مؤونة الطريق
إن كنا نتكلم عن السفر والإرتحال، فمن الطبيعى أن الإنسان المسافر المرتحل عليه أن يعد نفسه، ويعد للطريق مؤونته، خاصة إذا كان السفر بعيداً وطويلاً... فما هى مؤونة الطريق إلى الله؟
لا شك أن الفضائل الروحية على اختلافها هى مؤونة هذا الطريق الروحى إلى الله. لكن يتميز من بينها ثلاث فضائل أساسية لازمة للطريق هى الحب والاتضاع (المسكنة الروحية) والصبر... نبدأ بالكلام عن المؤونة الأولى وهى الحب...
أولاً – الحب:
بلا أدنى مبالغة أحس بعجزى التام – ليس فى هذه المرة فحسب، بل فى كل مرة أردت أن أتكلم عن الحب، لأن الحب هو الله نفسه "الله محبة" (يوحنا الأولى 4: 8، 16). لذا لا نكون مبالغين إن قلنا عن الحب إنه القوة الدافعة الكبرى، التى تحرك الكون بكل ما فيه من كائنات حية... هو القوة الدافعة الكبرى، ليس فى الأمور الإلهية وحدها، وفى الطريق إلى الله، بل فى كل شئون الحياة.
فالأب والأم فى الأسرة، يتعب كل منهما ويشقى مدفوعاً بدافع الحب نحو أولاده...
فمحبة الوالدين لأولادهما محبة عجيبة غريزية، تعمل وتعمل دون أن تنتظر مقابلاً. إنها محبة تتعب بفرح. ولا عجب، فالإنسان يرى ذاته فى أولاده. فالأب والأم بكل رضى يتجشّمان الصعاب تلو الصعاب فى سبيل إسعاد أولادهما... ويا ليت الأولاد يقدّرون ذلك! كم يتعب الآباء، وكم تتعب الأمهات فى صَبْر واحتمال وحب ووداعة، بلا تأفف أو دمدمة أو ضجر... وهم يفضلون كل ذلك مدفوعين بدافع الحب، الحب وحده... وما التعبيرات الشعبية التى نسمعها وتتردد على شفاه الأمهات بنوع خاص نحو فلذات اكبادهن إلاَّ تعبير عما يجيش بصدورهن وقلوبهن من حب جيّاش نابض نحو أولادهن...
هذا الحب ليس سوى صورة متناهية فى الصغر لمحبة الله لأولاده، استودعها قلوب الوالدين... نعم إن الحب هو القوة الدافعة الكبرى فى كل أمور الحياة... تصوروا معى عالمين بلا حب، أو أسرة بلا حب!! إنهما صورة مجسّمة للخراب الدمار، محكوم عليهما بالفشل، مقضى عليهما بالتوقف... الحب هو قوة الجاذبية البشرية، التى تجذب كل فرد من أفراد الأسرة نحو الآخر، كما فى قوانين الجاذبية، سواء الأرضية أو التى بين الكواكب والعوالم الأخرى. الكون كله محفوظ بهذه الجاذبية. وإذا اختلت الجاذبية بين الأرض والكواكب الأخرى، لانتهى عالمنا ومعه عوالم أخرى!!
نعم، الحب هو روح الحياة، والقوة الجبارة التى تدفع الحياة بما فيها من مظاهر. والحياة حين تخلو من الحب، تخلو من الله، لأنه هو المحبة. وإن خلت الياة من الله تكون بالضرورة خالية من الحب. ونقصد نوعية خاصة من الحب المقدس، انسكبت فى قلوب البشر بالروح القدس من قبل يسوع المسيح ربنا (رومية 5: 5)... الحب هو النور الذى يضئ ويظهر المرئيات، ويقود خطوات الإنسان فى الطريق. وإذا انطفأت شعلة الحب، ساد الظلام كل شئ... الحب هو رحيق الحياة يجذبنا للعمل والحركة وبذل الجهد، على نحو ما تجذب الزهرة النحلة النشيطة برحيقها، تمتصه ليصير بها وفيها شهداً. الحب هو التعزية فى الطريق الصعب، والمشجع فى الضوائق والشدائد... وليس هذا عجيباً، فالمحبة تحتمل كل شئ، وتصبر على كل شئ... وبعد أيها الأخوة، ماذا يمكن إن يُقال عن الحب؟! إنه يسمو على كل شئ، ويحوى كل شئ!! إنه يسمو على الفضائل كلها، بل إن الفضيلة التى يمارسها الإنسان خالية من الحب هى مرفوضة لأنها أقرب إلى الرذيلة...!!
لقد عبّر الله عن محبته فى الطبيعة الجامدة والخلائق الأخرى... قال المرتل "ما أعظم أعمالك يا رب، كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك... كلها إياك تترجّى لترزقها قوتها فى حينه. تفتح يدك وتشبع خيراً" (مزمور 104).
ماذا يمكن أن يكتبه كاتب عن المحبة أو يقوله متكلم عنها. لن يستطيع الإنسان أن يوفيها حقها، لأنه يعجز عن أن يجدها ويَسْبر أغوارها وأعماقها... إنها تتسع وتتسع حتى تشمل الحياة كلها. وتسمو وتسمو حتى تشمل الفضائل جميعاً!! كفى أن الله محبة. وإن كان الله غير المحدود هو المحبة، فكيف يمكن لإنسان أن يجدها أو يدرك أسرارها!!
وحينما نتكلم عن المحبة أو الحب يلزمنا أن نتكلم عن الله المحب، أو الله مصدر الحب ومُعْطيه والإنسان الذى هو موضوع هذا الحب. أو بعبارة أخرى نتكلم عن المحب والمحبوب، الله والإنسان وبطبيعة الحال سوف لا نستطيع ان نتكلم عن الله المحب، أو الله فى محبته، إلاَّ بقدر ضئيل جداً... وسيكون كل الحديث عن محبة الإنسان لله – التى هى بطبيعة الحال صدى لحب الله الكبير غير المحدود... إنها المؤونة التى يحملها الإنسان معه فى رحلة الطريق إلى الله... أما عن الله المحب، فسوف نشير إليه مجرد إشارة.
الحاجة إلى واحد وهو الله:
لماذا يجب أن نحرص على أخذ الحب مؤونة أساسية فى رحلة الطريق إلى الله؟
لقد خلق الله كل شئ لأجل الإنسان تاج الخليقة، لكن روح الإنسان التى هى نسمة من نسمات القدير لا يُشبعها سوى خالقها!!
إنها كالعروس التى تفرح بهدايا يقدمها لها عريسها، لكن فرحتها – ليس من أجل تلك الهدايا فى ذاتها – بل لأنها مقدمة إليها من عريسها الذى تحبه ويحبها... وفى ذلك يقول القديس والفيلسوف أوغسطينوس عبارته المشهورة فى صدر كتاب اعترافاته [لقد خلقنا لك يا الله. ونفوسنا سوف تظل بلا راحة حتى ترتاح فيك]!!
