "لا تضروا الأرض ولا البحر ولا الأشجار حتى نختم عبيد إلهنا على جباههم". وبعد أن ختم الآلاف من أسباط إسرائيل الإثنى عشر، ينتقل يوحنا ليقول "بعد هذا نظرات، وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف، متسربلين بثياب بيض، وفى أيديهم سعف النخل. وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف... وأجاب واحد من الشيوخ قائلاً لى هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم ومن أين أتوا. فقلت له يا سيد أنت تعلم. فقال لى هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة. وقد غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم فى دم الخروف. من أجل ذلك هم أمام عرش الله، ويخدمونه نهاراً وليلاً فى هيكله. والجالس على العرش يحل فوقهم" (رؤ 7)... هذه الجمهرة الهائلة من عبيد الله الأمناء المتسربلين بثياب بيض، رمز الطهارة والفرح، وبأيديهم سعف النخل، رمز النصرة، هم عبيد المسيح وأحباؤه الذين جعلوا شعارهم "من أجلك نمات كل النهار. قد حسبنا مثل غنم للذبح"... هؤلاء هم الذين بيضوا ثيابهم فى دم الخروف – والخروف المذبوح هو المسيح... هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة "عذبوا ولم يقبلوا النجاة، لكى ينالوا قيامة أفضل"... وكنتيجة لحبهم وثباتهم وصبرهم، "هم أمام عرش الله، ويخدمونه نهاراً وليلاً فى هيكله. والجالس على العرش يحل فوقهم".
والسؤال الآن هو: إن كانت المسيحية بإلهها مجرد خرافة مصنعة، اختراعها المسيحيون وسبكوها، فلماذا أحتمل المسيحيون – ويعدون بالملايين – على مدى أجيال وأجيال نتيجة إيمانهم بإنسان صلب – إضطهادات وضيقات وآلاماً وميتات فظيعة؟ لماذا تعب ألوف بل وملايين الخدام من جيل إلى جيل حباً فى المسيح ومن أجل نشر الإيمان به؟ لماذا بذل الشهداء حياتهم وسفكوا دماءهم على اسم المسيح تمسكاً بالإيمان به رباً وإلهاً ومخلصاً؟ لماذا ترك ألوف إن لم يكن ملايين من رجال وعذارى العالم وسكنوا فى الجبال والبرارى وشقوق الأرض حباً فى المسيح؟!
والآن هلموا معى إلى جولة بين ربوع تاريخ الكنيسة المقدس حيث نلتقى بعينات مباركة من أحباء المسيح، الذين ساروا خلفه على درب الحب والبذل والإحتمال، وواصلوا مسيرتهم إلى النهاية من أجل هدف مقدس نبيل، جاعلين شعارهم تعبيراً عن حبهم للمسيح "من أجلك نمات كل النهار".
(أولاً) عينة من خدام الكلمة:
كان إعلان المسيحية والتبشير بإسم المسيح، على أيدى الرسل والكارزين الأوائل، نتيجة طبيعية لحياة الإيمان الجديد التى عاشوها، والتى تنبع عن حبهم لإلههم. فبعد معجزة شفاء المقعد من بطن أمه على يد الرسولين بطرس ويوحنا، حاول كهنة اليهود ورؤساءهم أن يمنعوهما عن إعلان الإيمان المسيحى، فقبضوا عليهما "وأوصوهما أن لا ينطقا البتة، ولا يعلما بإسم يسوع". لكن الرسولين بطرس ويوحنا قالا لهم.
«نحن لا يمكننا أن لا نتكمل بما رأينا وسمعنا» (أع 4: 18 - 20)).
ونفس المعنى يعبر عنه بولس الرسول حينما يقول.
«لست احتسب لشئ، ولا نفسى ثمينة عندى، حتى أتمم بفرح سعيى، والخدمة التى أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله» (أع 20: 24)).
.. هكذا نرى الكارزين الأوائل مدفوعين بقوة عجيبة من أعماقهم، من أجل إعلان اسم الرب يسوع، غير مبالين بما يحلّ بهم من آلام وضيقات... ونقدم فيما يلى إثنين من كبار الكارزين فى الكنيسة المسيحية الأولى هما بولس الرسول، والشهيد أغناطيوس الأنطاكى...
(أ) بولس الرسول:
لا يمكن أن نتكلم عن الكارزين الذين حملوا كلمة الله وبشروا بها، دون الإشارة إلى القديس بولس الرسول، الذى قال بالروح القدس عن نفسه إنه تعب أكثر من بقية رسل المسيح... يكفى أن نستمع إليه فى معرض دفاعه عن قانونية رسوليته، التى حاول أعداؤه أن يطعنوه فيها، ويصورونه كرسول من الدرجة الثانية، يقول.
«فى الأتعاب أكثر. فى الضربات أوفر. فى السجون أكثر. فى الميتات مراراً كثيرة. من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة. ثلاث مرات ضربت بالعصى. مرة رجمت. ثلاث مرات إنكسرت بى السفينة. ليلاً ونهاراً قضيت فى العمق. بأسفار مراراً كثيرة. بأخطار سيول. بأخطار لصوص. بأخطار من جنسى. بأخطار من الأمم. بأخطار فى المدينة. بأخطار فى البرية. بأخطار فى البحر. بأخطار من أخوة كذبة. فى تعب وكدّ. فى أسهار مراراً كثيرة. فى جوع وعطش. فى أصوام مراراً كثيرة. فى برد وعرى. عدا ما هو دون ذلك. التراكم علىّ كل يوم الإهتمام بجميع الكنائس. من يضعف وأنا لا أَضعف. من يعثر وأنا لا ألتهب. إن كان يجب الافتخار فسأفتخر بأمور ضعفى. الله أبو ربنا يسوع المسيح الذى هو مبارك إلى الأبد يعلم إنى لست أكذب. فى دمشق وإلى الحارث الملك كان يحرس مدينة الدمشقيين يريد أن يمسكنى. فتدليت من طاقة فى زنبيل من السور ونجوت من يديه» (2كو 11: 23 - 33)).
