هذا الفصل هو جزء من كتاب: مسيحنا فوق الزمان – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
مثال المسيح فى مصر والبريّة
بنو إسرائيل وخروجهم من مصر.
بين الفصح الرمزى والفصح الحقيقى.
عبور البحر الأحمر وتسبحة النصرة.
المن الرمزى والمن الحقيقى.
صخرة حوريب – عماليق – الحية النحاسية.
فى الموضوع الماضى "كنيسة الرسل وكتاب العهد القديم" قلنا حيث أن المسيح له المجد فوق الزمان، فليست بداية رؤيتنا له فى الإنجيل المقدس، بل نراه أيضاً فى العهد القديم... واليوم نبدأ جولتنا فى كتاب العهد القديم لنرى المسيح فى حياة شعب الله فى مصر والبرية... وبعبارة أخرى سوف نتابع رحلة خروج الشعب من مصر ومدة الأربعين سنة فى البرية حتى وصولهم إلى كنعان.
أيمكن أن نرى المسيح فى حياة شعب الله فى مصر؟ نعم، هذا ما يذكره الكتاب المقدس صراحة... فى آخر حلقة من حلقات تاريخ شعب إسرائيل فى مصر، نقرأ من خروف الفصح، الذى بفعالية دمه خرج الشعب من مصر بعد مماطلات فرعون المتعددة... وخروف الفصح هذا يعتبر من أقوى وأوضح وأبرز رموز العهد القديم لشخص المسيح الفادى. والمر ليس إستنتاجاً أو إجتهاداً. فالرسول بولس يقول بالروح القدس.
«لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا» (1كو 5: 7)).
فالخروف الذى ذبح فى مصر كان رمزاً، أما الفصح الحقيقى فهو المسيح الذبيح المخلّص... ويشير سفر الرؤيا إلى هذا الفصح الذى تمّ فى مصر، ويطابق بينه وبين المسيح الفصح الذى ذبح فى ملء الزمان خارج أبواب أورشليم، يقول "مصر حيث صُلب ربنا أيضاً" (رؤ 11: 8)... وواضح أن المسيح لم يُصلب فى مصر، لكن الكلام هنا كان عن الرمز، أى خروف الفصح.
يقول ميليتو أسقف ساردس Milito of Sardis من آباء القرن الثانى فى عظة فصحية [يتحقق سرّ الفصح فى جسد الرب. فقد اقتيد كحمل وذبح كشاه، مخلصاً إيانا من عبودية العالم، ومحررنا من عبودية الشيطان كما من فرعون. خاتماً نفوسنا بروحه، وأعضاءنا الجسدية بدمه... ذبيحة الحملان وطقس الفصح وحرف الناموس، هذه قد تحققت فى المسيح. مفوض الناموس جاء اللوغوس فصار القديم جديداً، وصارت الوصية نعمة، وأصبح الرمز حقيقة].
ويقول هيبوليتس الرومانى Hippolytus من أوائل القرن الثالث [يعيد اليهود للفصح الأرضى منكرين الفصح السماوى. أما نحن فنعيّد للفصح السماوى عابرين على الأرض. الفصح الذى كانوا يعيدونه هو رمز لخلاص أبكار اليهود... أما الفصح الذى نعيد له فينشئ خلاصاً لجميع الناس].
ويقول أمبروسيوس أسقف ميلان فى القرن الرابع [والآن وأنتم تحتفلون بالبصخة (الفصح) المقدسة، يلزمكم أن تعرفوا أيها الأخوة ما هى البصخة... البصخة تعنى العبور. وهكذا دعى العيد بهذا الإسم، لأنه فى هذا العيد عبر إبن الله من هذا العالم إلى أبيه].
قصة بنى إسرائيل فى مصر:
أتى يوسف إلى مصر بعد أن باعه إخوته حسداً إلى قافلة الإسماعيليين الذين كانوا متجهين إلى مصر. وفى مصر إشتراه فوطيفار... بعد ذلك تتوالى الأحداث التى أدت بيوسف إلى السجن ومنها ليصبح مدبراً لأرض مصر بعد أن فسّر لفرعون حلمه... وفى سنوات القحط أتى إخوة يوسف ليأخذوا قمحاً من مصر. ويقود هذا إلى أن يأتى يعقوب إسرائيل وكل بنية إلى مصر ويقيموا فيها مدة 430 سنة يصبحون خلالها شعباً كبير العدد... ويستعبد المصريون بنى إسرائيل ويثقلّون عليهم، ويصرخ هؤلاء إلى الرب إلههم فيسمع أنينهم وصراخهم. ثم يظهر الرب لموسى فى عليقة فى جبل حوريب بسيناء، ويكلّفه بمهمة قيادة الشعب وخروجه من مصر... فيذهب موسى وأخوه هارون ويقابلا فرعون، يسألاه أن يطلق الشعب ليعبدوا إلههم فى البرية. لكن فرعون يأبى مرة ويماطل أخرى، ويتظاهر بالموافقة ثالثة وهكذا... والله تنفيذاً لخطته وقصده الإلهى يأمر موسى أن يضرب الضربات العشر المعروفة إظهاراً لقوة إله إسرائيل (خر 7 - 12). تتحدث الإصحاحات من 7 إلى 10 عن الضربات التسع الأولى. أما الضربة العاشرة والأخيرة التى تعرف باسم ضربة الأبكار، فيرد ذكر أحداثها فى الإصحاحين 11، 12 من سفر الخروج.
الضربة العاشرة وخروف الفصح:
«ثم قال الرب لموسى ضربة واحدة أيضاً أجلب على فرعون وعلى مصر. وبعد ذلك يطلقكم من هنا... إنى نحو نصف الليل أخرج فى وسط مصر، فيموت كل بكر فى أرض مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التى خلف الرحى، وكل بكر بهيمة» (خر 11: 1).
، 4، 5).
لقد أمر الرب أن يحضر كل بيت خروفاً (شاه) ذكراً حولياً (إبن سنة) فى اليوم العاشر من شهر نيسان العبرى، ويبقى تحت الحفظ إلى اليوم الرابع عشر، ثم يذبح فى العشية. ويأخذ بنو إسرائيل من دمه، ويجعلونه على القائمتين والعتبة العليا فى البيوت التى يأكلون فيها... أما عن طريقة أكله فقد أمرهم الله أن يأكلوا لحمه مشوياً بالنار مع فطير على أعشاب مُرة. وحذّرهم الرب أن يأكلوا منه شيئاً نيئاً أو مطبوخاً، ولا يبقون منه شيئاً للصباح. وإن تبقّى منه شئ يحرقونه بالنار. ويأكلون الخروف بعجلة. أحقاؤهم مشدودة، ونعالهم فى أرجلهم، وعصيّهم فى أيديهم... وقال لهم:
"فإنى أجتاز فى أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر فى أرض مصر من الناس والبهائم... ويكون لكم الدم علامة على البيوت التى أنتم فيها، فأرى الدم وأعبر عنكم. فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر. ويكون لكم هذا اليوم تذكاراً فتعيدونه عيداً للرب. فى أجيالكم تعيدونه فريضة أبدية. سبعة أيام تأكلون فطيراً. اليوم الأول تعزلون الخمير من بيوتكم. فإن كل من أكل خميراً من اليوم الأول إلى اليوم السابع، تقطع تلك النفس من إسرائيل" (خر 12: 12 - 15).
واضح مما تقدم أنه هناك ملابسات أحاطت بالضربة العاشرة والأخيرة، ومواصفات وشروط فى غاية الدقة لإختيار خروف الفصح وطريقة أكله... فلو لم يكن لله قصد بأن يجعل الخروف رمزاً للذبيح الأعظم فادينا، فإن كل هذا يعتبر لهواّ لا مبرر له...
