المسيح فى أعياد اليهود

المسيح فى أعياد اليهود

العدد سبعة فى الأعياد ودلالته.

عيدا الفصح والفطير.

أعياد الباكورة والخمسين والأبواق.

عيد الكفارة.

كفارة العهد القديم وكفارة المسيح.

عيد المظال.

بعد أن تناولنا موضوع ذبائح وتقدمات العهد القديم، ننتقل للكلام عن المسيح فى أعياد اليهود... وكما رأينا بوضوح المسيح كمرموز إليه فى الذبائح والتقدمات، كذلك سوف نرى المسيح أيضاً – وبكل وضوح فى أعياد اليهود التى رتبها الله لهم ليحتفلوا بها فى مناسبات معينة ومن أجل قصد إلهى معين.

الأعياد سبعة:

بخلاف يوم السبت الأسبوعى، فقد نصت الشريعة على سبعة أعياد لليهود، مذكورة فى الأصحاح الثالث والعشرين من سفر اللاويين... وإن كان السبت يذكر فى مقدمة الأعياد، لكنه فى الواقع تمهيد لها... السبت هو يوم الراحة، فيه يستريح الإنسان... يستريح فى الله، وهذه هى الراحة الحقيقية. والله الذى استراح بعد الخليقة، يستريح فى الإنسان الذى على صورته... اليوم السابع هو راحة الله فى الخليقة التى خلقها، وهو أيضاً رمز للراحة الأبدية. فكما أن اليوم السابع يعطى للإنسان بعد التعب فى ستة أيام، كذلك الراحة الأبدية يكافأ بها الإنسان بعد تعبه وجهاده فى العالم.

فى هذه الأعياد كان الشعب يجتمع معاً حول الرب بفكر واحد ولغرض واحد. فللجميع نفس الأعياد الواحدة التى تربطهم معاً... أما هذه الأعياد فكانت:

(1) عيد الفصح.

(3) ترديد حزمة اول الحصاد (الشعير).

(2) عيد الفطير.

(4) عيد الخمسين.

(5) عيد الأبواق.

(7) عيد المظال.

(6) عيد الكفارة.

هذه الأعياد السبعة عبارة عن 4 + 3... أما عن الأربعة الأولى فهى 2 + 2. الفصح والفطير يرتبطان معاً، وكذلك الباكورة والخمسين... أما الثلاثة أعياد الباقية فتأتى متتابعة فى الشهر السابع من السنة المقدسة وهى عيد الأبواق وعيد الكفارة وعيد المظال.

كانت ثلاثة من هذه الأعياد السبعة بمثابة مجامع أو محافل عامة مقدسة. فيها يظهر جميع الشعب أمام الرب فى أورشليم.

«ثلاث مرات فى السنة يحضر ذكورك أمام الرب إلهك فى المكان الذى يختاره فى عيد الفطير وعيد الأسابيع (الخمسين) وعيد المظال» (تث 16: 16)).

العدد سبعة فى هذه الأعياد:

إن العدد سبعة فى الأسفار المقدسة – فضلاً عن أنه يرمز إلى الكمال – فهو يشير إلى القياس المقدس للزمان. فالسبت هو اليوم السابع. وعيد الخمسين يسمى عيد الأسابيع ويأتى بعد سبعة أسابيع من بداية السنة الدينية... والشهر السابع أكثر قدسية من بقية الشهور. فهلاله الجديد – ليس هو فقط مخصصاً للرب كالشهور الأخرى – لكن يحتفل به خصيصاً كعيد للأبواق... إن الشهر السابع هذا يقع فيه ثلاثة أعياد. فى أوله عيد الأبواق. وفى العاشر منه عيد الكفارة، وفى الخامس عشر عيد المظال...

وكانت كل سنة سابعة تعتبر سنة سبتية Sabbatical Year.

ليس هذا فقط، بل بعد كل سبعة أسابيع سنين (أى بعد 7×7 = 49 سنة) تأتى سنة اليوبيل... وكانت هناك سبعة أيام فى السنة مخصصة لتكون أكثر بهجة. وكان العبيد لا يعملون فيها أى عمل. كانت هذه الأيام هى اليوم الأول واليوم الأخير لعيد الفطير، ويوم عيد الخمسين، ورأس السنة، ويوم الكفارة، وأول أيام عيد المظال ثم يومه الثامن... ومن الأمور الجديرة بالذكر أن العدد 3 هو رمز للغير محدود والعدد 4 يرمز للمحدود – للعالم. والعدد 7 (3 + 4) تشير إلى اتحاد غير المحدود بالمحدود، السماء بالأرض، الله والإنسان. إن الحروف التى تكوّن كلمة سبعة باللغة العبرية تعنى يمين أو حلف أو قسم وهو يعنى احتكام من المحدود لغير المحدود.

بين الأعياد اليهودية والمسيحية:

كان كل من عيد الفطير وعيد المظال يستمر أسبوعاً، ويحتمل أن يكون عيد الخمسين كذلك[1]... كان الشعب يصعدون من كل مكان إلى أورشليم للإحتفال بهذه الأعياد... كانت هذه الأعياد الثلاثة تشير من الناحية الروحية إلى ما أعده الله لنا بموت المسيح، وبسكنى الروح القدس فينا، ثم فى مجئ المسيح الثانى... وفى هذه الأعياد الثلاثة نرى الماضى والحاضر والمستقبل... إنها تبدأ بالصليب وتنتهى بالمجد الأبدى.

كانت أعياد بنى إسرائيل قديماً أعياداً أرضية، لكنها ترمز إلى حقائق روحية سماوية. والشعب القديم كانت دعوته أرضية وبركاته أرضية، على عكس المؤمنين فى العهد الجديد، فهم كما يدعوهم بولس الرسول.

«شركاء الدعوة السماوية» (عب 3: 1).

، وقد بوركوا.

«بكل بركة روحية فى السماويات فى المسيح» (أف 1: 3)).

.. ومن ثم فليست لهم أعياد بالمفهوم القديم فى العالم، لأنهم سماويون وليسوا من العالم، كما أن سيدهم ومعلمهم ليس من العالم. لذا فإن الرسول بولس يكشف هذا الأمر محذراً المؤمنين من الاستمرار فى المادية اليهودية، فيما كتبه لأهل كولوسى.

«لا يحكم عليكم أحد فى أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت، التى هى ظل الأمور العتيدة» (كو 2: 16).

، 17)... هذا المفهوم الروحى الذى يوصى به الرسول مؤسس على أن المؤمنين بالمسيح قد ماتوا مع المسيح عن أركان العالم. وأنهم قد قاموا مع المسيح، ويهتمون بما فوق لا بما على الأرض، حيث المسيح جالس عن يمين الله (كو 2: 20، 3: 1، 2).

عيد الفصح

تفتتح دورة أعياد اليهود بالفصح وعيد الفطير، لأن هذين العيدين فى غاية الوضوح (لا 23: 5، 6؛ عد 28: 16، 17؛ 2 أى 30: 15، 21؛ عزرا 6: 19، 22؛ مر 14: 1)... يبدأ عيد الفصح فى الرابع عشر من شهر نيسان، وعيد الفطير فى الخامس عشر من نفس الشهر، أى فى اليوم التالى، ويستمر سبعة أيام حتى اليوم الحادى والعشرين من الشهر (خر 12: 15). ولكن بسبب ارتباطهما الشديد، يعاملان بصفة عامة كعيد واحد، سواء فى العهد القديم أو الجديد (مت 26: 17؛ مر 14: 12؛ لو 22: 1). ويوسيفوس المؤرخ اليهودى يصفهما فى إحدى المناسبات كعيد لمدة ثمانية أيام...

إن إسم "فصح" هو العبرى بيصاخ Pesach، وفى الآرامية واليونانية بصخا Pascha. والإسم مستمد من أصل لغوى يعنى "يعبر"... وهكذا يستمد العيد إسمه من أصله التاريخى، فى تلك الليلة التى احتفل به بالفصح لأول مرة، ليلة خروجهم من أرض مصر.

هناك ميزات ينفرد بها الفصح تجعله أهم أعياد اليهود... كان الأول بين الأعياد الثلاثة التى كان يجب فيها على كل الذكور فى إسرائيل أن يظهروا أمام الرب إلههم فى الموضع الذى يختاره. أما الإثنان الآخران فهما عيد الأسابيع أى الخمسين وعيد المظال...

«ثلاث مرات فى السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب إله إسرائيل» (خر 34: 23).

– أنظر خر 23: 14؛ لا 23: 4 - 22؛ تث 16: 6)... هذه الأعياد الثلاثة الكبيرة تحمل اشارة مثلثة. إنها تشير أولاً إلى الإستمتاع بثمار الأرض الطيبة التى أعطاها الرب لشعبه ليمتلكوها، والتى احتفظ لنفسه بملكيتها باعتباره مالكها الحقيقى (لا 25: 23؛ مز 85: 1؛ أش 8: 8؛ 14: 2؛ هو 9: 3).

كان عيد الفصح هو عيد الربيع – ربيع الطبيعة – الذى بعد إنتهاء (موت) الشتاء تبدأ البذور المبعثرة فى التربة تنمو، وتحمل محصولاً جديداً. وهو أيضاً ربيع الزمن فى تاريخ إسرائيل، وفيه يحتفل الشعب كل عام بتذكار مولدهم كأمة. هو زمن الربيع للنعمة الإلهية فى تحريرهم القومى الكبير الذى يرمز إلى ميلاد إسرائيل الحقيقى، وذبيحة الفصح التى ترمز إلى حمل الله الذى يحمل خطية العالم. وتبعاً لذلك أصبح شهر أبيب شهر الفصح – الذى سُمى مؤخراً نيسان – رأس شهور سنتهم المقدسة (الدينية)، ويقابل فى نفس الوقت الشهر السابع من سنتهم المدنية...