.. عدا ذلك فقد أسر ثلاث مرات لعدة سنوات فى قيصرية وروما.
وفى مدينة أفسس اجتمع بولس بخدام الكنائس وكهنتها، ووجه إليهم خطاباً رعوياً يكشف عن روحه الملتهبة والمتقدة غيرة... فبعد أن أشار إلى الأذى الذى حلّ به من جراء اليهود، قال.
« والآن ها أنا أذهب إلى أورشليم مقيداً بالروح لا أعلم ماذا يصادفنى هناك. غير أن الروح القدس يشهد فى كل مدينة قائلاً إن وثقاً وشدائد تنتظرنى. ولكنى لست أحتسب لشئ ولا نفسى ثمينة عندى، حتى أتمم بفرح سعيى والخدمة التى أخذتها من الرب يسوع، لأشهد ببشارة نعمة الله» (أع 20: 17 - 24)).
لقد كان قلب هذا الرسول يضطرم فى داخله حباً نحو المسيح الذى أحبه وأسلم ذاته لأجله. ومن ثم هتف قائلاً.
«من سيفصلنا عن محبة المسيح. أشدة أم ضيق، أم اضطهاد، أم جوع، أم عرى، أم خطر، أم سيف... فإنى متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة. ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التى فى المسيح يسوع ربنا» (رو 8: 35 - 39)).
ولأن قلبه كان يضطرم بحب المسيح، فقد كان يتوق لخلاص كل إنسان.
«أقول الصدق فى المسيح، لا أكذب وضميرى شاهد لى بالروح القدس. إن لى حزناً عظيماً ووجعاً فى قلبى لا ينقطع. فإنى كنت أود لو أكون أنا نفسى محروماً من المسيح لأجل اخوتى أنسبائى حسب الجسد، الذين هم إسرائيليون، ولهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد. ولهم الآباء. ومنهم المسيح حسب الجسد، الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد آمين» (رو 9: 1 - 5)).
.. لقد كان كل همه أن يحضر كل إنسان كاملاً فى المسيح يسوع... وأخيراً قدم هذا الرسول حياته ثمناً لحبه لإلهه ومخلصه، حينما إستشهد فى عهد الطاغية نيرون، بقطع رقبته بحد السيف بروما بين سنتى 67 أو 68م.
(ب) أغناطيوس الأنطاكى الشهيد:
هو من الآباء الرسوليين العظام تلاميذ الرسل. كان أسقفاً لأنطاكية ببلاد الشام. تمتع بمكانة جليلة فى الكنيسة المسيحية، حتى دعى "ثاوفورس، أى حامل الإله... جاهد فى سبيل لنشر المسيحية ببلاد الشام فى غيرة متقدة ورسوخ فى العلم وسمو فى الفضيلة. وبلغ حبه للمسيح ولسفك دمه لأجله حداً عجيباً، حتى أنه كثيراً ما كان يقول" لا أعتقد أننى أحب سيدنا يسوع المسيح دون أن يسفك دمى كله لأجله ".
سمع عنه الأمبراطور الرومانى تراجان وعن نشاطه الكرازى، وبغضه لعبادة آلهة الدولة الوثنية، ورفضه الخضوع لأوامره التى تقضى بوجوب عبادة آلهة الدولة دون سواها... أمر بالقبض عليه، ومثل امامه لمحاكمته، ودارت بينما مناقشة تبشيرية... ولما رفض أن يضحى لآلهة الدولة، أصدر الأمبراطور أمره بأن يساق أغناطيوس مقيداً إلى روما ليلقى للوحوش. وحالما سمع أغناطيوس هذا الحكم ابتهج جداً، لأن الساعة التى طالما اشتهاها قد أتت... لذلك حينما تقدم الجنود إليه ليقيدوه، جثا على ركبتيه وصرخ فى إبتهاج قائلاً "أشكرك أيها السيد الرب لأنك وهبتنى أن تشرفنى بالحب الكامل نحوك، وسمحت لى أن أقيد بسلاسل حديدية كرسولك بولس".
فى طريقه إلى روما مرّ ببعض البلاد. وكتب أثناء رحلته سبع رسائل – ست منها لكنائس والسابعة إلى بوليكربوس أسقف سميرنا (أزمير)... وجميع هذه الرسائل تكشف عن علو كعبه فى العلم، وروحه الحارة، وحبه العميق للمسيح... يقول فى رسالة إلى كنيسة أفسس "لا تحبوا شيئاً آخر سوى المسيح. فأنا لأجله أسير فى سلاسلى، التى هى دررى الروحية، عسى أن أبعث بها يوم الدين بفضل أدعيتكم. أنتم طريق العبور للذين يمضون إلى الله بالاستشهاد".