والآن نتقدم لنلقى ضوءً على كل ما يتعلق بهذه الملابسات والمواصفات والشروط، وما يحيط بها، وإلى أى شئ تشير:
بين الفصح الرمزى والفصح الحقيقى:
(1) اختيرت ذبيحة الفصح شاه ذكراً:
وقيل عن المسيح "كشاه تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه" (أش 53: 7)... "وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح، ولم أعلم أنهم فكروا علىّ أفكاراً قائلين لنهلك الشجرة بثمرها ونقطعه من أرض الأحياء، فلا يذكر بعد إسمه" (أر 11: 19)... أما كونه ذكراً فإشارة إلى رئاسته لكونه عريس كل المؤمنين (2كو 11: 2)...
«من له العروس فهو العريس» (يو 3: 29)).
(2) كان يشترط فى خروف الفصح أن يكون بلا عيب وعمره سنة (حولياً):
وقيل عن المسيح.
«عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى... بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح» (1بط 1: 18).
، 19)... وكونه حولياً إبن سنة، فهذا يشير إلى أنه شاب ليس فيه ضعف الشيخوخة، ولا يعتريه القدسم، بل يبقى دائماً جديداً فى حياتنا.
(3) كان خروف الفصح البرئ يذبح نيابة عن مقدمه، وبهذا كان يعتبر فدية...
ولما كان المسيح قد صلب عن البشرية، ومات وطعن فى جنبه بالحربة وسال منه دم وماء، اعتبر أنه ذبح. يقول بولس الرسول.
«لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا» (1كو 5: 7)).
.. "ليبطل الخطيئة بذبيحة نفسه (عب 9: 26)... وقد رأى يوحنا فى رؤياه وسط العرش" خروف قائم كأنه مذبوح "(رؤ 5: 6). كما رأى السمائيين وهم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين" مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه، لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة "(رؤ 5: 9).
(4) دم خروف الفصح المرشوش على القائمتين والعتبة العليا لأبواب بيوت بنى إسرائيل خلّص أبكارهم من الملاك المهلك. قال الرب "فأرى الدم وأعبر عنكم".
والمسيح دمه يطهَّر من كل خطية ويخلّص من الهلاك الأبدى.
«لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة» (عب 9: 22)).
.. لكن لماذا على الباب وقائمتيه وعتبته العليا؟ الباب يشير إلى مدخل الحياة. وكان الدم قديماً يعتبر هو الحياة عينها (لاو 17: 11). فإذا حمل الباب الدم يكون قد حمل الحياة. من هنا نفهم كلمات المسيح.
«أنا هو الباب» (يو 10: 9)).
.. ولماذا على العتبة العليا والقائمتين... يقول القديس هيبوليتس الرومانى [أن الدم على العتبة العليا يشير إلى الكنيسة أما القائمتين فيشيران إلى اليهود والأمم]. اما القديس غريغوريوس النيسى فيرى أن رش الدم على العتبة العليا والقائمتين إنما يشير إلى تقديس النفس بجوانبها الثلاثة العقلى والروحى والعاطفى... هذا ويلاحظ أن رش الدم على العتبة العليا دون السفلى حتى لا يداس بالأقدام، وفى ذلك يقول بولس الرسول.
«كم عقاباً أشرّ تظنون أن يحسب مستحقاً من داس إبن الله وحسب دم العهد الذى قدّس به دنساً وازدرى بروح النعمة» (عب 10: 29)).
(5) خروف الفصح كان يؤتى به فى العاشر من شهر نيسان العبرى، ويظل تحت الحفظ حتى يذبح فى الرابع عشر من الشهر.
والمسيح دخل مدينة أورشليم يوم أحد الشعانين الذى يوافق العاشر من نيسان، وظل يحضر يومياً من بيت عنيا إلى أورشليم حتى ذبح وصلب فى نفس موعد ذبح خروف الفصح... وهكذا إنطبق المزمور إليه مع ما كان يشير إليه الرمز (أنظر يوحنا 18: 28، 19: 13، 14).
وإختيار اليوم العاشر من نيسان لحفظ الخروف إشارة إلى مجئ المسيح بعد الناموس (الذى تشير إليه الوصايا العاشر)، لكى يكمل هذا الناموس (مت 5: 17). واختيار اليوم الرابع عشر من الشهر لأنه فى هذا اليوم يكون القمر بدراً حيث أن الشهور العبرية شهور قمرية... وحيث أن الشمس ترمز للسيد المسيح شمس البر والقمر يرمز للكنيسة. فإنه من خلال الفصح الحقيقى تكتمل إستنارة الكنيسة.
وبقاء خروف الفصح تحت الحفظ أربعة أيام قبل ذبحه من العاشر إلى الرابع عشر من نيسان، إنما يشير إلى الأربع فترات التى تغربتها البشرية حتى تدخل بدم الفصح الحقيقى إلى السماء. وهذه العصور هى: عصر ما قبل الناموس (الشريعة المكتوبة)، وعصر الناموس ثم عصر الأنبياء وأخيراً عصر المسيح.
(6) كان الخروف بعد ذبحه يشوى على سفودين متقاطعين (سيخين متعامدين) على هيئة صليب.
والسيد المسيح مات على الصليب. والحق أنه لا يوجد تطابق بين الرمز والمرموز إليه أكثر من ذلك... كان يمكن أن يؤكل الخروف مشوياً على النار بأية صورة وبأى وضع. لكن كونه يشوى على سيخين متعامدين. فلابد وأن الله كان يلفت الأنظار إلى الفصح الحقيقى فى ملء الأزمنة. لقد أمرهم الرب بأن يأكلوا الخروف مشوياً على النار، وحذّرهم من أكل شئ منه نيئاً أو مطبوخاً. ومعنى ذلك أن الشىّ بالنار كانت هى الطريقة الوحيدة المسموح بها.
والمسيح له المجد إحتمل آلاماً مريرة فى نفسه وجسده، حتى أن داود يتكلم بروح النبوة عن آلام المسيح ويقول.
«صار قلبى كالشمع. قد ذاب فى وسط أمعائى» (مز 22: 14)).
ومعلوم أن الشمع لا يذيبه سوى النار والحرارة. وهذه كلها إشارة إلى شدة آلام مخلصنا التى رمز لها بالنار.
(7) كان الأمر يقضى بأن الخروف يجب أن يؤكل صحيحاً ولا تكسر عظمة من عظامه:
والمسيح عظمة من عظامه لم تكسر. وهكذا يقول داود بروح النبوة.
«تحفظ جميع عظامه. واحد منها لا ينكسر» (مز 34: 20)).
.. يقول يوحنا.
«فأتى العسكر وكسروا ساقى الأول والآخر المصلوب معه. وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات» (يو 19: 32).
، 33).
(8) كان أكل الخروف يتم على أعشاب مُرة... والأعشاب المُرة تشير إلى مرارة عبوديتهم فى مصر، وإلى مرارة الخطية والضيقة التى إحتملها إبن الله نيابة عن البشر جميعاً... إنها خطايا كل العالم. ومن ناحية أخرى فإن أكل الخروف على أعشاب مُرة يشير إلى شركة آلامنا مع الفصح الحقيقى "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته" (فى 3: 10)... إنها إشارة دائمة متكررة للتذكر الدائم لمذاقة الموت الذى يقتبله المسيح نيابة عن البشر... ومن ناحية ثالثة فإن الأعشاب المُرّة تشير إلى مؤهلات إتحادنا بالفصح الحقيقى بالتوبة والندم والإعتراف بالخطية.
