مصاعب الطريق
أولاً – طبيعة الطريق إلى الله:
لا عجب إذا قلنا أن من معالم الطريق إلى الله صعوبته... وهوذا الرب يسوع نفسه يشهد بذلك. فيقول فى عظته على الجبل – التى تتضمن مبادئ المسيحية الأدبية والروحية "ادخلوا من الباب الضيق. لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذى يؤدى إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما اضيق الباب واكرب الطريق الذى يؤدى إلى الحياة. وقليلون هم الذين يجدونه" (متى 7: 13، 14).
وهوذا بولس وبرنابا كانا فى أثناء خدمتهما التبشيرية "يشددان انفس التلاميذ (المؤمنين) ويعظانهم أن يثبتوا فى الإيمان، وأنه بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله" (أعمال الرسل 14: 22)... وفى رسالته إلى أهل كورنثوس يقول بولس الرسول.
"فى كل شئ نُظهر أنفسنا كخدام الله فى صبر كثير. فى شدائد. فى ضرورات. فى ضيقات... فى أتعاب" (كورنثوس الثانية 6: 4، 5).
بل أن هذا الرسول يجعل من مصاعب الطريق واحتمالها دليلاً هاماً على النجاح فى طريق الله... يقول لأهل تسالونيكى "ينبغى لنا أن نشكر الله كل حين من جهتكم أيها الإخوة كما يحق، لأن إيمانكم ينمو كثيراً، ومحبة كل واحد منكم جميعاً بعضكم لبعض تزداد، حتى إننا نحن أنفسنا نفتخر بكم فى كنائس الله من أجل صبركم وإيمانكم فى جميع اضطهاداتكم، والضيقات التى تحتملونها بينة على قضاء الله العادل أنكم تؤهلون لملكوت الله، الذى لأجله تتألمون أيضاً" (تسالونيكى الثانية 1: 3 - 5).
إذن أيها الاخوة الأحباء، إذا كان الطريق إلى الله صعباً وشاقاً وكرباً فما هى مصاعبه؟... هذا هو موضوع حديثنا فى هذا المساء.
ونستطيع أن نلخص مصاعب الطريق إلى الله فى نقطتين رئيسيتين: مصاعب من خارج الإنسان، ومصاعب من داخله. أو بعبارة أوضح: الشيطان واعوانه ثم شهوة الإنسان نفسه وملله من الطريق... وقبل أن نتناول بالبحث هاتين النقطتين الرئيسيتين، أرى من الضرورى أن نقف قليلاً لنعرف شيئاً عن طبيعة الطريق إلى الله...
طبيعة الطريق إلى الله أن فيه صعوبات... هذا أمر طبيعى مثل خصائص أى مادة...
فحينما اقترب بعود ثقاب مشتعل من مادة البنزين أو الكحول، فإن كلاً منهما يشتعل للحال. وإذا حدث لم يشتعلا فهما ليس بنزيناً أو كحولاً!! فالاشتعال هنا من خصائص البنزين والكحول... هكذا الصعوبات تعتبر من خصائص الطريق إلى الله... هذه معلومة أساسية يجب أن نعرفها لأنه ماذا يحدث لو لم يعرف الإنسان ذلك؟ قد يحدث أن يُحارب باليأس ويترك طريق الله كلية...
لكن لماذا يسمح الله بأن يكون طريقه صعباً هكذا؟ هل الله يتلذذ بتعب أولاده وآلامهم... وهل هذا يتناسب مع طبيعة الله المحب؟!
حاشا أن ننسب لله أنه يتلذذ بتعبنا وآلامنا... لكن كل مافى الأمر أن هذا الأسلوب هو ما يناسب طبيعة الإنسان... لقد كان الإنسان أصلاً فى الفردوس، وهو الذى أخرج ذاته منه... إن الراحة – للأسف – لا تناسب الإنسان!!... فحينما يستريح الإنسان راحة كاملة يضل وينسى الله نسياناً كاملاً. ومن مراحم الله أنه يسمح بصعوبة الطريق وضيقاته وآلامه لكى نرجع إلى أنفسنا، وبالتالى نعود إلى الله... يقول أحد الفضلاء: [إن الضيقات هى لغة الله لمحبيه] أى أن الله بدافع محبته يكلم من يحبهم بهذا الأسلوب حتى يرجعوا إليه... أما الأشرار فيقول عنهم الرسول "وكما لم يستحسنوا أن يُبقوا الله فى معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رومية 1: 28)... أى (يعملوا اللى عايزين يعملوه)... فهل تريد أن يتعامل الله معك بهذه الطريقة؟
ربنا يسوع المسيح الذى يدعوه الكتاب المقدس "رئيس السلام" (إشعياء 9: 6)، حين أرسل تلاميذه فى إرساليتهم الأولى، أعلن لهم حقيقة هامة: "لا تظنوا إنى جئت لألقى سلاماً على الأرض. ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً" (متى 10: 34)... معنى هذا أن مملكة رئيس السلام يجب أن تؤسس بالجهاد الروحى إلى النفس الأخير، وهذا ما عناه بالقول "ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً"...