ولعل أروع ما كتب أغناطيوس هو ما حوته رسالته إلى أهل رومية، وفيها يحذرهم من محاولة إنقاذ حياته من الإستشهاد... يقول:
"بالصلاة قد وهب لى أن أرى وجوهكم الفائقة الكرامة أمام الله، فنلت أكثر مما طلبت... إن أراد الله يجعلنى مستحقاً لنوال الختام (الإستشهاد) فستكون البداية حسنة (الحكم الصادر بموته). إن وهب لى نوال نصيبى دون أن يوجد عائق لذلك فى النهاية. لأننى أخشى أن محبتكم لى تسبب لى ضرراً. لأنه يسهل عليكم أن تنقذوا من تشاءون. لكن يصعب علىّ البلوغ إلى الله إن منعتم إستشهادى. إن إلتزمتم الصمت من نحوى فسأصير لله. أما إذا أظهرتم محبة لجسدى، فسأصبح مضطراً إلى أن أركض شوطى من جديد. إذاً صلوا ألا يوهب لى احسان أعظم من أن أقدم لله ما دام المذبح لا يزال معداً... جيد لى أن أرحل م العالم إلى الله لأقوم فى الله مرة أخرى... إننى أكتب إلى الكنائس وأشدد عليها جميعاً بأننى سأموت اختياراً لأجل الله، ما لم تمنعونى أنتم عن ذلك. أطلب إليكم ألا تظهروا لى عطفاً فى غير اوانه. بل اسمحوا لى أن أكون طعاماً للوحوش الضارية التى بواسطتها يوهب لى البلوغ إلى الله. إننى خبز الله. أتركونى أطحن بانياب الوحوش لتصير قبراً لى، ولا تترك شيئاً من جسدى، حتى إذا ما مت لا أتعب أحداً. فعندما لا يعود العالم يرى جسدى، أكون بالحقيقة تلميذاً للمسيح. توسلوا إلى المسيح من أجلى حتى أعد بهذه الطريقة لأكون ذبيحة لله..." ليتنى أتمتع بالوحوش الضارية التى أعدت لى. فإننى أصلى أن يكون لها شغف أكثر لتنقض علىّ. وإننى سأغريها لتفترسنى سريعاً، حتى لا تعاملنى كما تعامل البعض، إذ لا تمسهم، لأن الخوف قد انتزع منهم. وإن لم تشأ أن تهجم علىّ فسألزمهم بالهجوم... ".
وما أن وصل أغناطيوس إلى مكان إلقائه للوحوش بروما، حتى جثا على ركبتيه هو ومن معه، طالباً من المسيح أن يرفع الإضطهاد عن الكنائس... عندئذ أسرع به الجنود إلى الساحة، وأطلقوا عليه أسدين، أفترساه فى الحال، ولم يبقيا من جسده قليل من العظام الخشنة. وكان ذلك سنة 107م. وجمع المؤمنون ذخائره الطاهرة الثمينة، وأرسلوها إلى شعبه فى انطاكية.
(ثانياً) عينة من المعترفين والشهداء:
والمعترفون هم طبقة من المسيحيين جاهدوا فى سبيل الإيمان فى أزمنة الإضطهاد، وذاقوا ألواناً من العذاب يجل عن الوصف. لكن الله لحكمة ما لم يسمح أن يصلوا إلى حد الشهادة، فى الوقت الذى كانوا هم على أتم استعداد لذلك. ونسوق عينتين من المعترفين إحداهما جماعة والأخرى فردية، وعينة من الشهداء هى لعروسين.
عينة جماعية لمعترفين:
فى سنة 308م كانت أعداد كبيرة من المعترفين يعذبون بالعمل فى محجر بروفيرى بطيبة (الأقصر). أرسل القمص مكسيمينوس من بينهم سبعة وتسعين رجلاً مع النساء والاطفال، للعمل فى مناجم النحاس التى كانت فى منطقة فينو بشرقى الأردن (تعرف الآن بإسم ضربة فنان). أمر فرمليانوس والى فلسطين أن يتم تعجيزهم بحرق عضلات مفصل القدم الأيسر وقلع العين اليمنى، وكىّ قاع العين بقضيب حديدى محمى. ثم أرسلهم بعد ذلك للعمل الشاق فى المناجم... وفى أواخر سنة 309 تجمع عدد كبير من المعترفين الذين يعملون فى هذه المناجم. وفى جرأة شيدوا أماكن لعبادتهم، وكان بينهم بعض الأساقفة والكهنة المصريين. وإزاد هذه الجرأة أبلغ الوالى الأمبراطور عنهم، فأصدر أوامره بنفى بعضهم إلى قبرص والبعض الآخر إلى لبنان، أما البقية فشتتها فى أنحاء مختلفة من فلسطين وامرهم بالعمل فى أعمال مختلفة.
ومن بين المعترفين المصريين كان واحد إسمه يوحنا. يتكلم عنه بوسابيوس المؤرخ فى إعجاب شديد جداً. أما موضع إعجابه فكان شدة إحتماله وقوة ذاكرته فى حفظ الأسفار المقدسة، فضلاً عن العذابات التى إحتملها ومنها فقد بصره وكىّ قدمه بالنار حتى تلفت، وطرحه فى النار... كان يحفظ أجزاء كبيرة من الكتاب المقدس عن ظهر قلب... يقول عنه يوسابيوس وهو شاهد عيان [أعترف بأننى ذهلت عندما رأيت الرجل لأول مرة. إذ كان واقفاً وسط جماعة كبيرة يردد بعض فقرات من الكتاب المقدس. وعندما سمعت صوته فقط خيل إلىّ أنه كان يقرأ (من كتاب) حسب العادة المتبعة فى الإجتماعات. ولكن لما اقتربت منه وادركت ما كان يفعل، وشاهدت جميع الباقين وقوفاً حوله بأعين سليمة، بينما كان هو لا يستخدم سوى عينى قلبه. ومع ذلك كان يتكلم طبيعياً كنبى، ويفوق جداً سليمى الأجساد. كان من المستحيل أن لا أمجد الله، وأدهش كل الدهشة... لأنه بسه المشوّه أظهر سمو وعظمة القوة التى كانت بداخله ".
