المسيح فى شبه السماويات

المسيح فى شبه السماويات

أمور تتصل بخيمة الإجتماع.

مدلولات الأعداد رمزياً فى خيمة الإجتماع.

خيمة الإجتماع.

أقسامها.

مشتملاتها.

رموزها.

تكلمنا فى الموضوع الماضى "مثال المسيح فى مصر والبرية" عن بعض الرموز التى كانت ترمز لمسيحنا الذى هو فوق الزمان، كخروف الفصح، وعبور البحر الأحمر، ومارة وإيليم، والمنّ، وصخرة حوريب، ومحاربة عماليق والحية النحاسية... ورأينا مدى التطابق العجيب والمذهل بين تلك الرموز والسيد المسيح المرموز إليه، بما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المسيح له المجد كان موجوداً فى العهد القديم... واليوم نتقدم لنستكشف المسيح فى مركز عبادة العهد القديم فيما عرف باسم "خيمة الإجتماع"... فما هو موضوع خيمة الإجتماع...؟

فيما كان شعب إسرائيل متغرباً فى البرية، بعد نحو خمسة عشر شهراً من خروجهم من أرض مصر. وبعد أن أعطى الرب موسى الوصايا والأحكام ليحيا بنو اسرائيل بمقتاضاها، طلب إليه أن يكلم بنى اسرائيل كجماعة، أن يقدموا تقدمات من عطائهم ليصنعوا له مقدساً ليسكن فى وسطهم "(خر 25: 8).

وموضوع خيمة الإجتماع هو موضوع فى غاية الأهمية. ففضلاً عن كونه موضوعاً إيمانياً عقيدياً، فهو موضوع روحى شيَّق... يدعو الرسول بولس الخيمة.

«شبه السمويات وظلها» (عب 8: 5).

، وما بداخلها يدعوه.

«أمثلة الأشياء التى فى السمويات» (عب 9: 23)).

.. ليس أدل على هذه الأهمية من أن موسى الذى دوَّن لنا قصة الخليقة فى أقل من إصحاحين، بدوَّن لنا قصة الخيمة وما يتعلق بها فى ستة عشر أصحاحاً!!

ليس أدل على أهمية الخيمة من أن الله لم يترك الإنسان لكى يطلق لفكره العنان، ليعمل ما يليق بإله إسرائيل حسب تخيّله، بل دعاء موسى للصعود إلى قمة جبل سيناء. وهناك أمره قائلاً.

«انظر فاصنعها (أجزاء الخيمة) على مثالها الذى أظهر لك على الجبل» (خر 25: 40)).

.. والقديس بولس يشير إلى ذلك فيقول.

«كما أوحى إلى موسى وهو مزمع أن يصنع المسكن. لأنه قال أنظر أن تصنع كل شئ حسب المثال الذى أظهر لك فى الجبل» (عب 8: 5)).

.. هذا ما كشفه لنا الرسول بولس عندما إقترب بالروح إلى الخيمة ليراها "شبه السماويات وظلها"... ولم يقتصر الأمر عن هذا الحدّ، بل إن الذين اشتغلوا فى صناعة الخيمة ملأهم الرب من ورحه بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة، ومن هؤلاء بصلئيل بن أورى بن حور من سبط يهوذا وغيره (خر 31: 1 - 6).

إن الخيمة هى المقدس السمائى الذى ليس من صنع إنسان، فيه يسكن الله مع خليقته التى أحبها. لقد جاءت خيمة الإجتماع ظلاً لصورة السماء عينها إلى أن ينتقل الشعب إلى العهد الجديد فيدخلون صورة السماء وينالون عربونها. بعدها ينطلقون فى الحياة الأبدية إلى كمال المسكن السماوى... يقول ميثوديوس الشهيد فى كتابه وليمة العشر عذارى [تنبأ اليهود عن حالنا، أما نحن فنتنبأ عن السمويات، حيث أن الخيمة هى رمز للكنيسة، وأما الكنيسة فرمز للسمويات... لقد أمر العبرانيون أن يزينوا الخيمة كمثال للكنيسة، حتى يستطيعوا من خلال المحسوسات أن يعلنوا مقدماً صورة الأمور الإلهية. فإن المثال الذى أظهر لموسى على الجبل، والذى كان عليه الإلتزام به عندما أقامها، كان نوعاً من التمثيل الحقيقى للمسكن السماوى، الذى نراه الآن بأكثر وضوح مما كان قبلاً خلال الرموز. ومع ذلك فهى قاتمة إذا ما قورنت بالحقيقة. لأنه حتى فى حالتنا الآن، فإن الحقيقة لم تُعط للبشر الذين لا يقدرون على رؤية الأمور الخالدة خالصة. على نحو ما أنهم لا يحتملون التطلع إلى أشعة الشمس. لقد أعلن لليهود ظل صورة الأمور السماوية... أما نحن فنرى بوضوح صورة النظام السماوى. ولكن بعد القيامة ستظهر الحقيقة واضحة حينما نرى المسكن السمائى – المدينة التى صانعها وبارئها الله – نراها وجهاً لوجه كاملة بدون قتام].

لكن هناك بعض الأشياء التى يحسن التوقف عندها قليلاً قبل الحديث عن الخيمة وتفاصيلها...

مدلول التسمية:

إن "خيمة الإجتماع" تشير صراحة إلى حقيقتها... إنها تشير إلى إجتماع الله مع شعبه... يقول الرب.

«حيث أجتمع بكم لأكلمك هناك. وأجتمع هناك ببنى إسرائيل فيقَّدس بمجدى... وأسكن فى وسط بنى إسرائيل، وأكون لهم إلهاً. فيعلمون إنى أنا الرب إلههم الذى أخرجهم من أرض مصر لأسكن فى وسطهم» (خر 29: 42 - 46)).

.. إن هذا أول معنى لكنيسة العهد الجديد. فالكنيسة ليست مجرد إجتماع مؤمنين مع بعضهم، بل إجتماع الله بالمؤمنين ووجودهم فى الحضرة الإلهية. هذا، وحيث أنها خيمة فهى تشير إلى غربتنا فى العالم... قال الرب يسوع.

«لستم من العالم» (يو 15: 19)).