إن النفس البشرية راحتها الحقيقية فى الله مهما توفر لها من لذات ومتع... فنفس الإنسان وهى بعيدة عن الله تهلك جوعاً!! ومن ثمَّ فقد قدم المسيح ذاته كخبز الحياة لأنه لا يود شئ يقدر أن يشبع روح الإنسان سوى المسيح وحده... لقد قدم السيد المسيح ذاته كخبز الحياة لنأكل ونشبع – ليس مرة واحدة، بل باستمرار، على نحو ما نحتاج للخبر العادى... ونفس الإنسان ببعدها عن الله تهلك عطشاً. لذا لا نعجب إذا سمعنا المرتل يقول قديماً "عطشت نفسى إليك" (مزمور 63: 1)... ثم يأتى السيد المسيح ليعلن: "إن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب" (يوحنا 7: 37). وقال للمرأة السامرية: "من يشرب من الماء الذى أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد" (يوحنا 4: 14).
فالله هو شبع الإنسان وربّه... هو النور الأعظم "أنا هو نور العالم" (يوحنا 8: 12) لذا فالإنسان بعيداً عن الله يحيا فى ظلمة. والنفس البشرية البعيدة عن الله تحيا فى حالة عرى. يقول معلمنا القديس بولس الرسول "إلبسوا الرب يسوع المسيح، ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات" (رومية 13: 14)... ويلخص بولس الرسول احتياج الإنسان إلى الله من كل وجه فى عبارة جامعة وجهها لفلاسفة أثينا، قال "لأننا به (الله) نحيا ونتحرك ونوجد" (أعمال الرسل 17: 28).
مثال مريم ومرثا:
لقد استضافت الأختان مريم ومرثا الرب يسوع فى بيتهما. وانشغلت مرثا فى إعداد وليمة متواضعة للضيف الكريم، بينما جلست مريم تحت قدميه... لقد جلست أمام المائدة الحقيقية، التى يهفو إليها كل الأبرار كل الجيال والعطاش لأجل البر.
لقد ظنت مرثا أنها تستطيع أن تكرم الرب وتُعد له وليمة، لكنها لم تصل فى محبتها إلى محبة أختها مريم التى ايقنت أن الوليمة الحقيقية هى التى يقدمها الرب ذاته.
ولذا فقد جلست تحت قديمه، تستمع إليه، وتشبع من كلامه الذى هو روح وحياة (يوحنا 6: 63)... إلى تلك المائدة جلس محبو الرب فى كل زمان ومكان وشبعت نفوسهم من دسم الروح فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله (متى 4: 4).
لقد كانت كلمات النعمة تنساب من فم المعلم الإلهى، وجاءت مرثا فى حماس جسدى تشكو اختها للرب يسوع قائلة له: "يا رب أما تبالى بأن أختى قد تركتنى أخدم وحدى. فقل لها أن تعيننى... لكن السيد المسيح – رغم تعب مرثا لأجله – أراد أن يوجه نظرها وعواطفها إلى المائدة الحقيقية، والوليمة المشبعة، فكان جوابه على شكواها" مرثا مرثا أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة. ولكن الحاجة إلى واحد. فاختارت مريم النصيب الصالح الذى لن يُنزع منها "(لوقا 10: 38 - 42)...
نعم الحاجة إلى واحد. وهذا الواحد هو الرب نفسه.
مثال المرأة الخاطئة فى بيت سمعان الفريسى:
أراد فريسى يُدعى سمعان أن يستضيف السيد المسيح، فسأله أن يدخل إلى بيته ويتعشى معه. وَلبَّى السيد المسيح الدعوة. وسمعت إمرأة خاطئة فى المدينة أن المسيح مريح التعابى موجود فى ذلك المنزل. فاستعدت للذهاب إليه واعدت معها قارورة طيب غالى الثمن... جاءت تلك المرأة من وراء المسيح، وانحنت إلى قدميه، وذرفت دموعاً غزيرة بلت به قدميه. ثم أخذت تمسحها بشعر رأسها. كما كانت تقبل قدميه، وتدهنهما بالطيب (لوقا 7: 36 - 50)... هذا التصرف من جانب تلك المرأة الخاطئة، وصمت المسيح ورضاه عنه، أثار ثائرة الفريسى المضيف الذى أعدّ له وليمة ليتعشى معه. فأخذ يدين المسيح فى أعماق نفسه وكيف أنه سمح لإمرأة خاطئة أن تلمسه!!
والواقع انه كانت هناك وليمتان فى بيت ذلك الفريسى: وليمة أعدها الفريسى ووليمة أعدها المسيح للمرأة الخاطئة... تلك الوليمة الحقيقية التى لم تكن شيئاً آخر سوى المسيح نفسه، الذى فيه كل شبع النفس...
يقول القديس والفيلسوف أوغسطينوس مناجياً الله:
[أيها النور غير المنظور هب لى عينين تستطيعان معاينتك. يا رائحة الحياة الإلهى هب لى حاسة جديدة للشم تجذبنى نحو رائحة اطيابك الذكية... هب لى قلباً لا ينبض إلاَّ بحبك، ونفساً تعشقك، وروحاً أميناً لذكراك، وفكراً يدرك غور أسرارك، وعقلاً يستريح فيك، ويتحد بحكمتك المحيية دائماً، ويعرف كيف يحبك بتقوى أيها الحب المذخر فيك كل حكمة. أيها الحياة، لمجدك يحيا كل مخلوق. لقد وهبتنى الحياة، وفيك حياتى. بك أحيا وبدونك أموت. بك أقوم وبدونك أهلك. بك أمتلئ فرحاً وبدونك أهلك حزناً... اتوسل إليك اخبرنى أين أنت؟ أين القاك فأختفى فيك بالكلية، ولا أوجد إلاَّ فيك. اسرع واجعل من نفسى مسكناً لك، ومن قلبى مستقراً. تعال فإنى مريض حباً. بُعدك عنى موت لى، وذكُرك يُحيى نفسى... إن كل من يعرفك يحبك. ينسى نفسه. يُحبك أكثر من ذاته. يترك نفسه وينجذب إليك... إن كنت لم أحبك كما ينبغى، فذلك لأننى لم أعرفك بعد جيداً].
محبة الله المسْبَقَة:
نقطة ثانية يكشفها لنا رسول الحب يوحنا تلميذ الرب الذى إتكأ على صدره، واستمع إلى نبضات قلبه، يقول "نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً" (يوحنا الأولى 4: 19). كما يقول "... فى هذا هى المحبة. ليس ننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا" (يوحنا الأولى 4: 10). ما معنى هذا الكلام؟... معناه إن حبنا لله مهما سما وازداد، فهلو ليس سوى صدى لمحبة الله الفائقة المعرفة (أفسس 3: 19).