أنبا بفنوتيوس المعترف:
تتلمذ فى شبابه على الأنبا أنطونيوس أب الرهبان فى الصحراء الشرقيت بمصر. وعرف عنه التقوى والنسك وسعة الإطلاع فى الأسفار المقدسة حتى وصفه إخوته النساك بأنه "الهيكل الحىّ للحكمة الإلهية". ولشدة تقواه اختير للأسقفية، وسيم أسقفاًعلى طيبة (الأقصر) فتفانى فى خدمة كنيسته وتعلم رعيته وفى مدة الإضطهاد والذى أثاره على الكنيسة جاليريوس ومكسيمينوس – وهما من أعوان دقلديانوس – قبض على بفنوتيوس واعترف اعترافاً مجيداً بالإيمان المسيحى، فسجن وعذب كثيراً وقلعوا عينه اليمنى وكوى تجويفها بالنار، كما كويت جفون عينيه بالحديد المحمى بالنار، وبترت ساقه اليسرى، كما كويت أعصاب وعضلات جسمه... وبعد كل هذا أرسل على رأس مجموعة كبيرة من المعترفين للعمل فى مناجم النحاس بفلسطين. وظل هناك أربع سنوات حتى أفرج عنه سنة 311... عاد إلى شعبه ليواصل رعايتهم. وكان أحد الآباء المرموقين الذين حضروا أول مجمع مسكونى كنسى هو مجمع نيقيه سنة 325. وكان موضع إحترام الجميع، ولا سيما الأمبراطور قسطنطين، الذى كان يستدعيه مراراً إلى قصره – مدة إنعقاد المجمع – ويحتضنه فى رقة، ويقبل فى إحترام زائد عينه التى احتمل فيها التعذيب.
الشهيد تيموثاوس وعروسه مورا:
كان تيموثاوس قارئاً (شماساً برتبة أغنسطس) فى كنيسة قرية بيراب فى إقليم أنطونى (أنصنا) بجوار ملوى... وبعد زواجه بأيام قليلة، قبض عليه سيق للمحاكمة لإمتناعه عن تسليم كتب الكنيسة المقدسة لحرقها بموجب قرار دقلديانوس سنة 303... وبعد أن رفض الإذعان للتهديد الشفوى – وكان يحاكم أمام أريانوس والى أنصنا – دخل فى سلسلة من التعذيب البدنى، فادخلوا أسياخ من الحديد المحمى فى أذنيه، فانتفخ وجهه، وكاد يفقد بصره نهائياً... وكنوع من الأغراء لتبثيط عزمه، أحضروا له عروسه مورا بعد أن تزينت وتعطرت، وأخذت تتوسل إليه أن يتعقل حتى لا يفقد حياته. لكنها ما لبث ضميرها أن إستيقظ على كلماته القوية الروحية. فغيرت موقفها واعترفت هى الأخرى بالمسيح بثبات. واجتازت هى الأخرى سلسلة من التعذيب البدنى... فنتفوا شعر رأسها، وقطعوا كل أصابعها، وأوقفوها فى ماء مغلى. وسلطوا مشاعل من قار وكبريت يرتفع منها ألسنة اللهب لحرق جسمها... أخيراً حكم عليهما بالموت صلباً... وبينما هما فى الطريق إلى موضع الصلب تعاهدا ألا ينعسا على الصليب لئلا يأتى الرب ويجدهما نياماً.
(ثالثاً) عينة من المدافعين المسيحيين:
تعرضت المسيحية فى قرونها الأولى لهجمات القوى الوحشية المادية، كما لهجمات الفلاسفة الوثنيين. أى أنها تعرضت للسقف والقلم... وقد أجابت على الأولى بثبات أتباعها البطولى، الذين وضعوا حياتهم ذوداً عنها. أما تحديات الفلاسفة الوثنيين المتعجرفين، الذين يمثلون حكمة العالم القديم المنتفخة، فقد إنبرى لتفنيدها وابكامها بل وهدمها فلاسفة مسيحيون بدفاعهم عنها... هؤلاء الفلاسفة المسيحيون يعرفونها تاريخياً بإسم المدافعين... ولقد بدأت هذه الدفاعات فى الظهور منذ النصف الأول من القرن الثانى الميلادى... من هؤلاء المدافعين يوستينوس وأثيناغوراس الاثينى وإكليمنضس الإسكندرى وثاوفيلس الإنطاكى وترتليانوس من القرن الثانى، وأوريجينوس وهيبوليتس من القرن الثالث وغيرهم كثيرون... وكمثال نسوق ترجمة لحياة يوستينوس المدافع المسيحى الفيلسوف والشهيد، الذى ختم حياته بالدم بعد أن دافع عن المسيحية دفاعاً مجيداً أمام الأباطرة الرومان.
يوستينوس الشهيد:
ولد أواخر القرن الأول المسيحى أو أوائل الثانى فى مدينة نابلس عاصمة السامرة من أبوين وثنيين، ومن ثم فقد نشأ وثنياً. وكان يميل منذ حداثته للتفكير العميق، ومن ثم فقد اتجه إلى دراسة الفلسفة... تتلمذ أولاً لأحد الفلاسفة الرواقيين، فلم تشبع تعاليمه عقله، فانصرف عنه وتبع فيلسوفاً آخر من جماعة الرواقيين الذين أخذ يساومه على أجر تعليمه، الأمر الذى دفع يوستينوس للإزدراء به. ومازال يسعى فى طلب المعرفة وإشباع عقله، حتى اهتدى إلى أحد الفلاسفة الإفلاطونيين، فتعلق به وأحبه.
على أن هذه الفلسفات كلها مجتمعة لم تكن لتشبع عقل يوستينوس وقلبه. إذ لم يكن له عقل متفتح وحسب، لكن كانت له روح جائعة متعطشة للنور والحق... وهو فى وثنيته لم يكن متعصباً. كتب بعد إيمانه بالمسيح يصف تأثره العميق الذى طبعه فى نفسه رؤية الشهداء المسيحيين يقول [فى الوقت الذى كنت استمتع فيه بمبادئ أفلاطون. وفى الوقت الذى كنت أستمع فيه للمصائب التى يكابدها المسيحيون، قلت لنفسى: حيث أنى رأيتهم لا يرهبون الموت حتى وسط الأخطار، التى يعتبرها العالم مرعبة، فمن المستحيل أن يكونوا أناساً يعيشون فى الشهوة والجرائم]... ومن أجل هذا القلب الطيب الخالى من التعصب، دبر له أمر خلاصه.
