هذا الفصل هو جزء من كتاب: مسيحنا فوق الزمان – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
المسيح فى ذبائح العهد القديم
فكرة الدم والذبيحة الدموية.
أمور تتصل بالذبائح الدموية.
- تكرار تقديم الذبائح ودلالته.
- قصور الذبائح.
- تنوّع الذبائح.
- الحكمة من الذبائح.
ذبيحة المحرقة – تقدمة الدقيق.
فى الموضوع قبل الماضى "مثال المسيح فى مصر والبرية"، تكلمنا عن السيد المسيح فى بعض الرموز التى كانت ترمز إلى شخصه المبارك كخروف الفصح وعبور البحر الأحمر ومارة وإيليم والمن وصخرة حوريب التى تفجر منها الماء نهراً ومحاربة عماليق بمثال الصليب والحية النحاسية. وفى الموضوع الماضى "المسيح فى شبه السماويات" تكلمنا عن السيد المسيح والرموز التى ترمز إليه فى "خيمة الإجتماع" وهى مركز عبادة العهد القديم... وفى كلا الموضوعين رأينا وضوح الرموز فى إشارتها إلى رب المجد يسوع المسيح بصورة عجيبة... واليوم نتقدم لنرى هل كانت ذبائح العهد القديم ترمز إلى السيد المسيح المبارك... وموضوع اليوم فى غاية الأهمية لما للدم من دلالة واضحة فى الإشارة إلى ذبيحة السيد المسيح الكفارية التى قدمها عن العالم كله باورشليم فى ملء الزمان... وقبل أن نتكلم عن الذبائح فى العهد القديم نستعرض بعض النقاط التى تلقى ضوء على موضوع الذبائح...
فكرة الدم:
من الأمور المسلّم بها علمياً أن الدم هو الحياة... وهذا هو نفس ما يقوله الوحى الإلهى.
«إحترس أن لا تأكل الدم، لأن الدم هو النفس» (تث 12: 23)).
.. "وكل إنسان من بيت إسرائيل ومن الغرباء النازلين فى وسطكم يأكل دماً أجعل وجهى ضد النفس الآكلة الدم وأقطعها من شعبها. لأن نفس الجسد هى فى الدم. فأنا أعطيتك إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم. لأن الدم يكفّر عن النفس. (لاو 17: 10، 11). إذاً فسفك الدم معناه بذل الحياة. ومن يقدم دمه يقدم حياته... ونستعرض الان بعض ما يتصل بفكرة الدم منذ بدء الخليقة...
(1) إن أول ذبيحة عرفتها البشرية ذبحها الله نفسه. فبعد أن تعرى آدم وحواء بسبب المعصية، وسترا عورتهما باوراق التين، صنع الله لهما أقمصة من جلد (تك 3: 21)... من أين أتى الله بأقمصة الجلد؟ لابد وأنه ذبح ذبائح أمامها... هنا بدأ الإنسان يكوّن فكرة أولية على أنه بالخطية يتعرى، وبالذبيحة يغطى عريه... هذه أول إشارة عملية يصور الله بها للإنسان حاجته للدم، ثم فاعلية هذا الدم بالنسبة له.
(2) توارث البشر عن الإنسان الأول آدم فكرة الدم، والحاجة إلى تقدم ذبائح دموية، وإنها الوسيلة التى ترضى الله... ويتضح ذلك مما حدث إزاء تقدمة كل من هابيل وقايين. فلقد قدم هابيل تقدمة دموية من أبكار الغنم، بينما قدّم قايين من أثمار الأرض قرباناً للرب.
«فنظر الرب إلى هابيل وقربانه. ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر» (تك 4: 3 - 5)).
.. فلو أن الله رفض تقدمة قايين النباتية دون معرفة مسبقة لكان ذلك التصرف من جانب الله يتنافى مع عدله. هذه المعرفة المسبقة انتقلت من آدم إلى نسله... ونفس الأمر لاحظه نوح. فبعد انتهاء الطوفان.
«بنى نوح مذبحاً للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح. فتنسم الرب رائحة الرضا. وقال الرب فى قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان» (تك 8: 20).
، 21)... ونلاحظ هنا أن نوح لم يلاحظ فقط وجوب تقديم ذبيحة دموية، بل راعى أيضاً أن تكون من كل البهائم الطاهرة والطيور الطاهرة... إذاً لقد كان أمر الدم وما هو طاهر وغير طاهر من البهائم والطيور معروفاً قبل إعطاء الشريعة على يد موسى... فإذا أتينا إلى إبراهيم نجده قد راعى فى تقديم تقدماته أن تكون ذبائح دموية. ومنها كانت ذبيحة إبنه إسحق، الذى اعتبر أنه قدمه بالنية، والذى اعتبر رمزاً قوياً للمسيح...
ونلاحظ أن نفس التقليد الشفوى الذى انحدر إلى البشرية من آدم وراعاه نوح وإبراهيم ونسله من بعده، راعته الشعوب الوثنية التى قدمت ضحايا دموية – بل ومنها ما هو بشرى – إرضاء للآلهة الوثنية، مما يدل على أن المصدر الذى أخذوا عنه فكرة الذبائح الدموية واحد... والفرق بين الإثنين أن رجال الله الأبرار ساروا فى الطريق السليم من جهة تقديم الذبائح الدموية للإله الحقيقى، بينما انحرفت الشعوب الوثنية وقدمت ذبائحها الدموية للآلهة الوثنية المختلفة.