(9) كان يجب ألا يبقى شئ من الخروف حتى الصباح، بل يؤكل جميعه فى العشية. وهكذا أنزل المسيح عن الصليب فى مساء يوم صلبه وموته...
(10) كانت شريعة خورف الفصح تقضى بأن الإنسان النجس لا يجوز أن يأكل منه، وإلا فإنه موتاً يموت. وفى هذا إشارة إلى أن من يستهين بذبيحة المسيح الكفارية – الفصح الحقيقى – نصيبه الموت الأبدى.
«من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة. فكم عقاباً أشر تظنون أنه يحسب مستحقاً من داس إبن الله، وحسب دم العهد الذى قُدّس به دنساً وإزدرى بروح النعمة» (عب 10: 28).
، 29).
(11) فى شريعة خروف الفصح أمر الله بنى إسرائيل أن يأكلوا فطيراً دون الخبز المختمر مدة سبعة أيام. أما السبب فلأن الخمير يشير إلى الخطية والشر (لو 12: 10، 1كو 5: 7، 8)، أما عدد السبعة فإنه يشير إلى الكمال. والمعنى هنا أن المؤمن الذى تقدّس بدم حمل الفصح الجديد، يجب عليه أن يمتنع عن الخطية حياته كلها التى يرمز لها بالسبعة أيام...
(12) إن قصة خروف الفصح تمثل عثرة وشك: لأنه من ذا الذى يصدّق أن دم خروف مرشوش على أبواب البيوت ينجى من بداخلها من هلاك محقق؟!! لو قال موسى لشعبه أن يستعدوا للحرب من أجل الخروف من مصر لكان الأمر أسهل فى تصديقه، مقبولاً على مستوى العقل... لكن هذا مثالاً لجهالة الصليب!!... ماذا يقول الرسول بولس.
«إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلّصين فهى قوة الله... نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة وأما للمدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله» (1كو 1: 18).
، 23، 24)... ومازال كثيرون يتساءلون فى سخرية، كيف أن الدم المسفوك على الصليب يخلّص العالم كله ويفديه ويقدّسه؟! لكن هذا يتم بالإيمان على نحو ما حدث قديماً زمن موسى الذى قال عنه الرسول بولس.
«بالإيمان صنع موسى الفصح ورش الدم لئلا يمسهم الذى أهلك الأبكار» (عب 11: 28)).
أمور لها مغزى تتصل بخروف الفصح:
(1) سبق الضربة العاشرة والأخيرة – ضربة الأبكار – تسع ضربات، كان فرعون يماطل فيه ويرفض ويتقسّى قلبه. لكن الضربة العاشرة كانت حاسمة، وخرج الشعب بعدها... إن الضربات التسعة إنما تشير رمزياً إلى محاولات الإنسان لتخليص نفسه وتحريرها من العبودية بجهده الخاص بدون الدم الذى اتسمت به الضربة العاشرة.. لكن هذه الضربة العاشرة والأخيرة إنما تشير بغاية الوضوح إلى أنه لا خلاص إلا بالدم والفداء.
«بدون سفك دم لا تحصل مغفرة» (عب 9: 22)).
(2) الضربة التاسعة السابقة لضربة الأبكار والمتصلة بخروف الفصح، كانت هى ضربة الظلام على كل أرض مصر.
«كان ظلام دامس على كل أرض مصر ثلاثة أيام لم يبصر أحد أخاه ولا قام أحد من مكانه ثلاثة أيام» (خر 10: 21 - 23)).
.. والمتأمل فى حالة الناس مدة ضربة الظلام هذه، يرى فيها كرمز بؤس البشرية قبل أن تشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها الذى هو المسيح (ملا 4: 2)، والعدد ثلاثة (ثلاثة أيام الظلام) تشير إلى إكتمال الظلام...
(3) فى الضربات التسعة الأولى لم يطلب الله من الشعب الإسرائيل أن يفعلوا شيئاً... كان موسى وهارون هما اللذان يقومان بالضربات والإتصال بفرعون. أما الضربة العاشرة فقد كان للشعب دور فيها... كان عليهم أن يختاروا الخروف ويحفظونه أربعة أيام، ثم يذبحونه ويرشون دمه ويأكلونه مشوياً... إن هذا الذى حدث يذكرنا بعبارة القديس والفيلسوف المسيحى أغسطينوس "الله الذى خلقك بدونك، لن يخلصك بدونك"... ومعنى هذا أن الله الذى خلق الإنسان دون أن يكون له أى دخل أو يشترك فى خلقة ذاته، حينما يخلصه، لا يخلّصه إلا بإشتراكه فى خلاص نفسه... ونعنى بإشتراكه فى خلاص نفسه، جهاده الروحى ضد العالم والخطية ومن أجل الحياة المقدسة.
(4) إن ضربة الأبكار تمت فى نصف الليل.
«إنى نحو نصف الليل أخرج فى وسط مصر» (خر 11: 4)).
إن نصف الليل هو رمز لموعد مجئ الرب للدينونة الأخيرة. ولقد أشار السيد إلى ذلك كثيراً فى أمثاله وأحاديثه كموعد لمجيئه الثانى العتيد (أنظر مثل العشر عذارى فى مت 25: 6)... أضف إلى ذلك أنه فى ظل الليل بعيداً عن نور النهار الواضح، يتحقق العدل فى الشياطين وجرائمهم القاتمة كما يقول القديس هيبوليتس الرومانى...
(5) قال الرب لبنى إسرائيل عن الفصح وموعده.
«هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور. هو لكم أول شهور السنة» (خر 12: 2)).
.. كانت السنة اليهودية تبتدئ مع الخريف فى شهر تيشرى الذى يقابل أكتوبر. لكن إبتداءً من الفصح أصبح لليهود تاريخان، أحدهما دينى والآخر مدنى. وأصبح نيسان الذى يقابل شهر أبريل حيث يذبح خروف الفصح هو أول شهور السنة الدينية عندهم... ومعنى ذلك أنه بعد الليل التى ذبح فيها الخروف الذى خلص بنى إسرائيل، يأتى اليوم الأول من سنة جديدة. وهذه ترمز إلى تاريخ جديد وحياة جديدة، أسقط فيه زمان العبودية بمرارتها وضيقها... وهكذا يتضح المعنى أن الدم هو الأساس لحياة جديدة.
(6) لم يكن ذبح الخروف ورش دمه على الأبواب هو كل شئ، إذ كان لابد له أن يأكلوه... والأكل هنا إشارة إلى قبول الفادى المخلّص الذى يتحد لحمه بلحمنا... يقول بولس الرسول.
«لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه» (أف 5: 30)).
.. إن رش الدم فقط على الباب الخارجى إنما يشير إلى الإنتماء الظاهرى لشعب الله. لكن المطلوب ليس الإنتماء الظاهرى، بل الإتحاد بالله لنصير واحداً معه وبه. هكذا نفهم كلمات رب المجد.
«إن لم تأكلوا جسد إبن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم» (يو 6: 53)).
(7) كان محظوراً على الغريب غير المختتن أن يأكل من الخروف... والختان كان علامة الإنضمام إلى جماعة الله. وفى نفس الوقت كان رمزاً للمعمودية فى العهد الجديد، التى بدونها لاحق لإنسان أن يتمتع ببركات المسيح فى العهد الجديد، المتمثلة فى الأسرار المقدسة... يقول أثناسيوس الرسولى فى الرسالة السادسة من رسائل القيامة [الإنسان المخادع وغير النقى القلب... هذا غريب عن القديسين، ويحسب غير مستحق أن يأكل الفصح... لهذا عندما ظن يهوذا أنه حفظ الفصح، بينما كان يدبر خداعاً ضد المخلّص، صار غريباً... وهكذا بينما كان يأكل نقبه الشيطان ودخل إلى نفسه].