لقد سبق أن تناولنا موضوع خروف الفصح بشئ من التفصيل فى الموضوع الثانى من سلسلة محاضرات هذا الصوم المقدس. لكن هناك بعض الأمور التى أضيفت إلى الطقس الأول الذى مارسه الشعب لأول مرة ليلة خروجهم من أرض مصر فيما يختص بخروف الفصح، كما تعدلت بعض الممارسات.

بين الفصح فى مصر وأرض الموعد:

لم يعد بنو إسرائيل يمارسون طقس الفصح على نحو ما مارسوه فى مصر... لم يعد الدم يرش على القائمتين والعتبة العليا... لقد صار للرب بيتاً هو خيمة الإجتماع فى البرية، والهيكل بعد ذلك فى أورشليم... يقول السيد الرب لشعبه.

«لا يحل لك أن تذبح الفصح فى أحد أبوابك التى يعطيك الرب إلهك، بل فى المكان الذى يختاره الرب إلهك ليحل إسمه فيه. هناك تذبح الفصح» (تث 16: 5).

، 6)... لقد أصبح دم الخروف يرش على مذبح المحرقة، وكان شحمه يحرق عليه. وبدل أكله بعجلة صاروا يأكلونه براحة... وعوض المخاوف غدا أعظم الأعياد المفرحة.

كان الخروف يذبح عند غروب يوم 14: نيسان، أو بين العشاءين (خر 12: 6؛ لا 23: 5؛ عد 9: 3، 5)... وعبارة "بين العشاءين" تعنى فى نظر كثير من المفسرين الوقت بين الغروب الحقيقى والظلام الكامل... لكن بناءً عن شهادة يوسيفوس المؤرخ اليهودى الذى ولد فى النصف الأول من القرن الأول الميلادى فى بلاد اليهودية، فإن وقت ذبح خروف الفصح زمان السيد المسيح، كان بين بداية الشمس فى الإختفاء، واختفائها الحقيقى الكامل.

ونلاحظ أن عدم كسر عظمة من عظام الخروف كان تعبيراً على أنه ذبيحة كاملة غير منفصلة. وعلى أساس هذه الذبيحة غير المنفصلة، كانت هناك شركة كاملة وغير منفصلة مع الله، الذى مر بالأبواب المرشوشة بالدم، وأولئك الذين كانوا معاً عائلة واحدة وجسد واحد. لعلنا نفهم ذلك مما قاله بولس الرسول.

«كأس البركة التى نباركها أليست هى شركة دم المسيح. الخبز الذى نكسره أليس هو شركة جسد المسيح. فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد، لأننا جميعاً نشترك فى الخبز الواحد» (1كو 10: 16).

، 17).

كان من المحتم فى الفصح الأول أن يكون الخروف حولياً. لكن فى أرض الموعد كان عليهم أن يختاروا حملاً لا يقل عمره عن ثمانية أيام، ولا يزيد عن عام... وكان كل خروف لجماعة لا يقل عددها عن عشرة، ولا تزيد عن عشرين شخصاً، لم تعد هناك فترة يوضع فيها الخروف تحت الحفظ لمدة أربعة أيام.

استخدام النبيذ فى عشاء الفصح كان مرعياً بكل دقة حسب التقليد اليهودى، على الرغم من عدم ذكره فى الناموس. ووفقاً لتلمود أورشليم فقد قصد به التعبير عن فرح إسرائيل فى ليلة الفصح. وحتى بالنسبة لأفقر اليهود، كان عليهم أن يكون لديهم ما يكفى لأربعة كؤوس على الأقل. على الرغم من أنه كان يأخذ ثمنها من صندوق الفقراء. ويضيف التلمود أنه إذا لم يتمكن الفقير من الحصول على ما يشترى به الخمر "يجب أن يبيع أو يرهن سترته، أو يؤجر نفسه فى عمل من أجل هذه الكؤوس الأربعة".

بعد بناء هيكل أورشليم، كان على كل إسرائيلى قادر صحياً، وفى حالة عدم الدنس، ولا يقيم بعيداً عن أورشليم بأكثر من خمسة عشر ميلاً، أن يصعد إلى أورشليم. وعلى الرغم من أن النساء لم يكنَّ ملزمات بالصعود إلى أورشليم، لكننا نعلم من الأسفار المقدسة ومن القوانين التى سنتها السلطات اليهودية – حسبما يذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودى – أن صعود النساء كانت عادة متبعة (أنظر 1 صم 1: 3 - 7، لو 2: 41، 42)... لقد كان هذا العيد وقت فرح لكل إسرائيل... من داخل إسرائيل وخارجها كان الشعب يفدون فى جماعات ويسيرون مرتلين مزاميرهم، وقد أحضروا معهم ذبائحهم – محرقة وسلامة – إذ كان ما يجب أن يظهر الإنسان فارغاً أمام الرب إلهه (أنظر خر 23: 15، تث 16: 16، 17)... هكذا نقرأ عن يوسف والعذراء مريم ومعهما الرب يسوع طفلاً، إنهم كانوا يصعدون كل سنة إلى أورشليم فى عيد الفصح (لو 2: 41).

الإستعداد للفصح:

كانت الإستعدادات لعيد الفصح تبدأ قبل حلوله لشهر كامل... بعضها كان يختص بكهنة الهيكل ورجال الدين والبعض الآخر يختص بالناس... وفيما يلى بعض ملامح هذا الإستعداد.

(أ) كان السنهدرين – مجلس اليهود الأعلى – يرسل مندوبين ليعلنوا أصحاب قطعان الأغنام والماشية أن يرسلوها من أجل الذبائح. كانت هذه الإعلانات بمثابة أوامر قانونية للتنفيذ، وإلا صودرت قطعانهم برسم الهيكل... وكان مندوبون آخرون يهتمون بإصلاح الجسور التى يعبر عليها الحجيج الذين يفدون من بلاد أخرى خارج فلسطين... كما كانوا يبيضون المقابر الواقعة على الطرق المطروقة العامة حتى يحترس منها السائرون خشية لمسها فيتنجسون وهم صاعدون إلى العيد.

(ب) كان عدد الحجاج الذين يفدون إلى أورشليم فى عيد الفصح بحسب تقدير يوسيفوس المؤرخ اليهودى يبلغ من 700.200ر2 إلى أكثر من ثلاثة ملايين (078.000ر3)... ويقدر يوسيفوس أن حوالى 256.000 خروفاً كانت تذبح كذبيحة فصح... وكانت مدينة أورشليم تضيق بهذه الأعداد الضخمة، لذا كانوا ينصبون خيامهم على جبل الزيتون. وكان الطقس يساعد على ذلك، فقد كان عيد الفصح يقع فى ألطف شهور السنة.

(ج) كان كثيرون من اليهود يصعدون إلى أورشليم قبل الفصح ليتطهروا. وإلى ذلك يشير إنجيل يوحنا.

« وكان فصح اليهود قريباً. فصعد كثيرون من الكور إلى أورشليم قبل الفصح ليطهروا أنفسهم» (يو 11: 55)).

(د) عزل الخمير من ضمن الإستعدادات للفصح كان عزل الخمير من البيوت... وعلى مستوى كل بيت كانت الإستعدادات الخاصة بالفصح تبدأ فى غروب يوم 13 نيسان – الذى هو بداية يوم 14 نيسان – حيث أن اليوم فى التقويم العبرى يبدأ من الغروب وينتهى بغروب اليوم التالى. كان على رب البيت أن يفتش بشمعة مضاءة كل المواضع التى يحفظ فيها الخمير عادة، ثم يعزل الخمير من البيت. وكان قبيل البدء بالتفتيش كان يرفع دعاء "مبارك أنت يا يهوه إلهنا، ملك كل البشر. يا من قدستنا بوصاياك، وأمرتنا أن نبعد الخمير"... وبعد أن ينتهى من هذه العملية يقول "كل الخمير الذى فى حوزتى. الذى رأيته والذى لم أبصره، ليصر عديم الوجود، وليحسب كتراب الأرض".

كانت عملية التفتيش عن الخمير تتم فى صمت وبواسطة شمعة مضاءة كما ذكرنا... إلى هذا التفتيش المجازى يشير بولس الرسول فى قوله.

«نقوا منكم الخميرة العتيقة» (1كو 5: 7)).

.. ويرى التقليد اليهودى فيما قاله صفنيا النبى، إشارة إلى التفتيش بشمعة.

« ويكون فى ذلك الوقت أنى افتش أورشليم بالُسُرج» (صف 1: 12)).

كان يمتنع عن أكل أى شئ فيه خمير قبل ظهر يوم 14 نيسان. وإذا وجد خمير فى ظهر يوم 14 (الساعة الثانية عشر) كان يعدم إما بحرقه أو إذابته فى ماء أو تذريته للريح.

(ﻫ) كانت ذبيحة المساء وهى ذبيحة المحرقة الدائمة التى تقدم فى الهيكل، كانت تذبح عادة فى الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، وتقدم على المذبح فى الثالثة والنصف. وفى عشية الفصح كانت تذبح مبكراً ساعة. وإذا وقع 14 نيسان يوم جمعة كانوا يبكرون ساعتين حتى يتجنبوا يوم السبت. وفى مناسبة صلب المسيح يوم الجمعة العظيمة. ذبحت ذبيحة المساء فى الساعة الواحدة والنصف، وقدمت على المذبح فى الثانية والنصف بعد الظهر... وكانت ذبيحة المساء تسبق ذبيحة خروف الفصح.