(3) كان ذلك فى عصر ما قبل الشريعة، لكن الله رسم بعد ذلك – فى عصر الشريعة – طقوساً غاية فى الدقة تختص بالذبائح إلتزم بها بنو إسرائيل فى العهد القديم... كان الدم يقدّس كل شئ. ويوضح بولس الرسول ذلك بقوله.
«لأن موسى بعد ما كلّم جميع الشعب بكل وصية بحسب الناموس، أخذ دم العجول والتيوس مع ماء وصوفاً قرمزياً وزوفا ورش الكتاب نفسه وجميع الشعب قائلاً: هذا هو دم العهد الذى أوصاكم الله به. والمسكن أيضاً وجميع آنية الخدمة رشها كذلك بالدم. وكلك شئ تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم. وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة» (عب 9: 19 - 22)).
.. وتذكر بعض المصادر أنه عند مدخل المجمع اليهودى Synagogue كانت تقابل الداخل العبارة الآتية مكتوبة "لا كفارة بدوم دم" Ederoheim, The Temple, p. p. 118, 119.
الذبيحة الدموية:
تتلخص فكرة الذبيحة فى حيوان برئ ينوب عن إنسان مذنب... وكان يشترط فى الحيوان الذى يقدم ذبيحة أن يكون:
(أ) "بلا عيب" وإلا رفضت الذبيحة. لذا كان الكاهن يفحص الذبيحة جيداً قبل ذبحها، حتى يتأكد من سلامتها، وخلوها من أى عيب... والتشديد على كون حيوان الذبيحة بلا عيب، إشارة إلى كمال المرموز إليه وهو السيد المسيح حمل الله الذى بلا عيب (يو 1: 36، 1بط 1: 19)... وقد وبخ الله شعبه قديماً بلسان ملاخى النبى قائلاً "وإن قرّبتم الأعمى ذبيحة أفليس ذلك شراً. وإن قرّبتم الأعرج والسقيم أفليس ذلك شراً... ملعون الماكر الذى يوجد فى قطيعه ذكر وينذ ويذبح للسيد عائباً" (ملا 1: 8، 14)...
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن مقدّم الذبيحة حينما يضع يده على رأس تلك الذبيحة التى بلا عيب، معترفاً بخطاياه أمام الله، فإنه كان مقتنعاً أن الله ينظر إليه فى "عدم عيب" الذبيحة التى قدمها عن نفسه، والتى نابت عنه.
(ب) طاهراً... يجب أن تكون الذبيحة من الحيوانات الطاهرة أو الطيور الطاهرة أى المسموح بأكلها وهذا يتفق مع الله القدوس الذى تقدم إليه الذبيحة... وهذا أيضاً إشارة إلى المسيح الذى يذبح عنا وهو طاهرة وبلا خطية...
«لأنه يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا، قدوس بلا شر ولا دنس قد إنفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات» (عب 7: 26)).
.. إن الخاطئ حينما يموت، إنما يموت عن نفسه وعن خطيئته. لكن البار حينما يموت، فإنما يموت عن خطيئة غيره. وهذا هو مبدأ الفداء: طاهر يموت عن نجس.
وثمة نقطة أخرى هنا... كان لا يمكن تقديم ذبيحة من الحيوانات غير الطاهرة – أى الحيوانات الضارية والجارحة – لأنها تقتات على موت غيرها. وهذا لا يتفق مع المسيح المرموز إليه الذى يبذل نفسه عن الآخرين. فالذبائح يدعوها الله طعامه... يتكلم السيد الرب عن الكهنة فيقول.
«مقدسين يكونون لإلههم، ولا يدنّسون إسم إلههم، لأنهم يقربون وقائد الرب طعام إلههم» (لا 21: 6)).
.. ومن بين الحيوانات الطاهرة كانت تختار الحيوانات الأليفة المنزلية. وحتى إن كان حيوان طاهر لكن من النوع الذى يُصطاد، فلا يقدم ذبيحة، لأنه يفر ويهرب ويؤتى به قسراً. أما الحيوان الأليف المنزلى فإنه يخضع ويطيع ويستسلم، وهو بهذا يكون مثالاً للمسيح الذى قيل عنه "كشاه تساق إلى الذبح" (أش 53: 7).
(ج) كان مقدّم الذبيحة الخاطئ يضع يده على رأسها، ويعترف أمام الله بخطيئته. وهذا كان يعنى إنتقال الخطيئة من الإنسان المذنب إلى الحيوان البرئ، وهكذا تحمل الذبيحة خطيئة مقدّمها وتنوب عنه، فتصير مستحقة الموت. وبالفعل تموت أمام مقدمها فتغفر خطيئته (لا 1: 4، 4: 15، 16: 21). كان مقدّم الذبيحة يحضرها أمام الرب أى إلى باب خيمة الإجتماع حيث مذبح المحرقة. وكان يجعلها تتجه إلى الغرب أى إلى قدس الأقداس، وهذا معنى قوله يحضرها أمام الرب. "... وكان وضع يد مقدَّم الذبيحة الخاطئ مقترناً بالإعتراف بالخطية والصلاة... كان يضع يديه بين قرنى الذبيحة. وإذاكانت الذبيحة مقدمة من أكثر من واحد، كان على كل واحدٍ أن يضع يديه عليها (من غير المتفق عليه إذا كانت توضع يد واحدة أو اليدان).
