هتاف النصرة... أكملت السعى
اليوم أيها الاخوة نصل إلى الموضوع الأخير فى هذه السلسلة الخاصة بآحاد الصوم المقدس لهذا العام، والتى كان لها عنوان "معالم الطريق إلى الله"... لقد سرنا بنعمة الله خطوة خطوة حتى ما نتعرف على معالم ذلك الطريق... ونتحدث اليوم بنعمة الله عن هتاف النصرة أو أكملت السعى. هذا هو نهاية الطريق وخاتمة المطاف...
يكتب القديس بولس الرسول إلى تلميذه الأسقف تيموثاوس بينما كان قاب قوسين أو أدنى من الموت... "أنا الآن اسكب سكيباً ووقت انحلالى قد حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن. أكملت السعى. حفظت الإيمان. وأخيراً قد وضع لى إكليل البر، الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل. وليس لى فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً" (تيموثاوس الثانية 4: 6 - 8).
النصرة والغلبة... هذه هى الحياة المسيحية فى اصالتها ونهايتها. فالله لم يُعطينا روح الفشل بل روح القوة والمحبة والنصح (تيموثاوس الثانية 1: 7)... هكذا قال يوحنا حبيب الرب: "أيها الحبيب فى كل شئ أروح أن تكون ناجحاً وصحيحاً كما أن نفسك ناجحة" (رسالة يوحنا الثالثة 2)... أما الهزيمة والفشل والارتداد، فهى بعيدة عن روح المسيحية.
إن جوهر المسيحية هى قيامة الرب يسوع السميح من بين الأموات. والقيامة ليست حدثاً تاريخياً، بل هى اختبار الإيمان والحياة مع الرب. إن المدخل إلى المسيحية هو المعمودية التى ننالها بالإيمان على مثال موت الرب ودفنه وقيامته. فنحن نغطس فى مياه المعمودية متشبهين بموته وقبره، ونخرج منها على مثال قيامته. هذا ما يوضحه الرسول بولس "أم تجهلون أننا كل اعتمد من ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما اقيم من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة. لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بقيامته" (رومية 6: 4 - 5).
فقيامة المسيح من بين الأموات ليست حدثاً تاريخياً، بقدر ما هى حياة جديدة فى الرب يحياها الإنسان ويختبر ثمارها. هكذا عبر بولس "إن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله" (كولوسى 3: 1) وعبارة "قد قمتم" مكتوبة بصيغة الماضى التام. ومعنى ذلك أنها حياة قد عاشوها بالفعل. إذن فالقيامة حياة، وهى أيضاً قوة. هى قوة لهذه الحياة... يقول الرسول أيضاً "لأعرفه وقوة قيامته" (فيلبى 3: 10)... إن قيامة المسيح ليست مجرد قصة حدثت منذ نحو حوالى ألفى عام، إنما هى حياة وقوة. لذا فقد كان موضوع قيامة الرب يسوع من بين الأموات هو الموضوع الأساسى فى كرازة الرسل...
نعود إلى موضوع هذا المساء "هتاف النصرة – أكملت السعى"...
حين كان القديس بولس الرسول أسيراً فى روما فى أسره الثانى على عهد نيرون الطاغية. وبينما كان على قيد خطوات من الموت كتب إلى تلميذه يقول "فإنى أما الآن اسكب سكيباً، ووقت إنحلالى قد حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن. أكملت السعى. حفظت الإيمان. وأخيراٌ قد وضع لى إكليل البر، الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل.. وليس لى فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً"... كان بولس يرى الموت أمامه، حتى أن الكلمة اليونانية. التى ترجمت فى العربية "قد حضر"، تعنى حرفياً فى الأصل اليونانى (واقف إلى جوارى). وكأنه كان يرى الموت واقفاً إلى جواره... من أجل هذا فإن كلماته هنا هى فى غاية الأهمية، ويجب أن نتفهمها على حقيقتها.
يقول الرسول "أنا الآن أسكب سكيباً". والسكيب هو ما كان يسكب ويُصب على التقدمات التى كانت تُقدم للآلهة الوثنية. والمعنى فى الأصل اليونانى، ان دم بولس يُسكب. والدم فى الكتاب المقدس هو الحياة. كان القديس بولس يتأمل وهو يقدم ذاته تقدمة مقبولة على مذبح الحب والبذل والتضحية.
كانت عبارته "أكملت السعى" هى بمثابة هتاف النصرة خارجة من قلب التهب بمحبة الله، واشتاق إلى خلاص كل أحد. هتاف يعبر عن أمانة رسول عملاق أدى رسالته إلى النهاية... إلى آخر قطرة من دمه... هتاف صادر من إنسان يرى السماء مفتوحة أمامه، والقوات العلوية تنتظر إنطلاق هذه الروح الطاهرة المجاهدة الحارة فى حبها... ومن يدرينا، ماذا كان يراه بولس فى تلك اللحظات؟!