فأين وكيف تتجلى هذه المحبة المسبقة؟
أ - إنها محبة غير مسببة:
يكشف لنا السيد المسيح عن نوعية هذا الحب فى قوله "هكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد، لكى لا يهلك كل من" هكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد، لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية "(يوحنا 3: 16)..." هكذا أحب الله العالم ". ومعنى هكذا بلغتنا الدارجة (هو كده)... أى أنه لا توجد أسباب لهذه المحبة. وهذا هو عين ما يعبر عنه الرسول يوحنا فى رسالته الأولى.
ويشير القديس بولس الرسول إلى تلك المحبة التى أظهرت فى المسيح، فيقول لأهل أفسس "أنتم متأصلون ومتأسسون فى المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو. وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة، لكى تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أفسس 3: 18، 19)... ويتحدث يوحنا الحبيب رسول الرب فى أسلوب سهل إلى أولاده المؤمنين ويقول لهم "أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله" (يوحنا الأولى 3: 1)!!
والقديس والفيلسوف أوغسطينوس
– الذى خبر مرارة الخطية وحياة البعد عن الله إلى اعماقها، ثم ذاق حلاوة النعمة فى سموها وأوجها بعد توبته – يقول فى مناجاة لله بعد أن عرفه: [عيناك منجذبتان نحو خطوات البشر... أنت مهتم بكل خليقتك، لا تحرم واحداً من جبلة يديك عن فيض حبك. أنت بنفسك تهتم بخطواتى وطرقى ليلاً ونهاراً. تسهر لرعايتى، تلاحظ كل سبلى. لا تكف عن الاهتمام بى، حتى ليمكننى القول إنك تنسى السماء والأرض وما فيهما، مركزاً إهتمامك بى،.
فتبدو كمن لا يهتم بخليقة سواى... إلهى حيثما اكون أجدك أمامى، لأنك حال فى كل مكان.
وبنعمة حلولك هذا اتقابل معك اينما أكون حتى لا أهلك، لأنه بدونك لا وجود لى...]. لقد صدق أحدهم حين شبه روح الإنسان بحجرة سرية، الله وحده يحتفظ بمفتاحها. وما لم يدخل هو تظل تلك الحجرة خاوية لأنه لا يستطيع أحد أن يملأها سواه!!
هكذا حيثما اتجهت ابصارنا وتحولت افكارنا نرى محبة الله فى كل خليقته. حتى الطبيعة الجامدة نرى فيها محبة الله... إنها صورة متقنة معبرة مادية ملموسة تعلن عن محبته هكذا يقول المرنم: "السموات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه. يوم إلى يوم يذيع كلاهماً، وليل إلى ليل يبدى علماً" (مزمور 19: 1، 2)... "يا رب إلهى قد عظمت جداً مجداً وجلالاً لبست. اللابس النور كثوب، الباسط السموات كشقة. المسقف علاليه بالمياه، الجاعل السحاب مركبته، الماشى على اجنحة الريح... المفجر عيوناً فى الأودية، بين الجبال تجرى. تسقى كل حيوان البرّ. تكسر الفراء ظمأها... من ثمر أعمالك تشبع الأرض. المنبت عشباً للبهائم، وخضرة لخدمة الإنسان لإخراج خبز من الأرض. وخمر تفرح قلب الإنسان لإلماع وجهه أكثر من الزيت، وخبز يسند قلب الإنسان... صنع القمر للمواقيت، الشمس تعرف مغربها... الأشبال تزمجر لتخطف ولتلتمس من الله طعامها. تشرق الشمس فتجتمع وفى مآوييها تربض. الإنسان يخرج إلى عمله وإلى شغله إلى المساء. ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك... هناك دبابات بلا عدد. صغار حيوان مع كبار... كلها إياك تترجى لترزقها قوتها فى حينه. تعطيها فتلتقط تفتح يدك فتشبع خيراً" (مزمور 104).
ب - إنها محبة أحبت الإنسان قبل خلقته:
قبل أن يخلق الله الإنسان أعدّ له مسبقاً كل شئ، وجعله سيداً للخليقة كلها. إذا تأملنا ما حولنا من خلائق كالشمس والقمر والكواكب والأجرام السمائية... الأرض وما فيها، البحار وما فى أعماقها... هذا كله خلقه الله لأجل الإنسان... ولعل خير ما يعبر عن هذه الحقيقة.
كلمات القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات فى قداسه:
[قدوس أنت أيها الرب، وقدوس فى كل شئ. وبالأكثر مختار هو نور جوهريتك. وغير موصوفة هى قوة حكمتك. وليس شئ من النطق يستطيع أن يحدّ لجة محبتك للبشر. خلقتنى إنساناً كمحب للبشر. ولم تكن أنت محتاجاً إلى عبوديتى، بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك. من أجل تعطفاتك الجزيلة كونتنى إذ لم أكن. أقمت السماء لى سقفاً، وثبت لى الأرض لأمشى عليها. من أجلى ألجمت البحر. من أجلى اظهرت طبيعة الحيوان. أخضعت كل شئ تحت قدمىَّ. لم تدعنى مُعوزاً شيئاً من أعمال كرامتك. أنت الذى جبلتنى، ووضعت يدك علىَّ، وكتبت فىَّ صورة سلطانك ووضعت فىَّ موهبة النطق. وفتحت لى الفردوس لأتنعم. أعطيتنى علم معرفتك. أظهرت لى شجرة الحياة، وعرفتنى شوكة الموت...].
والقديس أوغسطينوس فيما يتأمل الكون بكل ما فيه قال: [إلهى لقد أخضعت كل شئ تحت قدمى الإنسان، حتى يمكنه أن يكون بالتمام لك. ولهذا لم تقم عليه سيداً آخر سواك. بل جعلته هو سيداً على كافة خليقتك. لقد خلقت كل شئ لأجل جسده. وأوجدت جسده لأجل روحه، وروحه لكى تكون لك. من أجل العينين أشرقت بالنور من السماء على الأرض. خلقت الشمس والقمر، الأول ينير لأولادك نهاراً، والثانى يضئ لهم ليلاً. لأجل تنفسه حوطته بالهواء النقى. لأجل أذنيه خلقت له الأنغام المختلفة. لأجل حاسة الشم أوجدت الروائح العطرية. لأجل حاسة التذوق أوجدت له أشتهى الأطعمة. لأجل حاسة اللمس أوجدت الأشياء المحيطة به. ولكى تعينه فى أعماله أوجدت له الحيوانات التى تخدمه، وطيور السماء وثمار الأرض...
كم أنت طيب يا إلهى. كم أنت رؤوف. تعرف جسدى معرفة جيدة لأنك أنت جابله].