(و) بينما كانت خراف الفصح تذبح كان الكهنة يبوقون بأبواقهم الفضية ثلاثاً. وكانت ترانيم التسبيح تتألف مما يعرف بإسم الهليل Hallel التى تشتمل على المزامير من 113 إلى 118.

طقس عشاء الفصح:

(أ) طبقاً لما جاء فى التلمود الأورشليمى، كانت تشرب أربعة كؤوس من الخمر (النبيذ) فى عشاء الفصح. قيل إن العدد أربعة فى هذه الكؤوس يشير إلى أربعة كؤوس الانتقام التى سيعطيها الله فى المستقبل للأمم لتشربها (أنظر أر 25: 15؛ 51: 7؛ مز 75: 8؛ 11: 6). بينما ستعطى إسرائيل أربعة كؤوس تعزية.

«الرب نصيب ميراثى وكأسى» (مز 16: 5).

،.

«مسحت بالدهن رأسى، كأسك روتنى» (مز 23: 5).

،.

«كأس الخلاص آخذ وبإسم الرب أدعو» (مز 116: 13)).

.. وكما جاء فى التلمود اليهودى أن الكأس المشار إليها فى الآية الأخيرة هى إثنين. أى أن المجموع أربعة كؤوس. كان لا يستخدم أى نوع من الخمر، بل النبيذ الأحمر فقط. وكان يجب مزجه بالماء (إضافة الماء إلى النبيذ فى تقدمة الأفخارستيا).

(ب) من وقت تقديم ذبيحة المساء فى الهيكل حتى عشاء الفصح، كان لا يؤكل شئ بتاتاً. حتى ما يقبل عليه الجميع بإستمتاع ولذة... ألا نرى فى ذلك الأساس الذى نسير عليه حالياً من الإمتناع عن الطعام قبل التناول المقدس، وهو ما يعرف بالاحتراس؟!

(ج) كان عشاء الفصح يبدأ حينما يأخذ رئيس الجماعة أول كأس نبيذ فى يده، ويشكر عليها بهذه الصلاة "مبارك أنت يا يهوه إلهنا، يا من خلقت ثمرة الكرمة. مبارك أنت يا يهوه إلهنا وملك كل البشر، يا من اخترتنا من بين الشعوب، ومجدتنا من بين كل الألسن، وقدستنا بوصاياك. وقد أعطيتنا يا يهوه إلهنا فى محبة، الأيام المقدسة للفرح، والأعياد، وجددت مواسم للبهجة. هذا اليوم عيد الفطير، موسم عتقنا، اجتماعاً مقدساً، ذكرى خروجنا من مصر...".

(د) بعد شرب الكأس الأولى – وهى غالباً التى يشير إليها القديس لوقا بقوله.

«ثم تناول كأساً وشكر وقال خذوا هذه واقتسموها بينكم» (لو 22: 17).

– يغسل الجميع أيديهم... فى ذلك الوقت غسل السيد المسيح أرجل تلاميذه (يو 13: 5)... وفى أثناء غسل الأيدى كانت هناك صلاة يتلونها.

(ﻫ) بإنتهاء هذه المقدمات، كانت تمد مائدة الفصح... يأخذ رئيس الجماعة بعض الأعشاب ويغمسها فى ماء مالح، ويأكل منها ثم يعطيها للحاضرين... ترفع جميع الأطباق من على المائدة، ويملأ الكأس الثانية من النبيذ... وهنا يبدأ طقس شيق، أمرهم الرب به.

« وتخبر إبنك فى ذلك اليوم قائلاً من أجل ما صنع إلىّ الرب حين أخرجنى من مصر» (خر 13: 8)).

..

كان على الأب أن يعلم إبنه عن سبب هذا الإحتفال... كان الإبن أو أصغر الموجودين يسأل والأب يجيب. وإذا كان الإبن طفلاً أو فى حالة لا تمكنه من السؤال فكان الأب ينوب عنه...

وإليك جانب من هذا الحوار:

الإبن يسأل "لماذا تتميز هذه الليلة عن باقى الليالى. لأننا فى كل الليالى نأكل خبزاً أو فطيراً، لكننا فى هذه الليلة لا نأكل سوى الفطير. فى كل الليالى نأكل أى نوع من الأعشاب الخضراء، وفى هذه الليلة نأكل الأعشاب المرة. فى كل الليالى نأكل لحماً إما مشوياً أو مطبوخاً أو مسلوقاً، لكننا فى هذه الليلة لا نأكله إلا مشوياً...". هنا يبدأ الأب فى تعليم إبنه الصغير قصة الفصح وما يرتبط به. وبعبارة أخرى كان رب البيت يروى كل تاريخ اليهود القومى إبتداء من تارح والد إبراهيم وتاريخ إسرائيل فى خروجهم من مصر وإعطاء الشريعة.

(و) بعد ذلك تعاد الأطباق ثانية إلى المائدة، ويأخذون فى التسبيح، وترديد ما يسمى بالهليل Hallel، ويتضمن مزمورى 113، 114 – الأول عن عمل الله مع شعبه "سبحوا الرب يا عبيد الرب. سبحوا إسم الرب. ليكن إسم الرب مباركاً من الآن وإلى الأبد... من مثل الرب إلهنا الساكن فى الأعالى والناظر إلى المتواضعين...". والمزمور الثانى عن خروج بنى إسرائيل من مصر وقيادة الرب لهم أمام الشعوب... وفى نهاية هذا التسبيح شكر قصير "مبارك أنت يا يهوه إلهنا، ملك كل البشر. يا من فديتنا وفديت آباءنا من مصر"... بعدها يشربون الكأس الثانية... هنا تغسل الأيدى مرة ثانية بصلاة كما فى المرة الأولى. ثم يكسر واحدة من كعكات الفطير ويتلو بركة وشكر.

(ز) المصادر اليهودية تذكر أن الشكر كان يعقب كسر الخبز الفطير وليس قبله لأنه كان خبز الفقر... لكن بناء على شهادة الإنجيليين متى ومرقس ولوقا وبولس الرسول فإن المسيح شكر أولاً ثم كسر الخبز (مت 26: 26؛ مر 14: 22؛ لو 22: 19؛ 1كو 11: 24). فلابد أن كسر الخبز تم بعد العشاء... كان لحم خروف الفصح هو آخر ما يؤكل فى هذا العشاء.

(ح) بعد ذلك تغسل وتملأ الكأس الثالثة، وتتلى البركة التى بعد أكل لحم الخروف... هنا شكر المسيح على الخبز، بخلاف ما كان متبعاً فى ذلك الوقت من أنهم لا يأكلون شيئاً بعد أكل الخروف.

(ط) وبعد بركة خاصة كانت تقال على الكأس الثالثة – التى تسمى بإسم "كاس البركة" – كانت تشرب تلك الكأس... ليس هناك أدنى شك فى أن هذه الكأس هى التى أسس بها الرب يسوع الأفخارستيا... هكذا تسمى فى الكتابات اليهودية الأولى "كأس البركة"، وبهذا الإسم أيضاً دعاها بولس الرسول.

«كأس البركة التى نباركها أليست هى شركة دم المسيح» (1كو 10: 16)).

.. أما هذه التسمية، فلأن هذه الكأس والكأس الأولى كانت تتلى عليهما بركة خاصة، كما وأنها تأتى بعد الصلاة على اللحم.

(ى) تختم الخدمة بالكأس الرابعة. وينشد عليها الجزء الثانى من الهليل وهو يتألف من مزاميره 115، 116، 117، 118، وتختم بما يسمى "بركة التسبيح"، وهى تشتمل على صلاتين قصيرتين... "جميع أعمالك تحمدك يا الله (يهوه) إلهنا. وكل قديسيك والأبرار الذين يصنعون إرادتك الصالحة. وكل شعبك بيت إسرائيل. بتسابيح الفرح يسبحون ويباركون ويفطمون ويمجدون ويرفعون ويوقرون ويقدسون، معطين الملك لإسمك يا ملكنا. جيد أن نحمدك وبمسرة نسبح إسمك، لأنك من الأزل وإلى الأبد أنت إلهنا. كل أنفس الأحياء تسبح إسمك – يهوه إلهنا. وروح كل جسد سوف تمجدك وتعلى على الدوام ذكراك يا ملكنا. لأنك من الأزل وإلى الأبد أنت إلهنا. وسواك ليس لنا ملك وفاد (فادى) ومخلص.

عيد الفطير

يأتى بعد عيد الفصح مباشرة فى اليوم الخامس عشر من شهر نيسان... وكما ذكرنا سابقاً فإنهما كانا يعتبران عيداً واحداً سواء فى العهد القديم أو الجديد... كان يبدأ فى ليلة الفصح نفسها ويستمر سبعة أيام. ويشتق إسمه من الكلمة العبرية Mazzoth وتعنى فطير غير مختمر. وهو الخبز الوحيد الذى كان مسموحاً به طيلة الإسبوع. يسمى فى الكتاب.

«خبز المشقة» (تث 16: 3)).

.. هذه التسمية، قيل إنها بسبب طعمه غير اللذيذ. إنه يرمز للمشقة والتعب فى مصر... هذا التفسير خاطئ لأنه يجعل من واحد من أكثر أعياد اليهود إلى موسم سنوى للنوح. فالفكرة المقصود نقلها من خلال النص الكتابى مختلفة تماماً. فكما نتذكر دائماً موت مخلصنا متصلاً بقيامته، كذلك كان على إسرائيل دائماً أن يتذكروا عبوديتهم مرتبطة بحريتهم. وفضلاً عن ذلك فإن خبز ليلة الفصح لم يكن هو خبز المشقة لأنه كان غير مختمر، لكنه كان غير مختمر لأنه كان هو خبز المشقة. كان هو مشقة إسرائيل وعلامة عبوديتهم وخضوعهم للمصريين.