كان طقس وضع اليدين يمارس بكل قوة الإنسان. بمعنى أن مقدم الذبيحة يضع كل ثقله على الحيوان البديل. فالعبارة التى وردت فى (لا 16: 21) "يضع يده على رأس المحرقة"، تعنى فى الأصل العبرى الإستناد بقوة. ويوضحها ما جاء فى (مز 88: 7) كنبوءة عن المسيح "علىَّ إستقر غضبك". فالنص يعنى إستناد مقدَّم الذبيحة عليها ليحصل من الرب على الرضا والكفارة... وفيما كان مقدَّم الذبيحة يضع يده على رأسها كان يردد الدعاء الآتى "أتضرع إليك يا يهوه. لقد أخطأت وضللت وعصيت. لقد أخطأت (هنا يسمى الخطيئة أو التعدى أو الوصية التى كسرها). ولكنى أعود تائباً. ليتك تقبل هذه كفارة عنى".
(Alfred Ederoheim, The Temple p. p. 113, 1134).
يقول أحد معلمى اليهود "وللحق فإن دم الخاطئ كان ينبغى ان يُسفك ويحرق جسمه كالذبائح تماماً. ولكن مبارك هو الله الذى قبل ذبيحتنا منا فداءً وكفارة. انظروا إلى ملء النعمة التى أظهرها يهوه للإنسان. إنه فى حنّوه وملء نعمته قبل نفس الحيوان عوض نفس الإنسان، حتى إنه بواسطتها تحصل الكفارة".
(Ederoheim, The Temple p. 120).
ملاحظات على الذبائح الدموية:
هناك بعض أمور يحسن أن نشير إليها قبل أن نتناول بالحديث موضوع الذبائح...
(1) تكرار الذبائح ودلالته:
كانت الذبائح تقدم كل يوم، وكان تقديمها يتكرر. وفى هذا ما يشير إلى عدم نفعها وعدم دوام أثرها. وفى ذلك يقول بولس الرسول مشيراً إلى الكهنوت اللاوى.
«فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها» (عب 7: 18)).
.. إن هذا يقود الإنسان للتفكير فى الحاجة إلى ذبيحة تقدم مرة واحدة ويبقى أثرها حياً إلى الأبد، ولا يمنعها الموت عن البقاء (عب 7: 23)... ويتكلم بولس الرسول عن السيد المسيح عن هذه الزاوية فيقول.
«الذى ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولاً عن خطايا نفسه، ثم عن خطايا الشعب. لأنه فعل هذا مرة واحدة إذ قدّم نفسه» (عب 7: 27).
ويقول أيضاً.
«لأنه بقربان واحد، قد أكمل إلى الأبد المقدسين» (عب 10: 14)).
(2) قصور الذبائح:
إن دم الحيوانات التى كانت تذبح ما كان يقوى إلا على تطهير الجسد، لأنه دم حيوانات أرضية. ولا شك أن هذا يوضح عجزها وقصورها عن تكميل الطهارة للروح والنفس والجسد... ويقود هذا إلى الإحساس بالحاجة إلى ذبيحة كاملة لها فعالية التطهير الكامل للقلب والضمير. وهذا ما يقوله الرسول بولس.
«دم المسيح الذى بروح أزلى قدّم نفسه لله بلا عيب، يطهر ضمائركم من الأعمال الميتة لتخدموا الله الحى» (عب 9: 14)).
(3) تنوع الذبائح:
تتنوع الذبائح والتقدمات فى العهد القديم... فهناك خمسة أنواع من الذبائح أو التقدمات هى: ذبيحة المحرقة، تقدمة الدقيق، ذبيحة الخطية، ذبيحة الإثم، وذبيحة السلامة.. والسؤال هو لماذا تتنوع الذبائح؟
وللإجابة على ذلك يجب أن نعرف أن السيد المسيح كذبيحة – والذى كانت تلك التقدمات والذبائح ترمز إليه – كان يحمل معانى إيمانية وروحية كبيرة وكثيرة، لا يمكن أن تكفى ذبيحة واحدة للتعبير عنها. لذا فقد تعددت الذبائح وتنوعت حتى ما توضح كل ذبيحة معنى خاصاً، أو زاوية معينة من ذبيحة المسيح. وهكذا اختلفت الذبائح فى أغراضها وتفاصيلها.
ثم هناك أمر هام، وهو أن الخطية كان لها نتيجتان: الأولى إحزان قلب الله وإغضابه، والثانية هلاك الإنسان... وكان لابد من إصلاح الأمرين معاً – ما يختص بالله، وما يخص الإنسان. ففيما يختص بالله وإرضاء قلبه الحزين، نابت عن الإنسان ذبيحة المحرقة. وفيما يختص بالجزء الثانى المتعلق بهلاك الإنسان ثابت عن ذبيحتا الخطية والإثم... أما ما ينتج عن ذلك من سلام وصلح بين الإنسان والله، فقد نابت عنه ذبيحة السلامة.
(4) الحكمة من الذبائح:
فى تقديم الذبيحة كانت ترتسم أمام مقدَّمها عدة حقائق:
(أ) الإحساس بأنه خاطئ:
فلولا الخطية لما أتى بذبيحة لتنوب عنه فى حملها، وينال بذلك غفران خطاياه... إن مدخل الحياة الروحية والعلامة مع الله أن يعرف الإنسان أنه خاطئ... يقول السيد المسيح لملاك كنيسة لاودكية "أنا مزمع أن أتقيأك من فمى. لأنك تقول إنى أنا غنى وقد استغنيت ولا حاجة لى إلى شئ. ولست تعلم إنك أنت الشقى والبائس وفقير وأعمى وعريان" (رؤ 3: 16، 17) أذكر من أين سقطت وتب.