والآن فى موضوعنا نستعرض بواعث هتاف النصرة...
بواعث هتاف النصرة:
لا شك أن هناك بواعث لهتاف النصرة نستعرضها فيما يلى:
1 - أهمية اكمال الطريق:
يقولون فى المثل السائر "البداية نصف العمل". لكن هذا التقدير للبداية على أساس بلوغ النهاية. وإلاَّ فما قيمة البداية التى لا تصل إلى النهاية؟! ما أكثر من بدأوا المسيرة مع الرب، ولكنهم لم يكملوا الطريق. وبعضهم كانوا من الأقوياء فى حياتهم الروحية. لذا لا نعجب مما قاله سليمان الحكيم "نهاية أمر خير من بدايته"... قد تكون البداية طيبة وقوية. ولكن ما قيمة العمل إن لم يكمل؟! إنى أنظر إلى أولاد الكنيسة، أولادنا من الشباب المتحمسين فى حياتهم الروحية، وارفع قلبى إلى الله وأطلب لهم المعونة لاكمال الطريق... لا ينبغى أن يكون فرحنا فرحاً وقتياً وسريعاً، إنما ينبغى ان يكون فرحنا متعقلاً. فليس المهم البداية، إنما المهم النهاية.
من أجل هذا قال المسيح له المجد "الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (متى 24: 13). لم يقل يصبر واكتفى، ولكنه حدد الأمر واوضحه بقوله "إلى المنتهى".
حدث فى زمان الاستشهاد أن استشهد اربعون شهيداً فى مدينة سبسطية بآسيا الصغرى... كان هؤلاء جنوداً يحاربون ضمن الجيش الرومانى فى أرمينيا وكان الرومان فى وثنيتهم المتأصلة يحملون معهم زمن الحروب تماثيل إلهتهم ومعبوداتهم، إيماناً بمؤازرتهم لهم فى معاركهم الحربية. وكان بين الحين والآخر تؤدى الطقوس الدينية لهذه الآلهة. وكان على جميع المقاتلين أن يضحوا لهذا الآلهة استجلاباً لرضاها... وفى نفس الوقت اشاع أعداء المسيحية، مع كل هزيمة حلت بالجيس الرومانى، أو مع كل كارثة من كوارث الطبيعة، أن ذلك إنما حدث لأن الآلهة غاضبة بسبب وجود المسيحيين... رفض هؤلاء الجنود الأربعون – وكانوا مسيحيين – التضحية لهذه الآلهة... خيَّروهم بين الموت والحياة. ففضلوا الموت مع المسيح. وكان حكم الموت الصادر ضدهم أن يلقوا عراة فى بحيرة متجمدة المياه من شهدة البرودة... وكنوع من الإغراء، أقاموا على حافة البحيرة حماماً فيه ماء ساخن. ونفذ هذا الحكم فى حراسة الجند. أى أن الجنود يظلوا معهم حتى يلفظوا أنفاسهم... وبينما كان هؤلاء الجنود المسيحيون يعانون من سكرات الموت، إذ بجندى من جنود الحراسة الوثنيين يرى منظراً عجيباً. لقد رأى تسعة وثلاثين إكليلاً بهياً نورانياً هبطت من السماء، ومعلقة فوق رؤوس تسعة وثلاثين من الجنود. ورأى اكليلاً مشابهاً، معلقاً فوق رأس الجندى الأربعين، لكنه كان يتذبذب صعوداً وهبوطاً دون إستقرار... وفجأة خرج ذلك الجندى من وسط جليد البحيرة، واندفع نحو حمام الماء الساخن، فلقى حتفه وخسر إكليله... هذا المنظر الذى أعلن لذلك الجندى الوثنى الذى كان يحرس هؤلاء المسيحيين، جعله يخلع سترة الجندية ويندفع نحو البحيرة، معلناً إيمانه بالمسيح، واستشهد مع الباقين وفاز بالإكليل... أما الجندى الذى لم يصبر إلى المنتهى، فقد خسر إيمانه، وخسر إكليله، وخسر المجد الأبدى، وفى نفس الوقت مات مع زملائه الذين ماتوا شهداء!!... لقد خسر هذا المسكين العالم والأبدية. ولو صبر قليلاً واحتمل لشارك إخوته مجد الشهادة. كان بينه وبين النهاية خطوات قليلة وزمن قليل... ولكن لأنه لم يصبر ويكمل الطريق إلى نهايته، فقد خسر كل شئ!!