ماذا حدث قبل إقامة الخيمة؟

فى الإصحاحات من 20 إلى 23 من سفر الخروج نقرأ عن الوصايا التى نطق بها الله نفسه. وقبل أن يتسلم موسى لوحى الشريعة من الله أخبر الشعب بجميع هذه الوصايا. فأظهروا طاعتهم واستعدادهم للسير بموجبها (خر 24: 3)... بعدها بنى موسى مذبحاً للرب فى أسفل الجبل واثنى عشر عموداً لأسباط إسرائيل الإثنى عشر. وأصعدوا بنو إسرائيل محرقات وذبائح سلامة للرب. وأخذ موسى نصف دم الذبائح ورشه على المذبح. أما النصف الآخر فرشّه على الشعب. وقال لهم.

«هوذا دم العهد الذى قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال» (خر 24: 4 - 8)).

ما معنى رش المذبح والشعب بالدم؟

والمذبح هو موضع التقاء الله بشعبه (خر 20: 24)... كان لا يمكن أن يحدث التقاء بين الله القدوس والبشر الخطاة الأثمة، على نحو ما أنه لا شركة للنور مع الظلمة... لكن تمّ اللقاء لكن على أساس جديد. هذا الأساس هو دم الكفارة. لقد رش المذبح بدم الذبائح، ورش الشعب بدم الذبائح أيضاً بعد أن أعلنوا خضوعهم واستعدادهم لطاعة الله وعهده المقدس... هنا أمكن أن يحدث اللقاء بين الإنسان والله. هكذا تمت المصالحة – على أساس الدم – ودخلوا فى عهد الرب. لعل هذا ما توضحه كلمات بطرس الرسول فى صدر رسالته الأولى.

«بمقتضى علم الله الآب السابق فى تقديس الروح للطاعة، ورش دم يسوع المسيح لتكثر لكم النعمة والسلام» (1بط 1: 1).

، 2). كان ذلك رمز للذبيحة الكبرى التى قدمت فى ملء الزمان فوق الجلجثة باورشليم لأجل جميع البشر...

الله يوضح كيف يقترب البشر منه:

(1) بعد أن انتهى الله من إعطاء الوصايا والأحكام قال لموسى.

«اصعد إلى الرب أنت وهارون وناداب وابيهو، وسبعون من شيوخ إسرائيل واسجدوا من بعيد. ويقترب موسى وحده إلى الرب. وهم لا يقتربون. وأما الشعب فلا يصعد معه» (خر 24: 1).

، 2)... وواضح أن الله هنا لم يسمح للشعب بالصعود إلى الجبل، وكل ما سمح الله به أن ممثلى الشعب يسجدون من بعيد. وموسى وحده هو الذى اقترب من الرب باعتباره وسيط العهد وهو فى هذه الحالة رمز للمسيح.

(2) بعد أن قدمت الذبائح ورش الدم على المذبح والشعب، سُمح لممثلى الشعب أن يقتربوا من الله بالصعود إلى الجبل حيث.

«رأوا إله إسرائيل» (خر 24: 9 - 11)).

.. واضح هنا أثر الدم. وهنا نفهم كلمات الرسول بولس.

«أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح» (أف 2: 13)).

(3) بعد ذلك يصعد موسى إلى الجبل حيث أخذته سحابة مجد عن أنظار الشعب. (خر 24: 15)... وبعد أربعين يوماً تنفتح السماء ليعلن الله عن رغبته فى والإجتماع مع البشر فى "خيمة الإجتماع"... إنه يعلن سكناه فى وسطهم...

(4) حينما أراد الله أن يعطى الناموس ويحل بمجده على جبل سيناء حذر من أن يصعد أحد إلى الجبل أو حتى يمسّه.

«كل من يمسّ الجبل يقتل قتلاً» (خر 19: 12)).

.. ولا يوجد تباعد أكثر من ذلك... بعدها يطلب الله من موسى أن يصنع الشعب له مقدساً ليسكن فى وسطهم (خر 25: 8)... هذا التحول العجيب تم على أساس الذبيحة والدم الذى رش به كل من المذبح والشعب...

"خيمة الإجتماع"

كانت خيمة الإجتماع كما سنرى رمزاً للسيد المسيح... وكانت تنقسم إلى قسمين بخلاف الدار الخارجية. قسم أكبر هو القدس وآخر أصغر منه هو قدس الأقداس.

(1) القدس حيث يكهن الكهنة. وفيه مائدة خبز الوجوه على يمين الداخل (المسيح طعام شعبه). والمنارة الذهبية على يسار الداخل (المسيح ضياء شعبه). ثم مذبح البخور الذهبى بين الإثنين أمام المدخل الذى يؤدى إلى قدس الأقداس (العبادة والشفاعة).

(2) قدس الأقداس. وفيه تابوت العهد حيث كان الله يحل بمجده على غطائه الذى كان يعرف بإسم كرسى الرحمة وبالعبرية Kapporeth.

كان يطول الإجمالى للخيمة من الخارج مائة ذراع (حوالى 54 متراً)، وعرضها الإجمالى خمسون ذراع (حوالى 27 متراً)... كانت الخيمة بقسميها (القدس وقدس الأقداس) يبلغ طولها حوالى ثلاثين ذراع (نحو ستة عشر ونصف متر) وعرضها عشرة أذرع (نحو خمسة ونصف متر)... ولقد تكلفت تكاليف باهظة. فقد استخدمت فيها كميات ضخمة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة والأطياب النادرة والكتان والزيت والأسمانجونى والأرجوان والقرمز وغير ذلك...

وقد قدم الشعب تكاليف الخيمة واحتياجاتها حسب أمر الله.

«كل من أنهضه قلبه، وكل من سمَّحته روحه» (خر 35: 21)).

.. هؤلاء قدموا ببهجة قلب للمساهمة فى إقامة مسكن الرب... الرجال والنساء جاءوا بخزائم واقراط وخواتم وقلائد وأمتعة من ذهب. النساء غزلن شعر المعزى. والرؤساء جاءوا بحجارة الجزع وحجارة الترصيع وبالأطياب والزيت...

الخيمة من حيث الاعداد:

(أولاً) العدد 3: وهو يشير إلى الثالوث القدوس، وشهادة الله القوية والحقة لصدق كل مواعيده.

«تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة» (مت 18: 16)).

.. ويظهر هذا العدد فى الخيمة فى:

(أ) الله الآب الذى كان يملأ محضره قدس الأقداس مستقراً على غطاء تابوت العهد، وفيه يتقابل الله القدوس مع البشر الخطاة... المسيح مرموز إليه من جهة لاهوته وناسوته وموته الكفارى... الروح القدس مرموز إليه بضوء المنارة الذهبية وزيت المسحة.