إن قصة إيمانه هى قصة لقاء مع الله... فبينما كان يسعى وراء الوحدة، حتى يتمكن من التأمل بعقل غير مرتبط بالأشياء الخارجية، كان يسير فى إحدى المرات على شاطئ البحر فى بلده، غارقاً فى تأملاته... قابله شيخ مهيب، يبدو على محياه الجاذبية والعذوبة. بدا كما لو كان فيلسوفاً وجد الراحة والسلام فى فلسفته. حياه وأخذ يباحثه فى شئون الفلسفة. وبين له أن الفلسفة الأفلاطونية التى كان معجباً بها – ناقصة، إذ لا تأثير لها على حياته الأدبية. فسأله يوستينوس فى لهفة وتعجب [أين إذاً أجد الحق إذا لم أجده بين الفلاسفة؟]... اجابه الشيخ [قبل الفلاسفة بزمان طويل، عاش فى الأزمنة الغابرة رجال سعداء أبرار، هم رجال الله. نطقوا بروحه وسمّوا أنبياء. هؤلاء نقلوا إلى البشر ما سمعوه وما تعلموه من الروح القدس. كانو يعبدون الله الخالق أب جميع الموجودات، وعبدوا إبنه يسوع المسيح. فاطلب أنت حتى ما تتفتح لك أبواب النور الآن]. قال له الشيخ هذا الكلام وتوارى عنه... كان هذا الطريق الذى أرشده إليه ذلك الشيخ بكلامه هو أمل يوستينوس منذ شبابه... وهكذا تحول من الفلاسفة إلى الأنبياء. بل إلى ذاك الذى هو أعلى من أعظم الأنبياء علو السموات عن الأرض – الكلمة الأزلى، الذى سيصبح يوستينوس، منذ ذاك الوقت الشاهد الأمين له...
أكب يوستينوس على قراءة تلك الكتب التى أرشده إليها ذلك الشيخ المجهول. فتوصل إلى أن الفلسفة المسيحية هى الوحيدة التى إستطاعت أن تشبع عقله وروحه. آمن بالمسيح وأعتمد. وبدأ منذ ذلك الحين حياة الفيلسوف الحقه، كما يقول هو عن نفسه... لقد جرب كل النضالات الفكرية المعاصرة له. وكان مستعداً أن يكون ذا رسالة فعالة... لم ينس أو يتناسى – ولو ليوم واحد – مسئوليته العميقة التى ترتكز على الشهادة للحق... وكان شعوره هذا على السواء بالنسبة لليهود والوثنيين والهراطقة.
هكذا كرس يوستينوس حياته لنشر المسيحية والدفاع عنها. فذهب إلى روما – عاصمة العالم كله فى ذلك الوقت – وهناك فتح مدرسة. وجعل من الفلسفة وسيلة للتبشير بالمسيحية والدفاع عنها. كتب دفاعين عن المسيحية. أولهما من 68 فصلاً والثانى من 25 فصلاً وقدمها إلى الأمبراطور أنطونينوس بيوس وأبنائه حوالى سنة 147... دفاعه ملئ بالشجاعة والكرامة الإنسانية. فقد كان إتجاهه فى دفاعه هو عدم التوسل خوفاً من القوة الغاشمة... كتب للأمبراطور يقول [أنتم تدعون فى كل مكان بيوس (نقى) حارس العدالة وصديق الحق. وستظهر أعمالكم إذا كنتم جديرين بهذه الألقاب. ولست أقصد من وارء ذلك أن أتملقكم... إنى ببساطة أسألكم أن تعاملوننا بقوانين العدالة المدققة المستنيرة. وليس بمجرد الحدس، أو تحت تأثير خرافة تصدقونها بقصد إدخال السرور على الناس، فإن هذا يدينكم]... وإذ كان يوستينوس مقتنعاً إقتناعاً تاماً بعدالة قضيته، قدمها بسلطان بإسم قانون العدالة الأزلى، التى باسمها يستخدم العنف ضد المسيحيين!!
أخيراً استشهد فى روما سنة 166 على عهد الأمبراطور مرقس أوريليوس، بسب مسيحيته وقطعت رأسه بحد السيف مع ستة أشخاص آخرين إستشهدوا معه.
(رابعاً) عينة من اللاهوتيين وعلماء المسيحية:
منذ بداية المسيحية حرصت الكنيسة على حفظ الإيمان المسيحى سليماً، كما تسلمته من المسيح نفسه. إنه إيمان واحد مسلم مرة للقديسين (يهوذا 3)... ونظرت إلى الإيمان على أنه وديعة أى أمانة يجب الحرص والمحافظة عليها... يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس وكان أسقفاً "يا تيموثاوس إحفظ الوديعة معرضاً عن الكلام الباطل الدنس، ومخالفات العلم الكاذب الإسم. الذى إذ تظاهر به قوم زاغوا من جهة الإيمان" (1تى 6: 20، 21)... كما يقول له "تمسك بصورة الكلام الصحيح الذى سمعته منى فى الإيمان والمحبة التى فى المسيح يسوع. إحفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا" (2تى 1: 13، 14)... بهذا المفهوم عن الإيمان عاش آباء الكنيسة ومعلموها، وحرصوا على سلامة الإيمان حرصهم على حياتهم... وفى سبيل المحافظة على الإيمان السليم كابدوا مشقات، واحتملوا إضطهادات، بل لا نكون مبالغين إن قلنا إنهم خاضوا حروباً ذات أبعاد فكرية ونفسية وبدنية. ونقدم فيما يلى عينتين للاهوتيين جاهداً من أجل الإيمان هما البابا أثناسيوس بطريرك الإسكندرية العشرون، والبابا ديسقورس بطريرك الإسكندرية الخامس والعشرون.