وأهمية الصبر إلى المنتهى، أنه هو الذى يبيّن قيمة العمل، والدافع إليه، والثبات فيه. إن العمل يُمتحن بالصبر وقيمته فى اكماله. يقول السيد المسيح إلى ملاك (خادم) كنيسة سميرنا (ازمير) "كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" (رؤيا 2: 10)... ونلاحظ أن الرب لم يكتف بالقول "كن أميناً"، فهذا ليس كل المطلوب، وإنما المطلوب أن يكون الإنسان أميناً إلى النهاية أى إلى الموت باعتباره نهاية الحياة... والجعالة أو المكافأة ترتبط باكمال الأمر واتمامه، وقطع المسيرة كلها.
كان يهوذا تلميذاَ للمسيح، صحبه فى كل جولاته الكرازية، ورافقه فى كل ما علّم به، شأنه فى ذلك شأن بقية الرسل التلاميذ. لكن الشيطان لعب بأفكاره وقلبه، وذهب وتشاور مع الكهنة ورؤسائهم، وانتهى أمره إلى نهاية محزنة حيث أسلم معلمه خيانة وانتحر...
والقديس بولس الرسول يذكر لنا فى رسائله عينات ممن لم يكملوا الطريق...
فيشير إلى ديماس الذى تركه إذ أحب العالم الحاضر (تيموثاوس الثانية 4: 9). وفى الرسالة إلى أهل فيلبى يشير إلى أناس كان يذكرهم لهم مراراً – كنماذج طيبة – ولكنه يذكرهم الآن باكياً إذ هم أعداء صليب المسيح (فيلبى 3: 18)...
ونحن لدينا ضحايا كثيرين لهذه المأساة المؤلمة... الشباب الذين يظلوا أوفياء لله، امناء فى محبتهم له ويخدمونه حتى نهاية المرحلة الثانوية أو الدراسة الجامعية. وما أن يدخل خضم الحياة العامة بالوظيفة، حتى يترك هذا الطريق كلية، لأنه وضع قلبه فى السعى وراء المال وجمع المال... أنا لا أنكر صعوبة الحياة وقسوتها وارتفاع موجة الغلاء فى هذه الأيام، لكن لنسمع ما قاله المسيح له المجد: "لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أو ماذا يعطى الإنسان فداءً عن نفسه" (متى 16: 26).
وثمة عينة أخرى من أولاد الكنيسة – شباب وشابات – تظل ملتصقة بالكنيسة، مواظبة على حياتها الروحية حتى ترتبط بالزواج. بعدها ينقطعون عن المحيط الروحى... إن أمثال هؤلاء يقتلون انفسهم بأنفسهم، وأنا لا أعرف سبباً لذلك. إن السير فى طريق الله يحتاج إلى الالتصاق الدائم به. الإنسان بذاته ضعيف، وهو بدون الله عدم، ويقوى عليه أعداؤه... لقد شبهوا المحبة بالنار المتأججة "مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة، والسيول لا تغمرها" (نشيد الأناشيد 8). والنار لكى تظل مشتعلة ومتأججة تحتاج إلى ما يغزيها كالوقود مثلاً. فإن نحن ابتعدنا عن الجو الروحى فما هو المصير الذى ينتظرنا. إننا بذلك نفقد المعونة ونعمة الأستمرار.
ربما كان الطريق صعباً فى أوله، لكن ما أن يسير فيه الإنسان – لو يتغصب – حتى يصبح سهلاً هيناً بمعونة الله... وكم من أمور كانت صعبة فى بدايتها، وبعد ذلك زالت صعوبتها. إن الطفل أو الفتى يذهب إلى مدرسته مدفوعاً من والديه وليس بدافع ذاتى شوقاً للعلم. لكن الأمر لن يستمر هكذا. فسرعان ما يألف الدراسة والمدرسة والمدرسين والتلاميذ. وسنة بعد أخرى يُنهى دراسته الجامعية... وصدقت إحدى الناسكات وهى الأم سفرنيكى فى قولها: [تعب كثير يلقاه المبتدئون فى حياتهم الروحية. كالحطب اللين الذى حينما تشعل فيه النار يظل يخرج ابخرة ودخاناً يزكم الأنوف ويدمع العيون. ولكن ما أن تزول الرطوبة حتى يخرج حرارة ودفئاً. هكذا الإنسان المبتدئ فى حياته الروحية]... إن المبتدئ يحارب بالملل، وتقابله صعوبات ومعوقات، لكن ما أن يحتمل هذه المتاعب الأولى، حتى تدبّ الحرارة الروحية فى قلبه، بل يصير هو مصدراً لإشعاع الدفء الروحى والحرارة الروحية للآخرين... الإنسان يحتاج أن يعامل نفسه بشئ من القسوة حتى يمكنه أن يثبت وهو فى بداية الطريق.