(ب) ثلاثة أجزاء تكونت منها الخيمة: قدس الأقداس والقدس والدار الخارجية.

(ج) ثلاثة معادن استخدمت فى بناء الخيمة: الذهب والفضة والنحاس.

(د) ثلاثة سوائل استخدمت فى خدمة الخيمة: وهى الدم والماء والزيت.

(ﻫ) ثلاثة أشياء كانت فى القدس: مائدة خبز الوجوه والمنارة الذهبية ومذبح البخور الذهبى.

(و) ثلاثة أشياء فى الدار الخارجية: باب الدار ومذبح النحاس والمرحضة النحاسية المملوءة ماء.

(ز) ثلاثة مداخل فى الخيمة: باب الدار الخارجى – مدخل القدس – مدخل قدس الأقداس فى الحجاب.

(ح) ثلاثة أنواع تقدم كذبائح: من الماشية (عجل أو ثور) – من الغنم (خروف أو معزى) – من الطيور (حمام أو يمام).

(ط) ثلاثة من أبناء لاوى كان عليهم ونسلهم خدمة الخيمة: بنو مرارى ويحملون ألواح المسكن وعوارضه واعمدته والأوتاد.. إلخ – بنو جرشون ويحملون شقق المسكن وخيمة الإجتماع وغطاء التخس وأستار الدار... إلخ وبنوقهات ويحملون الآنية المقدسة.

(ى) ثلاثة ألوان استخدمت فى الستائر:

- أسمانجونى (اللون السماوى ويشير إلى المسيح الذى من السماء).

- أرجوان (اللون الملكى ويشير إلى المسيح ملك الملوك الذى سيحكم العالم كله بالعدل).

- قرمز وهو يشير إلى الدم.

(ك) ثلاث فئات فى الشعب: عامة الشعب – اللاويون – الكهنة.

(ثانياً) العدد 4:

ويشير إلى العالم كله – أربعة أطراف الأرض (أش 11: 12) و "الرياح الأربع" (حز 37: 9) – والمعنى أن السيد المسيح للعالم أجمع ولكافة البشر – وتشير أيضاً إلى أوجه المسيح التى تقدمها الأناجيل الأربعة... ويظهر هذا العدد فى:

(أ) أربعة أغطية الخيمة:

شقق البوص المبروم (الكتان) وأسمانجونى وأرجوان وقرمز.

شقق من شعر معزى – شقق م نجلود كباش محمرة – شقق من جلود تخس.

(ب) مذبح النحاس كان مربع القاعدة. وهو يشير إلى موت المسيح الكفارى عن حياة العالم كله. "الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع" (1تى 2: 6) – أى أنه اشارة إلى خلاص أربعة أطراف المسكونة بذاك الذى كانت الذبائح رمزاً له.

(ج) كان المذبح له أربعة قرون على زواياه الأربع.

(د) مذبح البخور الذهبى كان مربع القاعدة.

(ﻫ) سجف باب الدار كانت تحمله أربعة أعمدة.

(و) أفخر الأطياب التى كانت تضاف إلى زيت الزيتون فيتألف منها "دهن المسحة المقدس"، كانت أربعة (خر 30: 23) وهى: المرّ القاطر – القرفة العطرة – قصب الذريرة - السليخة.

(ز) البخور العطر كان يتألف من أربعة أنواع (خر 30: 34) الميعة – أظفار – قِنَّة عطرة – لبان نقى.

(ثالثاً) العدد خمسة ومضاعفاته:

والعدد خمسة يشير إلى الإنسان وواجباته ومسئولياته... فالإنسان له خمس حواس وخمسة أصابع فى كل يد وكل قدم – والوصايا العشر المكتوبة على لوحين تلخص مسئولية البشر سواء من نحو الله أو من نحو بعضهم البعض... ونجد هذا العدد ومضاعفاته فى طول وعرض مذبح النحاس – إرتفاع ألواح المسكن – عدد ألواح المسكن – العوارض التى تربط ألواح المسكن – الأعمدة والشقق التى تغطى الخيمة – وعدد الستائر... إلخ.

(رابعا) العدد سبعة:

وهو عدد الكمال الإلهى... ونحن نجده فى:

عدد سرج المنارة الذهبية كانت سبعة.

خيمة الإجتماع حوت سبع قطع: التابوت والغطاء ومائدة خبز الوجوه والمنارة الذهبية ومذبح البخور الذهبى ومذبح النحاس والمرحضة النحاسية.

وصف الخيمة:

كانت الخيمة تمتد من الغرب إلى الشرق. وكان قدس الأقداس فى الغرب... وكان القادم إلى الخيمة من جهة الشرق يجد الباب الخارجى للدار ومذبح النحاس والمرحضة وباب المسكن ومذبح البخور والحجاب الذى يفصل القدس عن قدس الأقداس وأخيراً تابوت العهد. كانت هذه جميعها تقع على خط مستقيم واحد. أما الحكمة فى ذلك فهو ان الإنسان الذى يأتى إلى الله يجب أن يأتى عن طريق المذبح (خر 27)، بواسطة كاهن شرعى مكرس (خر 28)، وبالذبائح التى حددها الله (خر 29)... وليس هذا هو كل ما فى الأمر، بل هناك المرحضة التى تشير إلى المعمودية والتطهير من الذنوب. وهناك البخور الذى يرتفع من مذبح البخور رمز العبادة والصلاة.

«لتستقم صلاتى كالبخور قدامك» (مز 141: 2).

، اشارة إلى الرائحة الطيبة للحياة الجديدة التى اشتعلت عند المذبح.

(أولاً) الدار الخارجية:

(1) الباب الخارجى:

من جهة الشرق وهو المدخل الوحيد للخيمة. وكان عبارة عن أستار مطرزة من اسمانجونى (سماوى اللون)، وأرجوانى (أحمر مع زرقة)، وقرمزى (أحمر قانى)، وكتان أبيض نقى. إرتفاع الستائر خمسة أذرع، ومعلقة على أربعة أعمدة... ونلاحظ أن:

باب الدار كان يرمز للمسيح الذى قال عن نفسه.

«أنا هو الباب» (يو 10: 9).

،.

«أنا هو الطريق» (يو 14: 6)).

كان إرتفاع الستائر خمسة أذرع. وقد قلنا إن العدد خمسة يشير إلى الإنسان. والمعنى غن هذا الباب الذى يشير إلى المسيح يختص بالإنسان لكى يدخل منه. ألا يذكرنا هذا بما قاله المسيح.