البابا أثناسيوس:
ولد اثناسيوس حوالى سنة 295 بالإسكندرية من أبوين قبطيين وثنيين – تلقى علومه فى مدرسة مسيحية... كان ذلك سبباً فى إيمانه... احتضنه البابا ألكسندروس التاسع عشر وتتلمذ على يديه من سن الخامسة عشر، وتعلق بالبتولية وتكريس حياته للرب. إلتحق بالمدرسة اللاهوتية... وذهب إلى الصحراء فى فترة خلوة تتلمذ فيها على يدى الأنبا أنطونيوس. وفى خلوته كتب كتابين "رسالة إلى الوثنيين" و "تجسد الكلمة" وهما من المراجع الأساسية فى اللاهوت المسيحى كتبهما وله من العمر واحد وعشرين سنة... وبعد عوته من خلوته فى البرية سامه البابا شماساً خاصاً له.
على أن أهم ما يميز أثناسيوس هو نضاله ضد الأريوسية... تلك البدعة الدينية الخطيرة التى صدى بها قس ليبى يدعى آريوس تابع للكرسى الإسكندرى، وأنكر فيها لاهوت المسيح، وبسبب خطورة الموضوع إنعقد أول مجمع مسكونى كنسى فى تاريخ الكنيسة سنة 325م فى مدينة نيقية... كان أثناسيوس – رغم كونه شماساً – هو فارس الميدان، حتى أن الملك قسطنطين صافحه وقال له [أنت بطل كنيسة الله].. وإن كانت فصاحته فى هذا المجمع جرت عليه كل البلايا التى صادفته فى حياته كما يذكر ذلك سقراط المؤرخ الكنسى... وضع المجمع الجزء الأول من قانون الإيمان الذى يعترف بلاهوت الإبن وصدر الحكم على أريوس بالحرم ومن يقول بقوله... وبدا واضحاص بعد المجمع أن عدو الأريوسيين الأول هو أثناسيوس الذى فوت عليهم كل فرصة للتلاعب للألفاظ أو المماحكات الفلسفية.
رسم بطريركاً سنة 328 خلفاً للبابا الكسندروس باجماع الأساقفة، حتى أن خمسين أسقفاً وضعوا عليه اليد فى رسامته... ومنذ ذلك الوقت جاهد جهاد الأبطال من أجل حفظ الإيمان السليم. وقد تنيح سنة 373 له فى العمر 77 عاماً، منها نحو 46 سنة بطريركاً، قضى معظمها فى المنفى بعيداً عن كرسيه. فلقد نفى خمس مرات بعيداً عن الإسكندرية... دبرت ضده المؤامرات من الأريوسيين والهراطقة تارة بمحاولة لصق تهم كاذبة ضده، كما حدث فى مجمع عقد بصور سنة 334 نسبوا فيه لأثناسيوس الزنا بإمرأة وقتل أحد الأساقفة واشتغاله بالسحر والعشوذة... وتارة أخرى بتحريض الملوك الأباطرة ضده لكن الله فى كل محاولات النيل منه فضح الأريوسيين والهراطقة... جاء وقت، يمكن القول أن كل القوى تكتلت ضده، حتى قيل له [لقد صار العالم كله ضدك]. فكان رده [وأنا أيضاً ضد العالم]... أن أثناسيوس مثال للرجال الأشداء فى النضال ضد الهراطقة بصورة تدعو للإعجاب حتى أن الكنيسة لقبته بالرسول وحامى الإيمان. ويلقبونه فى كنائس الغرب بضد العالم كجزء من إسمه.
البابا ديسقوروس:
هو بطريرك الإسكندرية الخامس والعشرون، وأحد أبطال الإيمان فى القرن الخامس المسيحى وسليل بطاركة الكرسى الإسكندرى اللاهوتين الأفذاذ... يتصل تاريخه بالنضال ضد الهراطقة... فبسبب إحتضان لاون أسقف روما للمبتدعين من أتباع نسطور – الذى أصدر المجمع المسكونى الثالث بأفسس سنة 431 حرماً ضده ومن يقول برأيه – عقد مجمعاً مكانياً بالإسكندرية إنتهى بإصدار قرار بحرم لاون... وقف ضد الأمبراطور مركيان وزوجته الملكة بلشاريا من أجل الإيمان، بعد أن أوغر الهراطقة صدريهما ضد ديسقورس، ولاعتبارات سياسية وكنسية أخرى...
وظهر فى ذلك الوقت راهب يدعى اوطاخى أرشمندريت دير بضواحى القسطنطينية، واخذ ينادى ببدعة جديدة خاصة بطبيعة المسيح. وكان ديسقوروس قد برأه فى مجمع عقد فى أفسس سنة 449 بعد أن قدم إيماناً سليماً شفوياً وكتابة، لكن على غير ما يبطن... عقد الملك مركيان مجمعاً فى قصره بالقسطنطينية، ودعا إليه البابا ديسقوروس. وفى هذا المجمع لاحظ ديسقوروس مظاهر الرياء من بعض الأساقفة للتودد إلى الملك الذى كان يميل إلى إتباع نسطور. فما كان منه إلا أن قال [إن القيصر لا يلزمه البحث فى هذه الأمور الإيمانية الدقيقة، بل ينبغى له أن يشتغل بأمور مملكته وتدبيرها. ويدع الكهنة يبحثون عن الإيمان المستقيم فإنهم يعرفون الكتب وخير له أن لا يميل مع الهوى ولا يتبع غير الحق].