هكذا فإن الفصح لم يكن تذكاراً لعبودية إسرائيل بقدر ما كان لتحريرهم من تلك العبودية. والخبز الذى كان أساساً خبز المشقة بسبب العجلة، أصبح الآن – كما كان بالفعل خبز حالة جديدة للبقاء. لا شئ من خمير مصر كان لنتشر... كل الخميرة القديمة التى كانت رمزاً للفساد والموت كان يجب أن تعزل من بيوتهم. كان عليهم أن يكونوا "عجيناً جديداً"، كما كانوا فطيراً (1كو 5: 7).

وهكذا فإن ما كان لازماً ليوم واحد صار طقساً لعيد، حاملاً العدد المقدس لسبعة أيام. وكما صار لنا الصليب شجرة حياة، لأن الموت أبطل بالموت، والأسر أخذ أسيراً بالعبودية الطوعية لرب المجد، هكذا بالنسبة لإسرائيل. فإن علامة مشقتهم السابقة صارت رمزاً لحياة جديدة مبهجة، كان عليهم فيها أن ينذروا أنفسهم للرب.

كان عيد الفطير يأتى بعد الفصح مباشرة، لأنه هو نتيجة له!! وإذا كانت الخمير يرمز للشر، فالمؤمن الذى تقدس بدم المسيح – الذى يشير إليه دم خروف الفصح – كيف يحيا مع الخمير، أو يكون فى حياته خمير؟! إن مدة العيد – وهى سبعة أيام – تشير إلى دورة الحياة بأكملها... والفترة التى يشير إليها عيد الفطير هى مدة وجود الكنيسة على الأرض، أو حياة المؤمن على الأرض... فابتداءً من الفصح – أى موت المسيح – إلى مجيئه الثانى هى فترة يغتذى المؤمنون فيها بالمسيح "تبشرون بموتى وتعترفون بقيامتى وتذكروننى إلى أن أجئ" (أنظر 1كو 11: 26).

كان الخمير ينقى من البيت – وليس من الخبز وحده. إذ من المستحيل إخراج الخمير من الخبز... البعض يتكلم عن إستئصال الطبيعة الفاسدة بالكلية. لكن هذا غير واقعى. وقد سمح الرب بأن تبقى فينا الطبيعة الفاسدة التى ورثناها بالولادة من ابوينا إلى اليوم الذى سيغير الله شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجد المسيح.

لكن هناك طريقة لإيقاف فعل الخمير فى العجين، بإدخاله فى التنور (الفرن)، والنار توقف نمو الخميرة. هكذا فعل الله مع طبيعتنا الفاسدة، حينما وضعها فى نار دينونة الله فى الصليب – صليب المسيح... هكذا نفهم كلمات الرسول بولس عن الله أنه.

«أرسل إبنه فى شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية فى الجسد» (رو 8: 3)).

فمع أن الخطية ما تزال فينا، لكنها دينت فى صليب المسيح. ومن ثمّ نستطيع أن نتمم قول الرسول.

«إحسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا» (رو 6: 11)).

.. يجب على المسيحى أن ينقى الخمير من بيته. والبيت يشير إلى الإنسان نفسه، بل وإلى جماعة المؤمنين.

«إعزلوا الخبيث من بينكم» (1كو 5: 13)).

اليوم الأول لعيد الفطير (الخامس عشر من نيسان) كان محفلاً مقدساً لا يعمل فيه عمل. والعمل الوحيد المصرح به، هو ما كان لازماً لإتمام طقس الفرح فى العيد.

بعد محرقة الصباح المعتادة، كانت تقدم ذبائح وتقدمات الشعب. وهذه كانت تتألف فى كل يوم من أيام العيد السبعة، من ثورين إبنى بقر، وكبش وسبعة حملان (خراف حولية) لذبيحة محرقة، ومعها تقدمة الدقيق المخصصة، وكذلك تيساً واحداً لذبيحة خطية للتكفير عنهم (عد 28: 19 - 24)... بعد الإنتهاء من هذه الذبائح العامة عن كل الشعب، كانت تقدم تقدمات الشعب الخاصة. وكان يتم ذلك عادة فى اليوم الأول للعيد الموافق 15 نيسان.

عيد الباكورة

بعد ذلك نأتى إلى عيد حزمة الترديد أو باكورة الحصاد وكانت من الشعير... يقول السيد الرب "متى جئتم إلى الأرض التى أنا أعطيكم وحصدتم حصيدها تأتون بحزمة أول حصيدكم إلى الكاهن، فيردد الحزمة أمام الرب للرضا عنكم فى غد السبت لا يرددها الكاهن" (انظر لا 23: 9 - 14). إن حزمة الشعير التى كانت تقدم مباشرة من الحصاد إنما تشير إلى ربنا يسوع المسيح القائم من بين الأموات... كانت هذه الحزمة هى باكورة الحصاد. والمسيح القائم من بين الأموات هو باكورة الراقدين (1كو 15: 20)... كانت الحزمة تقدم فى "غد السبت" أى يوم الأحد. وهو يوم قيامة الرب ونصرته... ونلاحظ أن اليوم الأول بعد الفصح كان عيد الفطير. واليوم الثانى بعد الفصح كانت تقدم حزمة الشعير كباكورة للحصاد. وهكذا قام المسيح فى اليوم الثالث لموته على الصليب.

وتقدمة حزمة أول الحصاد، هى التقدمة الوحيدة التى كانت تقدم إلى الله مباشرة، دون إعداد سابق بواسطة البشر. فالذبائح مثلاً كانت تذبح ويسفك دمها. وتقدمة الدقيق كان يسبقها طحن الحنطة. أما هذه التقدمة فكان يؤتى بها من الحقل مباشرة لترديدها أمام الرب. وفى هذا رمز لقيامة المسيح التى لم يتدخل فيها أحد، بل قام هو بسلطان لاهوته.

وترديد حزمة الباكورة أمام الرب كان لا يرتبط بتقديم ذبيحة خطية، بل تقدم مع ذبيحة محرقة. وذلك لأن المسيح ليس فيه خطية، كما أنه كان قد أنهى موضوع الخطية على الصليب. وهكذا فحينما قام من بين الأموات كانت مشكلة الخطية قد إنتهت... أما ذبيحة المحرقة وتقدمتها من دقيق ملتوت بزيت وسكيبها من الخمر، فكانت تشير إلى فرحة النصرة بقيامة المسيح.

كان هذا العيد الذى تقدم فيه حزمة الشعير كباكورة للحصاد فى أوائل السنة العبرية المقدسة التى كانت تبدأ بالفصح الذى يسبق عيد الباكورة مباشرة. لكن فى الشهر السابع من هذه السنة كان هناك حصيد آخر فى عيد المظال هو حصيد الحنطة... الشعير هو طعام المساكين والحنطة هى غذاء المقتدرين... وهكذا نزرع بالدموع ونحصد بالإبتهاج.

عيد الخمسين

كان يقع بعد خمسين يوماً من عيد الباكورة، يوم تقديم حزمة الترديد أمام الرب.

كانت تطلق عليه عدة أسماء: فقد سمى.

«عيد الأسابيع» (خر 34: 22).

؛ تث 16: 10، 16؛ 2أى 8: 13)... وسمى "عيد الخمسين" لأنه يقع فى اليوم الخمسين لتقديم حزمة الترديد أمام الرب... ودعى.

«عيد الحصاد» (خر 23: 16).

لأنه كان يقدم فيه أول رغيفين من حصاد القمح... كما سمى أيضاً.

«عيد أوائل الثمار» (عد 28: 26)).

.. وكان طبقاً للتقليد اليهودى تذكار الإحتفال السنوى بتسليم الشريعة فى سيناء. فقد قيل أن موسى إستلم الشريعة فوق جبل سيناء فى اليوم الخمسين لخروج بنى إسرائيل من مصر، ولذا سمى بالعبرية "عيد البهجة بالناموس". وكانت هناك عادة يهودية قديمة حرص عليها اليهود، إذ كانوا يقضون الليلة السابقة لعيد الخمسين فى تقديم الشكر لله من أجل عطية الناموس.

كان عيد الفصح يشير إلى موت المسيح، وعيد الفطير يشير إلى حياة النقاوة فى المسيح، وعيد الباكورة يشير إلى قيامة ربنا يسوع من بين الأموات. أما عيد الخمسين فكان يشير إلى حلول الروح القدس الذى يؤلف الخليقة كلها يهوداً وأميين، ليجعل منهم جسداً المسيح السرى أى الكنيسة كشاهد له على الأرض... هذا ما حدا بالرسول بولس لأن يقول.

«لأننا جميعاً بروح واحد أيضاً إعتمدنا إلى جسد واحد، يهوداً كنا أم يونانيين. عبيداً أم أحراراً. وجميعناً سقينا روحاً واحداً» (1كو 12: 13)).

فى هذا العيد كانوا يأتون برغيفين من دقيق الحنطة ويخبزان خميراً باكورة للرب. ويقربون مع الخبز سبعة خراف صحيحة حولية وثوراً واحداً وكبشين محرقة للرب مع تقدمتها وسكيبها وقود رائحة سرور للرب. ويعملون تيساً واحداً من الماعز ذبيحة خطية،.

« وخروفين حوليين ذبيحة سلامة» (لا 23: 15 - 21)).

.. والرغيفان يمثلان اليهود والأمم اللذين تكونت فيهما كنيسة العهد الجديد.