ورسل المسيح وتلاميذه الذين أرسلهم ليؤسسوا الكنيسة وينشروا الإيمان فى العالم، قد فهموا هذا المبدأ الأساسى
فحين نقرأ عن رحلاتهم الكرازية وعملهم التبشيرى بين من آمنوا على أيديهم نستمع إلى صوت هتاف النصرة التى تعقب المعارك (خروج 32: 18)... إن كل شئ يشير إلى أن هناك معركة حامية... إنها المعركة الروحية ضد قوات الشر والظلمة التى لن تتوقف!!
وفى الرسائل التى وجهها السيد المسيح إلى ملائكة السبع الكنائس فى آسيا الصغرى نقرأ عن المكافأة الوحيدة التى وعد بها خدامه الأمناء "من يغلب فسأعطيه..." (رؤيا ص 2، 3)... وقوله "من يغلب" يعنى أن هناك جهاد وغلبة ونصرة.
لقد حذرنا الكتاب المقدس من أعدائنا الروحيين فى
داخل قلعة أنفسنا سواء عن طريق الخيانة أو بدونها، تلك التى يشير إليها بطرس الرسول بقوله "الشهوات الجسدية التى تحارب النفس" (بطرس الأول 2: 11)، والتى يشير إليها معلمنا بولس الرسول بقوله.
"ناموس آخر فى أعضائى يحارب ناموس ذهنى" (رومية 7: 23).
وتشبيهات الحرب والقتال ومعداته وأسلحته ترد بكثرة ووضوح فى رسائل القديس بولس الرسول... فهو يحثنا أن نلبس "سلاح الله الكامل لكى نقدر أن نثبت ضد مكايد إبليس" (أفسس 6: 11)... ويوصى تلميذه تيموثاوس أن يحارب المحاربة الحسنة (تيموثاوس الأول 1: 18)... ويوصيه أن يجاهد جهاد الإيمان الحسن (تيموثاوس الأولى 6: 12)... وأن يشترك فى إحتمال المشقات كجندى صالح ليسوع المسيح (تيموثاوس الثانية 2: 3)... وبينما كان القديس بولس قاب قوسين أو ادنى من الاستشهاد وخلع الجسد، يجعل رجاءه فى إكليل الحياة على أساس أنه جاهد الجهاد الحسن "قد جاهدت الجهاد الحسن. أكملت السعى. حفظت الإيمان. وأخيراً قد وضع لى إكليل البر الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل. وليس لى فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً" (تيموثاوس الثانية 4: 7، 8).
وهكذا أيها الاخوة الأحباء نرى العهد الجديد ينبه فى أكثر من موضع إلى الحرب الروحية والقتال الروحى، ووجود الأعداء الروحيين. ونقرأ عن أسلحة ومكافأت، وحياة وموت... كما ينبه إلى دهاء وضراوة أعدائنا وقوتهم "مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية فى السماويات" (أفسس 6: 12)... "لأننا وإن كنا نسلك فى الجسد، لسنا حسب الجسد نحارب. إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون" (كورنثوس الثانية 10: 4)... لقد اتينا إلى العالم لكى نجاهد. وهكذا يجب ان تمضى حياتنا فى جهاد وقتال روحيين. وبقدر ما تخلو حياة إنسان من هذه السمات بقدر ما تكون حياته فاشلة...
كل نفس آمنت بالمسيح واعتمدت له هى عضو فى جيش الإله الحىّ وفى الحرب الروحية لا توجد فترات للتقاعد والراحة. فعدونا إبليس قوى لا ينام ولا يلين ولا ييأس... وهكذا يستمر هذا النضال ما دامت الحياة...
يكفى لكى نعرف طبيعة الطريق، وما يتطلبه من جهاد، أن نعرف أن كنيسة المسيح فى العالم تُعرف باسم "الكنيسة المجاهدة"،
تمييزاً لها عما اصطلح على تسميته باسم "الكنيسة المنتصرة"، والتى تضم نفوس الأبرار الذين جاهدوا وتركوا هذا العالم...