عبور البحر الأحمر:
كان عبور بنى إسرائيل للبحر الأحمر أول خطوة حاسمة فى سبيل تحريرهم من العبودية... ويجمع جميع الآباء ومعلمى الكنيسة الأوائل إلى أن عبور شعب الله قديماً البحر الأحمر، كان رمزاً للمعمودية المقدسة استناداً إلى قول بولس الرسول.
«فإنى لست أريد أيها الأخوة أن تجهلوا أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة، وجميعهم اجتازوا فى البحر، وجميعهم اعتمدوا لموسى فى السحابة وفى البحر» (1كو 10: 1).
، 2)...
وماذا عن المعمودية؟... نحن فى المعمودية نموت مع المسيح ونقوم معه.
«أم تجهلون أننا كل من إعتمد ليسوع المسيح إعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة. لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته. عالمين هذا إن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كى لا نعود نستعبد أيضاً للخطية» (رو 6: 3 - 6)).
.. "مدفونين معه فى المعمودية، التى فيها أقمتم أيضاً معه... إذ جرّد الرياسات والسلاطين، أشهرهم جهاراً، ظافراً بهم فيه" (كولوسى 2: 12 - 15)... وهكذا فإننا نستطيع أن نرى المسيح فى عبور البحر الأحمر، طالما كان هذا العبور رمزاً للمعمودية التى هى مثال لموت المسيح ودفنه وقيامته...
يقول القديس أغسطينوس فى تفسيره لمزمور 107 [نحن شعب الله من مصر – التى ترمز لمحبة العالم – بعظمتها وإتساعها، واقتيد إلى البحر الأحمر، لكى تكون فيه نهاية أعدائهم (الشياطين) فى المعمودية. لأنه بهذا السر (المعمودية) – كما فى البحر الأحمر – يتقدّسون بدم المسيح، بينما تبيد الخطايا التى تتبعهم]... ويقول القديس جيروم [إذ ندم فرعون وجنوده أنهم أطلقوا شعب الله من مصر، غرقوا فى البحر الأحمر، فصار ذلك رمزاً لعمادنا. وقد وصف سفر المزامير هلاكهم بقوله: أنت شققت البحر بقوتك كسرت رؤوس التنانين فى المياه. أنت رضضت رؤوس لوياثان]... ويقول ديديموس الضرير مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتية فى مقالة عن الثالوث [البحر الأحمر الذى استقبل الإسرائيليين الذين لم يخشوه، وأنقذهم من الشرور التى كان المصريون يلاحقونهم بها... مثال للخلاص الذى نحصل عليه بالمعمودية. إن مصر فى الحقيقة تعتبر رمزاً للعالم، الذى فيه نتمم شقاءنا حينما نعيش عيشة الشرور، كما أن الشعب الذين إستناروا الآن (إعتمدوا)، والمياه التى هى وسيلة خلاص الشعب، تمثل المعمودية، وفرعون وجنوده يمثلون الشيطان وأعوانه].
وباسيليوس الكبير فى كتابه عن الروح القدس يقول [إن ما يختص بخروج بنى إسرائيل، قد ذكر لنا ليشير إلى الذين يخلصون بالمعمودية... البحر هو مثال المعمودية، حيث أنه أنقذ الشعب من فرعون على نحو ما تفعله المعمودية التى تنقذنا من طغيان إبليس. لقد أهلك البحر العدو، وهكذا فى المعمودية تباد عداوتنا لله. لقد خرج الشعب من البحر سالمين معافين، ونخرج نحن أيضاً من الماء كأحياء من بين الأموات]... ويقول غريغوريوس النيسى فى كتابه حياة موسى [كان جنود المصريين – فى مفهوم مجازى معنوى – يرمزون إلى شهوات النفس. إن الشهوات تلقى بنفسها فى الماء، وهى تتابع العبرانيين الذين يلاحقونهم. ولكن الماء يصير مبدأ حياة لولئك الذين يلتمسون الحماية هناك، ومبدأ موت لأولئك الذين يطاردونهم]...
كان عمود السحاب الذى كان يصاحب اليهود أثناء خروجهم، علامة ظاهرة لحضور الله وسط شعبه... ظهرت السحابة وقت التجلى، وعند صعود السيد المسيح إلى السماء... إنها إعلان واضح عن لاهوت المسيح وتقترن بناسوته... إن السحابة تشير بوضوح إلى الروح القدس، أى قوة الله العاملة... إن وجود السحابة وهى تصاحب اجتياز البحر الأحمر كان رمزاً سابقاً لإتحاد الماء بالروح فى المعمودية المقدسة...
يقول العلاّمة أوريجينوس فى عظاته على سفر الخروج [إن ما يعتبره اليهود اجتيازاً للبحر الأحمر، يسميه بولس الرسول عماداً. وما يعتقدون أنه سحابة، يبرهن الرسول على أنه الروح القدس. وهو يود أن يكون تفسير هذا النص على نفس هذا النهج كوصية الرب الذى يقول إن كان أحد لا يولد من الماء والروح القدس لا يقدر أن يدخل ملكوت الله... ويقول القديس أمبروسيوس فى كتابه الأسرار عن السحابة أنها حضور الروح القدس [فهو الذى حلّ على العذراء مريم، وقوة العلى ظللتها].
وفيلو الفيلسوف اليهودى الإسكندرى فى القرن الأول يرى أن عمود السحاب يشير إلى اللوغوس والقديس كليمنضس الإسكندرى فى كتابه المتنوعات، يطبق وبتحديد أكثر عمود السحاب كما ورد ذكره فى سفر الخروج على الكلمة المتجسد...
وإذا كان الروح القدس الذى سبقت الإشارة إليه بالسحابة يظهر قوة الله الفاعلة فى المعمودية، فإن "الكلمة" الذى سبقت الإشارة إليه بعمود النار، يُظهر أن المعمودية إستنارة...
يقول إمبروسيوس فى كتابه الأسرار وهو يتحدث عن السحابة [ليس عمود النار هذا سوى المسيح الرب، الذى بدّد ظلمة الوثنية، ونشر نور الحق والنعمة الروحية فى قلوب الناس].
يلاحظ فى موضوع عبور البحر الأحمر – وكأنهم يسيرون على اليابس – أن بنى إسرائيل لم يكن لهم دونر فى هذا الأمر، ولا بذلوا جهداً... لقد قال لهم موسى.
«قفوا وانظروا خلاص الرب الذى يصنعه لكم اليوم» (خر 14: 13)).
.. والأمر واضح. فليس لأحد فضل أو دخل فى خلاصهم من عبودية فرعون والمصريين. هكذا خلاص الرب المجانى الذى صنعه مع البشر، والذى على أساسه نلنا نعمة البنوة بالمعمودية التى كان عبور البحر الأمر هو مثالها.
تسبحة النصر:
بعد أن عبر موسى بشعب الله البحر الأحمر، ورأوا قدرة الله الفائقة، وكيف أنقذهم من أيدى أعدائهم، سبحوا للرب تسبحة مدونة فى الإصحاح الخامس عشر من سفر الخروج... هذا، وهناك اشارة إلى هذه التسبحة فى سفر الرؤيا، يقول يوحنا: "ورأيت... الغالبين على الوحش وصورته وعلى سمته وعود إسمه... معهم قيثارات الله، وهم يرتلون ترنيمة موسى عبد الله وترنيمة الخروف قائلين عظيمة وعجيبة هى أعمالك أيها الرب الإله القادر على كل شئ. عادلة وحق هى طرقك يا ملك القديسين. من لا يخافك يا رب ويمجد إسمك لأنك وحدك قدوس. لأن جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك لأن أحكامك قد أظهرت" (رؤ 15: 2 - 4)... وعلى ذلك فإن تسبحة موسى ترمز إلى تسبحة جميع المفديين فى السماء، لإنقاذ الله إياهم من العالم...