(ب) الإحساح بعاقبة الخطية:
وعاقبه الخطية موت. إن عملية موت ستتم أمامه بذبح الذبيحة. ولولا خطيئته لما مات هذا الحيوان الذى قدمه... لقد كان الحكم الذى صدر على آدم من الله.
«موتاً تموت» (تك 2: 17)).
.. ويقول بولس الرسول.
«لأن أجرة الخطية هى موت. وأما هبة الله فهى حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا» (رو 6: 23)).
(ج) الإيمان بمبدأ الضحية أو الفداء:
مفهوم الذبيحة أنها وهى بريئة فدت إنساناً مذنباً. لقد عمّقت الذبائح التى أمرت بها الشريعة القديمة معنى الفداء بالدم... لقد بدأ هذا المعنى يرتسم بصورة عملية وقوية فى الضربة الأخيرة فى مصر، وكيف أن دم خروف الفصح الذى إحتملوا به داخل بيوتهم فى مصر كان سبباً فى نجاتهم من موت محقق حلّ بأبكار المصريين.
(د) الإيمان والإحساس بأن الذبيحة تحمل خطيئة مقدمها المذنب:
حينما يضع مقدّم الذبيحة يده على رأسها أمام باب خيمة الإجتماع ويعترف بخطئيته، يكون فى يقين من أن خطيئته إنتقلت منه إلى الذبيحة، وأن الذبيحة حملت الخطيئة... هناك فارق بين كلمة "خاطئ" وكلمة "حامل خطيئة" فالحيوان المذبوح ليس خاطئاً، ولكنه حامل خطيئة... وهكذا فإن المسيح هو حامل خطيئة وليس خاطئاً... يقول الوحى الإلهى بلسان أشعياء النبى "كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعنا" (أش 53: 6). وهكذا شهد يوحنا المعمدان عن المسيح.
«هوذا حمل الله الذى يرفع خطيئة العالم» (يو 1: 29)).
يقول بطرس الرسول.
«الذى حمل هو نفسه خطايانا فى جسده على الخشبة» (1بط 2: 24)).
ونود الإشارة إلى ما يتم فى الإعتراف كسر مقدس فى الكنيسة الأرثوذكسية. فصلاة التحليل التى يصليها الكاهن على رأس المعترف بخطاياه، هى إستدعاء للروح القدس. الروح القدس يحول خطايا الخاطئ المعترف ليضعها على رأس المسيح حامل خطايا العالم. إنها عملية تحويل من الخاطئ التائب المعترف إلى المسيح حمل الله الذى يحمل خطايا العالم. إنها عملية تحويل وليست عملية تنازل. فالله لا يتنازل عن الخطية، إنما هو ينقلها... وعندما اعترف داود بخطيئته أمام ناثان النبى قائلاً "قد أخطأت إلى الرب" فكان رد ناثان على داود.
«الرب أيضاً قد نقل عنك خطيتك لا تموت» (2صم 12: 13)).
(ﻫ) كانت خيمة الإجتماع ملوثة بدم الذبائح ومعبقة برائحة الذبائح الحيوانية... كان منظر الموت والدم والنار ورائحة الدم والذبائح... كل هذا كان يُجسّم لبنى إسرائيل ما هى الخطية وبشاعتها ونتائجها حتى يشمئزون منها.
(5) قاعدة عامة فى الذبائح:
(أ) جميع الذبائح كانت تذبح للرب عند باب خيمة الإجتماع إشارة إلى أنه بدون الدم لا دخول إلى الأقداس التى هى رمز السماء... قال الرب عن الحيوان الذى يُقدّم محرقة.
«إلى باب خيمة الإجتماع يُقدمه للرضا عنه أمام الرب» (لا 1: 3)).
.. فى طقس تقديم هذه الذبيحة كان الكاهن يقوم بممارسات معينة، لكن الإتيان بالذبيحة إلى باب خيمة الإجتماع هذا ما كان يجب على مقدم الذبيحة أن يفعله. وفى هذا رمز إلى أن من يريد الإستفادة من خلاص المسيح – الذى تشير إليه ذبيحة المحرقة – يجب أن يحضر المسيح الفادى أمام الله... فبدونه نحن لا نستحق شئ ونحن فى حالة عداوة مع الله... وهذا الأمر لا يستطيع أن يقوم به إنسان نيابة عن آخر. وأما السبب فيوضحه الله "للرضا عنه أمام الرب"...
(ب) كان دم الذبيحة يرشه الكاهن أولاً مستديراً على مذبح المحرقة وعلى حائط المذبح وأسفله، إشارة إلى أن العبادة التى يشير إليها المذبح مؤسسة على الدم. كل ذلك كان يتم أمام باب خيمة الإجتماع... وفى بعض الذبائح كان يرش الدم على الحجاب. وفى حالة ذبيحة الخطية كان الكاهن ينضح من الدم على الحجاب سبع مرات إشارة إلى أنها كفارة كاملة عن خطية الإنسان الكاملة.
(ج) لا يؤكل دم الذبائح ولا شحمها. إنها ملك للرب. إذا أهدر دم إنسان أو حيوان اهدرت حياته. والحياة ملك للرب، لذا فالدم ملك للرب. والشحم هو أفضل ما فى الذبيحة لذا وجب تقديمه لله... كانت بعض الذبائح لا يأكل أحد من لحمها مثل ذبيحة المحرقة. والبعض يأكل منه الكاهن كذبيحة الخطية. والبعض الآخر يأكل منه شعب إسرائيل مثل ذبيحة السلامة.