«أنا هو الباب. إن دخل بى أحد فيخلص. ويدخل ويخرج ويجد مرعى» (يو 10: 9)).

.. ثم إن هذه الستائر معلقة على أربعة أعمدة. والعدد أربعة يشير إلى العالم كله. والمعنى أن المسيح الذى يرمز إليه الباب إنما هو المخلّص الوحيد للعالم أجمع وللخليقة كلها... الستائر تحجب الرؤية عما بداخل الخيمة بالنسبة للإنسان الخارجى. ولا يمكن رؤية ما بالداخل إلا إذا دخل هذا الإنسان.

«كل مجد إبنة الملك من داخل. منسوجة بذهب ملابسها» (مز 45: 13)).

وهذا الباب الخارجى لم يكن باباً بالمفهوم التقليدى للكلمة. مصنوعاً من حديد أو خشب وله مزلاج أو قفل يغلق به... فأمثال هذه الأبواب الخشبة أو الحديدية تحتاج إلى من يغلقها ويفتحها. لكن هنا فى باب الخيمة الخارجى المر متعلق بالله نفسه، إشارة إلى استعداده الدائم لقبول جميع المقبلين إليه.

«من يقبل إلىّ لا أخرجه خارجاً» (يو 6: 37)).

.. هذا وعدم وجود باب يشير إلى حراسة الب المقدسة.

«إن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يسهر الحراس» (مز 127: 1)).

ثم إن ألوان الستائر تشير إلى شخص المسيح من جهة صفاته ورسالته. فالاسمانجونى يشير إلى أنه من السماء وليس من هذا العالم.

«ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء إبن الإنسان الذى هو فى السماء» (يو 3: 13)).

واللون الأرجوانى يشير إلى ملكه، واللون القرمزى يشير إلى عمله الفدائى، والكتان الأبيض يشير إلى طهارته وكهنوته.

(2) مذبح المحرقة (مذبح النحاس):

وهو أول ما يقابل الداخل إلى الدار الخارجية... وهو بإعتبار الذبائح التى تقدَّم عليه والتى كانت ترمز للمسيح. إنما كان رمزاً للمسيح الذى قال.

«ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى» (يو 14: 6)).

فالمذبح كان هو طريق الإسائيلى إلى أقداس الله.

كان المذبح مربعاً ضخماً – طوله خمسة أذرع وعرضه خمسة أذرع وإرتفاعه ثلاثة أذرع، مصنوعاً من خشب السنط ومغشى بالنحاس، وله أربعة قرون على زواياه الأربعة... وكان هذا المذبح عبارة عن صندوق مجوف يحمله الكهنة كلما ارتحلوا فى البرية. كان يملأ بالتراب الذى توضع عليه بالمحرقة. وعلى ذلك فقد كان المذبح الحقيقى من التراب، أما خشب السنط فكان عبارة عن قالب. وهذا يفسّر قول الرب.

«مذبحاً من تراب تصنع لى وتذبح عليه محرقاتك» (خر 20: 24).

، وقوله.

« وتصنع المذبح من خشب السنط» (خر 27: 1)).

.. قد نهى الله عن نحت الحجارة للمذبح تشبهاً بالأمم الوثنية.

وكان للمذبح عصوان مصنوعتان أيضاً من خشب السنط المغشى بالنحاس تدخل فى حلقات على جانبيه لحمله أثناء الإرتحال. أما جميع الآنية المتعلقة بالمذبح فكانت مصنوعة من نحاس كالقدور لرفع الرماد والرفوش (الجواريف) لنقل الرماد من المذبح إلى القدور، والطشوت لتلقى دماء الذبائح، والمجامر لنقل النار من هذا المذبح إلى مذبح البخور...

ويلاحظ أن المذبح لم يكن له درج (خر 20: 26) أى ليس له درج (سلالم) مصنوعة باليد ليصعد عليها الإنسان. وهذا إشارة إلى الوسائط المستخدمة، فإنها لا تقرّب الإنسان إلى الله. وإنما التقرب هو بدم الذبيحة التى ترمز إلى ذبيحة المسيح ودمه.

كانت جميع الذبائح بكافة أنواعها تقدم على مذبح النحاس هذا... وكانت النار متقدة عليه دائماً ولا تطفأ (لاو 6: 9)... وكان حجم مذبح النحاس كبيراً بصورة ملفتة للنظر، كما لو كان قصد الله لفت الأنظار إلى أنه لا يمكن الإقتراب إليه إلا من خلال الذبيحة والدم.

«بدون سفك دم لا تحصل مغفرة» (عب 9: 22)).

.. وكون المذبح مربعاً اشارة إلى الخلاص الذى بالدم – الذى يشير إلى دم المسيح – وإنه للعالم أجمع.

وكان للمذبح أربعة قرون مصنوعة من خشب السنط المغشى بالنحاس، كانت ملجأ لمن يتمسك بها. وقد تمسك بقرون المذبح ادونيا الذى كان خائفاً من سليمان فقال النجاه (1ملوك 1: 5)... وكأن الله يظهر فعالية الدم، ويطمئن من يطلب عفوه ويترجى رضاه... وكانت الذبائح تربط فى قرون المذبح. وكانت تثبت الذبيحة وسط المذبح بواسطة شبكة من نحاس، وهى تشير إلى المسيح الذى سُمّر على الصليب بالمسامير. لكن رباطات محبته لفداء الخطاة وخلاصهم كانت هى التى جعلته يتجرع كأس الموت بمحض إرادته.

(3) المرحضة:

وكانت كبيرة وتسع رجلاً بجملته أن يغتسل فيها... وكانت تقع بين مذبح النحاس ومدخل المسكن. فالداخل إلى القدس كان يضع خطيته على مذبح المحرقة أولاً ثم يغتسل فى المرحضة... كان لابد للكهنة وهم فى طريقهم من مذبح المحرقة إلى القدس أن يمروا بها... كانت المرحضة من نحاس ومستديرة إشارة إلى قدرة الله غير المتناهية فى التطهير.

كانت المرحضة مملؤة ماءً، وكان على الكهنة أن يغسلوا أيديهم وأرجلهم من مائها قبل تقديم الذبائح على مذبح المحرقة أو حين دخولهم إلى القدس سواء لترتيب خبز الوجوه أو لإصلاح سرج المنارة الذهبية، أو لرفع البخور العطر من فوق مذبح البخور الذهبى، حتى ما يكونوا دائماً فى حالة النقاوة والطهارة، وإلا عوقبوا بالموت (خر 30: 20، 21)...