ولأجل كل المعانى الروحية العميقة فى كلمات هذه التسبحة، وإرتباطها بحياتنا فى الجسد فى العالم نتطلع إلى السماء، رتبت الكنيسة هذه التسبحة لتصبح عنصراً أساسياً فى تسبحتها اليومية، فيما يعرف باسم الهوس الأول... وكأن الكنيسة المسيحية تعلن بهذه التسبحة أنها تحيا الآن فى إيمان خلاصها الكامل ونصرتها على العالم، وكأنها عبرت فعلاً بحر الموت. وهى تسبح الرب وتحمده وتشكره على نصيبها فى المجد...
ونلاحظ أن هذه التسبحة انطلقت بها ألسنتهم بعد أن اعتمدوا فى السحابة والبحر، ورأوا خلاص الله العجيب... هكذا تهتف النفس البشرية التى تحررت من عبودية إبليس، بعد أن تدفن مع المسيح فى المعمودية، وتقوم معه فى جدة الحياة.
تبدأ هذه التسحبة بتمجيد الله "فلنسبح للرب لأنه بالمجد قد تمجد. الفرس وراكبه طرحهما فى البحر. الرب قوتى ونشيدى وقد صار لى خلاصاً. هذا هو إلهى فأمجده. إله أبى فأرفعه...". فأين ومتى وكيف تمجد السيد الرب؟ لقد تمجد الرب بالصليب حين دحر الشيطان وأباده.
«قولوا بين الأمم إن الرب قد ملك على خشبة» (مز 96: 10).
الترجمة القبطية)... لنتأمل فى قول موسى والشعب "الرب قد صار لى خلاصاً"...
فى هذه التسبحة نستمع إلى موسى وهو يقول بروح النبوة "يسمع الشعوب فيرتعدون... حتى يعب شعبك يا رب. حتى يعبر شعبك الذى إقتنيته"... ونلاحظ أن موسى هنا يكرر عبارة "يعبر شعبك" مرتين... لماذا؟ إما أن يكون ذلك إشارة إلى العبور الثانى إلى الأبدية وأورشليم السمائية. وقد ذكرها هنا لإرتباطها بالفداء. وإما أن يكون ما قاله بروح النبوة إنما هو تعبير عن العابرين إلى السماء وهم من أصلين: يهود وأمم.
مارلين وإيليم:
بعد أن عبر بنو إسرائيل البحر الأحمر ساروا فى البرية مدة ثلاثة أيام لم يجدوا ماءً، ثم جاءوا إلى موضع يسمى مارّة. ولم يقدروا أن يشربوا ماءً من مارّة لأن ماءها كان مراً، ومن هنا إستمدت إسمها.
«فتذمر الشعب على موسى قائلين ماذا نشرب. فصرخ إلى الرب، فأراه الرب شجرة فطرحها فى الماء فصار الماء عذباً. ثم جاءوا إلى إيلين وهناك إثنتا عشرة عين ماء وسبعون نخلة فنزلوا هناك عند الماء» (خر 15: 22 - 27)).
إلى أى شئ تشير مياه مارة المُرّة؟
إنها تشير إلى وصاي الناموس التى جعلت حياة الإنسان مُرّة بسبب عجزه عن تنفيذها... أما الشجرة التى أرشد الرب موسى إليها وطرحها فى الماء فصار عذباً، فهى اشارة إلى ربنا يسوع المسيح شجرة الحياة، الذى بدخوله فى الوصية صار الناموس روحياً محيياً للنفس. علماً أن الرب يسوع اشير إليه فى بعض مواضع العهد القديم كغصن (أنظر أش 11: 1، زكريا 6: 12، 13، أرميا 23: 5، 6). وهى اشارة أيضاً إلى خشبة الصليب – والخشبة مأخوذة من الشجرة... والصليب على الرغم من دلوله الذى يشير إلى الضيق والألم، فإن حياتنا تتقدس به، وتتحول مرارة الخطية إلى حلاوة النعمة. إن الماء المُر لا يمكن تحويله إلى ماء عذب ما لم يدخل المسيح فيه، فيحول مياه الموت إلى مياه للحياة...
يقول العلامة أوريجينوس [كأس الناموس مُرّ... لكن إن كنا نلقى فيه شجرة حكمة المسيح... حينئذ تصير مياه مارّة عذبة، وتتحول حرفية الناموس إلى عذوبة المعنى الروحى. حينئذ يقدر شعب الله أن يشرب... إن كان أحد يريد أن يشرب من حرفية الناموس بعيداً عن شجرة الحياة، أى بعيداً عن أسرار الصليب، بعيداً عن الإيمان بالمسيح والإدراك الروحى، فإنه يهلك من هول المرارة. لقد أدرك بولس هذه الحقيقة فقال الحرف يقتل. أى أن مياه مارة تقتل إن شربت كما هى، قبل أن تصير عذبة... عندما دخلت خشبة الصليب إلى الوصية جعلتها عذبة، إذ صارت تنفذ روحياً، وبالتالى صارت نفس هذه الوصايا للحياة "(عظاته على سفر الخروج 7: 1، 2).
كثير من آباء الكنيسة الأوائل مثل يوستينوس الشهيد وكيرلس الأورشليمى وإمبروسيوس وغريغوريوس النيسى يرون فى الشجرة التى صيرت مياه مارة المُرة عذبة، أنها رمز لصليب المسيح الذى يعمل فى مياه المعمودية فتتحول حياتنا من المرارة إلى العذوبة. وعوض ما نحمله من أعمال الإنسان العتيق، نتمتع بالطبيعة الجديدة التى صارت لنا فى المسيح.
إن كانت مارة بمياهها المُرة كانت رمزاً للناموس، الذى صار بالصليب روحياً، كان لزاماً على الشعب أن ينتقلوا من مارة إلى إيليم. أى ينتقلوا من ناموس العهد القديم إلى شريعة العهد الجديد حيث وجدوا هناك إثنتى عشرة عين ماء، وسبعين نخلة، إشارة إلى رسل المسيح الإثنى عشر والسبعين رسولاً.
عندما تصير مرارة الناموس عذبة بواسطة شجرة الحياة حينئذ نفهم الناموس روحياً. ويتم الإنتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد. وبهذا نصل إلى الإثنى عشرة عين ماء الرسولية، ونجد السبعين نخلة!! يقول القديس غريغوريوس النيسى [إن سرّ الخشبة التى جعلت ماء الفضيلة عذباً لأولئك العطاش يقودنا إلى الينابيع الإثنى عشر والسبعين نخلة، أى إلى تعاليم الإنجيل] (حياة موسى 2: 133).
المن:
إرتحل بنو إسرائيل من إيليم إلى برية سين وتذمروا على موسى وهارون مشتهين العودة إلى مصر حيث قدور اللحم.
«فقال الرب لموسى ها أنا أمطر لكم خبزاً من السماء» (خر 16: 1 - 4)).
أما هذا الخبز السماوى فكان هو المنّ وهو شئ دقيق مثل قشور. دقيق كالجليد على الأرض... وكرقاق بعسل "(خر 16: 14، 31)... وكان الشعب يطوفون ليلتقطوه ثم يطحنونه بالرحى أو يدقونه فى الهاون ويطبخونه فى قدور... وكان طعمه كقطائف بزيت. وكان ينزل مع الندى حينما ينزل على المحلة (عدد 11: 7 - 9). وكان يجمع فى الصباح الباكر قبل اشتداد حرارة الشمس لئلا يذوب. وكانوا كأمر الله لا يبقون منه شيئاً لصباح اليوم التالى، وإلا تولد فيه الدود وأنتن. أما يوم الجمعة فكانوا يلتقتون منه ما يكفيهم ليومى الجمعة والسبت دون أن يصيبه أى فساد.