ﺟ - إنها محبة صنعت فداءً مجانياً للإنسان:
وفى مجال الحديث عن فداء الإنسان المجانى، يحلو لنا أن نتحدث روحياً – وليس لاهوتياً – عن هذا الفداء، متأملين فى النقاط الآتية:
1 - التجسد:
موضوع التجسد يا أحبائى بكل ما يحيط به، إنما هو شئ يسمو على عقول البشر، ويدعوه الرسول بولس سراً "عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد" (تيموثاوس الأولى 3: 16)
إن العقل يُذهل كيف أن الله خالق الكل ومالئ السموات والأرض، يأخذ جسداً من فتاة عذراء ويصير فى أحشائها؟!... ويتصل بموضوع التجسد أحداث الميلاد والهروب إلى مصر ومذبحة أطفال بيت لحم وغيرها...
وإن كان عقل الإنسان الطبيعى يجد صعوبة فى فهم هذا السر العظيم لأنه يحاول أن يناقش الأمر بعقلانية مجردة خالية من الاتضاع. لكن الأمر بالنسبة للنفس المحبة لله يصبح مصدراً لتعزيات غامرة، وكشفاً لمكنونات محبة الله الدافقة، ومائدة روحية دسمة تشبع روح الإنسان ونفسه، بل وحتى جسده أيضاً... يقول القديس أوغسطينوس وهو يتأمل تجسد ابن الله: [أنظر يا إنسان ماذا صار الله لأجلك... لقد أحبنا حتى أنه وهو الكائن الأزلى الأقدم من كل المسكونة ذاتها صار فى السن أصغر من كثير من خدامه فى العالم. كطفل كان يصيح فى طفولته بغير كلام، مع أنه هو الكلمة (اللوغوس) الذى بدونه تعجز فصاحة البشر عن الكلام!!].. إن كان تجسد ابن الله قد كشف لنا أسرار محبة الله الحانية نحو البشر، فإن التأمل فى محبة الله تقودنا إلى فهم هذا السر العظيم والتمتع ببركاته...
والقديس مار يعقوب السروجى من آباء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية فى القرنين الخامس والسادس يقول: [الجالس على المركبة الشاروبمية حملته البتول فى حضنها. كانت تعطيه اللبن كطفل، وهو يعطى المطر لمزروعات الأرض. الطفل الممسك بثدى أمه يرضع اللبن، منه تطلب الطبائع ليعطيها قوتها. يمسك الثدى باليمين الذى بسطت السماء. هذا هو المولود الذى صوّر أمه فى بطن أمها. بالأمس خلقها، وأتى اليوم فولد منها. صنع له لبناً ووضعه فى ثديى أمه الطاهر. وعاد فرضع من ذاك الذى صنعه]...
ويقول القديس أوغسطينوس: [الخالق الزمان يولد فى زمان معين. هذا الذين بدون أمره الإلهى لا يجرى يوم فى مجراه، قد اختار لنفسه يوماً لتجسده صانع الإنسان صار إنساناً ورضع من ثديى أمه... صار جسداً لكى يُطهّر نجاسات الجَسَد. من أجل هذا خرج العريس من حذره، وابتهج مثل الجبّار يسرع فى طريقه (مزمور 18)، لطيف كعريس وقوى كجبار، محبوب ومرعب. هادئ وعنيف جميل للصالحين وجاف للأشرار. فى حذره – أى فى أحشاء أمه العذراء اتحد لاهوته بناسوته. وهكذا صار الكلمة جسداً لأجلنا. خرج من أحشاءها ليسكن بيننا، حتى إذا ما رجع إلى أبيه، يُعدّ لنا مكاناً نسكن فيه]... هذا ما كشفه الروح القدس لرجال الله القديسين الذين أحبوه، وفى اتضاع ومسكنة روحية سألوه أن يعلن لهم سر حبه الذى أظهره بتجسده، فكان أن أعطاهم الروح وأعطانا من خلالهم.
2 - المسيح خادم الخلاص:
فى النقطة السابقة تأملنا فى تجسد ابن الله الكلمة. والآن نتقدم لنتأمله فى خدمته الكرازية مدة نحو ثلاثة سنوات وثلث...
ماذا فعل المسيح فى خدمته؟
لقد لخصّ الإنجيل المقدس عمله بالقول إنه كان يجول يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلّط عليهم إبليس (أعمال الرسل 10: 38)... وكان يدعو التعابى ليريحهم "تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم" (متى 11: 28)... وكان عون من لا معين له. لقد سأل المسيح مريض بيت حسدا وهو ملق فى أحد اروقة بركة بيت حسدا "أتريد أن تبرأ". فكانت إجابته: "ليس لى إنسان"... وحينئذ وهبه المسيح نعمة الشفاء، دون ما حاجة إلى النزول إلى مياه البركة (يوحنا 5)...
ولقد التقى المسيح أيضاً بأرملة حزينة لوفاة وحيدها. كان الجمع يسير يحمل نعش ذلك الشاب متجهاً إلى القبر خارج مدينة نايين "فلما رأيها تحنن عليها وقال لها لا تبكى. ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون. فقال أيها الشاب لك أقول قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم، فدفعه إلى أمه" (لوقا 7: 12 - 15)... نعم لقد أعاد الراحة إلى قلب تلك الأم الحزينة...
لقد شفى المسيح أسقام السقماء، وترفق بالخطاة واحبهم، وخفف من آلام المتألمين والمنبوذين... والإنجيل المقدس ملئ بمواقف محبة المسيح للخطاة...
يكفى أن نشير مجرد إشارة إلى موقفه مع المرأة التى أمسكتك فى ذات فعل الزناة واحضروها إليه...
كانت حسب الناموس القديم تُقتل رجماً بالحجارة... وإذا كشف للذين ساقوها إليه وشهروا بها خطاياهم دون أن يشهر بهم أو ينطق بكلمة واحدة، انصرفوا واحد بعد الآخر وتركوا المرأة المتهمة بمفردها أمام المسيح. أما هو فقال لها: "يا إمرأة أين هم أولئك المشتكون عليك. أما دانك أحد. فقالت لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع ولا أنا أدينك. إذهبى ولا تخطئ أيضاً" (يوحنا 8: 3 - 11).
كان يجالس الخطاة والأشرار
، ولا يأبه لاتهامات معلمى اليهود الذين استنكروا مثل هذه المخالطة، بل أعلن أن الأصحاح لا يحتاجون إلى طبيب بل المرضى (متى 9: 12).