هذا عن طبيعة الطريق – إنه طريق جهاد... يجب أن يستقر هذا المفهوم فى اذهاننا حتى لا نصاب باليأس والفشل... لأن البعض حينما تقابله صعوبة أو شدة أو ضيقة، يعجب أشد العجب ويقول فى نفسه "ماذا عملت... الواحد ماشى بخوف ربنا وهو وحده أعلم. ولا أعرف لماذا التجارب نازلة علىَّ كالمطر"!!... بكل تأكيد نحن نسمع مثل هذا الكلام من البعض... لكن لنسمع ما يقوله القديس بولس الرسول إلى العبرانيين "لأن الذى يحبه الرب يؤدبه، ويجلد كل إبن يقبله... إن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين، فأى إبن لا يؤدبه أبوه. ولكن إن كنتم بلا تأديب، قد صار الجميع شركاء فيه. فأنتم نغول لا بنون" (عبرانيين 12: 6 - 8)... ويقول أيضاً "نؤدب من الرب لكى لا ندان مع العالم" (كورنثوس الأولى 11: 32)... فإن كان الله يتعامل مع أولاده بالتأديب، فلكى ما ينقيهم ليصيروا ذهباً مُصفّى.
ثانياً – أعداء الطريق:
ونقصد بهم الشياطين وأعوانهم...
وقبل أن نتكلم أود أن أؤكد حقيقة مسيحية اصيلة وهى أن: المسيحيين لا يعتبرون أحداً من البشر عدواً لهم. فهم مطالبون بمحبة الجميع حتى من يُضمرون لهم العداء ويضايقونهم... إن هؤلاء يصلى المسيحيون لأجلهم عن حب، حتى ما يحررهم الرب من قبضة إبليس. لأن من يبغض ليس من الله ولا عرفه.
من المهم أن يعرف الإنسان عدوه أو أعداءه أياً كانوا حتى فى القليل؛ يأمن شرهم وخطرهم...
ولدينا مثل حىّ. فلقد كان سبب كارثة حرب يونية سنة 1967 هوعنصر المفاجأة والمباغتة الذى إتبعته إسرائيل... وإن كنا هزمنا سنة 1967 لكننا تلقّنا درساً بل دروساً فى الحرب، وعيناها جيداً وادت إلى إنتصارنا فى حرب أكتوبر سنة 1973...
هكذا يفيدنا أن نعرف أكبر قدر من المعلومات عن اعدائنا الروحيين (الشياطين)، حتى نحترس منهم ونأمن شرهم، ونكون على استعداد حتى لا نقع فى حبائلهم التى ينصبوها لنا... لذا من الضرورى أن نتناول بالكلام طبيعة الشياطين واساليبهم ومكرهم ودهائهم وخداعهم وحيلهم وأسلوبهم فى الحرب الروحية، ومدى قوتهم أو شجاعتهم. فإن هذا بلا شك يعيننا فى جهادنا مسيرة فى الطريق إلى الله.
الشيطان حوله هالة كبيرة جداً، لذا يخشاه الناس ويرتعبون منه... نحن لا ننكر قوة الشيطان الذى دعاه رب المجد "رئيس هذا العالم" (يوحنا 12: 31؛ 16: 11)... ولكن فى نفس الوقت لا ننسى أن المسيح قال عنه أيضاً "ليس له فىَّ شئ" (يوحنا 14: 30)... هذا بالنسبة للمسيح القدوس الذى بلا شر، اما بالنسبة للإنسان الخاطئ فالشيطان له فيه شئ بل أشياء... انه يتعامل مع الإنسان من خلال الخطية وبسببها. إن الخطية هنا هى "مسمار جحا" كما يقول المثل. ولكون المسيح له المجد بلا خطية فالشيطان ليس له فيه شئ. ومن استطاع من البشر أن يحيا بلا خطية، فإنه يستطيع أن يقول نفس كلمات المسيح "ليس له فىَّ شئ". فبضاعة الشيطان التى يتعامل ويتاجر بها هى الخطية والشر... لذا فعلى الإنسان حينما يسير فى طريق حياته الروحية، أن يباعد بين نفسه وبين الخطية، لكى يأمن حكاية "مسمار جحا"!! والآن نستعرض بعض ما يهمنا معرفته عن الشيطان...