«لأنه (المسيح) هو سلامنا الذى جعل الإثنين واحداً. ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة... لكى يخلق الإثنين فى نفسه إنساناً واحداً جديداً. صانعاً سلاماً. ويصالح الإثنين فى جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به» (أف 2: 14 - 16)).

لقد صار هذا الرغيفان اللذان للعهد القديم خبزاً واحداً فى العهد الجديد.

«فإننا نحن الكثيرين خبز واحد. جسد واحد. لأننا جميعاً نشترك فى الخبز الواحد» (1كو 10: 17)).

لكن لماذا الرغيفان فيهما خمير؟... إن الفطير يشير إلى الرب يسوع الخالى من الشر. أما الرغيفان فيرمزان إلى المؤمنين اللذين مازالت الخطية ساكنة فيهم... وهكذا نرى أن الرغيفين يقدم معهما ذبيحة خطية لأن الإنسان لا يمكن ان يكو مقبولاً أمام الله إلا على أساس القيمة الدائمة لذبيحة المسيح عن الخطية.

عيد الأبواق

كان يقع فى اليوم الأول من الشهر السابع من السنة الدينية...

«كلم بنى إسرائيل قائلاً: فى الشهر السابع فى أول الشهر يكون لكم عطلة تذكار هتاف البوق محفل مقدس وعملاً ما من الشغل. لا تعملوا، لكن تقربون وقوداً للرب» (لا 23: 23 - 25)).

..

كان الضرب بالبوق هو إشارة لجمهرة إسرائيل أثناء سيرهم فى البرية. كان يستخدم فى الدعوة للحرب، كما أعلنت أيام الفرح العامة والأعياد، فضلاً عن بدايات الشهور (عد 10: 1 - 10)... والضرب بالأبواق سواء لأهلة الشهور أو رأس السنة أو أعياد أخرى، أو السنة السبتية أو سنة اليوبيل أو فى زمن الحرب، كان إعلان عام عن يهوه كملك.

وكما كان صوت البوق فى القديم يدعو الشعب أمام الرب عند باب خيمة الإجتماع، هكذا مختاروه سيجمعون بصوت البوق فى يوم مجئ المسيح (مت 24: 31). وليس الأحياء فقط بل الراقدون (1كو 15: 52) – الأموات فى المسيح.

«لأن الرب نفسه بهتاف، بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات فى المسيح سيقومون أولاً» (1تس 4: 16).

ونحن نقرأ فى سفر الرؤيا عن "السبعة الملائكة الذين يقفون أمام الله وقد أعطوا سبعة أبواق" (رؤ 8: 2)...

هذه الأبواق كانت ترمز للبوق الأخير فى القيامة العامة.

«يرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح، من أقصاء المسكونة إلى أقصائها» (مت 24: 31)).

.. هكذا فإن هذا العيد يرمز إلى القيامة العامة، عندما يبوق الملائكة فى مجئ المسيح الثانى "فى لحظة فى طرفة عين عند البوق الأخير. فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير (1كو 15: 52) لقد كان الشعب قديماً يتذكرون ذلك البوق الذى سيبوق فى القيامة العامة ونهاية العالم، وكانوا يحتفلون به كل عام، لكى يتذكروا نهاية الأيام، وزوال العالم... كان هذا العيد يرمز إلى نهاية العالم.

عيد الكفارة

تصل طقوس ذبائح العهد القديم – التى تهدف إلى مغفرة الخطايا والتكفير عنها – إلى أقصى مداها فى يوم الكفارة... ومع كل ذلك فإن تلك الطقوس – التى تتكرر عاماً بعد عام – كانت تقدم الدليل على ضعف وصية العهد القديم وعدم نفعها، وأن.

«الناموس لم يكمل شيئاً» (عب 7: 18).

، 19). أما السبب فلأنه لم تكن هناك وساطة كهنوتية كاملة بين الإنسان والله، ولا كفارة كاملة فى الذبائح. وكنتيجة لذلك لم تكن هناك مغفرة كاملة... وهكذا فإن ذبائح العهد القديم كلها، كانت تؤدى نفس دور يوحنا المعمدان – دور إعداد الطريق – أمام الذبيحة الكفارية الكاملة، التى قدمها المسيح نيابة عن البشرية فى ملء الزمان فوق الجلجثة.

نقرأ عن عيد الكفارة فى سفر اللاويين أصحاح 16، 23. وطقوس يوم الكفارة تعتبر أهم الطقوس التى ذكرت فى سفر اللاويين. وهى تشير صراحة وبوضوح عجيب إلى أسرار العهد الجديد... كانت مراسيم ذلك اليوم ترمز إلى دخول السيد المسيح – رئيس الكهنة الأعظم إلى السماء مرة واحدة، بعد أن أكمل خلاص البشرية بدم نفسه (عب 9: 1 - 12، 24 - 28)... ونتناول طقوس ذلك اليوم من ثلاث زوايا: الشعب، ورئيس الكهنة، ثم ذبائح ذلك اليوم.

(1) من جهة الشعب:

كان بنو إسرائيل يحتفلون بهذا العيد فى اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم المقدسة الدينية. الفصح فى الشهر الأول والكفارة فى الشهر السابع... كان على كل بنى إسرائيل – عدا المرضى والشيوخ والأولاد – أن يصوموا ذلك اليوم من المساء إلى المساء أى من الغروب إلى الغروب... كان عليهم أن يمتنعوا عن الطعام والشراب والإغتسال ودهن الرأس ولبس الأحذية والعلاقات الزوجية... وكل نفس لا تنقطع فيه للعبادة والتذلل والصوم تقطع من الشعب. وكل نفس تعمل عملاً تباد تلك النفس (لا 23: 29، 30)... كل من أكل أو شرب سهواً يقدم عن نفسه ذبيحة خطية. أما من فعل ذلك عمداً فإنه يقطع من الشعب... إن يوم الكفارة يرمز ليوم الجمعة العظيمة عندنا، الذى نقيم فيه ذكرى آلام المسيح وصلبه. وهكذا فرضت الكنيسة على أبنائها الصوم والتقشف الشديدين يوم جمعة الصلبوت، لأنه يوم الكفارة الحقيقية.

ويوم الكفارة هو اليوم الوحيد على مدار السنة، الذى يدخل فيه رئيس الكهنة إلى قدس الأقداس، الذى يرمز للسماء – للتكفير عن خطاياه وخطايا الشعب أيضاً... وقدس الأقداس كان لا يدخله إلا رئيس الكهنة مرة واحدة فى السنة، وهذه المرة هى يوم الكفارة، بعد أن يستعد إستعدادات غير عادية.

(2) من جهة رئيس الكهنة:

فى يوم الكفارة لم يكن الكهنة العاديون هم الذين يخدمون ويؤدون الطقوس، بل رئيس الكهنة وحده... كان على رئيس الكهنة الذى يقوم بخدمة يوم الكفارة، أن يترك بيته ويعتزل زوجته سبعة أيام قبل يوم الكفارة. ويقيم تلك المدة بمخدع فى الهيكل، لئلا يمس شيئاً دنساً، أو ما يمنعه عن القيام بالخدمة. كان يعين له بديل، يحل محله فى حالة وفاته المفاجئة، أو إذا أصابه شئ يجعله غير قادر على تأدية واجباته الدينية. كان خلال هذا الأسبوع يرش مرتين برماد العجلة الحمراء، فى اليوم الثالث واليوم السابع، إذ ربما يكون قد تنجس سهواً بواسطة شئ ميت... وفى خلال هذا الأسبوع الذى يقيمة فى الهيكل، كان عليه أن يمارس بنفسه كل الطقوس الكهنوتية كرش دم الذبائح وحرق البخور وإيقاد السُرج، وتقديم الذبيحة اليومية... إلخ.

كان مجلس السنهدريم الأعلى يكلف بعض أعضائه الشيوخ ليتأكدوا أن رئيس الكهنة الذى سيقوم بالخدمة على علم ودراية بكل دقائق الخدمة، وإلا فإنهم كانوا يعلمونه إياها.

فى عشية يوم الكفارة، كانت تحضر أمامه جميع الذبائح الخاصة باليوم التالى، ليتأكد من سلامتها حسب الطقس... وبعد كل ذلك كانوا يقيدونه بقسم مقدس يتعهد به ألا يغير شيئاً من طقوس ذلك اليوم، حيث أنه وحده هو الذى سيقوم بها، كما أنه وحده سيكون فى قدس الأقداس.

كان طعامه فى عشية يوم الكفارة ضئيلاً... كان يقضى تلك الليلة ساهراً لا ينام، منشغلاً فى قراءة الأسفار المقدسة، أو الإستماع إليها وإلى شرحها... فى منتصف الليل كانت تعد المذابح لإستقبال اليوم العظيم.

كان رئيس الكهنة فى ذلك اليوم يغسل كل جسمه (يستحم) خمس مرات، ويديه ورجليه عشر مرات. وكان فى حالة الشيخوخه أو الضعف كان يسمح له أن يستخدم ماء ساخناص فى الإستحمام.

عند الفجر مع أول شعاع للنور كان يخلع ثيابه العادية ويستحم ثم يلبس ثيابه الذهبية – ثياب المجد والبهاء، وبعد أن يغسل يديه ورجليه ويتمم الطقوس المعتادة فى خدمة الصباح. وعقب الإنتهاء من خدمة الصباح كانت تبدأ طقوس ذلك اليوم. كان يستحم أولاً ثم يرتدى قميصاً وسروالاً ويتمنطق بمنطقة، ويضع على رأسه العمامة، وكلها مصنوعة من الكتان الأبيض النقى (لا 16: 4).