ولما رأت الملكة شجاعة ديسقوروس قالت له [يا ديسقوروس لقد كان فى زمان أمى أفدوكسيا إنسان قوى الرأى مثلك (تقصد يوحنا ذهبى الفم). وأنت تعلم أنه لم ير من جراء مخالفتها خيراً. وإنى أرى أن حالك سيكون مثله]. فأجابها ديسقوروس بكل شجاعة [وأنتِ تعرفين ما جرى لأمك نتيجة إضطهادها لهذا القديس. كيف إبتلاها الله بالمرض الشديد الذى لم تجد له دواء ولا علاجاً، حتى مضت إلى قبره وبكت عليه وإستغفرت الرب فعوفيت. وهأنذا بين يديك فافعلى ما تريدين. وستربحين ما ربحته أمك]... كان نتيجة هذا الكلام أن تهجمت عليه تلك الشريرة وصفعته صفحة شديدة أقتلعت ضرسين من أضراسه لشيخوخته. وما لبث أن إنهال عليه بعض حاشية القصر وأوسعوه ضرباً. وإمعاناً فى الإستهزاء به نتفوا شعر لحيته. أما هو فبقى صامتاً محتملاً وهو يقول [من أجلك نمات كل النهار]... ثم جمع ا لضرسين مع شعر لحيته، وأرسلها إلى شعبه بالإسكندرية مع رسالة قال فيها [هذه ثمرة جهادى لأجل الإيمان. إعلموا أنه قد نالتنى آلام كثيرة فى سبيل المحافظة على إيمان آبائى القديسين. أما أنتم الذين بنيتم إيمانكم على صخرة الإيمان القويم، فلا ترهبوا السيول الهرطقية ولا الزوابع الكفرية].
كانت نتيجة الحسد والغيرة مع الأسف الشديد أن حكم على ديسقوروس فى مجمع كنسى عقد بخلقيدونية سنة 451 بالحرم والتجريد... لكنه لم يسكت، وحرر على الرسالة التى أنفذها له المجمع حرماً لمن يقول بغير ما قاله آباء الكنيسة... وكان نتيجة ذلك أن الملك نفاه إلى إحدى الجزر. وبعد أن قضى فى منفاه خمس سنوات قضاها فى هداية الضالين وشفاء المرضى تنيح بسلام وإنتقل إلى عالم المجد سنة 457. ولقبته الكنيسة "ببطل الأرثوذكسية العظيم".
(خامساً) عينة من النساك:
إتسمت الحياة المسيحية منذ بدايتها بالنسك والزهد فى العالميات... ولقد إستمر هذا الإتجاه فردياً حتى القرن الثالث المسيحى، حين بدأ المسيحيين يهجرون العالم إلى الصحارى والقفاز والجبال والأماكن المنعزلة، ليعيشوا حياة وحدة وتعبد، فيما عرف بإسم الرهبنة... ويعتبر القرن الرابع المسيحى هو العصر الذهبى للرهبنة، بعد زوال عصر الإضطهاد والإستشهاد بتملك قسطنطين وإعتناقه المسيحية... كان الإستشهاد وسفك الدم تعبيراً على أعلى مستوى للمحبة، يقدمها المؤمن من أجل المسيح... وبتوقف سيل دماء الشهادة، لجأ المسيحيون ليثبتوا محبتهم لمسيحهم بطريقة أخرى، عن طريق أعمال الإماتة وقهر الجسد بميوله المنحرفة. لذا يمكن القول أن الرهبنة هى إمتداد لعصر الإستشهاد، لكن بدون سفك دم. نستطيع أن نلتقى بنماذج فريدة لأشخاص إحتقروا العالم بكل أمجاده، وعشاوا فلسفة مسيحية خاصة بهم، من أجل إظهار محبتهم للمسيح. ونسوق كمثال الأخوين مكسيموس ودوماديوس إبنى فالنتنيانوس قيصر الغرب الذى تولى العرش سنة 364م، وأرسانيوس معلم أولاد الملوك (أركاديوس وهونوريوس إبنى الملك ثيئودوسيوس الكبير).
(أ) مكسيموس ودوماديوس:
كانا إبنى فالنتينانوس قيصر الغرب فى الدولة الرومانية، وكان رجلاً يخاف الله... تربيا على حياة التقوى، واشتاقا منذ نعومة أظفارهما لحياة البتولية. كان خروجهما من قصر أبيهما الأمبراطور بحجة زيارة موضع المجمع المسكونى الأول بمدينة نقية بآسيا الصغرى. ومن هناك رحلا إلى الشام وتتلمذا لأب قديس يدعى أغابيوس. وقبيل نياحته أمرهما بالذهاب إلى برية شيهيت بمصر ليتتلمذا للأب مقاريوس أب البرية. وكان ذلك بناء عن رؤية أعلنت له... وبعد رحلة شاقة قطعاها بحراً وبراً، ومشيا طويلاً حتى تجرحت أقدامهما، وصلا إلى البرية وإلتقيا بالأب مقاريوس... وفى بداية الأمر نصحهما الأب مقاريوس بالعودة إلى العالم، لشظف العيشة وخشونتها فى البرية، خصوصاً لما لاحظه عليهما من دلائل الرقة والنعومة. لكنهما قالا له [إن كنا لا نقدر يا ابانا، فإننا نعود إلى حيث جئنا]... عاشا فى مغارة لمدة ثلاث سنوات، كانا لا يريا إلا فى الكنيسة للتناول المقدس. وبعد سكنهما فى البرية هذه الثلاث سنوات تنيح الكبير مكسيموس ولحق به دوماديوس بعد ثلاثة أيام. فى أثناء إقامتهما ببلاد الشام إتجهت أنظار الناس ليقيموا مكسيموس أسقفاً على روما بعد نياحة أسقفها، كما كان طبيعياً أن يرث الأصغر وهو دوماديوس العرش الأمبراطورى خلفاً لأبيه... لكنهما تشبها بموسى الذى حسب عار المسيح (صليبه) غنى أكثر من خزائن مصر.
(ب) أرسانيوس معلم أولاد الملوك:
ولد فى روما أوائل النصف الثانى من القرن الرابع من أسرة مسيحية، جمعت بين التقوى وشرف الحب. درس علوم عصره فى أعلا مستوياتها. وقع عليه الإختيار – كأفضل معلم – ليهذب أركاديوس وهونوريوس إبنى الملك ثيئودوسيوس الكبير فى القسطنطينية. ومن ثم فقد هجر روما إلى القسطنطينية. وكان قريباً جداً من الأمبراطور... قاده تفكيره فى تفاهة العالم وفنائه إلى تركه إلى برية شيهيت بمصر... عاش فى البرية فى وحدة كاملة وأحب الصمت والتقشف... جاءه يوماً شخص يخبره عن وفاة أحد أقاربه، وكان له الحق فى وراثته شرعياً. لكنه بعد أن إستفهم منه عن موعد وفاته، قال له لقد مت أنا قبله بزمان طويل. وكان يقصد موته عن العالم بإرادته... تميز بكثرة دموعه، حتى لقب بأرسانيوس الباكى. وقال عنه تلميذه إن الدموع عملت مجارى على خديه... وحينما رقد رقاد الموت شوهدت دموعه تسيل من عينيه كإنسان غريب يريد السفر إلى وطنه الحقيقى.