ذبيحة المحرقة (لا 1: 1 - 9، 6: 8 - 13)
هى أول الذبائح وأسماها، لذا فهى تذكر أولاً. وتعتبر من بعض الوجوه أساس كل التقدمات. فكثيراً ما نقرأ مثلاً عن تقدمة الدقيق كملحق للمحرقة، إذ يقول الوحى الإلهى.
«محرقة للرب مع تقدمتها وسكيبها» (لا 23: 18).
، عد 28: 28، 31، 21: 3، 6، 9). كما كانت ذبيحة السلامة تحرق على المحرقة (لا 3: 5). بل إن مذبح النحاس نفسه كان يسمى "مذبح المحرقة"، لأنه كانت توقد عليه "المحرقة الدائمة" ليلاً ونهارا. ً.
كانت ذبيحة هابيل الذى.
«شهد الله لقرابينه» (عب 11: 4).
من هذا النوع. كما كانت ذبائح نوح التى قدمها للرب بعد انتهاء الطوفان – الذى يشير إلى غضب الله – وخروجه من الفلك، من هذا النوع أيضاً.
«فتنسّم الرب رائحة الرضا» (تك 8: 21)).
.. ومثلها أيضاً الذبيحة التى أصعدها إبراهيم عوض ابنه إسحق.
«ثم أخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن إبنه» (تك 32: 13)).
وذبيحة المحرقة خاصة بالرب وحده، ولذا لا يأكل منها أحد. كلها للمذابح وللنار التى عليه. تظل النار مشتعلة فيها حتى تصير رماداً... فما هو تفسير ذلك؟
(أ) إن إستمرار اشتعال النار فى الذبيحة حتى تتحول إلى رماد، إنما يشير إلى أن عدل الله قد استوفى حقه حتى النهاية... بهذا المعنى كان المسيح ذبيحة محرقة، حينما احتمل غضب الله لأجل الخطية، وحينما احتمل كل لعنة الناموس، وأرضى قلب الله الغاضب، وعقد صلحاً بين الله والبشر بدمه. هكذا يقول بولس الرسول.
«أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة» (أف 5: 2)).
(ب) هذه الذبيحة وهى مستسلمة للنار على المذبح تأكلها حتى تصير رماداً، إنما ترمز للتسليم والطاعة الكاملة فى شخص يسوع المسيح ربنا الذى قال.
«ليس أحد يأخذها منى، بل أنا أضعها من ذاتى» (يو 10: 18)).
..
«نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتى، بل مشيئة الذى أرسلنى» (يو 6: 38)).
..
«طعامى أن أصنع مشيئة الذى أرسلنى وأتمم عمله» (يو 4: 34)).
.. وقال وهو يقترب من الصليب.
«الكأس التى أعطانى الآب ألا أشربها» (يو 18: 11)).
.. وقد عبّر عن ذلك بولس الرسول فقال عن المسيح إنه "أطاع حتى الموت موت الصليب" (فى 2: 8). ثم يطبق عليه نبوءة داود التى يقول فيها.
«ثم قلت هنذا أجئ فى درج الكتاب، مكتوب عنى لأفعل مشيئتك يا الله» (مز 40: 7).
، 8، عب 10: 7).
(ج) من هنا كانت قيمة هذه الذبيحة المستمدة من كونها رمزاً بارزاً لربنا يسوع المسيح فى ذبيحته عن حياة العالم... هكذا يكشف سفر الرؤيا عن ذلك. يقول الأربعة وعشرون قسيساً "مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه، لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمه... مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة" (رؤ 5: 9، 12).
لماذا ذكرت ذبيحة المحرقة كأول الذبائح؟
ذكرت هذه الذبيحة قبل غيرها لأنها مختصة بإرضاء الله، وإدخال السرور إلى قلبه. ومن هنا فقد قيل عنها فى طقس تقديمها أنها.
«محرقة وقود رائحة سرور للرب» (لا 1: 13)).
.. كانت هذه الذبيحة إذاً ذبيحة سرور. هكذا قيل عن المسيح أنه من أجل السرور الموضوع أمامه إحتمل الصليب مستهيناً بالخزى "(عب 12: 2).
وإذا كانت هذه الذبيحة مختصة بإرضاء الله وإدخال السرور إلى قلبه، فإن حق الله يجب أن يستوفى أولاً قبل أى شئ آخر يتصل بالإنسان. فإرضاء الله يجب أن يتم أولاً قبل التفكير فى سعادة الإنسان.
هناك أمثلة كثيرة على ذلك:
فالوصايا المختصة بالله ضمن الوصايا العشر سبقت الوصايا التى تختص بالإنسان.
وفى الصلاة الربيّة تسبق العبارات الخاصة بتمجيد الله، ما يختص بحياة الإنسان... فمثلاً تأتى "ليتقدس إسمك، وليأتِ ملكوتك" قبل "إغفر لنا ذنوبنا، ولا تدخلنا فى تجربة لكن نجنا من الشرير".
والسيد المسيح نفسه لخص الناموس القديم كله فى وصيتين.
«تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك... وتحب قريبك كنفسك» (مت 22: 37 - 39).
، مر 12: 30، 31، لو 10: 27). ونلاحظ أنه يورد وجوب محبة الإنسان لله سابقة لمحبة الإنسان لقريبه.
كل ذلك حتى ما يشعر الله الإنسان بوجوب التفكير والبحث فى إرضائه ومحبته قبل التفكير فيما يتصل بصالحه وهو أمر خلاصه... لقد بكى داود على خطيته حياته كلها وكان يعوّم كل ليلة سريره بدموعه (مز 6). وكان يردد "خطيتى أمامى فى كل حين" (مز 51)، حتى بعد ما سمع من فم ناثان النبى أن الرب قد نقل عنه خطيته... لقد كان بكاء داود أنه أحزن قلب الله، وهذه هى المحبة الحقيقية، بل هذه هى الروحانية السليمة...