ونلاحظ أن رئيس الكهنة فى يوم الكفارة، كان لا يلبس شيئاً من ثيابه الفخمة الثمينة سوى القميص الكتان الذى يرمز إلى تجسد ربنا يسوع المسيح رئيس كهنة الخيرات العتيدة، الذى لما أخذ جسداً وأتى ليكفر عن خطايا البشر، ولم يظهر فى بهاء مجده، بل وضع عليه فقط حلة طبيعتنا البشري، أى "تجسد"، تلك التى يرمز لها بالقميص الكتان الأبيض.

وفيما يختص بالثياب الكتانية البيضاء نقول إن رئيس الكهنة فى ذلك اليوم كان لا يظهر كعروس يهوه، بل كإنسان يحمل ما يرمز إلى النقاوة الكاملة من أجل الخدمة العظيمة التى هو عتيد أن يتممها وهى الكفارة... أما عن اللون الأبيض فنحن نقرأ عن كل الواقفين على مقربة من الله أنهم كانوا فى ثياب بيض (حز 9: 2؛ دا 10: 5؛ 12: 6). ولأنها كانت الثياب المقدسة، فقد كان يتعين على رئيس الكهنة أن يغسل كل جسمه بالماء أولاً ثم يلبسها (لا 16: 4). أى أنه كان لا يكتفى بغسل يديه ورجليه كما فى الخدمات العادية، بل جسمه كله.

(3) من جهة ذبائح ذلك اليوم:

كانت خدمات يوم الكفارة تتألف من ذبائح كبيرة كفارية فريدة فيما ترمز إليه. أما الغرض منها فكان كما يصف الكتاب.

« ويكفر عن مقدس القدس، وعن خيمة الإجتماع والمذبح يكفر. وعن الكهنة وكل شعب الجماعة يكفر. وتكون هذه لكم فريضة دهرية للتكفير عن بنى إسرائيل من جميع خطاياهم مرة فى السنة» (لا 16: 33).

، 34).

والحاجة إلى ذبائح يوم الكفارة، بعد الذبائح اليومية وذبائح الخطية الخاصة والعامة على مدار السنة، إنما يظهر بوضوح عدم كفاية كل هذه الذبائح. بل إن نفس ذبائح يوم الكفارة أشارت إلى أنها وقتية.

«موضوعة إلى وقت الإصلاح» (عب 9: 10)).

بمطالعتنا لما جاء فى (عد 29: 7 - 11) يتضح أن ذبائح يوم الكفارة كانت على ثلاثة أنواع:

ذبيحة المحرقة الدائمة، أى ذبيحة الصباح وذبيحة المساء لكل يوم بتقدمتها (الدقيق) وسكائبها.

ذبائح العيد الخاصة بهذا اليوم، وتتألف من:

كبش محرقة عن رئيس الكهنة ولكهنة (لا 16: 3).

ثور إبن بقر وسبعة خراف لا يزيد عمرها عن عام مع تقدماتها كذبيحة محرقة، وليس كذبيحة خطية – هذه عن الشعب:

ذبائح اليوم التكفيرية. وكانت ثور إبن بقر كذبيحة خطية عن رئيس الكهنة وبيته وأولاد هارون. وذبيحة خطية أخرى عن الشعب عبارة عن تيسين إحدهما يذبح ويرش دمه حسب الطقس، بينما يرسل الآخر للبرية حاملاً خطايا بنى إسرائيل وآثامهم.

أما عن ترتيب تقديم ذبائح هذا اليوم فكان كالآتى:

أولاً: ذبيحة الصباح المعتادة.

ثانياً: الذبائح الكفارية عن رئيس الكهنة والكهنة والشعب.

ثالثاً: ذبائح المحرقة الخاصة بالعيد عن الكهنة والشعب (عد 7: 29 - 11)، ومعها ذبيحة خطية أخرى.

وأخيراً، ذبيحة المساء المعتادة – هذه الذبائح جميعها يبلغ عددها خمس عشرة ذبيحة.

جميع خدمات هذا اليوم كما ذكرنا يقوم بها رئيس الكهنة وحده وبنفسه، لكن هذا لا يمنع أنه كان هناك من يساعده من الكهنة. وقيل – حسب ما جاء فى كتاب المشنا اليهودى – أن عدد الكهنة اللذين كان يساعدون رئيس الكهنة فى خدمات وطقوس يوم الكفارة، بلغ خمسمائة!!

عن الذبائح التى يقدمها رئيس الكهنة عن نفسه وبيته والكهنة، فإنه كان يشتريها من ماله الخاص ويشترك معه فى ثمنها الكهنة باعتبارهم شركاء فى الذبيحة. أما الذبائح التى كانت تقدم عن الشعب فكان ثمنها يؤخذ من خزانة الهيكل.

طقوس يوم الكفارة:

قلنا أنه بعد الإنتهاء من خدمة الصباح، يغسل رئيس الكهنة يديه ورجليه ويخلع ثيابه الذهبية. ثم يستحم ويلبس الثياب الكتانية البيضاء. ومرة ثانية يغسل يديه ورجليه ويتقدم لخدمات اليوم العظيم. كان الثور الخاص بذبيحة الخطية عن رئيس الكهنة يقف بجوار مذبح المحرقة متجهاً نحو الجنوب... كان رئيس الكهنة يقف متجهاً نحو الشرق (نحو الشعب). يدير رأس الذبيحة نحو الغرب أى نحو قدس الأقداس. ثم يضع كلتا يديه على رأس الذبيحة، ويعترف الإعتراف التالى:

"يارب (يهوه) لقد أثمت وتعديت – أنا وبيتى. أتضرع إليك يا رب أن تكفر (تستر) عن الآثام والتعديات والخطايا التى فعلتها أمامك أنا وبيتى، حتى كما هو مكتوب فى ناموس موسى خادمك: لأنه فى ذلك اليوم سيكفر عنك وتطهر من كل خطاياك أمام يهوه ستطهر".

نلاحظ أنه فى هذا الاعتراف وغيره فى هذا اليوم الذى يقدمه رئيس الكهنة، إن إسم يهوه يرد عشر مرات... وعندما يذكر إسم يهوه، يطرق جميع الواقفين إلى جواره بوجوههم نحو الأرض. بينما يقول الشعب "مبارك الإسم. مملكته إلى أبد الآباد" ثم يأتى رئيس الكهنة إلى التيسين. كان يجب أن يكونا متشابهين تماماً فى الشكل والحجم والقيمة. فالفكرة أن الإثنين يؤلفان نفس الذبيحة الواحدة، ثم يلقى رئيس الكهنة القرعة عليهما بواسطة لوحين من الذهب مكتوب على أحدهما "يهوه – الرب" والآخر "لعزازيل"... يتحدد أى التيسين للرب أى الذى سيقدم ذبيحة وأيهما لعزازيل... يربط رئيس الكهنة قرن التيس الذى لعزازيل بقطعة من قماش قرمزى اللون على شكل لسان – ويربط قطعة أخرى حول رقبة تيس يهوه الذى سيذبح... يغير وضع تيس عزازيل الذى سيرسل للبرية، بحيث يواجه الشعب الحاضر فى الهيكل منتظراً خطاياهم توضع عليه ليحملها إلى القفر... إنه فى إتجاهه نحو الشعب إنما يمثل المسيح الذى أحضره بيلاطس وأوقفه أمام الشعب، منتظراً حمل خطاياهم... وإذا كان رئيس الكهنة قد ربط قطعة من قماش قرمزى حول قرن تيس عزازيل، فلا ننسى أن المسيح ألبسوه رداء قرمزياً (مت 27: 28).

يقول التقليد اليهودى أنه بعد تقديم التيس الذبيحة وقبولها لدى الرب، إن قطعة القماش القرمزى التى فوق قرن تيس عزازيل كان تبيض لونها... إنها تشير إلى الوعد الإلهى "هلم نتحاجج يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج. إن كانت حمراء كالدودى تصير كالصوف" (أش 1: 18)... ويقول التقليد أيضاً إن هذه المعجزة توقفت قبل خراب هيكل أورشليم بنحو أربعين سنة (إذا كان الأمر كذلك، فيكون قد توقف حدوث هذه المعجزة بعد أن قدم المسيح ذاته ذبيحة – لقد خرب الهيكل سنة 70م وقبلها بأربعين سنة أى سنة 30م منذ أن بدأ المسيح خدمته الكرازية).

بعد ذلك يضع رئيس الكهنة كلتا يديه على الثور ويعترف عليه. وفى هذه لا يعترف بخطاياه وخطايا بنيه فقط بل بخطايا الكهنة أيضاً... يذبح الثور ويؤخذ دمه فى وعاء، ويسلمه إلى أحد أتباعه ليحرك الدم باستمرار حتى لا يتجلط... ثم يتقدم نحو مذبح المحرقة، ويملأ المجمرة التى من الذهب الخالص بجمر نار، وملء قبضته من البخور، ويدخل إلى قدس الأقداس بمفرده...

فى داخل قدس الأقداس كان رئيس الكهنة بمفرده... الظلام يخيم على المكان. لا يوجد فيه بصيص من النور اللهم إلا ما ينبعث من الوقود المشتعل فى المجمرة التى يحملها. ويبخر حتى يمتلئ المكان بالبخور. يترك المجمرة داخل قدس الأقداس، ويخرج منه ووجهه متجه إليه. ويقدم أمام الحجاب الذى يفصل بين القدس وقدس الأقداس ويصلى الصلاة التالية:

لتكن مسرتك أيها الرب إلهنا وإله جميع آبائنا، إنه لا يحل بنا أى أسر، لا فى هذا اليوم ولا خلال هذه السنة. وإذا حدث لنا أسر اليوم أو هذه السنة، فليكن إلى مكان فيه ناموسك. ولتكن مسرتك أيها الرب إلهنا أن الفاقة لا تأتى علينا هذا اليوم أو هذه السنة. وإذا أتت علينا الفاقة هذا اليوم أو هذه السنة، ليتها تكون بسبب سخائنا فى أعمال الإحسان. ليت مسرتك أيها الرب إلهنا وإله كل آبائنا أن تكون هذه السنة عدم غلاء واكتفاء ومعاملات وتجارة، سنة مطر وفير وشمس مشرقة وندى. فيها لا يحتاج شعبك إسرائيل أن يساعد الواحد الآخر. لا تسمع لصلوات الذين على وشك السفر (لأنهم يصلون لكى لا تمطر). ولا يرتفع عدو على شعبك إسرائيل. لتكن مسرتك أيها الرب إلهنا وإله جميع آبائنا "...