كان يصنع خيراً فى السبت
، فكان هذا إتهام آخر ضده، إنه ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت. لكن المسيح له المجد علَّم أن الإنسان لم يُخلق لأجل السبت بل السبت لأجل الإنسان. أى أن الوصية الإلهية أعطيت خدمة للإنسان، لا لكى يُسْتعبدلها!! لقد ضم المسيح إليه المنبوذين فى المجتمع اليهودى، وأحسن إلى مبغضيه والذين أساءوا إليه... لقد إتسع قلبه فَوَسَع الجميع أبراراً وأشراراً، محبين ومبغضين، مطيعين ومقاومين... مع كل ذلك تنكر له من أحسن إليهم... كان بعلمه السابق يعلم مكايد اليهود وما يدبرونه له، ومع ذلك ظل أميناً فى محبته، وأكمل رسالته على الصليب، بعد أن طلب الغفران لصالبيه. وهكذا قال: "قد أكمل"، واحنى رأسه واسلم روحه فى يدى أبيه السماوى.
كان الرب يسوع يعلم أن الذراع المفلوج الذى شفاه هو الذى سيلطمه مع ذلك شفاه... وأن اللسان الذى فكّ عقدته سيبصق عليه ويلعنه ويجدّف عليه، ومع ذلك أبرأه... وإن اليد اليابسة التى أعاد إليها القوة هى التى ستسمر المسامير فى يديه ورجليه الطاهرة، ومع ذلك لم يتوان عن إبرائها... كان يعلم هذا كله، ومع ذلك كان أميناً فى إتمام الخلاص الذى جاء إلى العالم لأجله. كان يعمل كل ذلك بفرح ومسرة واحتمل الصليب مستهيناً بالخزى (عبرانيين 12: 2)... ولعل كلمات يوحنا حبيب الرب تعبّر عن محبة المسيح فى خدمة الخلاص، يقول.
"أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب. إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم. أحبهم إلى المنتهى" (يوحنا 13: 1).
3 - قبول المسيح للآلام بإرادته حباً فى خلاص البشر:
لقد أحب السيد المسيح البشر وهم أعداء. وبينما كانوا يضمرون له العداوة كان هو يحبهم ويسعى لخلاصهم... يقول بولس الرسول "لأن الله بيّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا... ونحن أعداء صولحنا مع الله بموت ابنه" (رومية 5: 8، 10). يقول القديس يوحنا ذهبى الفم بطريرك القسطنطينية: [على الصليب لم يعلن يسوع حبه لملائكة السمائيين أو الأبرار، بل قدم ذاته حملاً يُساق إلى الذبح فى صمتِ خشوع فدية عن كل العالم. لقد بذلك ذاته لأجل من كسروا وصاياه، وجدّفوا على إسمه... قد يموت واحد من أجل الصالح، لكن أن يموت إبن الله القدوس بالجسد من أجل العصاة الخطاة، فهذا حب من يستطيع أن يُعبّر عنه؟!!].
والقديس أوغسطينوس تأمل أيضاً فى هذه النقطة وقال: [إن خلقة العالم لم تكلف الله شيئاً، لأنه خلقه بكلمته. أما خلاص العالم فقد كلّفه أن ينزل من السماء ويحتمل الهزء والعار. وأخيراً يموت على الصليب لأجلنا].
د – بركات الفداء:
وبركات الفداء الذى أتمه المسيح له المجد على الصليب كثيرة، نذكر منها:
1 - التبنى والطبيعة الجديدة:
أول بركة من بركات الفداء هى التبنى... ويُقصد بالتبنى أن البشر يصيرون بالإيمان أولاد الله بالمعمودية المقدسة، وهكذا ينالون طبيعة جديدة... ويقول القديس بولس الرسول "لما جاء ملء الزمان أرسل الله إبنه مولوداص من إمرأة، مولوداً تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى. ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح إبنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب. إذاً لست بعد عبداً بل إبناً. وإن كنت إبناً فوارث لله بالمسيح" (غلاطية 4: 4 - 7). ويقول لأهل رومية "لأنه الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة إبنه، ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين" (رومية 8: 29).
أنظروا أيها الإخوة عظم العطية التى نلناها فى المسيح وبه...
بعد أن كنا عبيداً مستعبدين لإبليس، بل أولاده (يوحنا 8: 44)، صرنا أبناء الله، وورثة الله، ووارثون مع المسيح (رومية 8: 17)... بعد أن كنا أبناء الغضب، صرنا أبناء الملكوت. بعد أن كنا محرومين من المجد السماوى، صرنا مؤهلين له. بعد أن كنا أعداء لله صرنا أحباءه، بل ولنا معه دالة من قبل ابنه يسوع السميح ربنا... كل هذه البركات صارت لنا مجاناً بموت المسيح إبن الله من أجلنا.
يفتخر البعض بحسبهم ونسبهم وقراباتهم الجسدية... ونحن ألا يحق لنا أن نفتخر بنسبنا السماوى ونسبتنا إلى الله ذاته؟!... ألسنا أولاد الله بالحقيقة. وقد نلنا هذه البنوة بثمن غال "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى، بفضة أو ذهب... بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (بطرس الأول 1: 18، 19)... ومن قبل هذه البنوة صار لنا سلطاناً على كل الخليقة "كل الذين قبلوه (المسيح) أعطاهم سلطاناً" (يوحنا 1: 12)... هذه وغيرها من بركات الفداء. لكننا للأسف لا نفطن للنعمة التى "نحن فيها مقيمون" (رومية 5: 2)، وبالتالى استحقاقنا من قبل هذه النعمة المجانية...
2 - مفعول قيامة المسيح:
ومن بركات الفداء ما نلناه بقيامة المسيح المخلص الفادى. تلك البركات التى يصعب علينا أن نحدها... قبل الفداء الذى أكمله المسيح بموته وقيامته، كان مصير جميع البشر هو الهلاك الأبدى، إذ كان الشيطان يقبض على روح كل إنسان يموت... لكم موت المسيح كان نيابة عن كافة البشر. لقد مات المسيح وقام. وحينما قام أقامنا معه "وأقامنا معه وأجلسنا معه فى السماويات فى المسيح يسوع ليظهر فى الدهور الآتية غنى نعمته الفائقة باللطف علينا فى المسيح يسوع" (أفسس 2: 6، 7).
وبموت المسيح وقيامته صار البشر هيكلاً لروحه القدوس... "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. إن كان أحد يُفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدس الذى أنتم هو" (كورنثوس الأول 3: 16، 17)... وليس هذا فحسب، بل لقد صار الإنسان فى المسيح الفادى مسكناً للثالوث... "الذى عنده وصاياى ويحفظها فهو الذى يحبنى. والذى يحبنى يحبه أبى، وأنا احبه وأظهر له ذاتى" (يوحنا 14: 21)... "إن احبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً" (يوحنا 14: 23)... وإن كان الإنسان بالمسيح صار مسكناً للروح القدس فلنستمع من فم المسيح عن بركات روح الله... "أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معم إلى الأبد... المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم متى جاء ذاك روح الله، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتيه" (يوحنا 14: 16، 26؛ 16: 13).