أمور تتعلق بذبيحة المحرقة:
فى طقس ذبيحة المحرقة يقول الله عن مقدم الذبيحة.
«يضع يده على رأس المحرقة فيرضى عليه للتكفير عنه» (لا 1: 4)).
.. وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك وقلنا أن الذبيحة البريئة تنوب عن مقدمها الخاطئ وتحمل خطيئته. وموضوع الإنابة أوضحه الله حينما أفرز اللاويين لخدمته نيابة عن كل شعب إسرائيل. فلقد أمر الله أن يضع بنو إسرائيل أيديهم على اللاويين "(عدد 8: 10)... وكان هذا الذى عُمل تعبيراً عن إنابة الشعب كله للاويين فى خدمة الرب. يضاف إلى هذا أن مقدّم الذبيحة حينما يضع يده على رأسها فإنه يشترك على نحو ما فى صفاتها... هكذا فإن المؤمن ينال فى المسيح – الذبيحة الحقيقية الكاملة – طاعة لله الآب، وينال مع المسيح رضى الله الآب عنه... وهكذا يصير شريكاً فى ذبيحة الصليب" مع المسيح صلبت "(غلا 2: 20)... ونتمتع بالبركات التى أشار إليها الرسول فى قوله.
«لمدح مجد نعمته التى أنعم بها علينا فى المحبوب» (أف 1: 6)).
هناك طقس جميع نمارسه فى كنيستنا. فالكاهن أثناء بخور عشية وباكر والبولس، يضع يده على رأس كل واحد من الشعب يمنحه بركة البخور. وفيما هو يفعل ذلك يقول كل واحد سراً "أسألك يا سيدى يسوع المسيح ان تغفر لى خطاياى التى فعلتها بمعرفة وبغير معرفة". بعدها يعود الكاهن ويعطى البخور فوق المذبح عن اعتراف جميع الشعب وهو ما يعرف بسر الرجعة يقول فيه "يا الله الذى قبل إليه اعتراف اللص على الصليب المكرم إقبل إليك اعتراف شعبك، واغفر لهم جميع خطاياهم، من أجل إسمك القدوس الذى دُعى علينا. كرحمتك يارب ولا كخطايانا".
وثمة طقس آخر تنفرد به ذبيحة المحرقة، وهو ضرورة سلخ الذبيحة وتقطيعها قطعاً وغسلها بالماء – كل جوفها وأحشائها وأجزائها على المذبح، وذلك ليظهر كل ما فيها أمام الله حتى أعماقها الداخلية (لا 1: 6)... وفى ذلك إشارة إلى ما قدمه المسيح من كمال فى حياته وخدمته، وإنه لم يوجد فيه أدنى شر أو خطية... لقد قال عنه أشعياء بروح النبوة "لم يعمل ظلماً ولم يكن فى فمه غش" (أش 53: 9). والمسيح واجه جيله وأعداءه على السواء وقال لهم.
«من منكم يبكتنى (يثبت علىَّ) على خطية» (يو 8: 46)).
.. يقول عنه يوحنا.
«ليس فيه خطية» (1يو 3: 5)).
ويقول بطرس.
«لم يفعل خطية ولا وجد فى فمه مكر» (1بط 2: 22)).
.. ويقول بولس.
«لم يعرف خطية» (2كو 5: 21)).
..
«مجرب فى كل شئ مثلنا بلا خطية» (عب 4: 15)).
.. هذا فيما يختص بكمال. اما عن سلخ جلد ذبيحة المحرقة، فإنه يذكرنا بالكيفية التى تعربى بها المسيح على الصليب، وكيف انه بعريه كسانا بالحلة الأولى، ثوب البر!!
كانت ذبيحة المحرقة على نوعين: ذبيحة عامة دائمة وذبائح خاصة.
الذبيحة العامة الدائمة – وكانت تتألف من خروفين حوليين، يقدم أحدهما فى الصباح، والآخر فى العشية (خر 29: 38 - 42، عد 28: 2 - 10)... هذان الخروفان الحوليان كانا يقدمان رائحة سرور وبخور للرب. كان خروف العشية تظل النار مشتعلة فيه حتى الصباح، ثم يقدم خروف الصباح فتظل النار مشتعلة فيه حتى المساء. وهكذا تظل النار متقدة على المذبح نهاراً وليلاً لإرضاء قلب الله... كانت هذه هى المحرقة الدائمة العامة، التى يقدمها الكهنة عن الشعب.
ولاحظ أن استمرار اشتعال النار فى ذبيحة المحرقة نهاراً وليلاً، إنما يشير إلى عمل الله الدائم واستحقاق ذبيحة المسيح الكامل... وكان إشتعال النار فى الذبيحة ليلاً بينما الناس نيام، إنما يشير إلى أن الله يعمل فيما يكون الناس نائمين روحياً... لقد كان روح الله فى البداية يرف على وجه المياه، بينما كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة (تك 1: 2)... إن العالم الان يغمره ظلام الليل، ومع ذلك فذبيحة المسيح بفعلها واستحقاقها مازالت باقية... إنه قائم عن يمين الآب يشفع فينا (رو 8: 34).
تقدمة الدقيق (لا 2، 6: 14 - 18)
إن كلمة "تقدمة" فى أصلها العبرى تعنى هدية مقدمة من العابد لله اعترافاً بسلطانه وفضله عليه.