وفى المسيح المصلوب على الصليب نرى المذبح والمرحضة معاً. فلقد خرج من جنبه دم وماء.

«هذا هو الذى أتى بماء ودم يسوع المسيح لا بالماء فقط بل بالماء والدم» (1يو 5: 6)).

إنها تشير إلى المعمودية فى كنيسة العهد الجديد التى بدونها لا يقدر أحد ان يتمتع بالقدسات الإلهية – التى يرمز لها بالمسكن فى خيمة الإجتماع – أما كونها بين المذبح النحاسى وباب الخيمة فلأنه لا تطهير بمياه المعمودية إلا من خلال ذبيحة المسيح الكفارية.

(ثانياً) القدس:

كان مصنوعاً من ألواح من خشب السنط المغشى بالذهب من داخل ومن خارج. مستطيل الشكل. بلا أى منافذ للضوء. واختيار الله لخشب السنط وهو من أنواع الخشب الرديئة، فلأنه لا يسوس (خر 25: 10) فضلاً عن وجوده فى تلك الجهات... ومن ناحية أخرى فإنه يشير إلى طبيعة الإنسان الفاسدة، وتغشيته بالذهب يشير إلى عمل الله فيه. لقد اختار الله مادة حقيرة وأمر بتغشيتها بالذهب إشارة إلى ما سيعمله بطبيعتنا البشرية عندما يتحد بها فى سرّ التجسّد، حتى ما يتخذها مسكناً وهيكلاً له... إن خشب السنط هو صورة للانسان قبل الخلاص الذى صنعه المسيح. وكونه لا يسوّس إشارة إلى الإنسان الذى خلق على صورة الله وأخطأ فإنه لا يهلك بل يمكن رجوعه.

كانت ألواح الخيمة تستقر على قواعد من فضة (خر 26: 19)... هذه الفضة، هى فضة الفدية أو الكفارة. فقد كلم الرب موسى قائلاً.

«إذا أخذت كمية بنى إسرائيل بحسب المعدودين منهم يعطون كل واحد فدية نفسه للرب عندما تعدّهم، لئلا يصير فيهم وباء عندما تعدهم. هذا ما يعطيه كل من اجتاز إلى المعدودين نصف الشاقل بشاقل القدس... الغنى لا يكثر والفقير لا يقلل عن نصف الشاقل حين تعطون تقدمة الرب للتكفير عن نفوسكم. وتأخذ فضة الكفارة من بنى إسرائيل وتجعلها لخدمة خيمة الإجتماع. فتكون نبنى إسرائيل تذكاراً أمام الرب للتكفير عن نفوسكم» (خر 30: 11 - 16)).

هكذا قامت الخيمة كلها على الفضة ثمن فداء بنى إسرائيل (الكفارة عنهم)، ما عدا باب مسكن القدس ذاته فقد قام على نحاس، والنحاس يشير إلى القصاص والعدالة (خر 26: 37). لأن إبن الله الذى يشير إليه الباب إحتمل القصاص عن خطايانا حتى ما نصبح جزءً من بناء الله هو كنيسته. يقول بطرس الرسول.

«كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حيّة بيتاً روحياً» (1بط 2: 5)).

وحينما نصير جزء من كنيسته وأعضاء فيها، سيكسونا بذهب برّه.

وليس هذا فقط، بل إن ألواح الخيمة التى من خشب السنط الردئ القليل القيمة، والمغشّى بالذهب إنما يقدم لنا صورة للمفديين المستترين فى المسيح، والمحتمين به... هذا الخشب الردئ حينما يُغشى بالذهب تختفى كل عيوبه ورداءته. هكذا حينما يكسو المسيح النفس البشرية المفدّية بذهب بره تختفى عيوبها... كانت الألواح مستقرة على قواعد من فضة الكفارة، واختفت عيوبها بالذهب الذى غُشّيت به... هكذا قيامنا إنما هو على فداء المسيح وكفارته، وأما حياتنا فهى مستترة فيه "لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح فى الله" (كولو 3: 3)... هذا هو التعبير الذى عبّر به المسيح عريس نفوسنا "كُلكَّ جميل يا حبيبتى، ليس فيك عيب" (نش الأنشاد 4: 7)... ويقول أشعياء النبى "فرحاً أفرح بالرب. تبتهج نفسى بإلهى لأنه قد ألبسنى ثياب الخلاص. كسانى رداء البر" (أش 61: 10).

كان هذا مجرد الرمز، أما الحقيقة فيعبر عنها القديس بطرس الرسول بقوله.

«عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى، بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التى تقلدتموها من الآباء. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم، ولكن قد أظهر فى الأزمنة الأخيرة من أجلكم» (1بط 1: 18 - 20)).

كل ما فى القدس كان رمزاً للتجسّد أو للإله المتأنس... وكانت محتويات القدس عبارة عن مائدة خبز الوجوه على يمين الداخل، المنارة الذهبية إلى اليسار، ثم مذبح البخور الذهبى فى الوسط قدام الحجاب الذى يفصل بين القدس وقدس الأقداس... ولم يكن مسموحاً لغير الكهنة بالدخول إلى القدس.

(1) مائدة خبز الوجوه:

كانت مصنوعة من خشب السنط المغشى بالذهب النقى كانت طولاً وعرضاً أقل من تابوت العهد، مساوية له فى الإرتفاع. وهى تشير إلى التجسّد. فخشب السنط يشير إلى طبيعة المسيح الناسوتية، والذهب يشير إلى طبيعته اللاهوتية... وكان للمائدة إكليل ذهب حواليها. وكانت كل أوانيها من الذهب الخالص، إشارة إلى بهاء مجد ذاك الإله الذى فى ملء الزمان يتجسد ويتأنس من أجل البشر.

كان يوضع على المائدة إثنا عشر رغيفاً تمثل أسباط إسرائيل. وكان للكهنة وحدهم حق الأكل من هذه الأرغفة بصفتهم ممثلين عن كل إسرائيل... كانت الأرغفة تصنع من دقيق الحنطة النقى وهى تشير إلى المسيح وأنه بلا عيب. كانت الأرغفة تخبز فى النار فى الدار الخارجية فى قوالب من ذهب قبل أن تصبح صالحة للأكل، إشارة إلى المسيح الذى ما كان يصلح أن يصير طعاماً لشعبه إلا بالألم والموت... أما عن العدد إثنى عشر رغيفاً فهو إشارة إلى إلتزام الله بإشباع كل شعبه المكون من إثنى عشر سبطاً. كما أن العدد 12 يشير إلى شهور السنة، رمز التزام الله الدائم باشباع الشعب.