كانت الكتب المقدسة قديماً تكتب على الرقوق أى جلود الحيوانات. لكن جلود الحيوانات ما تصلح للكتابة عليها بعد ذبح الحيوان مباشرة، إذ تكون طرية وليّنة وملطخة بدهن الحيوان. كان لابد وأن تمر بعدة عمليات حتى تصبح صالحة للكتابة عليها. كان لابد من كشط ما عليها من دهون جيداً، ثم تُملّح وتجفف، ثم تعالج بطريقة معينة، وبعدها يمكن الكتابة عليها... هكذا الإنسان فإنه لابد وأن يجتاز بعض المراحل حتى يصبح مستأهلاً أن تكتب على صفحات قلبه كلمات الله المقدسة!! إذا علمنا ذلك فلنتشجع ولنثبت فى بداية الطريق. ولنوقن أنه لا قيمة للبداية بدون اكمال الطريق والوصول إلى نهايته...
2 - كيف نكمل الطريق:
نعود إلى كلام الرسول بولس نفسه الذى ذكرناه فى أول هذا الموضوع، ومنه سنعرف كيف نكمل الطريق... قال "جاهدت الجهاد الحسن. أكملت السعى. حفظت الإيمان. وأخيراً قد وضع لى إكليل البر" (تيموثاوس الثانية 4: 7، 8).
إن بولس الرسول – بهذه الكلمات – يلقى نظرة سريعة على حياته التى عاشها فى المسيح، ويلخصها فى هذه الجمل الثلاث: جاهدت الجهاد الحسن – أكملت السعى – حفظت الإيمان... والملاحظ على القديس بولس أنه فى بعض كتاباته يستخدم التشبيهات والاستعارات من الحياة المعاصرة، وذلك بقصد تقريب المعانى لأذهان من يكتب إليهم. لذلك نجد الرسول يستخدم فى الاية السابقة ثلاثة تشبيهات: تشبيه المصارع اليونانى فى الجهاد؛ وتشبيه العدّاء الذى يجرى فى السعى؛ وتشبيه الجندى الرومان فى الحفظ... والآن نأتى لفهم المعانى المقصودة بهذه التشبيهات الثلاثة. ويلزمنا أن نرجع إلى أصول هذه الكلمات باليونانية التى كتب بها الرسول، لنكتشف عمق المعانى التى قصد إليها...
بالنسبة للمقطع الأول "جاهدت الجهاد الحسن"... الكلمة المترجمة فى اللغة العربية "جهاد" هى اللفظ اليونانى آجون agon المستخدم فى الألعاب الرياضية عند اليونان... وكلمة "الحسن" هى ترجمة الكلمة اليونانية كالوس Kalos ومعناها الحرفى يشير إلى الحسن الخارجى كما تراه العين، لكنه فى نفس الوقت يعبر عن حُسن الداخل أيضاً، والمقصود الشئ الواضح من خارج... والجهاد الحسن هنا بحسب التعبير اليونانى، لا يعبر عن صلاح أدبى، بل عن جهاد المصارع المجاهد... وهكذا إستعار القديس بولس هذا التشبيه الذى كان مألوفاً لدى معاصريه من الأمم، ليعبر عن جهاد المسيحى الذى يصارع ضد الشر... ويلاحظ علماء اللغة اليونانية أن الكلمة المترجمة "جاهدت" هى agonizomai، وهى مستخدمة فى صيغة الماضى التام، وهو يعبر عن حدث فى الماضى له نتائج فى الحاضر...
والآن نستطيع أن نفهم بصورة أفضل ما قصد إليه الرسول من تعبير "جاهدت الجهاد الحسن"... إنه تعبير عن جهاد المستميت الذى ينتظر الفوز فى النهاية – وهذا ليس غريباً على القديس بولس الرسول الذى قال: "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عبرانيين 12: 4)... إنه جهاد لا يعرف التوقف أو الكلل، أو الضعف أو الملل... ليس للمسيحى أوقات يلقى عنه سلاح الجهاد ضد الشر. ليس للمسيحى اجازة من الجهاد إلاَّ إذا رفع الرب عنه القتال كما حدث مع بعض القديسين المجاهدين بعد جهاد إمتد لعشرات السنوات!!
نأتى للتشبيه الثانى "أكملت السعى"... وهنا أيضاً يستعير بولس تشبيهاً من الألعاب الرياضية التى كان اليونان الاغريق مغرمين بها... فالسعى هو الترجمة العربية للكلمة اليونانية دروموس dromos وتشير إلى حلبة السباق... وكلمة "أكملت" هى ترجمة الكلمة اليونانية تليو teleo ومعناها فى السباق أن العدّاء (الذى يعدو ويجرى) قد تخطى النهاية، وهو الآن يستريح فى هدفه، لأنه إنهى عمله... وليس أدل على صدق وأصالة هذا المعنى فى نفس هذا الرسول وارتباطه بفكره، من أن استعار نفس التشبيه فى رسالته إلى أهل كورنثوس... قال لهم: "ألستم تعلمون أن الذين يركضون فى الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحداً يأخذ الجعالة. هكذا لكى تنالوا. وكل من يجاهد يضبط نفسه فى كل شئ. أما أولئك فلكى يأخذوا إكليلاً يفنى، وأما نحن فإكليلاً لا يفنى. إذاً أنا أركض هكذا" (كورنثوس الأولى 9: 24 - 26).