3 - الاتحاد بالمسيح والمجد الأبدى:
ومن بركات الفداء، الاتحاد بالمسيح والتمتع بالمجد الأبدى الذى سبق أن أعده الله لنا... فى صلاة المسيح الوداعية يقول مناجياً الآب "لست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون بى بكلامهم، ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فىَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا، ليؤمن العالم إنك أرسلتنى. وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى ليكونوا واحداً، كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فىَّ ليكونوا مكملّين إلى واحد. وليعلم العالم إنك أرسلتنى وأحببتهم كما أحببتنى. أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حيث أكون أنا، لينظروا مجدى الذى أعطيتنى لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم" (يوحنا 7: 20 - 24)...
أنظروا أيها الأخوة عظم المجد الذى ينتظر القديسين
"يكونون معى حيث أكون أنا"... وفى موضع آخر يقول الرب يسوع "أنا أمضى لأعدّ لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتى أيضاً وآخذكم إلىَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً" (يوحنا 14: 2، 3).
ما هذ المجد يا رب الذى أعددته للتراب والرماد، والمزدرى وغير الموجود؟!... لكن مبارك أنت يا من وهبتنا البنوة بيسوع المسيح ربنا... قد يفتخر إنسان بصلته بشخصية كبيرة، يجالسها ويتعامل معها... لكن مهما سمت تلك الشخصية فى مكانتها، فمن تكون إلى جانب الله نفسه، الذى أنت تكلمه وتجالسه وترتمى فى أحضانه؟! إنه أبوك السماوى الذى أنعم عليك بالبنوة... هذه البنوة التى لن نفقدها – حتى بانكارنا الإيمان وجحودنا... فالله هو أبوك السماوى يدعوك إلى العودة إليه، وسوف تجده فى إنتظارك مرحباً بك (مثال الإبن الضال – لوقا 15)...
كان الإمبراطور قسطنطين الكبير هو أول ملوك الامبراطورية الرومانية يؤمن بالمسيح ويرفع الإضطهاد عن الكنيسة. وسمع بالقديس أنطونيوس الكبير أب الرهبان، فأرسل إليه ضابطاً وبعض الجند يحمل رسالة منه إلى الأنبا أنطونيوس يطلب بركته له ولأولاده ولمملكته... فرح تلاميذ القديس أنطونيوس بالأمر إذ أحسوا أن شهرة أبيهم ومعلمهم قد بلغت مسامع الأمبراطور. لكن المعلم والناسك الكبير حزن لأفكارهم ومشاعرهم الجسدانية، وقال لهم: لماذا يُعد شرفاً أن إنساناً مثلى – مهما كان مركزه العالمى – يكتب إلىَّ، وهوذا الله نتحدث معه كل يوم فى الصلاة، ويكلمنا فى الكتب المقدسة... ورفض فى بادئ الأمر أن يرد على رسالة الامبراطور قسطنطين لولا أن أولاده اقنعوه بأنه أول من رفع الاضطهاد عن المسيحيين.
قيمة المحبة فى نظر الله:
ولعل من المفيد أن نتوقف قليلاً لنتحدث عن قيمة المحبة فى نظر الله، لئلا يقلل أحد من شأن المحبة كمؤونة أساسية لطريق الأبدية.
إن كان الله محبة، فلا شك أنه خلق الإنسان على صورته كشبهه أيضاً فى المحبة... ولقد أظهر ملء محبته للبشر بخلاصهم "الذى لم يشفق على إبنه بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شئ" (رومية 8: 32)... وإذ كان الله قد ضحى بابنه الوحيد الجنس حباً لنا، نستطيع أن ندرك قيمة المحبة فى نظر الله... لقد كشف الرب يسوع عن مشاعره بخصوص المحبة حينما أوصانا أن نحبه من كل القلب والفكر والنفس والفكر...
لقد تحلى ملاك كنيسة أفسس بفضائل كثيرة، لو وُصف بها إنسان لاعتبر قديساً، ومع ذلك يعاتبه المسيح وينذره لأنه ترك محبته الأولى بقوله له "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك... وقد أحتملت ولك صبر وتعبت من أجل إسمى ولم تكلّ. لكن عندى عليك إنك تركت محبتك الأولى"... ثم يحذره من عاقبة فتور محبته بقوله "فاذكر من أين سقط وتب وأعمل الأعمال الولى، وإلاَّ فإنى آتيك عن قريب وازحزح منارتك من مكانها إن لم تتب" (رؤيا 2: 1 - 5).
أيها الأخوة، لا شئ يشبع قلب الله غير الحب... الحب الطاهر الصادر من أعماق قلب الإنسان... يقول الوحى الإلهى فى سفر نشيد الأنشاد "إن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة يحتقر احتقاراً" (نشيد 8: 7)... إن الله لا يريد منا سوى محبتنا له!!... ومن نكون نحن حتى يضع الله كل محبته وأشواقه فينا... لكن الأب يحب إبنه، ولو كان دميم الصورة، لأنه يرى فيه شبهه... هكذا ولأننا أولاد الله خلقنا على صورته فهو يحبنا... لذلك فإن مقابلة محبة الله لنا بفتور وأعراض، تعتبر من جانبنا إهانة شديدة لجلاله الأقدس...
وثمة نقطة أخرى، وهى أن المسيح حبيب نفوسنا وعريسها يغار علينا... إن القديس بولس الرسول يصور العاطفة بين المسيح والنفس البشرية بالعاطفة التى بين الخطيبين "فإنى أغار عليكم غيرة الله، لأنى خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (كورنثوس الثانية 11: 2)... والخطيب يغار على خطيبته حينما يراها معرضة عنه، أو حينما يراها تهتم بغيرة غير عابئة بمشارعه، ولا تبادله حباً بحب!! والمسيح هو عريس النفس البشرية، وهذا واضح فى مثل العشر عذارى اللائى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس (متى 25: 1 - 13)... لقد قدم هذا العريس مهراً غالياً، وهو ليس شيئاً آخر سوى دمه...
لقد أنكر بطرس المسيح إنكاراً شديداً. لكنه ما أن التقت نظراته بنظرات المسيح فى بيت رئيس الكهنة – تلك النظرات التى كانت تفيض حباً حتى خرج إلى خارج وبكى بكاءً مراً... التقى السيد المسيح ببطرس بعد قيامته المجيدة عند شاطر بحر طبرية وكان أول سؤال وجهه إليه: "يا سمعان بن يونا أتحبنى؟" – وكرر نفس هذا السؤال ثلاث مرات... إن قلب الله لا يشبعه سوى الحب... ومن يكون الإنسان حتى يهتم الله به وبمحبته مثل هذا الاهتمام؟! لكن شكر لله الذى أعطانا نعمة محبته. إنه ذاك الذى لم يستنكف أن يأخذ جسدنا الترابى ويتحد به ويدعو ذاته "ابن البشر" و "ابن الإنسان".