كان المنّ رمزاً للسيد المسيح نفسه، كما كان رمزاً لكلام الله...
قال المسيح له المجد.
«أنا هو خبز الحياة آباؤكم أكلوا المنّ فى البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء لكى يأكل منه الإنسان ولا يموت. أنا هو الخبز الحىّ الذى نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد» (يو 6: 48 - 51)).
كان أمراً طبيعياً أن الشعب بعد أن ترك أرض العبودية، يلزمه طعاماً جديداً غير طعامه الأول الذى دعى خبز المشقة. هكذا الإنسان حينما يبدأ حياة جديدة مع الله ويدخل فى عهد جديد يعطيه الله طعاماً روحياً يشبع نفسه... والعجيب أن المنّ بدأ ينزل على الشعب يوم الأحد. فبعد أن تذمر الشعب كله على موسى وهارون بسبب الطعام، واشتهوا الرجوع إلى مصر حيث قدور اللحم، واتهموهما بأنهما أخرجاهم إلى القفر لكى يميتوهم بالجوع، قال الرب لموسى.
«ها أن أمطر لكم خبزاً من السماء. فيخرج الشعب ويلتقطونه حاجة اليوم بيومه... ويكون فى اليوم السادس أنهم يهيئون ما يجيئون به فيكون ضعف ما يلتقطونه يوماً فيوماً» (خر 16: 4).
، 5)... قوله فى اليوم السادس يعنى يوم الجمعة. وهكذا يتضح أن نزول المنّ بدأ يوم الأحد... والمسيح قام من بين الأموات فى الأحد وقت نزول المنّ مع الندى، وهو يقدم لنا جسده القائم به حياة لنفوسنا وأجسادنا وأرواحنا.
فما هى أوجه الشبه بين المنّ والسيد المسيح؟
(1) كان المن يسقط من السماء، والسيد المسيح نزل من السماء.
«ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء. إبن الإنسان الذى هو فى السماء» (يو 3: 13)).
(2) لم يعرف الشعب قديماً المنّ.
«فلما رأى بنو إسرائيل (المنّ) قالوا بعضهم لبعض مَن هو، لأنهم لم يعرفوا ما هو» (خر 16: 15)).
.. هكذا السيد المسيح تحيّر الشعب فى حقيقته. يقول الرسول بولس.
«نتكلم بحكمة الله فى سرّ. الحكمة المكتومة التى سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا. التى لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر. لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد» (1كو 2: 7).
، 8).
«إغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لو 23: 34)).
(3) المنّ كان يسقط بين خيام بنى إسرائيل – أى جاء إلى حيث هم (لغاية عندهم)، والمسيح أتى إلينا.
«إبن الإنسان قد جاء لكى يطلب ويخلص ما قد هلك» (لو 19: 10)).
.. وعلى الرغم من أن المنّ كان يسقط حيث هم، لكن كان يحتاج إلى من يجمعه وإلا ذاب وضاع، هكذا المسيح جاء من السماء عطية مجانية سامية، لكن على الإنسان أن يستخدم إرادته فى قبوله.
(4) أرسل الله المنّ لبنى إسرائيل بعد أن تذمروا، والرب يسوع أتى إلينا ونحن أعداء مع الله. وكان المنّ علامة لطف من الله نحو شعبه، وهكذا مجئ المسيح هو إعلان عن محبة الله للبشر الخطاة.
(5) كان كل واحد يلتقط من المنّ قدر احتياجه، والمسيح يشبعنا بقدر إحساسنا بالجوع والحاجة إليه.
«طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون» (مت 5: 6)).
(6) كان الشعب يلتقطونه كل صباح، وهكذا ينبغى أن تستمر شركتنا مع المسيح، تستمر يوماً فيوماً وإلا هلكنا جوعاً فى برية هذا العالم.
(7) كان على بنى إسرائيل أن يبكروا لالتقاط المنّ قبل أن تشتد الشمس فيذوب... كان التقاط المنّ هو أول ما يعملونه فى يومهم. هكذا المسيح يجب أن يكون غرضنا الأول، وأن نبكر إليه، قبل أن نبحث عنه فلا نجده... والتبكير هنا بمفهومين. التبكير اليومى.
«الذين يبكرون إلىّ يجدوننى» (أمثال 8: 17).
، والتبكير فى الإتصال بالله.
«اذكر خالقك فى أيام شبابك، قبل أن تأتى أيام الشر أو تجئ السنون إذ تقول ليس لى فيها سرور» (جا 12: 1)).
(8) كان طعمه كرقاق بعسل. والرب يسوع.
«حلقه حلاوة وكله مشتهيات» (نشيد الأنشاد 5: 16)).
(9) كان المنّ يطحن بالرحى أو يُدق ثم يطبخ ليؤكل، وهكذا المسيح تألم عنا، وصار غذاءً وحياة لمن يأكله.
«من يأكلنى فهو يحيا بى» (يو 6: 57)).
(10) حين تذمّر الشعب على المنّ واكله واحتقروه وتبطّروا عليه ضربهم الله ضربة عظيمة (عدد 11: 33)، هكذا من يأكل جسد الرب ويشرب دمه بدون استحقاق أو باستخفاف يضرب أيضاً... يقول الرسول بولس.
«من أجل هذا فيكم ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون» (1كو 11: 30)).
(11) منظر الشعب فى البرية: مصر أرض عبوديتهم خلفهم، كنعان الموعود بها أمامهم. رمال البرية الحارقة تلهب أقدامهم. وكانوا وسط كل ذلك عليهم أن يرفعوا الحاظبهم نحو السماء حيث ينتظرون طعامهم اليومى. فالبرية لم يكن فيها طعام من أى نوع... إنها قفر. ونلاحظ أنه على الرغم من أنهم كانوا عائشين بالجسد فى العالم، لكنهم ما كانوا يُعالون بطعامه. هكذا أولاد الله لأنهم ليسوا من العالم (يو 15: 19)، عليهم أن يتشبهوا بسيدهم المسيح الذى قال.
«لى طعام آخر لآكل لستم تعرفونه أنتم» (يو 4: 32)).
.. إن المؤمن الحقيقى مولود من فوق ولذا فإن طعامه أيضاً من فوق، من السماء... إن المسيح هو الخبز الحىّ المعيّن من الله لغذاء البشر "أنا هو خبز الحياة". إن روح كل إنسان تهلك جوعاً بالحقيقة. هكذا قال الإبن الضال.
« وأنا أهلك جوعاً» (لو 15: 17)).
والسيد المسيح باستخدامه هذا التعبير "خبز الحياة"، يريدنا أن نستكشف ما فيه لسدّ احتياجاتنا.
(12) كان بنو إسرائيل على كافة مستوياتهم: الغنى والفقير، الكبير والصغير، الذكر والإنثى، المثقف والأمّى يأكلون المنّ. كان هو طعامهم جميعاً... هكذا المسيح جاء طعاماً وشبعاً للجميع... إن كل من كان يرفض أكل المنّ فى البرية كان مصيره الهلاك فى البرية لا محالة... هكذا كل من يرفض الإيمان بالمسيح وقبوله مخلصاً مصيره الهلاك.
المنّ ككلمة الله:
إن تقليد كنيسة الإسكندرية إبتداءً من كليمنضس وأوريجينوس – إقتفاء لرأى فيلو الفيلسوف اليهودى الإسكندرى – يُعلّم أن المنّ – فضلاً عن كونه رمزاً للمسيح كغذاء فى الإفخارستيا – فهو أيضاً رمز لكلمة الله طبقاً لما قاله السيد المسيح.
«ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله» (مت 4: 4).
، فقد جاءت كلمات المسيح هذه رداً على الشيطان الذى طلب إليه أن يأمر الحجارة فتصير خبزاً... وهذا الرأى يؤيده كثير من آباء الكنيسة مثل إمبروسيوس وأوغسطينوس... يقول العلاّمة أوريجينوس [إن أخذ غير المؤمن كلمة الله ولم يأكلها (أى يعيش بها)، بل أخفاها يتولد فيها الدود ".
صخرة حوريب:
إرتحل بنى إسرائيل من برية سين ونزلوا فى رفيديم، ولم يكن فيها ماء للشرب. فتذمروا على موسى وكادوا يرجمونه بعد أن ماتوا من العطش. صرخ موسى للرب، فقال له الرب.
«مُرّ قدام الشعب وخذ معك من شيوخ اسرائيل، وعصاك التى ضبت بها النهر خذها فى يدك واذهب. ها أنا أقف أمامك هناك على الصخرة فى حوريب. فتضرب الصخرة فيخرج منها ماءً ليشرب الشعب. ففعل موسى هكذا أمام عيون شيوخ إسرائيل» (خر 17: 1 - 6)).
كانت هذه الصخرة رمزاً للمسيح... هكذا يقول الرسول بولس بوضوح تام.
«جميعهم (بنو إسرائيل) شربوا شراباً واحداً روحياً. لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم. والصخرة كانت المسيح» (1كو 10: 4)).
.. نعم الصخرة كانت المسيح، الذى بعد أن طعن فى جنبه بالحربة فوق الجلجثة، تدفق منه نهر خلاص، يتبع الكنيسة منذ ذلك الوقت فى رحلتها ببرية العالم...
يقول غريغوريوس النيسى [إن الذى ترك المصريين خلفه موتى فى المياه، وذاق عذوبة الماء بالخشبة، وسعد بالينابيع الرسولية. وانتعش بظلال أشجار النخيل، هو قادر الآن على إقتبال الله. فالصخرة كما يقول الرسول هى المسيح. هو لا ماء فيه وصلد لغير المؤمنين. ولكن من خلاص عصا الإيمان التى يستخدمها الإنسان، يصير شراباً للعطاش، ويفيض فى أولئك الذين يقبلونه. لأنه قال نأتى إليه أنا وأبى وعنده نصنع منزلاً "...
وفيما يختص بموضوع الصخرة نلاحظ الآتى:
(1) الرب يسوع هو معطى ماء الحياة. والماء يرمز للروح القدس "لأنى أسكب ماءً على العطشان وسيولاً على اليابسة. أسكب روحى على نسلك وبركتى على ذريتك" (أش 44: 3)... والرب يسوع نادى قائلاً.
«إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حىّ. قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنون به مزمعون أن يقبلوه. لأن الروح القدس لم يكن قد أعطى بعد، لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد» (يو 7: 37 - 39)).
(2) من كان يظن صخرة تفيض ماءً عزباً يشرب منها الإنسان ويروى ظمأه؟!! لكنها فعلت ذلك بعد أن ضربت بعصا موسى... هكذا الرب يسوع الذى هو مركز محبة الله ورحمته، كان ينبغى أن يذبح ويطعن حتى تفيض منه ينابيع الحياة للبشر... وهذا ما تم بالصليب.
(3) ينبغى أن يتألم المسيح قبل أن تصبح تلك البركات حقائق فعلية. وبمجرد أن ضُرب صخر الدهور سالت مجارى وينابيع محبة الله الأبدية، ليرتوى الخطاة والعطاش من ماء الحياة مجاناً... إن عطية الروح القدس كانت ثمرة العمل الفدائى على الصليب. قال الرب يسوع للمرأة السامرية.
«لو كنتش تعلمين عطية الله ومن الذى يقول لكِ اعطينى لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حياً» (يو 4: 10)).
(4) كان تفجير الماء من الصخرة معجزة عظيمة أشاد بها المرنمون... يقول المرنم.
«شقّ صخوراً فى البرية وسقاهم كأنه من لجج عظيمة. أخرج مجارى من صخرة أجرى مياهاص كالأنهار» (مز 78: 15).
، 16)... وقد ظلت هذه المجارى المائية تتبعهم أينما اتجهوا.
«المحول الصخرة إلى غدران مياه، الصوان إلى ينابيع مياه» (مز 114: 8)).
..
«شقّ الصخرة فانفجرت المياه. جرت فى اليابسة نهراً» (مز 105: 41)).
(5) دعا موسى إسم ذلك الموضع "مسّة ومريبة" والأولى معناها ثبات والثانية نراع. وذلك من أجل تجربتهم للرب قائلين.
«أفى وسطنا الرب أم لا» (خر 17: 7)).
وبمقارنة هذا النصر بما أورده بولس فى (1كو 10: 4)، يتضح أن يهوه (أى الله)، كان فى وسطهم الذى يكشف عنه بولس أنه المسيح.
فما هى أوجه الشبه بين صخرة حوريب والمسيح؟
(1) تدفق المياه من صخرة صماء بمجرد ضربها بعصا يعتبر معجزة كبيرة، هكذا ولادة السيد المسيح من عذراء بكر – بكارتها مختومة – هى المعجزة الكبرى... والعجيب أن هذه الصخرة كانت فى حوريب فى نفس الموضع الذى كانت فيه العليقة، تلك التى ظهر الله فيها لموسى... والعليقة رمز لسر التجسّد.
(2) يكاد يكون الأمر مستحيلاً وغير قابل للتصديق أن صخرة صماء تفيض ماء عذباً لمجرد ضربها بعصا. هكذا المسيح – الله الذى ظهر فى الجسد – لا يقبل سرّه الإنسان الطبيعى بعقله المجرد...
(3) تفجّر الماء نهراً من الصخرة فى وقت كان الشعب محتاجاً إليه. والسيد المسيح صلب وفاض علينا بركات فى وقت كان الناس فى أشدّ الحاجة إلى خلاصه.
(4) الصخرة ضربت أمام شيوخ إسرائيل فسال منها الماء، والمسيح صلب وطعن بالحربة وسال منه دم وماء أمام الجميع.
(5) سال ماء الصخرة فأروى العطاش، وصلب المسيح فخلّص الهالكين.
(6) ضربت الصخرة مرة واحدة. المسيح.
«فعل هذا مرة واحدة إذ قدّم نفسه» (عب 7: 27)).
ونورد هنا ما قاله تيودور الموبسستى Theodore of Mopsuestia شاملاً ما سبق من رموز للمسيح له المجد، يقول: [إن ما حدث فى القديم كان رموزاً للجديد. إن شريعة موسى هى الظل، أما النعمة فهى الجسم. حينما تعقب المصريون العبرانيين هربوا من طغيانهم بعد أن عبروا البحر الأحمر. البحر هو رمز لجرن المعمودية، والسحابة ترمز للروح القدس. موسى رمز للمسيح المخلّص، وعصاه رمز للصليب. وفرعون رمز لإبليس والمصريون رمز لأعوانه. والمن رمز للطعام السمائى. والماء من الصخرة رمز لدم المخلص. وكما أن أولئك الرجال بعد أن عبروا البحر الأحمر أولاً، ذاقوا طعاماً سماوياً ونبعاً عجيباً معجزياً. هكذا نحن أيضاً فإننا بعد معمودية الخلاص نشترك فى الأسرار الإلهية].