نأتى للتشبيه الثالث "حفظت الإيمان"، ولها معنى جميل... إن كلمة "حفظت" هى ترجمة للكلمة اليونانية tereo تريو ومعناها الحرفى الحفظ بواسطة الحراسة، مثلما يحرس الإنسان شيئاً ثميناً عنده. فحينما يقول بولس: "حفظت الإيمان"، لا يقصد الحفظ الكلامى، بل حراسة هذا ا لإيمان من أى فكر غريب!!... لقد دخل بولس فى حرب بلا هوادة مع المبتدعين والهراطقة. وكانت أكبر جولاته مع الغنوسيين والمتهودين، ويشبههم بالوحوش (كورنثوس الأولى 15: 32)... وهكذا حينما يقول بولس "حفظت الإيمان" فإنما يعنى أنه عاش حارساً لهذا الإيمان الثمين المسلّم مرة للقديسين (يهوذا 3).
لقد احتمل الرسول بولس الكثير من أجل حفظ الإيمان وحراسته. لقد كرّس بعض الهراطقة جهودهم من أجل مقاومة بولس وهدمه إن أمكن. واستخدموا فى ذلك أساليب ملتوية بقصد الوصول إلى هدفهم، ولكنه ظل كالصخرة التى تحطمت عليها محاولات هؤلاء الهراطقة... نعم لقد حفظ بولس الإيمان من الغنوسيين والمتهودين والفلاسفة الوثنيين، وهو الآن يُسلّم هذا الإيمان كوديعة إلى من أرسله!!
وثمة نقطة هامة أود الإشارة إليها. فنحن مكلفون بحفظ الإيمان بمفهوم بولس الذى شرحناه... إن وحدة الإيمان المسيحى أمر بالغ الأهمية... إنه إيمان مسلّم مرة للقديسين... هذا الإيمان حددته الكنيسة الجامعة فى المجامع المسكونية قبل إنقسام الكنيسة، وصاغته فى قانون إيمان واحد، هو بمثابة الإطار الذى يجب عدم الحيدة عنه. لكن ملعون هو الشيطان الذى قسم كنيسة المسيح، ومازال يبذر بذار الإنقسام تحت ستار خادع، وبكلام معسول ولين يخدع قلوب السلماء!!... حينما تقول هذا الكلام يرمينا البعض بالتزمت. لكن هوذا يوحنا واحد من أكثر رسل المسيح حباً ووداعة ينهانا حتى أن نقول كلمة سلام للهراطقة لئلا نشترك فى أعمالهم الشريرة (رسالة يوحنا الثانية 10، 11).
"جاهدت الجهاد الحسن. أكملت السعى".
قلنا إن القديس بولس استعار تشبيه المصارع عن اليونانيين لكلمة الجهاد – إنه جهاد من يُصارع... وهذا التشبيه يحمل فى طياته التغلب على المعطلات والعقبات. وكأن بولس يريد أن ينطلق، لكن الشيطان يصارع معه ويحاول أن يُعَطّله بصورة أو بأخرى... وهكذا فإن المعنى النهائى ينطوى على التغلب على السلبيات. أما "السعى" فقلنا إنه تشبيه مستمد من العدائين الذين يطلقون لأنفسهم العنان فى الجرى والسباق... وهذا يشير إلى النواحى الإيجابية... وهكذا نرى فى هذه الكلمات حياة بولس منذ ان كان شاباً يافعاً... لقد عاش أميناً لله حينما كان يهودياً فريسياً... كان يضطهد المسيحيين عن إيمان بضلالهم لكن عن جهل بحقيقتهم وحقيقة مسيحهم والله الذى يعرف قلب كل أحد نظر إلى اخلاصه وجهله وافتقده برحمته، وكشف له عن ذاته، فأسلمه بولس ذاته بلا تحفظ، وعاش له أميناً إلى النفس الأخير...
لكن كيف نكمل الطريق:
أ - يقول القديس بولس إلى أهل فيلبى "(ليس أنى قد نلت أو صرتُ كاملاً، ولكنى أسعى لعلى ادرك الذى لأجله ادركنى أيضاً المسيح يسوع. أيها الأخوة، أنا لست أحسب نفسى انى قد أدركت.
ولكنى أفعل شيئاص واحداً إذ أنا أنسى ما هو وراء، وامتد إلى ما هو قدام. أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا فى المسيح يسوع. فليفتكر هذا جميع الكاملين منا "(فيلبى 3: 12 - 15)...