هكذا أيها الأخوة نرى أن المحبة هى العنصر الأول فى مؤونة الطريق إلى الله. إنها القوة الدافعة التى تدفعنا طوال الطريق كلما فترت همتنا، أو خارت قوانا، أو استولى علينا الملل... إنها تنسى الإنسان التعب وتشدد عزمه فى الضيقات... لننظر إلى الرسول بولس الذى وقد امتلأ قلبه بمحبة المسيح، إستهان بكل الشدائد "من سيفصلنا عن محبة المسيح، أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف. كما هو مكتوب من أجلك نمات كل النهار. قد حسبنا مثل غنم للذبح. ولكننا فى هذه جميعها يعظم إنتصارنا بالذى أحبنا. فإنى متيقن أنه لا موت ولا حياة... ولا رؤساء ولا قوات... تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التى فى المسيح يسوع ربنا" (رومية 8: 35 - 39).
ثانياً - الاتضاع والمسكنة الروحية:
ننتقل إلى الكلام عن المؤونة الثانية، وهى الاتضاع والمسكنة الروحية.
والاتضاع يا أحبائى هو طريق الصليب.
ولقد طوّب المسيح له المجد المسكنة الروحية. والمسكنة الروحية هى عينها الاتضاع وإنكار الذات... هذه كلها تسميات مختلفة لفضيلة واحدة... طريق المسيحية هو الطريق الضيق الكرب. قال رب المجد يسوع "إن أراد أحد أن ياتى ورائى، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعنى" (متى 16: 24).
والاتضاع هو المعين الأول لحمل الصليب. بل لا نكون مبالغين إن قلنا عن الاتضاع إنه هو نفسه صليب!!
يقول رب المجد "من لا يحمل صليبه ويأتى ورائى فلا يقدر أن يكون لى تلميذاً" (لوقا 14: 27).
إن حياة السيد المسيح كلها بالجسد هى تفسير حىّ على مستوى الواقع للاتضاع... إن طريق الصليب الذى سلكه المسيح لم يبدأ بالجلجثة، ولا بجثسيمانى، ولكنه بدأ حقيقه منذ ميلاده... ولذا فإن التمسك بالاتضاع والمسكنة الروحية إنما هو تشبيه بابن الله الذى "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس" (فيلبى 2: 7)... من أجل هذا قال القديس باخوميوس أب الشركة الرهبانية [إذا رأيت إنساناً متواضع القلب طاهراً، فهذا أعظم من سائر المناظر، لأنك بواسطته تشاهد الله الذى لا يُرى].
حياة السيد المسيح كلها من المزود إلى الصليب هى إخلاء من الكرامة والمجد... هى الاتضاع.
ولولا هذا الاتضاع ما استطاع البشر أن يروا ابن الله. فالاتضاع هو الحلة التى لبسها الرب يسوع ليخفى بها لاهوته، حينما أخذ جسداً وصار فى صورة عبد. ولولا ذلك ما استطعنا أن نراه. إذ من يستطيع أن يرى اللاهوت؟! وبالتالى ما استطعنا أن نتمتع ببركات الخلاص...
لماذا تعتبر المسكنة الروحية والاتضاع عوناً لنا فى طريقنا إلى الله؟
لأن الإنسان الذى يسير فى طريق المسكنة الروحية والاتضاع إنكار الذات، إنما يسير خلف سيده ومعلمه متتبعاً نفس آثاره فى طريق الصليب... والاتضاع من شأنه أن يجذب الله إلينا... يقول القديس أوغسطينوس: [إن الاتضاع يجتذب الله إليه. ومع انه تعالى عال. فإن اتضاعت فإنه يتنازل إليك، وإن إستكبرت فإنه يبتعد عنك نهائياً]. وقال أيضاً: [الكبرياء طردت الملائكة من السماء، والاتضاع جعل ابن الله ينزل من السماء ليتجسد على الأرض. الكبرياء أخرجت آدم من الفردوس، والاتضاع أدخل اللص إليه].
إن الاتضاع هو سترة القديسين ولباسهم. لذا يقول القديس بولس الرسول إلى أهل كولوسى "فالبسوا كمختارى الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفاً وتواضعاً ووداعة طول أناة" (كولوسى 3: 12)... لاحظوا أيها الأخوة كلام الرسول "البسوا تواضعاً"... لماذا وهل التواضع يُلبس؟ نعم إنه هو رداء المسيح وكساؤه... بالاتضاع يحرز الإنسان تقدماً فى حياته الروحية والاجتماعية أيضاً... الا فلنذكر كلمات الرسول.
"يقاوم الله المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة... اتضعوا قدام الرب فيرفعكم" (يعقوب 4: 6، 10)...
يقول القديس يوحنا الدرجى [إذا سمعت أن إنساناً ادرك فى زمان يسير امراً كبيراً، إما عدم الأوجاع أو عمل العجائب، فاعلم إنه إنما بلغ ذلك بالاتضاع "... ويقول مار إسحق [المواهب لا تُمنح من أجل الأعمال ذاتها، وإنما من أجل الاتضاع الذى عُملت به].
الاتضاع يساعد الإنسان فى طريقه الى الله لأنه يرد الإنسان إلى وضعه الأول. فالكبرياء تباعد بين الإنسان والله، والتواضع يجذب الله إلى الإنسان. ونحن نستطيع أن نلمس أثر الاتضاع حتى المعاملات الاجتماعية على المستوى المادى. فالناس بطبيعتهم ينفرون من المتكبر المتجرف المعتدّ بذاته. وعلى عكس ذلك فإنهم ينجذبون إلى الإنسان المتضع ويميلون إلى معاونته... لقد كانت الكبرياء سبباً فى طرد الإنسان من الفردوس، والاتضاع يرد الإنسان ويعيده إليه.
ذكر عن أحد الآباء النساك الرهبان
أنه أعطى من الله موهبة إخراج الشياطين. فسألهم ذات مرة بِمَ يخرجون. أبا الصيام؟ قالوا لا، نحن ما نأكل قط. عاد وسألهم أبا السهر؟ قالوا نحن ما ننام... سألهم أبترك العالم؟ أجابوا نحن مسكننا فى الخرائب والقفاز...
أخيراً قال لهم فبماذا تخرجون؟ قالوا لا شئ يخرجنا، ولا شئ يقهرنا سوى الاتضاع.
الإنسان المتضع ينكر نفسه ويخبئ نعمة الله الى فيه... وحين يفعل ذلك تنمو فيه الفضيلة. مثل موسى الذى حينما ولد اخفته أمه ثلاثة أشهر، وبهذه الطريقة استطاع أن يعيش ويكون له شأن عظيم فى المستقبل. هكذا أيضاً الإنسان الذى يتمسك بالتواضع ويستعين به على إخفاء نعم الله التى حباه إياها، فإنه ينمو أكثر فى النعمة ويعطى يزداد...