1 - طبيعة الشيطان:
لا مجال هنا للقول بأن الشيطان كان مع جنوده يؤلف طغمة من الطغمات السمائية، وأنه سقط بالكبرياء [1]. كان لسقوطه آثار عميقة على طبيعته. فهو مخلوق مشوّه محدود فى قدراته... ولو أن الإنسان هو الآخر سقط، لكنه يجدد قدراته بالتوبة، بل قد تكون القوة الروحية التى يستردها بالتوبة أكبر مما يفقده بالخطية "حيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جداً" (رومية 5: 2)... وفى الوقت الذى يسير فيه إبليس نحو الانحدار، نجد الإنسان يجدد قواه ويسير من قوة إلى قوة، ومن مجد إلى مجد...
ونستطيع أن نلمس ضعف الشيطان المتزايد يوماً بعد يوم، ومع ذلك فهو لا يكف عن محاربة أولاد الله، على الرغم من أن أولاد الله يتقوّون عليه، الأمر الذى يثيره...
لقد نظر إبليس ورأى الإنسان الضعيف، وقد صار قوياً فى المسيح. لذا وقف الشيطان عند دينونة المجاهدين كمشتكى عليهم. وتحير حين رأسى شكاياته رفضت!! وعوضاً عنها أعطيت أكاليل مجد لمن أشتكى عليهم بسبب إنتصارهم عليه فى قتاله!!
يقول القديس مقاريوس الكبير [حسب التدبير الإلهى فإن الشيطان لا يُرسل للحال إلى مكان العذاب المعدّ له. لكن يسمح له أن يكون مطلق السراح، لتجربة وغواية البشر، حتى ما يصبح القديسون – وإن كان هذا ضد خططه – أكثر براً بالصبر، ويكون بهذا سبباً لمجد أعظم لهم].
والأمر الذى مازال يثير الدهشة، إن الشيطان على الرغم من خبرته الطويلة وخنكته فى القتال، فإنه لم يقدر أن يدرك إنه حينما يدخل فى قتال معنا، فإنه إنما يسعى فقط لتجديد القتال القديم الذى إنتهى باندحاره الأبدى عند الجلجثة!! إنه لا يقاتل الإنسان الضعيف، بل الله الذى أخذ جسدنا، وسحقه تحت اقدامه بالصليب، وكسر مصاريع النحاس، وقطع عوارض الحديد (مزمور 107: 16).
2 - الشيطان محدود فى إمكانياته:
لعل أول ما يجب معرفته عن الشيطان، انه محدود فى إمكانياته... وعلى الرغم من هذه المحدودية، فيجب الاعتراف أنه خصم لا يستهان به. والنفس التى تستهين به لابد وأن تصبح يوماً من ضحاياه!! ومما ورد فى سفر دانيال يمكننا أن نأخذ فكرة عن قوة هذا العدو... فلقد صلى دانيال إلى الله، وأرسل جبرائيل أحد رؤساء الملائكة ليبلّغ داينال رسالة من الله. وظل النبى ينتظر واحداً وعشرين يوماً رد السماء!! وأخيراً ظهر أمامه رئيس الملائكة جبرائيل وقال له: "لا تخف يا دانيال، لأنه من اليوم الأول الذى فيه جعلت قلبك للفهم ولازلال نفسك قدام إلهك سُمع كلامك، وأنا اتيت لأجل كلامك. ورئيس مملكة فارس وقف مقابلى واحداً وعشرين يوماً. وهوذا ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين جاء لإعانتى، وأنا ابقيتُ هناك عند ملوك فارس. وجئت لأفهمك ما يُصيب شعبك فى الأيام الأخيرة" (دانيال 10: 12 - 14).
وتفسير هذا الكلام أن دانيال حينما بدأ يصلى إستجاب الله صلاته وصدر أمره، وكلف رئيس الملائكة جبرائيل أن يبلغ دانيال رسالة الله وأمره. ولكن جبرائيل تأخر عن الوصول إلى دانيال ثلاثة أسابيع لأن رئيس من الشياطين وهو الموكول بمملكة فارس التى كان منها دانيال – وقف مقابل جبرائيل ومنعه طوال هذه المدة من الوصول إلى دانيال، لولا أن رئيس الملائكة ميخائيل هبّ لنجدته!! لعل هذه الإشارة تعطينا فكرة عن تنظيم مملكة إبليس، وكيف أنه خصم لا يستهان به، إذ إستطاع أن يعوق واحداً من رؤساء الملائكة وهو جبرائيل لمدة ثلاثة أسابيع!!