إن هذا اختبار شيق وتدريب روحى مفيد... الإنسان حتى لو كان سائراً بهّمة فى طريق الله، عليه أن ينسى ذلك استجلاباً للاتضاع وترسيخاً للفهم الروحى السليم، إننا ما لم نكمل الطريق فلا فائدة... قد نخسر الجعالة ومعها نخسر كل شئ... ثم هناك فائدة روحية أخرى من نسيان ما هو وراء، حتى لو كان ضعيفاً... علىَّ أن أثبّت نظرى دائماً للأمام نحو رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذى أمرنا ألا نضع أيدينا على المحراث وننظر إلى الوراء...
ب - ثمة نقطة أخرى يكشفها لنا الروح القدس على فم سليمان فى سفر النشيد. يقول بروح النبوة عن النفس البشرية "من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان معطرة بالمر واللبان وبكل اذرة التاجر" (نشيد الأناشيد 3: 6). الطالعة من البرية هى النفس البشرية، الخارجة من برية العالم... إنها النفس التى أعطت ظهرها للعالم متجهة نحو الله... أما تشبيهها بأعمدة الدخان، فما ذلك إلاّ تعبير عن التسامى نحو العلا. فأعمدة الدخان تتجه إلى أعلى. والنفس التى تسعى نحو الله يجب أن تتجه دائماً إلى أعلى، متسامية مترفعة عن كل ما هو أرضى... هذه الطالعة من البرية معطرة بالمر واللبان. والمر يشير إلى المشقة والجهاد وأعمال إماتة الجسد. واللبان يشير إلى عطر العبادة والصلاة.
أول شئ إذاً أن نعطى ظهرنا للعالم المشبه بالبرية، ويكون إتجاهنا دائماً الصعود لا الهبوط الذى يشير إلى الإنتكاس، كما نرى فى مثل السامرى الصالح الذى كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا فوقع بين اللصوص (الشياطين) (أنظر لوقا 10: 25 - 37)... ولعل سليمان هنا كان يعود بذاكرته إلى شعبه قديماً حينما كان يرتحل فى البرية بعد أن خرج من مصر أرض عبوديته متجهاً إلى أورشليم الأرضية التى ترمز إلى أورشليم السمائية. هذا الطالعة من البرية تريد أن تستوطن عند الرب... كانت هذه الطالعة معطرة بالمر واللبان. لقد أعدت هذه النفس ذاتها لعريسها فعطرت ذاتها، ليس بأطياب العالم، لكن بالمر واللبان. ومن العجيب أن يُعتبر المر عطراً... إن المر واللبان يرمزان للنسك والعبادة، الصوم والصلاة، الإماتة والتسبيح. إن هذه هى مؤهلاتها التى تسر عريسها. إن عطر المر واللبان يشتمهما الله رائحة رضا. إنهما رائحة المسيح الزكية!!
ويمدنا أيضاً الوحى الإلهى على لسان سليمان فى النشيد بوسيلة أخرى نكمل بها الطريق... يقول: "من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها" (نشيد الأناشيد 8: 5)... إنها تكملة للصورة الأولى التى فيها رأينا النفس البشرية كأعمدة من دخان. هنا نجد النفس البشرية "مستندة على حبيبها"... يا لها من صورة رائعة ومعبرة إلى اقصى الحدود... هى مستندة على حبيبها لثلاثة أسباب: لأنها مجهدة ومتعبة – ولأنها بحاجة إلى العون – ثم لأنها تحبه، إذ هو حبيبها. وهذا تعبير عن عمق الدالة...
أولاً لا يمكن أن النفس البشرية تطلع من برية العالم إلاَّ وهى مستندة على المسيح. قال المسيح له المجد "بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً"... إن الطريق صعب وشاق وكرب – وهكذا وصفه المسيح إلهنا – ومن ثم نحتاج فيه إلى معونة الرب. ثم أن هذا المنظر العذب يكشف لنا عن رفقة المسيح لكل الطالعين من البرية – أى لكل المجاهدين... إن هذا الوصف يرد فى سفر نشيد الأناشيد، الذى هو سفر الحب الروحى بين النفس البشرية والله... إنه منظر يكشف أيضاً عن اتضاع الرب العجيب. إنه لا يستنكف أن يأخذ بيد أولاده الذين يحفظون عهده ووصاياه، بل يسمح لهم أن يستندوا عليه فى دالة وحنو.
3 - فرحة اكمال الطريق:
رأينا كيف استعار القديس بولس الرسول بعض التشبيهات الزمنية المعاصرة كالمصارعة والسباق والجندية ليعبر بها عن حياته... وفى نفس هذه الرسالة الثانية يكتب إلى تلميذه تيموثاوس شاحذاً همّته، مشجعاً إياه فيقول له:
"فاشترك أنت فى احتمال المشقات كجندى صالح ليسوع المسيح. ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكى يرضى من جنده" (تيموثاوس الثانية 2: 3، 4)...