محاربة عماليق:
بعد أن انتهى موسى من مشكلة مياه الشرب فى رفيديم، دخل فى حرب مع شعب من البدو يدعى عماليق فى رفيديم نفسها. فطلب موسى إلى يسوع تلميذه أن ينتخب رجالاً ويخرج لمحاربة عماليق. وقال أنه فى الغد سيقف على رأس التلّة وعصا الله فى يده. وحدث أن موسى حينما كان يرفع ذراعيه أن إسرائيل يغلب، وإذا خفضهما أن عماليق يغلب. فاضطر الأمر هارون وحور أني دعما ذراعيه كل واحد من ناحية حتى ما تظل يداه مرفوعتين. فكانت يداه ثابتتين إلى غروب الشمس. فهزم يشوع عماليق وقومه بحد السيف. فطلب الرب من موسى أن يكتب هذا فى الكتاب تذكاراً ويضعه فى مسامع يشوع. "فإنى سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء". ثم بنى موسى مذبحاً ودعا إسمه "يهوه نسى" وقال.
«للب حرب مع عماليق من دون دور فدور» (خر 17: 8 - 16)).
إن الراحة التى أحسّها الشعب فى رفيديم حينما تفجرت المياه من الصخرة، أعقبها الحرب مع عماليق فى نفس الموضع. وهذه هى طبيعة الحياة أن الراحة تعقبها ضيقة أو العكس... ربما ظن بنو إسرائيل بعد خلاصهم من مصر أنهم إنتهوا من كل أعدائهم، لكن هذا كان خطأ. فقد كان هناك أعداء كثيرون ينتظرونهم حتى فى البرية القاحلة... لا راحة طالما نحن فى الجسد. وحتى لو لم يكن هناك أعداء منظورين، فهناك محاربات أخرى.
«مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية فى السماويات» (أف 6: 12)).
..
إن مرحلة عبور البحر الأحمر لم يكن للإنسان عمل ولا دور فيها.
«قفوا وانظروا خلاص الرب... الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون» (خر 14: 13).
، 14)... أما الآن فمرحلة جديدة تتطلب عملاً... إن وقفة موسى فوق التلة رافعاً ذراعيه لها عدة مدلولات:
(1) كان موسى يرفع ذراعيه فوق التلة مثالاً للمسيح على جبل الجلجثة وهو باسط يديه على الصليب، الذى به دحرإبليس... إن لم يكن الأمر هكذا فكيف تعلل إنتصار شعب الله لمجرد رفع موسى ليديه، وهزيمته عند خفضهما!!... يقول كبريانوس الشهيد [غلب يسوع عماليق بهذه العلامة التى للصليب خلال موسى].
(2) فى مصر لم يحارب بنو إسرائيل فرعون وشعبه ( = إبليس وجنوده)، لأنهم ما كانوا يستطيعون إذ كانوا تحت عبودية قاسية... أما الآن وبعد أن عبروا البحر الأحمر (رمز المعمودية)، وأكلوا المنّ (رمز المسيح)، وشربوا الماء من الصخرة (رمز الروح القدس)، صارت لهم القوة أن يحاربوا ويغلبوا بأيدى موسى المرفوعة التى هى مثال الصليب.
(3) قال الرب لموسى بعد انتصاره على عماليق "أكتب هذا تذكاراً فى الكتاب... فإنى سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء"... بأى شئ سيمحو ذكر عماليق الذى هو رمز للشيطان؟ سيمحوه بالصليب المرفوع رمزياً فوق التلة... بعدها بنى موسى مذبحاً ودعا إسمه يهوه نسى أى الرب رايتى. والمعنى أن الصراع بين المؤمنين وإبليس سيتكرر من جيل إلى جيل حتى تنتهى أيام الكنيسة المجاهدة... أما النهاية فهى إبادة العدو كلية "سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء".
الحية النحاسية:
تذمر بنو إسرائيل على الرب وعلى موسى بسبب الضيق، وكرهت نفوسهم المنّ والسلوى، وسمّوه طعاماً سخيفاً!! فكانت النتيجة أن الرب أرسل على الشعب حيات محرقة، لدغت أعداداً كبيرة وماتوا. فأتى الشعب إلى موسى وقالوا.
«أخطأنا إذ تكلمنا على الرب وعليك. فصلَّ إلى الرب ليرفع الحياة. فصلى موسى لأجل الشعب. فقال الرب لموسى إصنع لك حيّة محرقة وضعها على راية. فكل من لُدغ ونظر إليها يحيا. فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على الراية، فكان متى لدغت الحية إنساناً، ونظر إلى حية النحاس يحيا» (عدد 21: 4 - 9)).
لقد كانت الحية النحاسية رمزاً للسيد المسيح... هكذا قال الرب يسوع.
« وكما رفع موسى الحية فى البرية، هكذا ينبغى أن يرفع إبن الإنسان لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 14)).
فما هى أوجه الشبه بين الحية النحاسية والسيد المسيح؟
(1) حية النحاس كانت شكل الحيات التى لدغت بنى إسرائيل تماماص، ومن نفس نوعها، لكن لم يكن بها سمّ... هكذا المسيح فإنه.
«مجرب فى كل شئ مثلنا بلا خطية» (عب 4: 15)).
.. وقد جاء.
«فى شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية فى الجسد» (رو 8: 3)).
(2) كان سمّ الحيات مميتاً ومؤلماً. وسميت محرقة لأنها ربما تسبب سمها فى رفع درجة حرارة الإنسان فى صورة حمى... هكذا الخطية تؤدى إلى موت صاحبها بالتأكيد.
«أجرة الخطية موت، أما هبة الله فهى حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا» (رو 6: 23)).
(3) لم يكن هناك علاج للدغة هذه الحياة إلا النظر إلى الحية النحاسية... كان العلاج غريباً لكنه كان إلهياً وليس من صنع البشر.
«هكذا رفع إبن الإنسان على الصليب لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 14)).
.. نعم لم يكن هناك سوى علاج واحد. وهكذا لا يوجد إلا مخلّص واحد يسوع المسيح.
«ليس بأحد غيره الخلاص» (أع 4: 12)).
(4) كان الموت المحقق هو نصيب من يرفض النظر إلى الحية النحاسية بعد أن تلدغه الحيات، بسبب الشك وعدم ثقته فى إمكانية نوال الشفاء بالنظر إلى الحية النحاسية... هكذا المسيح فإن رفضه وعدم الإيمان به هو موت.
«الذى يؤمن بالإبن له حياة أبدية. والذى لا يؤمن بالإبن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله» (يو 3: 36)).
.. قال الرب يسوع لمرثا اخت لعازر بعد أن مات.
«أنا هو القيامة والحياة. من آمن بى ولو مات فسيحيا» (يو 11: 25)).
(5) هذا العلاج الإلهى – وهو النظر إلى الحية النحاسية المرفوعة – لم يستفد منه إلا الملدوغون الذى يسرى السمّ فى جسومهم فعلاً. هكذا المسيح اتى لأجل الخطاة. فالأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب بل المرضى.
(6) كان العلاج من لدغ الحية شخصياً... بمعنى أنه لا يفيد أن ينظر إنسان نيابة عن آخر ملدوغ وسرّ الحية يسرى فى جسده... هكذا فإن الصلة بالمسيح تكون على المستوى الشخصى.
(7) لم تكن هناك أوقات خاصة ينظر فيها من تلدغه الحياة إلى الحية النحاسية لكى يبرأ، بل عليه ان يفعل ذلك فى أى وقت نهاراً أو ليلاً... هكذا ينبغى أن نسارع إلى المسيح بالتوبة، فى أى مكان وفى أى وقت، حينما تلدغنا الحية القديمة أى إبليس.
.فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