كان لا يجب على رئيس الكهنة إطالة هذه الصلاة لأن غيابه عن أنظار الشعب وهو بمفرده فى الداخل، كان يملأهم بالمخاوف على سلامته... وأثناء وجود رئيس الكهنة فى داخل المسكن كان الشعب ينشغل بالصلاة فى صمت.

أخيراً يخرج رئيس الكهنة من القدس وتهدأ قلوب الناس، لأنهم يعلمون أن خدمته قد قبلت. يأخذ رئيس الكهنة من تابعه الدم الذى ظل يحركه حتى لا يتجلط. وبسرعة وللمرة الثانية يدخل إلى قدس الأقداس ويرش الدم بأصبعه فى إتجاه كرسى الرحمة مرة إلى أعلا وسبع مرات إلى أسفل. يخرج من قدس الأقداس، ويضع إناء الدم أمام الحجاب، ثم يذبح تيس الرب (يهوه) ويدخل إلى قدس الأقداس بدمه مرة ثالثة ويرش الدم كالمرة السابقة، مرة إلى أعلا وسبع مرات إلى أسفل فى إتجاه تابوت العهد. ويضع الإناء الذى فيه دم التيس على قاعدة ذهبية أخرى غير الموضوع عليها الإناء الأول. ثم يأخذ الإناء الذى به دم الثور ويرش مرة واحدة إلى أعلا وسبع مرات إلى أسفل تجاه الحجاب خارج قدس الأقداس. ونفس الأمر يتممه بدم التيس... ثم يصب دم الثور على دم التيس فى الإناء ويحفظ الإثنين. يرش الدم على قرون مذبح البخور، ثم أعلا مذبح البخور سبع مرات... وبذلك يكون قد رش دم الكفارة 43 مرة.

وكان رئيس الكهنة يحترس جيداً من أن تقع نقطة من دماء ذبائح الخطية على ثيابه الكتانية... أخيراً ما يتبقى من الدم يصبه رئيس الكهنة على قاعدة الجانب الغربى لمذبح المحرقة... بهذا يكون رئيس الكهنة قد طهر الهيكل فى كل أجزائه من نجاسات الكهنة والشعب... قدس الأقداس والحجاب والقدس ومذبح البخور ومذبح المحرقة جميعها الآن أصبحت طاهرة. (لا 16: 33).

تيس عزازيل:

بعد أن يفرغ رئيس الكهنة مما تقدم يضع كلتا يديه على رأس التيس ويعترف متوسلاً:

"أيها الرب (يهوه) لقد أثم شعبك بيت إسرائيل وتعدوا وأخطأوا. أتضرع إليك يا رب كفر (إستّر على) عن آثامهم وتعدياتهم وخطاياهم التى فعلها شعبك بيت إسرائيل ببشاعة وتعدوا وأخطأوا أمامك. كما هو مكتوب فى ناموس موسى خادمك: لأنه فى ذلك اليوم سيكفر عنك وتطهر من كل خطاياك أمام الرب (يهوه) ستطهر... ثم يلتفت رئيس الكهنة نحو الشعب المنحنى امام يهوه، وينطق آخر الكلمات" ستطهروا "... كما لو كان يعلن لهم الحلّ ومغفرة خطاياهم...

يقول التقليد اليهودى أن الكهنة كانوا يأخذوا التيس الحامل الخطايا، ويخرجوا به من الباب الشرقى إلى جبل الزيتون، حيث يكون فى انتظاره إنسان سبق أن خُصص لهذا الغرض حتى ما يأخذ التيس ويتجه إلى القفر. وحسب التقليد أيضاً يجب أن يكون هذا الإنسان الذى يستلم التيس غريباً – وليس إسرائيلياً... وكان هذا رمزاً للمسيح الذى أسلمه بنو إسرائيل إلى أيدى الأمم!! إن الأسفار المقدسة لا تمدنا بمعلومات عن ذلك التيس الذى حمل خطايا بنى إسرائيل، سوى أنه يرسل بيد من يلاقيه إلى البرية. فيطلقه فى البرية (لا 16: 22)... كانت المسافة بين أورشليم وبداية البرية (القفر) كبيرة. لذا قسمت إلى عشر مراحل، بين الواحدة والأخرى نصف مسافة سفر سبت. فى نهاية كل مرحلة كان هناك موقف فيه شخص أو أكثر خصيصاً لهذا الغرض. كانوا يقدمون لمن معه التيس ما يحتاجه من سبل الراحة ويصحبونه إلى الموقف التالى... كان المقصود بذلك هو التأكد من وصول التيس إلى القفر حسب الطقس بواسطة أشخاص موثوق بهم يصحبون التيس فى كل الرحلة... أخيراً يصلون إلى حافة البرية... هنا يتوقفون. ويمزق مستلم التيس نصف اللسان القماش القرمزى ويلصقه بجرف صخرى ناتئ (بارز)... أما الرجل الذى قاد التيس، فقد أصبح نجساً بإتصاله بالتيس حامل الخطية – لذا كان يعود رحلته مقتضياً آثر خطواته حتى يصل إلى آخر المواقف العشرة، وهناك يستريح بقية يومه والليل كله.

ولأن الناس فى أورشليم كانوا ينتظرون خبر وصول التيس حامل خطاياهم إلى البرية (القفر). فقد كان ذلك يعلن لهم بتحريك الرايات من موقف إلى آخر. وهكذا – فى خلال دقائق قليلة – يصل الخبر إلى الهيكل، وينتقل من إنسان إلى إنسان... لقد وصل التيس إلى القفر.

هناك ملاحظات فى غاية الأهمية بالنسبة لهذا التيس الذى أرسل إلى البرية...

خطايا الشعب لم يعترف بها رئيس الكهنة – على تيس الرب الذى ذبح، بل على التيس الذى أرسل إلى البرية تحت إسم عزازيل... كان تيس البرية – وليس الآخر – هو الذى حمل كل خطايا الشعب وتعدياتهم. كان تيس البرية هو ذبيحة الخطية الوحيدة والحقيقية بالنسبة لبنى إسرائيل. عليه وضع رئيس الكهنة – خطايا الشعب بعد أن يكون قد فرغ من التكفير عن القدس وخيمة الإجتماع والمذبح (لا 16: 20)... إن الدم المرشوش كان له هذا التأثير، لكن ليس أكثر... تلك الذبائح كانت لا تستطيع أن تفعل أكثر لأنها.

«لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذى يخدم» (عب 9: 9)).

أما التيس الحىّ الذى أرسل محملاً بخطايا الشعب وحملها بعيداً إلى البرية، فكان هو الذى يرمز لهذا التكميل فى ظل العهد القديم... هكذا كان يفهم بنو إسرائيل.

والمعنى الوحيد لذلك هو أنه – ولو أن الذنوب المعترف بها انتقلت من الناس إلى رأس التيس، كالبديل الرمزى – لكن التيس لم يذبح، بل أرسل بعيداً إلى القفر... هكذا فى ظل العهد القديم، كانت الخطية لا تمحى حقيقة، لكنها أبعدت عن الناس، وحفظت حتى جاء المسيح – ليس فقط ليحمل التعديات – بل ليمحوها ويطهر منها بدمه... إن ما فعله العهد القديم كان من قبيل الإعداد المؤقت فى زمان الإصلاح، حينئذ تكون المغفرة نهائية. إن الكلمة المستخدمة للتعبير عن التكفير تعنى التغطية أو الستر على شئ.

أما عن إسم عزازيل فهناك آراء كثيرة بخصوصه... لكن أرجح الآراء بحسب الإتفاق العام. إن كلمة عزازيل فى اشتقاقها اللغوى تعنى "يحفظ أو يطرح كلية، أو يطرح جانباً أو بعيداً.

ان هذا التيس الذى أرسل إلى القفر والبرية هو رمز للمسيح الذى قال عنه أشعياء بروح النبوة "كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحدٍ إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا. ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه. من الضغطة ومن الدينونة أخذ. وفى جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء. أنه ضرب من أجل ذنب بنى شعبى" (أش 53: 6 - 8).

لقد قطع من أرض الأحياء حين أرسل إلى القفر كما رأينا فى أمر التيس!! بعد ذلك كان رئيس الكهنة يحرق أحشاء الثور والتيس الذى ذبح وكفر بدمهما على مذبح المحرقة، أما جسد الذبيحتين فيرسلان ليحرقا خارج المدينة فى المكان الذى يوضع فيه عادة رماد الهيكل.

ملاحظة أخيرة:

يسمى يوم الكفارة أو عيد الكفارة.

«اليوم» (عب 7: 27)).

ويشار إليه فى سفر الأعمال بكلمة.

«الصوم» (أع 27: 9)).

وقد قلنا أنه يرمز إلى يوم الجمعة العظيمة...