كانت الأرغفة الإثنا عشر توضع على المائدة فى صفين، ستة فى كل صف. وكان يوضع عليها لبان نقى إشارة إلى رائحة المسيح الزكية وإلى كهنوته. كانت الأرغفة توضع يوم السبت ووترفع السبت الذى يليه. ويأكلها الكهنة فى القدس.

سُمّى هذا الخبز خبز التقدمة لأنه كان يقدم لله إشارة إلى أن كل ما يتمتع به بنو إسرائيل من خير إنما هو فضل من الله. ودعى أيضاً خبز الوجوه لوضعه أمام الله أو فى وجه التابوت.

كانت مائدة خبز الوجوه رمزاً للمذبح المسيحى. أما الخبز نفسه فكان رمزاً لجسد الرب مانح الحياة للبشر.

«أنا هو الخبز الحىّ الذى نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد» (يو 6: 51)).

(2) المنارة الذهبية:

خيمة الإجتماع لم يكن بها كوى أو نوافذ ليدخل منه الضوء، فدعت الحاجة إلى منارة تنيرها... كانت المنارة وكل متعلقاتها حتى الملاقط من الذهب النقى، مكونة من ست شُعب متفرعة من الأصل. وبها سبعة سُرج، تضاء بزيت الزيتون النقى، وفتائلها من ملابس الكهنة القديمة... لم يدخل خشب السنط فى صناعتها لكنها كانت ذهباً خالصاً. وكما كانت مائدة خبز الوجوه تشير إلى المسيح كغذاء لشعبه، هكذا المنارة كانت ترمز إليه كنور لشعبه وسط بية العالم المظلمة "أنا هو نور العالم"... كان نور القدس مستمداً من ضوء المنارة لعدم وجود نوافذ أو كوى. وهذا يذكرنا بما جاء فى سفر الرؤيا عن أورشليم السمائية.

« والمدينة لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليضئ فيها، لأن مجد الله قد أنارها والخروف سراجها» (رؤيا 21: 23)).

كانت المنارة مضاءة دائماً ليلاً ونهاراً.

والمنارة كما تعلم الكنيسة الأرثوذكسية ترمز إلى العذراء، فهى حالة النور الذى هو المسيح. وإن كان النور هو المسيح، لكن الزيت الذى فى السرج يرمز للروح القدس. وفى هذا إشارة إلى أن الروح القدس هو الذى يجعلنا نتمتع بنور المسيح ونستضئ به.

« ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد فى» (يو 15: 26)).

(3) مذبح البخور الذهبى:

كان مصنوعاً من خشب السنط المُغشّى بالذهب النقى، وله إكليل من ذهب حواليه. وهو يشير إلى لاهوت ربنا يسوع المتحد بناسوته. كان المذبح مربعاً – كل شئ فيه متساوٍ فى الكمال. وكان له قرون. كان هناك إرتباط وثيق بين مذبح البخور ومذبح المحرقة. كان هارون ينضح على قرونه من دم ذبيحة الخطية التى للكفارة مرة كل سنة إشارة إلى أن عبادتنا قائمة على فعالية الدم والفداء... كان موقع المذبح الذهب أمام الحجاب مباشرة. نحن نقرأ فى سفر الرؤيا عن "مذبح الذهب الذى أمام الله" (رؤ 9: 13)... إن جميع المسيحيين حينما يصلّون يقفون فى حضرة الله. لقد تركوا وراءهم المذبح النحاس، وتركوا هناك خطاياهم... إنه هناك يرى خطيته وقد تحولت إلى ماد.

كان هارون كل صباح ومساء (غروب) يُقدم ذبيحة المحرقة الدائمة على مذبح النحاس، ثم يدخل تواً إلى القدس ليوقد البخور فوق المذبح. وكانت النار التى عليه تُحضر من فوق مذبح المحرقة... وكانت البخور يتألف من أربعة أنواع ثمينة، وهى تشير إلى نعم الرب يسوع وبركاته وصفاته.

يقول العلامة أوريجينوس وهو يتأمل محتويات الخيمة:

[ليبحث كل منا كيف يمكن أن يبنى فى داخله مقدساً لله. ليكن للنفس فى أعماق القلب مذبحاً للبخور حتى تستطيع أن تقول: نحن رائحة المسيح الذكية (2كو 2: 15). ليحمل فيه أيضاً تابوت العهد حيث لوحى الشريعة، فيلهج فى ناموس الله نهاراً وليلاً (مز 1: 2). ليكن فكرها ذاته تابوت ومكتبة تحفظ الكتب الإلهية، إذ يقول النبى طوبى لمن يحفظ فى قلبه ناموس الرب ليعمل به. ولتحمل فى قلبها قسط المن، أى الإدراك الصحيح القوى لكلمة الله. وليكن لها عصا هارون أى التعليم الكهنوتى والتدقيق المستمر للتقوى... لنتحدث أيضاً عن مذبح البخور الداخلى قائلاً: النفس لا تعطى لعينها نوماً حتى تجد موضعاً للرب إله يعقوب (مز 81: 4)، تقتنى لها مذبحاً ثابتاً فى وسط قلبها حتى تقدر أن تقرب لله] (فى عظاته فى سفر الخروج).

(ثالثاً) الحجاب:

كان الحجاب يفصل بين القدس وقدس الأقداس. كان عبارة عن ستائر بألوان الأسمانجونى والأرجوانى والقرمزى والأبيض، وعليه كان كاروبيم معلق برزز من ذهب على أربعة أعمدة من سنط مغشاة بالذهب والأعمدة مثبتة على أربع قواعد من فضة (خر 26: 31، 32).

لماذا الكاروبيم على ستائر الحجاب؟

هذا يشير إلى عدل الله. فالله حينما طرد الإنسان الأول من جنة عدن.

«أقام شرقيها الكاروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة» (تك 3: 24)).

.. فى شريعة إقامة خيمة الإجتماع قال الرب.

«يفصل لكم الحجاب بين القدس وقدس الأقداس» (خر 26: 23)).

.. كان الحجاب "يفصل" بين الله القدوس الذى كان يعلن عن حضوره فى قدس الأقداس (لاو 16: 2) والإنسان الخاطئ فى الجانب الآخر...