هكذا يدعو الرسول تلميذه ان يتشبه بالجندى المنخرط فى سلك الجندية...
إن هذا الجندى، وهو متجه إلى ساحة القتال تتملكه مشاعر مختلفة، هل يعود ثانية حياً، أم يجرح أم يؤسر أم يُقتل!! لكنه على أى حال يذهب ليؤدى واجباً شريفاً. لكن حينما تضع الحرب أوزارها، ويعود منتصراً، فإن فرحته لا يُعبر عنها. هكذا الإنسان المجاهد، فرحته بإكمال الطريق لا يمكن ان يُعبر عنها... "يزرعون بالدموع ويحصدون بالفرح. سيراً كانوا يسيرون حاملين بذارهم، ويعودون بالفرح حاملين اغمارهم" (مزمور 126)... هنا يهتف الرسول هتاف الفرح بالنصرة "وأخيراً قد وضع لى إكليل البر، الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان. وليس لى فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً" (تيموثاوس الثانية 4: 8).
إن فرحة الطريق هى فرحة اكماله. فالوليمة السماوية تنتظرنا... وما اكثر الأمثلة التى أعطاها لنا رب المجد يسوع عن العشاء العظيم وعن العرس الذى دعا إليه الملك... إن فرحة اكمال الطريق هى فى فرح المسيح بنا ومواساته وتعزيته للمتعبين. إنه يمسح كل دمعة من عيونهم... هكذا اعلن الرب ليوحنا فى رؤياه "لأن الخروف الذى فى وسط العرش يرعاهم، ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية. ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" (رؤيا 7: 17)... والخروف الذى فى وسط العرش هو المسيح... ويكتب يوحنا فى موضع آخر من رؤياه "وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً هوذا مسكن الله مع الناس. وهو سيسكن معهم. وهم يكونون له شعباً. والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم. والموت لا يكون فيما بعد. ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فى ما بعد، لأن الأمور الأولى قد مضت" (رؤيا 21: 4)... هذه هى النهاية... لقد وصلنا إلى الراحة والمجد، حيث الله ذاته.
ولعله من المفيد أن نتذكر هنا كلمات الرب يسوع عن النهاية:
"الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح. المرأة وهى تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت. ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح، لأنه قد وُلد إنسان فى العالم. فأنتم كذلك عندكم الآن حزن، ولكنى سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يوحنا 16: 20 - 22)... هذا تصوير حىّ لكل المجاهدين فى الطريق...
لكن من يكون هذا المولود الذى ولدته تلك المرأة فأنساها حزنها وبدّله إلى فرح؟!... يقول الآباء القديسون أن الفضيلة هى مولود النفس. ولذا فإن المسيح له المجد وهو يتكلم عن الأيام الأخيرة يقول: "ويل للحبالى والمرضعات فى تلك الأيام". ويفسر القديس جيروم هذه الآية تفسيراً روحياً جميلاً فيقول: المرأة الحبلى هى التى لم تلد بعد. والنفس الحبلى هى النفس التى لم تلد الفضيلة بعد. والمرضعات هن اللائى مازال اطفالهن صغاراً. والنفس المرضعة هى التى لم تكتمل فضيلتها بعد... هكذا نفهم كلام المسيح إن الإنسان يجاهد حتى يلد الفضيلة ويقتنيها... واقتناء الفضائل يحتاج من الإنسان إلى احتمال الشدة، على نحو ما تحتمل المرأة الحامل آلام المخاض والوضع... لكن المخاض لازم، فهو الذى يدفع بالجنين إلى خارج احشاء أمه. ولكن فى كلتا الحالتين يفرح الإنسان سواء بالمولود أو بالفضيلة، ومعها لا يعود يذكر الشدة والتعب.
4 - لماذا هتاف النصرة؟
هناك تساؤل... ما الذى دعا بولس إلى أن يهتف هتاف النصرة هذا وهو فى نهاية الطريق ويقول "واخيراً قد وضع لى إكليل البر"... وهى مكتوبة بصيغة الماضى التام. أى أن الأمر ليس مجرد رجاء يرجوه، بل هو واقع حىّ، وكأنه يراه ماثلاً أمامه!!
إن القديسين فى اللحظات الأخيرة من حياتهم تُكشف لهم بعض الرؤى والمناظر السمائية... ونحن على مستوانا نرى بعض الأتقياء وقت إنتقالهم يتكلمون كلاماً مًضغماً غير مفهوماً، ويغيبون عمن حولهم. ثم يفيقون وكأنهم كانوا فى غيبوبة. وبعض الناس فى سذاجة يظنون ذلك نوعاً من الهذيان الذى يصحب اللحظات الأخيرة لحياة الإنسان... لكن الأمر على خلاف ذلك. إنهم يرون أموراً وأشياء، ولا يراها من هم حولهم. ويسمعون كلمات وأشخاص يكلمونهم وهم يجاوبونهم. كل ذلك يكون معلناً لهم وحدهم دون من حولهم. وهذا واضح جداً فى حياة الشهداء. وسأقصّ عليكم بعض أمثلة لهذه القصص من سير الشهداء.