(سادساً) عينة لعلمانيين أتقياء:
لم يكن خدام الكلمة والمعترفون والشهداء والمدافعون المسيحيون، واللاهوتيون والنساك المتعبدون، هم وحدهم الذين أحبوا المسيح وجعلوا شعارهم "من أجلك نمات كل النهار"، بل أن العلمانيين الأتقياء، أعلنوا عن حبهم وتمسكهم بالإيمان بالمسيح، حتى لو قادهم ذلك إلى الموت. ونقدم عينة من القرن التاسع وهو:
المهندس سعيد بن كاتب الفرغانى:
مهندس قبطى بنى مقياس النيل للوالى أحمد بن طولون، وحفر عين ماء متصلة بصهريج مياه ينقل الماء من خلال قنوات إلى مدينة القطائع. وكان العمل متقناً جداً. لكن حدث أن أحمد بن طولون فيما هو يتفقد المشروع عثر جواده فى كومة تراب أهمل العمال فى رفعها. فكان ذلك سبباً فى غضبه وأمر بسجن هذا المهندس... بعد ذلك فكر إبن طولون فى بناء جامع يكون أعظم من كل ما بنى قبله من مساجد فى مصر. كان مثل هذا المسجد يحتاج إلى ثلثمائة عمود من الرخام تؤخذ من عدد من الكنائس بعد هدمها... وما أن علم هذا المهندس المسيحى الغيور بهذا المشروع وهو فى سجنه، حتى صمم مسجداً لا يحتاج إلا إلى عمودين أثنين فى القبلة. وصمم ما كتب من الجلد وأرسله إلى إبن طولون، الذى أفرج عنه وكلفه ببناء الجامع الذى يحمل إسم أحمد إبن طولون حتى الآن، وتشهد عمارته بعبقرية هذا المهندس، حيث ترى العقود المدببة... لكن للأسف، فبعد أن خلع إبن طولون على المهندس، عاد وحقد عليه وقطع رأسه بحد السيف، فنال إكليل الشهادة.
وبعد، أيها المسيح إلهنا...
نؤمن بك ونعيش لك، ولو تضيقنا وتألمنا... لن نتركك لأنك لا تتركنا... لن ننفصل عنك لأنك أنت حياتنا "إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك" إن الإنفصال عنك يعنى الموت، والإبتعاد عنك هو الضلال أيها الطريق الحق إلى أبيك... أيها النور الحقيقى الذى يضئ لكل إنسان آت إلى العالم، أنت هو ضياء نفوسنا. إن الظلمة الخارجية هى عدم الحياة معك. لذا فإن الذى يريد الحياة معك، يجب عليه أن ينفصل عن العالم بمعناه الردئ، لأنه ليس شركة للظلمة مع النور. بنورك يا رب نعاين النور... أنت هو راعى نفوسنا وأسقفها... أنت هو باب الخراف الناطقة. من لا يدخل بك يظل خارج الحظيرة، ومن يحاول أن يطلع نم موضع آخر – أى ليس عن طريقك – فذاك سارق ولص... أيها الخبز الحقيقى الذى لنفوسنا وأرواحنا، بعيداً عنك نهلك جوعاً... أنت هو رىّ نفوسنا الظمأى، أيها الينبوع الحىّ الذى يعطى ماء حياة مجاناً... أنت هو شبع حبنا وعواطفنا، إذ أنت المحبة ذاتها... إن حبك يسكر النفس، من أجل ذلك قيل "إن حبك أطيب من الخمر"، وقالت العروس فى النشيد "إنى مريضة حباً. شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى... النفس التى ذاقت حبك بالحقيقة أحست إنك أنت لها وحدها لأنها ليست لآخر سواك" أنا لحبيبى وحبيبى لى "... أنت ملجأنا وملاذنا، أنت منقذنا من الشدائد، حياتنا كلها متعلقة بك، لأنه بك كان كل شئ، وبغيرك لم يكن شئ مما كان... فى اليقظة أنت تهدينا، وفى نومنا نستند برؤوسنا إلى صدرك... أيها الإله العجيب الذى يستريح فى خليقته بالحب. ألم تقل" إن أحبنى يحفظ كلامى ويحبه أبى، وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً "... لم تعد دور العبادة وحدها هى موضع سكناك، لقد سكنت قلوب كل محبيك... لقد صار لك موضع فى كل قلب بالمحبة... كل نفس تحبك أنت لها، وكل من عرفك لا يتعلق بسواك... وكل من أحب صرت أنت غذاءه وشرابه وكساءه ونومه... روحك الذى يشفع فينا بأنات لا ينطق بها، هو الذى يقودنا إليك، ويذكرنا بكل أقوالك، ويقودنا إلى الحق الذى هو ليس شئ آخر سواك... نفضل الموت معك عن الحياة للعالم، لأن الموت معك يعنى الحياة، والحياة للعالم هى الموت المحقق...
يا إله المجدلية ورب السامرية، إعطنا يقظة روحية وتوبة قلبية...
يا إله شاول الطرسوسى، إعلن إبنك لمن لا يعرفك...
يا إله آبائنا القديسين، إظهر قوتك فى حماية رعيتك...
يا إله الرسل القديسين، الذين بشروا بنعمتك، وحملوا رسالتك، اذكر سلامة كنيستك.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.