هذا الحجاب – فى هيكل سليمان باورشليم – هو الذى انشق حينما أسلم الرب يسوع روحه وهو معلق على الصليب (مت 27: 51، مر 15: 37، 38)... ومعنى إنشقاق حجاب الهيكل أن الطريق إلى السماء صار مفتوحاً، بعد أن أستوفى العدل الإلهى حقه بموت المسيح على الصليب... لم يعد هناك كاروبيم بلهيب سيف متقلب يحرس طريق شجرة الحياة.

«فإذ لنا أيها الأخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أى جسده، وكاهن عظيم على بيت الله، لنتقدم بقلب صادق فى يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير، ومغتسلة أجسادنا بماء نقى. لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً لأن الذى وعد هو أمين» (عب 10: 19 - 23)).

لقد صار الدخول إلى الأقداس بدم المسيح، ولم تعد هناك وسيلة أخرى هؤلاء هم الذين... غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم فى دم الخروف. من أجل ذلك هم أمام عرش الله "(رؤ 7: 14، 15). لقد كانت ستائر الحجاب تحملها أربعة أعمدة، إشارة إلى الخلاص الذى صنعه للعالم أجمع الذى يرمز إليه العدد (4)... كما أن المسيح صار لنا بحسب تعبير الرسول بولس.

«حكمة من الله وبراً وقداسة وفداء» (1كو 1: 30)).

(رابعاً) قدس الأقداس:

يحتوى قدس الأقداس على تابوت العهد وعليه الغطاء الذهبى الذى يسمى كرسى الرحمة، ويدخله رئيس الكهنة مرة واحدة كل سنة يوم عيد الكفارة. وكان لا يدخل إلا وهو يحمل فى يده المبخرة الذهبية من مذبح البخور وبعض من دم ذبيحة الخطية التى تكون قد ذُبحت لتوّها فى الدار الخارجية عند المذبح النحاس. وينضح رئيس الكهنة الدم، مرة واحدة على وجه الغطاء إلى الشرق، وسبع مرات قدامه (لاو 16).

كان رئيس الكهنة يرمز للرب يسوع.

« وأما المسيح وهو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة، واجتاز قبة أكبر – وأكمل من الأولى، لم تصنعها أيدى الناس، أى أنها ليست من هذه الخليقة، وليس بدم تيوس وعجول، بل بدمه هو دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد ( = كسب) فداءً ابدياً (فحصل على فداء أبدى) » (عب 9: 11).

، 12)... ونلاحظ فى كلام الرسول أن المسيح دخل بدمه هو لأنه هو الكاهن والذبيحة فى آن معاً.

"بدمه هو" لا توجد كلمات فى الكتاب المقدس أو حتى فى اللغة البشرية، تحوى مثل هذه الأسرار المقدسة... إنها تحوى سر التجسد، والطاعة حتى الموت، والمحبة التى تفوق الإدراك، والغلبة على كل الأعداء، الفداء الأبدى، القيامة، الدخول إلى السموات... بدمه هو حصل لنا على الفداء الأبدى.

التابوت:

كان قدس الأقداس يرمز للسماء، وكان التابوت يشير إلى عرش الله. كان مصنوعاً من خشب السنط مغشى من الداخل والخارج بذهب خالص (رمزاً اتحاد اللاهوت بالناسوت)، وحوله إكليل من ذهب. هذا الإكليل يشير إلى أن الله هو الذى يحمى ويعلن عن حقيقة التجسد.

«ليس أحد يعرف الإبن إلى الآب» (مت 11: 27)).

وحينما اعترف بطرس بالمسيح أنه إبن الله الحى، قال له.

«إن لحماً ودماً لم يعلن لك بل أبى الذى فى السموات» (مت 16: 16)).

..

كان للتابوت غطاء من الذهب الخالص يسمى كرسى الرحمة، كان هو عرش الملك السماوى على الأرض. وكان فوق الغطاء مثال لإثنين من الشاروبيم من الذهب...

كان لا يوجد ضوء ولا منافذ داخل قدس الأقداس لأن مجد الشكيناه (كلمة عبرية معناها مسكن) كان مستقراً على كرسى الرحمة بين الكاروبين ويملأ القدس بالضياء... هكذا نفهم كلمات المرتل.

«يا جالساً على الكاروبيم أشرق قدام أفريم وبنيامين ومنسى. ايقظ جبروتك وهلم لخلاصنا. يا لله ارجعنا وأنر وجهك فنخلص» (مز 80: 1 - 3)).

.. قال الرب لموسى.

« وأنا أجتمع بك هناك وأتكلم معك من على الغطاء من بين الكاروبين اللذين على تابوت الشهادة» (خر 25: 22)).

كان طول التابوت ذراعين ونصف وعرضه ذراعاً ونصف وإرتفاعه ذراعاً ونصف. وغطاؤه الذهبى كانت له نفس أبعاد طول التابوت وعرضه.

كان التابوت رمزاً للعذراء مريم من حيث أنه حلّ فيها الأقنوم الثانى من الثالوث القدوس على نحو ما كان الرب يحل فى التابوت... وكون التابوت مغشى بالذهب من داخل ومن خارج إنما يشير إلى نقاوة العذراء وطهارتها، ورمزاً للكرامة التى لها دون سائر النساء.

أما عن محتويات التابوت فكانت:

لوحا الشريعة وبها كلمة الله المكتوبة بأصبعه (العذراء حلّ فى أحشائها كلمة الله).

قسط المن. وهو قسط من الذهب منّ من الذى كان يطعمهم الله به فى البرية مدة الأربعين عاماً. وهو يرمز إلى العذراء التى حلّ فى أحشائها المنّ السماوى ربنا يسوع. وكونه من ذهب فذلك يشير إلى كرامتها ونقاوتها وطهارتها. وقسط المنّ تذكار لإعالة الله شعبه فى البرية. وكيف أطعمهم بلا زرع أو حصاد مدة 40 سنة متوالية!!

عصا هارون التى أفرخت وأخرجت براعم وأزهرت زهراً وأنضجت لوزاً (عدد 17: 8). وهى مثال للعذراء مريم التى ولدت المسيح وهى بتول على غير عادة البشر جميعاً... إن عصا هارون أثبتت حق هارون فى الكهنوت. فقد أفرخت بعد حادث تذمرّ وادعاء قورح وداثان وابيرام (العدد 16، 17). إن ما حدث مع قروح وأتباعه تحزير لم يتطالو على مقام العذراء... كانت العصا مجرد عصا جافة ومع ذلك أفرخت وأزهرت وأثمرت. لقد كانت معجزة. ومن ناحية أخرى كانت إشارة إلى الحياة من الموت، وأن المسيحية تأسست على القيامة... ومن ناحية أخرى كانت العصا موجودة بالتابوت كشهادة للشعب أن الله اختار هارون رئيس كهنة. إن الرب يسوع يدعى فى الكتاب "غصن بر". وما أحلى أن نتذكر أن الله إختارنا فيه. هكذا يقول بولس عن الله أنه.