استفانوس شيهد المسيحية الأول،
فيما كان اليهود يرجمونه، وكان يشخص نحو السماء، مثبتاً نظره فيها: لأن قلبه وفكره كانا هناك. وبالتأكيد أنه ما كان يحسّ بالحجارة التى كان يُرجم بها: "فرأى مجد الله ويسوع قائماً عن يمين الله. فقال ها أنا أرى السموات مفتوحة، وابن الإنسان قائماً عن يمين الله" (أعمال الرسل 7: 55، 56).
فى قصة استشهاد بربتوا شهيدة قطاجنة الشريفة الشهيرة، وكانت تبلغ من العمر نحو عشرين عاماً... رأت قبل استشهاد فى حلم سلّماً كبيراً ذهبياً يصل الأرض بالسماء، وكان ضيقاً لا يتسع إلاّ لشخص واحد. وعلى جانبيه آلات التعذيب. ومن أسفل عند أول درجة للسلم رأت تنيناً مرعباً مخيفاً يتحفز للانقضاض على من يحاول ارتقاء درجات هذا السلم صاعداً إلى السماء... رفعت بربتوا رأسها فرأت معلمها ساتورى الذى لقنها الإيمان، وهو فى نفس الوقت شقيقها، يصعد السلم وحينما وصل إلى نهاية من أعلى صاح قائلاً لها: بربتوا إنى فى انتظارك. ولكن احذرى لئلا يلتهمك التنين... حينئذ قالت بربتوا: باسم يسوع المسيح سأصعد ولن أخاف التنين. وبجرأة وضعت قدمها على التنين وكأنها الدرجة الأولى من درجات السلم. ثم ابتدأت تصعد مسرعة، وأخيراً وصلت... وكان يقف عند نهاية السلم رجل ممشوق القامة فى رداء أبيض ناصع، وحوله وقف ألوف ألوف يرتدون ثياباً بيضاء... هناك وجدت الراعى الصالح فى انتظارها ممتلئاً رقة نحو خرافة – ثم رفع ذلك السيد رأسه ونظر إليها وقال له مرحباً بطفلتى. ثم ناداها وأعطاها كعكة، وكان الجميع يرددون كلمة آمين. واستيقظت بربتوا وكانت تشعر بحلاوة تملأ حلقها!!
وساتورس الذى أشرت إليه فى القصة السابقة رأى فى حلم أربعة ملائكة قد حملوه ووضعوا عليه ثوباً أبيض، واحضروه بين أصدقائه الشهداء الذين عرفهم وهو على الأرض... وبعد ذلك يروى ساتورس ما رآه... يقول: [أبصرنا نوراً عظيماً. وسمعنا صوتاً يسبّح قائلاً قدوس قدوس قدوس. ولما أحضرنا أمام عرش الرب يسوع جمعنا إلى حضنه]...
أمثال هذه الرؤى والإعلانات اعلنت لهؤلاء الشهداء القديسين، وسمح الرب أن تروى لنا على افواههم حتى ما نتشجع فى جهادنا، ونستهين بخفة ضيقاتنا التى لا تقاس بما احتمله الشهداء...
علينا أيها الاخوة أن نجاهد ولا ننظر إلى الوراء. فالذى يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء لا يصلح لملكوت السموات... علينا أن نثبت فى محبة الله حتى ما نثبت فى الطريق.... وحينما يرى الله تشبثنا بطريقه سيرافقنا، وسيُهبّ لنجدتنا كلما كنا بحاجة لنجدته ومعونته... وما أكثر التعزيات التى يفيضها علينا ونحن سائرين فى هذا الطريق. وما أكثر ما نحسّ بيده الحنونة تربت علينا، وصوته العذب الحنون يشجعنا "أنا هو لا تخافوا"...
مبارك هو إلهنا الذى أحبنا وأعطانا رجاء صالحاً بالنعمة، وأتى بنا إلى هذه الساعة، وأعطانا نعمة اكمال هذه السلسلة "معالم الطريق إلى الله". ليت الرب يعيننا جميعاً، ويشجعنا ويقوينا ويثبتنا. ويتخذنا آلات بر فى يمينه، يتمم بنا مشيئته المقدسة الصالحة المرضية الكاملة...
صلو عنى وعن كل الذين يحبون ظهوره ايضاً. وله كل المجد والكرامة إلى الأبد آمين.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.