وإن كان قد ذكر عن ذبيحة المحرقة أنها كانت تقدم.
«رائحة سرور للرب» (لا 1: 9).
، 13، 17)، فإن تقدمة الدقيق هى الأخرى، كانت تقدم.
«رائحة سرور للرب» (لا 2: 2).
، 9)... كانت كل منهما ترمز لشخص المسيح، لكن من زاوية خاصة... لقد كان السيد المسيح رائحة سرور الله الآب بأمرين أساسيين: لقد أرضى الله بتقديم نفسه ذبيحة محرقة لإرضاء الله وإيفاء العدل الإلهى، وأرضى الله كذلك بحياته الطاهرة الخالية من الشر والخطية والدنس. وهذا ما كانت ترمز إليه تقدمة الدقيق... وبعبارة أخرى فإن المسيح أرضى الله بحياته (وهو ما ترمز إليه تقدمة الدقيق)، وأرضاه بموته (وهو ما ترمز إليه ذبيحة المحرقة)... إذاً فهناك غرض مشترك بين ذبيحة المحرقة وتقدمة الدقيق، ألا وهو إرضاء الله الآب لذا فقد قيل عن كل منهما، إنها "رائحة سرورللرب".
إن تقدمة الدقيق لا تشير إلى الفداء أو الكفارة فى شئ لأنها خالية من الدم... والدم هو الذى يرمز للكفارة.
«بدون سفك دم لا تحصل مغفرة» (عب 9: 22).
، إنما هى تمثل حياة المسيح الشخصية، وحياته كخادم للخلاص ممسوح للخدمة، وككاهن وكملك. وتمثله أيضاً فى أحزانه وآلامه التى إحتملها فى حياته بالجسد التى أرضت الله الآب، والتى لأجلها أعلنت السماء رضاها وسرورها مرتين فى العماد والتجلى بالقول.
«هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت» (مت 3: 17).
، 17: 5).
ويتضح هذا من استعراض طقس تقدمة الدقيق...
كانت هذه التقدمة من الدقيق، ويسكب عليها زيت، ويجعل عليها لبان. ويأتى بها مقدمها إلى الكاهن ويقبض منها ملء قبضته من دقيقها وزيتها مع كل لبانها. ويوقد الكاهن تذكارها على المذبح وقود رائحة سرورللرب. والباقى من التقدمة هو لهارون وبنيه (لا 2: 1 - 3)... وكانت تقدمة الدقيق تصنع إما "مخبوزة" فى تنور أو "على الصاج" أو "فى طاجن"... إلى أى شئ ترمز مكونات هذه التقدمة؟
(1) الدقيق: لقد شبه السيد المسيح نفسه بحبة الحنطة التى.
«إن لم تقع فى الأرض وتمت فهى تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير» (يو 12: 24).
– لكننا لسنا هنا أمام حنطة، بل أمام دقيق – والدقيق هو الحنطة المسحوقة – وقد قيل عن المسيح "مسحوق لأجل آثامنا (أش 53: 5). وفى سحقه ظهر أيضاً لونه الأبيض ونقاوته ونعومته من الداخل. إن الدقيق يشير إلى حياة المسيح الطاهرة النقية... هذا الدقيق أخذ فى التقدمة أشكالاً: فطير رقاق، وأحياناً فريك. على أية الحالات فكله خبز.
(2) الزيت: يذكر فى هذه التقدمة إنها "ملتوتة بالزيت، ومدهونة بالزيت"... والزيت فى الكتاب المقدس يرمز للروح القدس. وهو فى هذه التقدمة يعبر عن علاقة المسيح بالروح القدس. فمن الناحية الأقنومية المسيح ثابت فى الروح القدس، والروح القدس ثابت فيه (وهذا ما تشير إليه عبارة ملتوتة بالزيت). لكنه مع ثباته فى الروح القدس وثبات الروح القدس فيه، وإنهما واحد من الناحية اللاهوتية، إلا أنه مسح بالروح القدس، قال الرب يسوع فى المجمع اليهودى بالناصرة.
«روح الرب علىّ لأنه مسحنى لأبشر المساكين» (لو 4: 18)).
.. وفى قصة إيمان كرنيليوس قائد المائة الأممى، يقول بطرس الرسول.
«يسوع الذى من الناصرة، كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة» (أع 10: 38)).
وإلى ذلك يشير بولس الرسول.
«من أجل ذلك مسحك الله بزيت الإبتهاج أكثر من شركائك» (عب 1: 9)).
.. فعلى الرغم من ثبات السيد المسيح كإبن الله الأقنوم الثانى فى الروح القدس، فقد مسح للخدمة حينما حل عليه روح الله فى العماد فى نهر الأردن... لقد مسح المسيح ككاهن وكملك. وكان الكهنة والملوك يمسحون بزيت المسحة.
(3) اللبان: كان الدقيق يوضع عليه اللبان. إن اللبان يشير إلى البخور والكهنوت والصلاة. قال داود.
«لتستقم صلاتى كالبخور قدامك. ليكن رفع يدى كذبيحة مسائية» (مز 141: 2)).
فعندما يوضع البخور على التقدمة، ففى هذا إشارة إلى عمل المسيح ككاهن ورئيس كهنة، وإن حياته بالجسد على الأرض كانت رائحة بخور. إن البخور يعطى فكرة عمن يحترق لأجل الآخرين. وهكذا كان المسيح. فقد قدم حياته رائحة سرور ورضا ورائحة زكية أمام الله الآب.