«إختارنا فيه (المسيح) قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه فى المحبة» (أف 1: 4)).

لوحا الشريعة، وبهما الوصايا العشرة مكتوبة بأصبح الله. قلنا إن التابوت يرمز للعذراء الذى حلّ فى أحشائها كلمة الله. وهنا نجد كلمة الله المكتوبة بأصبعه... لقد شهد الله بلوحى الشهادة على بنى إسرائيل بالخطية حيث قيل لهم.

«خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهداً عليكم» (تث 31: 26)).

.. ووجود لوحى الشهادة داخل التابوت إنما يشير إلى أن الرب يسوع حفظ الناموس كاملاً.

«هنذا جئت بدرج الكتاب. مكتوب عنى أن أفعل مشيئتك يا إلهى سررت. وشريعتك فى وسط أحشائى» (مز 40: 7).

، 8).

غطاء التابوت:

كان يتكون من قطع واحدة من الذهب الخالص توضع على التابوت. كان رئيس الكهنة ينضح عليه من دم ذبيحة الخطية فى يوم عيد الكفارة العظيم. إن الذهب يرمز لله، والدم وحده هو الذى يرضى عدل الله. ولذا دعى الغطاء بغسم كرسى الرحمة.

إن كلمة غطاء هى نفسها كلمة كفارة. هى بالعبرية Kapporeth وباليونانية Hilasterion كما هى واردة فى (عب 9: 5، رو 3: 5، 1يو 2: 2، 4: 10).

إن لوحى الشريعة المكتوب عليهما الناموس كان يغطيهما كرسى الرحمة... لماذا؟

«لأنه بأعمال الناموس كل ذى جسد لا يتبرر أمامه» (رو 3: 20)).

.. كان كرسى الرحمة هذا المرشوش بالدم يقف بين ناموس الله الكامل وبنى إسرائيل المذنبين، كما يقف صليب المسيح بين ناموس الله المقدس والخطاة المذنبين... هكذا يعلن التابوت لنا عن برّ الله ورحمته متحدين فى المسيح.

ويُلاحظ أن الكاروبين الاثنين منحنيان فوق الغطاء ( = كرسى الرحمة)، وكأنهما ينظران إلى الدم المرشوش عليه. إنهما لا ينظران إلى الناموس الموجود داخل التابوت، الذى فشل الإنسان فى حفظه، ولا ينظران إلى الشرق نحو الشعب، فجميعهم خطاة، لكن عيونهم مثبتة فى دم الكفارة، الذى هو رمز لدم المسيح إبن الله الذى يطهرنا من كل خطية (1يو 1: 7).

"أغطية الخيمة"

كان الخيمة مغطاة بأربع طبقات من الأغطية: "جلود تُخس، وجلود كباش محمرة، وشعر ماعز ثم كتان أبيض (خر 36: 19)... وكان الغرض من هذه الأغطية من الجلود الخشنة التى تعيش طويلاً، لتحفظ داخل الخيمة الجميل من الريح والمطر والشمس المحرقة والعواصف الرملية فى البرية. وكانت هذه الأغطية تغطى الخيمة كلها بأكملها ما عدا مكان الباب.

كانت ألواح الخيمة ترمز للمفديين المستترين فى المسيح، أما أغطية الخيمة – كل منها على نحو ما – كانت رمزاً للمسيح. فالغطاء الخارجى تصور المسيح حامياً لشعبه. كان خشناً لا يكشف عن الجمال الداخلى لكنه كان حامياً للخيمة كلها... هكذا العالم لا يرى جمالاً فى الرب يسوع... إن أشعياء النبى يصور ذلك تماماً حينما يقول فى نبوته عن المسيح "لا صورة ولا جمال فينظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس. رجل أوجاع ومختبر الحزن، وكمستَّر عنه وجوهنا. محتقر فلم نعتدّ به" (أش 53: 2، 3)... "لأنك كنت حصناً للمسكينن، حسناً للبائس فى ضيقه، ملجأ من السيل، ظلاً من الحرّ! إذا كانت نفخة العتاة كسيل على حائط" (أش 25: 4).

الطبقة الثانية من الأغطية كانت من جلود الكباش المحمَّرة (مصبوغة أحمر)... هذه الجلود بلونها الأحمر كانت لتذكر الشعب أنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة للخطايا... هذه تغطى الخيمة كلها ما عدا مكان الباب. كانت الكباش تقدم كذبائح محرقة.

الطبقة الثالثة من الأغطية كانت شقق من شعر الماعز. وهذه كانت رمزاً للرب يسوع كذبيحة خطية قدمت نيابة عنا. وكانت شقق من شعر الماعز تتدلى على باب الخيمة، بعكس جلود التخس والكباش المحمرة. أما السبب، فهو أن الباب كرمز للمسيح لا يحتاج إلى حماية من عواصف العالم الشرير، إذ هو وحده بلا خطية. وعلى ذلك فالباب لا يحتاج إلى الغطاء الجلد – وكذلك لا يحتاج إلى جلود الكباش كغطاء لأن المخلّص بلا خطية ولا يحتاج إلى التكفير... أما شقق الشعر الماعز فكانت تتدلى على الباب لأن الله.

«جعل الذى لم يعرف خطية (المسيح) خطية لأجلنا لنصير نحن برّ الله فيه» (2كو 5: 21)).

.. "كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا" (أش 53: 6).

كانت الطبقة الرابعة والأخيرة من الأغطية هى الطبقة الجميلة من الكتان النقى بصورة الكاروبيم منسوجة مع النسيج الكتانى... هذه الطبقة الجميلة كان لا يراها إلا الذين فى داخل الخيمة. إن الشاروبيم يشير إلى حماية محبة الله لنا.

«فأسكن فى مسكنك إلى الدهر وأستظل بستر جناحيك» (مز 61: 4)).

.. "فى وسط منكبيه يظللك، وبستر جناحيه تعتصمط (مز 91: 4).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

المسيح فى ذبائح العهد القديم

مثال المسيح فى مصر والبريّة

سلسلة لاهوت السيد المسح
سلسلة لاهوت السيد المسح