لا ينبغى أن نغفل وضع ذلك اليوم بالنسبة للأعياد الأخرى فى العهد القديم... فهذا العيد يقع فى اليوم العاشر من الشهر السابع من سنة اليهود المقدسة. ويقع عيد المظال فى اليوم الخامس عشر من هذا الشهر، وهو آخر الأعياد فى السنة... ومعنى ذلك أنه كان يقع قبل عيد المظال أو عيد الحصاد والشكر بخمسة أيام... كان على بنى إسرائيل كأمة أن تتصالح مع الله – بذبائح يوم الكفارة – قبل الإحتفال الكبير فى عيد المظال الذى يتسم بالبهجة والفرح... واهمية يوم الكفارة – كسابق لعيد المظال – يصبح فى مغزاه مثيراً، حينما نتذكر أن عيد المظال – الحصاد – يرمز إلى الإجتماع النهائى لكل الشعوب فى يوم الدينونة العام... ومن المفيد أيضاً أن نتذكر أن سنة اليوبيل التى تأتى كل خمسين سنة، وفيها يعتق العبيد ويحررون ويعفى المدينون من ديونهم وتعاد الأرض إلى من سبق أن باعها عن فقر وعوز – كانت هذه السنة تبدأ فى يوم الكفارة... وما ذلك إلا لأن الكفارة هى الأساس الذى عليه تأتى.

«أزمنة ردّ كل شئ» (أع 3: 21)).

ولعله من المفيد كذلك أن نذكر أن التقليد اليهودى يذكر أن يوم الكفارة هو اليوم الذى أخطأ فيه آدم وتاب. وهو اليوم الذى إختتن فيه إبراهيم – كعلامة للعهد مع الله بالدم – وهو اليوم الذى عاد فيه موسى من الجبل وكفر عن خطية الشعب الذين عبدوا العجل الذهبى:

كفارة العهد القديم وكفارة المسيح:

كان يوم الكفارة يتكرر سنوياً. وفى ذلك الدليل على أن مشكلة الخطية كانت لا تزال قائمة. أما السبب فيوضحه بولس الرسول بقوله "لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع الخطايا (عب 10: 4)... كانت تلك الذبائح ترمز إلى ذبيحة المسيح الواحدة التى فيها الحلّ النهائى للمشكلة، وهى التكفير الكامل عن خطية الإنسان... وفى ملء الزمان جاء المسيح.

«ليبطل الخطية بذبيحة نفسه» (عب 9: 26).

، ولكى يصبح المؤمنون.

«مقدسين بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة» (عب 10: 10).

وأن المسيح.

«بعد ما قدم الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله» (عب 10: 12)).

وإنه.

«بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين» (عب 10: 14)).

.. وإنه.

«بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً» (عب 9: 12)).

ومن المفيد بأن نذكر أن الرب كان يتراءى بمجده فوق غطاء تابوت العهد الذى يسمى كرسى الرحمة.

«لأنى فى السحاب أتراءى على الغطاء» (لا 16: 2)).

.. كان الرب يتراءى بمجده فوق التابوت على أساس واحد هو دم الكفارة الذى دخل به رئيس الكهنة ونضح منه سبع مرات على غطاء التابوت. ومن المفيد كذلك أن نذكر أن بركات يوم الكفارة كانت لا تقتصر على اليهود وحدهم، بل كانت تشمل الغريب أيضاً والنازل فى وسطهم (لا 16: 29)... إن يوم الكفارة كما راينا يشير إلى ذبيحة المسيح وعمله الفدائى... وبركات ذبيحة المسيح.

«إلى كل، وعلى كل الذين يؤمنون. لأنه لا فرق... متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذى بيسوع المسيح، الذى قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه» (رو 3: 22 - 25)).

.. إن كفارة المسيح هى للخليقة كلها.

«يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته، سواء كان ما على الأرض أم ما فى السموات» (كو 1: 20)).

عيد المظال

هو أكثر المواسم بهجة بين أعياد بنى إسرائيل. فلقد كان يقع فى وقت من السنة، تكون فيه كل قلوب الشعب مليئة بالشكر والفرح والترقب... أما الشكر والفرح فلأن كل الحاصلات والثمار تكون قد جمعت ووضعت فى المخازن. وأما الترقب فلأن الأرض تكون فى انتظار المطر المتأخر لإعدادها لمحصول جديد.

كان يبدأ فى اليوم الخامس عشر من الشهر السابع من السنة المقدسة، ويستمر سبعة أيام. وكان بنو إسرائيل طيلة الإسبوع يقيمون فى مظال مصنوعة من أغصان الأشجار الخضراء الكثيفة الأوراق.

«فى مظال تسكنون سبعة أيام. كل الوطنين فى إسرائيل يسكنون فى المظال. لكى تعلم أجيالكم انى فى مظال أسكنت بنى إسرائيل لما أخرجتهم من أرض مصر» (لا 23: 42).

، 43).

يقع العيد فى الخامس عشر من الشهر العبرى – وهو شهر قمرى، حينما يكون القمر بدراً متألقاً، إشارة إلى كمال البهاء والضياء... وإذا كان القمر يستمد ضوءه من الشمس، فإن ذلك يرمز إلى عمل شمس البر والشفاء فى أجنحتها "(ملا 4: 2)، الذى هو ربنا يسوع المسيح... وعيد المظال وإن كان يستمر سبعة أيام، لكن فى نهايته – فى يومه الثامن، كان محفل مقدس للرب... والعيد كله كان عيد للفرح.

«تفرحون أمام الرب إلهكم سبعة أيام» (لا 23: 40)).

.. كان هذا العيد والسكن فى خيام خلال أيامه يشير عموماً إلى الغربة. أما يومه الثامن يشير إلى الراحة الأبدية... لقد أشار الرب يسوع إلى المظال الأبدية (لو 16: 9).

كانوا ينصبون خيامهم على سطوح المنازل أو خارجها... وفى أول أيام العيد كانوا يصنعون حزماً من سعف النخل، يحملونها مع أغصان الزيتون فى أيديهم طيلة ذلك النهار يرنمون بالمزمور.

«اشكروا الرب فإنه صالح وإلى الأبد رحمته» (مز 118: 1)).

.. أما بقية أيام العيد فكانوا يترددون على الهيكل، وهم يحملون تلك الأغصان فى أيديهم، بينما الكهنة يدورون حول المذبح هاتفين "أوصنا. يا رب أعنا. يا رب أنجحنا"... وفى اليوم السابع، كانوا يدورون هذه الدورة سبع مرات تذكاراً لطواف آبائهم حول أريحا وسقوط أسوارها واستيلائهم عليها.

وفى كل صباح من أيام العيد كان رئيس الكهنة يذهب مع جمع غفير إلى بركة سلوام، ويغترف من مائها فى أبريق من ذهب، ويأتى به إلى الهيكل بمحفل عظيم، ثم يسكبه ممزوجاً بخمر إلى جانب المذبح، تذكاراً لإخراج موسى الماء من الصخرة فى البرية... وهذا الإحتفال هو الذى شاهده الرب يسوع فى آخر أيام العيد – فى يومه الثامن.

«فى اليوم الأخير العظيم من العيد (عيد المظال) وقف يسوع ونادى قائلاً إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حى. قال هذا عن الروح القدس الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه. لأن الروح القدس لم يكن قد أعطى بعد، لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد» (يو 7: 37 - 39)).

.. وكان الرب يسوع بهذا الكلام يذكر الأذهان أنه هو الصخرة التى تفجر منها الماء، وشرب منها عطاش بنى إسرائيل فى البرية (1كو 10: 4).

وعيد المظال هو ثالث الأعياد السنوية الكبرى التى كانت يجب على كل ذكر فى إسرائيل أن يتراءى أمام الرب فى الموضع الذى يختاره... إن كنا قد رأينا فى عيد الخمسين تقديم رغيفين من الحنطة مختمرين كرمز لكنيسة العهد الجديد التى تضم اليهود والأمم، فإن عيد المظال – الذى يسمى أيضاً عيد الحصاد (خر 13: 16، 34: 22)، يرمز مستقبلاً إلى الحصاد الكامل فى نهاية العالم... يقول أشعياء النبى "ويصنع رب الجنود لجميع الشعوب فى هذا الجيل وليمة سمائية، وليمة خمر... يبلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه، وينزع عار شعبه عن كل الأرض" (أش 25: 6 - 8)... نفس هذه المعانى تقريباً يوردها سفر الرؤيا (رؤ 21: 3، 4) ويؤكد وصف زكريا النبى لليوم الأخير واهتداء كل الأمم إرتباطه بعيد المظال.

« ويكون أن كل الباقى من جميع الأمم الذين جاءوا على أورشليم، يصعدون من سنة إلى سنة ليسجدوا للملك رب الجنود، وليعيدوا عيد المظال» (زك 14: 16)).

.. ويؤكد ما جاء فى سفر الرؤيا عن المتسربلين بثياب بيض وفى أيديهم سعف النخل، أن عيد المظال يرمز إلى نهاية العالم ومجئ المسيح الثانى "بعد هذا نظرت وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف متسربلين بثياب بيض، وفى أيديهم سعف النخل، وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف" (رؤ 7: 9، 10).


[1] - جاء فى الباب الخامس من الدسقولية القول "ومن بعد أن تكملوا عيد الخمسين عيدوا أيضاً أسبوعاً آخر. وحيث أن عيد الخمسين أصلاً عيد يهودى، فنرجع أن يكون الإحتفال به لمدة أسبوع. ومن هنا جاء هذا التعليم الذى للآباء الرسل.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

من أجلك نمات كل النهار

ذبيحتا الخطية والإثم

سلسلة لاهوت السيد المسح
سلسلة لاهوت السيد المسح