ثالثاً – الصبر:
الطريق إلى الله بقدر ما هو مريح للنفس وحلو ومعزى ويتفق مع طبيعة الإنسان المخلوق على صورة الله، لكننا لا ننكر أنه تكتنفه مصاعب وضيقات ومحاربات... وما حمل الصليب الذى أوصانا به رب المجد والذى أشرنا إليه، سوى ضيقات الحياة التى تعرض طبيعياً للمؤمن وعلى أن يُعد ذاته لها... هنا نذكر قول ربنا المبارك "فى العالم سيكون لكم ضيق"... وإن كان هو يكمل هذه العبارة بالوعد "ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم"... لكن من المسلّم به ومن الواضح أن طريق الله محفوف بالضيقات والأعداء ومحارباتهم...
لذا فالإنسان الذى إختار طريق الله ليسير فيه، يلزمه أن يتزود بالصبر...
لقد أوصى السيد المسيح بالصبر كواسطة لأقتناء النفس "بصبركم اقتنوا أنفسكم" (لوقا 21: 19)... "الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (مرقس 13: 13). والرسول بولس يظهر للمؤمنين حاجتهم للصبر "لأنكم تحتاجون إلى الصبر، حتى إذا صنعتم مشيئة الله تنالون الموعد" (عبرانيين 10: 26).
ويمتدح السيد المسيح الصبر فى المؤمنين عامة والخدام بخاصة، فيقول لملاك كنيسة أفسس وخادمها: "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك" (رؤيا 2: 2)... ويقول لملاك كنيسة فيلادلفيا: "لأنك حفظت كلمة صبرى، أنا أيضاً سأحفظك من ساعة التجربة العتيدة أن تأتى على العالم كله، لتجرب الساكنين على الأرض" (رؤيا 3: 10)... وحينما أُعلنت الرؤيا ليوحنا بينما كان منفياً فى جزيرة بطمس كتب يقول "أنا يوحنا أخوكم وشريككم فى الضيقة، وفى ملكوت يسوع المسيح وصبره" (رؤيا 1: 9)... ويكتب بولس الرسول إلى تلميذه الأسقف تيموثاوس "صادقة هى الكلمة إنه إن كان قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه. إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه" (تيموثاوس الثانية 2: 11، 12).
إن الله نفسه مثال للصبر:
نستطيع أن نلمس ذلك فى إحتماله للخطاة والأشرار والمقاومين وهو يطيل أناته عليهم... بل إن الناس الذين لا تربطهم صلة بهؤلاء الأشرار، يندهشون كيف يصبر الله على مثل هؤلاء.
ولكن فيما يصبر الله على من نعتبرهم أشراراً، يصبر علينا نحن أيضاً يا من نعتبر أنفسنا أبراراً!!
لا شك إننا ضمن المستفيدين من صبر الله وطول أناته... ولولا صبر الله وطول أناته لحل بنا ما حل بسدوم عمورة وغيرهما من الشعوب...
ونرى الصبر واضحاً فى حياة السيد المسيح بالجسد على الأرض... فكم إحتمل من الأشرار والمقاومين ومن الكتبة والفريسيين، والذين كانوا يتربصون به، ويترصدون خطواته لكى يصطادوه بكلمة... وكان يصبر عليهم رغم علمه بمكنونات قلوبهم وافكارهم ومقاصدهم الشريرة. لقد احتملهم فى صبر بل غفر لهم على الصليب: "اغفر لهم يا أبتاه".
ايها الأخوة، أود أن أقول لكم إنه لا شئ من الفضائل الروحية يمكن أن يقتنيها الإنسان بدون صبر... ونفس الأمر نحتاجه فى أمور العالم. فالفلاح عليه بالصبر فى زراعته. يرويها بانتظام وينقيها مما يصيبها من آفات، ويضع لها المخصبات إن إحتاجت. والتاجر يستعين بالصبر فى شئون تجارته. والطالب عليه بالصبر الكثير فى دراسته. عليه أن يواصل ليله بنهاره يغالب النعاس وحاجات الجسد ومتطلباته حتى يحقق ما يصبو إليه... والمرأة كيف تصير أماً؟ إنها تجتاز مراحل الحمل بصبر. وبعد الحمل يأتى دور الوضع فدور تربية الطفل وهى ليست بالأمر الهين، حتى قيل فى امثلتنا الشعبية "تربية الأطفال زى مضغ الزلط". إن الأم تصير وتحتمل من أجل الثمرة الحلوة التى انجبتها...
بالصبر نحن جميعاً ولدتها امهاتنا، وبالصبر صرنا إلى ما نحن عليه.
إن الإنسان الذى لا يريد أن يصبر لا يمكنه أن يجنى ثمراً طيباً من أى نوع، وفى أى أمر... هكذا فى حياتنا الروحية، لا توجد فضيلة تقتنى بدون جهاد. ولله فى حكمة. فما يقتنيه الإنسان بسهولة وبدون تعب، سهون عليه التفريط فيه.
إن الطريق طويل، ولا يخلو من المشاق، لذا يحتاج السائر فيه إلى الصبر الكثير.
فى كل يوم تقابله محاربات من الشياطين ومن الناس... محاربات فى الأفكار، ومحاربات حتى فى النوم... لكن الإنسان المؤمن إنسان مجاهد، لا يلقى سلاحه أبداً، حتى حيثما يأوى إلى فراشه للنوم... فعروس النشيد تقول: "أنا نائمة وقلبى مستيقظ" (نشيد 5: 2). والرسول بولس يوصينا "لنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا. ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع" (عبرانيين 12: 1، 2).
والسيد المسيح فى كلامه عن الزرع والأرض الجيدة
يقول "والذى فى الأرض الجيدة هو الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها فى قلب جيد صالح، ويثمرون بالصبر" (لوقا 8: 15)... فرغم أن الأرض جيدة، والكلمة محفوظة فى قلب جيد صالح: لكنها لا تثمر إلاَّ بالصبر...
إن القديس بولس يدوع الله نفسه "إله الصبر" (رومية 15: 5)... ولأهل تسالونيكى يقول "والرب يهدى قلوبكم إلى محبة الله وإلى صبر المسيح" (تسالونيكى الثانية 3: 5).
والقديس يعقوب يظهر عظيم فضيلة الصبر وعاقبته الطيبة
"ها نحن نطوب الصابرين. قد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب" (يعقوب 5: 11).
وأخيراً يُظهر يوحنا فى رؤياه عاقبة الصبر والصابرين فى السماء، فيقول "هنا صبر القديسين وإيمانهم... هنا صبر القديسين. هنا الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع" (رؤيا 13: 10؛ 14: 12)...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.