(4) لا خمير أو عسل: فى هذه التقدمة أمر الله ألا يضاف إلى الدقيق خمير أو عسل... إن الخمير يرمز إلى الشر. وهكذا حذر المسيح تلاميذه من خمير الفريسيين والصدوقيين (مت 16: 6). ويقول الرسول بولس.
«نقوا منكم الخميرة العتيقة... إذاً لنعيد ليس بخمير عتيقة، ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق» (1كو 5: 7).
، 8)... ومعنى خلو هذه التقدمة من الخمير هى الإشارة إلى نقاوة المرموز إليه – وهو المسيح – من كل شر أوشبه شر.
أما عن خلوها من العسل. فالعسل أيضاً يمكن أن يقود للتخمر، فضلاً عن أنه يشير إلى ملاذ الحياة وشهواتها... وهكذا خلت حياة المسيح من كل لذة جسدية وراحة أرضية.
(5) الملح: أمر السيد الرب أن يضاف الملح إلى هذه التقدمة. والملح مصلح وحافظ من الفساد. بهذا المعنى قال المسيح لتلاميذه.
«أنتم ملح الأرض» (مت 5: 13)).
إن الملح يمثل العنصر الإيجابى فى حياة المسيح كمصلح. فإلى جانب خلوه من الخمير الذى يشير إلى الشر، ففيه الملح وهو يمثل عنصر إصلاح الآخرين.
ومن ناحية أخرى فإن الملح يشير إلى الوفاء بالعهد والإلتزام به. فى شريعة هذه التقدمة يقول الله.
«لا تخل تقدمتك من ملح عهد إلهك. على جميع قرابينك تقرب ملحاً» (لا 2: 13)).
.. هكذا فى تقاليدنا وعوائدنا فى الشرق، فيقال "أكلنا عيش وملح – ده عيش وملح – يخونه العيش والملح. لعل الملح يشير إلى وفاء التعهد بحياة مقدسة بين الإسرائيلى الذى يقدم التقدمة وإله إسرائيل، على نحو ما كانت ترمز إليه تلك التقدمة من الطهارة والخلو من الشر فى حياة المسيح المرموز إليه... على أنه يجب ملاحظة أن تقدمة الدقيق ليست رمزاً أو إشارة إلى الأفخارستيا، لأنها تشير فقط إلى حياة السيد المسيح وخدمته حينما كان فى الجسد، ولا تشير إلى موته على الصليب. فذبيحة الأفخارستيا غير الدموية هى إمتداد لذبيحة الصليب.
(6) النار فى هذه التقدمة:
بالإضافة إلى الصورة السابقة التى كانت تقدم بها تقدمة الدقيق (دقيق عليه زيت وموضوع فوقه لبان)، فقد كان من الممكن أن تقدم إما "مخبوزة فى تنور" أو "على الصاج" أو "فى طاجن"... من جهة هذا التنوع، فالحكمة منه أن يعطى الله فرصة لكل إنسان أن يقدم غنياً كان أو فقيراً... لكن فى كل هذه الصور التى يمكن أن تقدم بها، كان لابد أن تكون ملتوتة بزيت ومدهونة به بالإضافة إلى الأشياء الأخرى التى أشرنا إليها (لا 2: 1، 5، 6)... ويأتى مقدم هذه التقدمة – فى أية صورة من صورها.
« ويقدمها إلى الكاهن فيدنو بها إلى المذبح. ويأخذ الكاهن من لتقدمة تذكارها ويوقد على المذبح وقود رائحة سرور للرب» (لا 2: 8).
، 9)...
ووضع هذه التقدمة على نار مذبح المحرقة، إنما يشير إلى آلام المسيح فى حياته – وليس فى صلبه. فلقد عاش المسيح حياته كلها – كما يقول أشعياء النبى "رجل أوجاع ومختبر الحزن" (أش 53: 3)... إن نار تقدمة الدقيق إنما تشير إلى الإهانات والشتائم وأنواع الهزء التى إحتملها المسيح إبن الله... فقد قالوا عنه إنه "سامرى وبه شيطان"، "مختل العقل"، "إبن زنا"، "ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين"، "أكول وشريب خمر"، "يعاشر العشارين والخطاة"، "كاسر السبت وناقض الشريعة" وأخيراً اتهم بالتجديف.
وحتى حينما كان يتعامل مع التعابى والمرضى، كان يتألم لأتعابهم وصدق ما قيل عنه إنه.
«أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا» (مت 8: 17)).
.. وحدث إنه حينما قدموا إليه إنساناً أصم وأعقد ليشفيه.
«رفع نظرة نحو السماء وأنّ وقال له إفثَّا أى إنفتح» (مر 7: 34)).
.. وقد أن السيد المسيح لما رأى ما فعلته الخطية بالإنسان المخلوق على صورة الله... وعند قبر لعازر الميت إنزعج بالروح واضطراب وبكى (يو 11: 33، 35)... ومع كل ذلك لم يفتر ولو إلى لحظة أن يدعو كل التعابى إليه.
«تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم» (مت 11: 28)).
(7) الكهنة كانوا يأكلون منها:
كان الكهنة يأكلون من تقدمة الدقيق فى أى صورة من صورها، لكن فى مكان مقدس فى دار خيمة الإجتماع (لا 6: 16)... ومع ان هذه التقدمة مقدمة لإرضاء الله إلا أن الكهنة يأكلون منها، إشارة لاستفادتهم من شخص المسيح مثالاً وقدوة وتغذوا بحياته، وإن لهم نصيباً فيه وفى خدمته.
.فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