وأنا لا اسوق هذا المثال عن قوة إبليس لكى نلقى الروع فى أنفسنا، إنما لكى نعرف حقيقة أمره... هذا، ومن ناحية أخرى فإن الخوف من الشيطان أكثر من اللازم من شأنه أن يضعف من قوة الإنسان المعنوية. وفيه نوع من تجاهل مواعيد الله حيث وعد أنه يحارب عنا، وإنه معنا كل الأيام حتى إنقضاء الدهر (رومية 8: 31؛ متى 28: 20).
معلومات الكثيرين عن الشيطان خاطئة... انكر البعض وجود شئ إسمه الشيطان، بينما بالغ البعض الآخر فى قوته وإمكانياته وقدراته وكأنه إله ثان مقابل الله، موجود فى كل مكان ويعلم كل شئ، بل ويستطيع الكثير!!
لكن لنذكر دائماً أن الشيطان مخلوق محدود، وله حدود معينة يعمل فيها... وكمثال لانحراف البعض نذكر من يقصدون السحرة والعرافين ومن اليهم ممن يعملون الزار ويقدمون ذبائح بمواصفات معينة كطلب الأرواح الشريرة أو الدجالين. الالتجاء للسحرة والعرافين خطيئة كبيرة جداً، مهما قيل من اسباب ومبررات لا محل لذكرها...
ونعرض الآن لبعض مما يجب معرفته عن الشيطان:
أ - الشيطان ليس موجوداً فى كل مكان:
لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون الشيطان موجوداً فى كل مكان. فالوجود فى كل مكان صفة من الله غير المحدودة وحده، الأمر الذى لم يُعطَ لملائكة أو لشياطين. وإذا وجد روح فى مكان ما، فلا يمكن أن يكون هذا الروح فى مكان آخر فى نفس الوقت... حقيقة أن الرواح تستطيع الانتقال بسرعة فائقة، لكن ومع ذلك فلا يمكن أن يوجد اى روح مخلوق فى مكانين فى وقت واحد، الشيطان لا يمكنه أن يوجد فى مكانين فى وقت واحد، وإن كان يستطيع – بواسطة جنوده الأشرار العديدين – أن يتعامل مع كل نفس. كما يستطيع أن ينفذ خططه عن طريق عملائه ووكلائه الأشرار المنتشرين فى كل مكان!!
ب - الشيطان لا يعرف الأسرار ولا يعلم كل شئ:
الشيطان لا يعرف كل شئ أو يعلم الأسرار الخفية، فهذه الصفة – معرفة كل شئ والعلم بكل شئ – من صفات الله وحده...
والإنسان يحزن ويندهش حينما يرى بعض ممن يعتبرهم مثقفين يقصدون من يحسب لهم الطالع ويدلهم على المستقبل ويحضر لهم الأرواح... إلخ!! نحن لا ننكر أن الشيطان رغم سقوطه فإن لديه معلومات ومعرفة أوسع من التى لنا، بحكم وجوده مع كائنات روحية أخرى، ويحكم طبيعته الأولى. وهى طبيعة روحانية... لكن مع كل ذلك فإن معلوماته محدودة ومعرفته محدودة أيضاً...
يُضاف إلى ذلك – كما يقول القديسون – إن المعلومات التى يأتى بها الشيطان هى نتيجة خبرته الطويلة بحكم عمره الطويل جداً، وما يترتب على ذلك من إستنتاج، وكذا بحكم إمكانية الانتقال السريع جداً الذى له... فمثلاً قديماً كان يمكنه أن ينبئ بحالة فيضان النيل فى أحد الأعوام... فحينما يرى الأمطار تهطل بغزارة على هضبة الحبشة يعرف أن الفيضانات عالٍ، بينما آثار الفيضان لكى تصل إلى مصر تحتاج إلى وقت كبير نسبياً. والعكس فى حالة الأمطار القليلة... وهنا نرى أن إبناءه بما سيحدث فى المستقبل لا يرجع إلى معرفة بل إلى ملاحظة بالاضافة إلى عوامل أخرى!!... ويمكن أن ينبئ عن إنسان مقيم فى أمريكا أو استراليا أنه سيحضر غداً مثلاً، فقد رآه يستقل الطائرة فى طريقه إلى مصر قبل أن تكون لدينا هذه المعرفة، وهكذا...
ﺟ - الشيطان لا يقدر أعلى قراءة أفكار البشر ولا يعرف ما فى قلوبهم:
دور الشيطان فى حربه مع الإنسان هو الغواية فقط. ولا يستطيع الشيطان أن يعرف مدى تأثير غوايته الشريرة لإنسان ما، إلاَّ بقدر ما يُظهر هذا الإنسان من أحاسيس وإنفعالات خارجية كدليل على ذلك. ومنها وبها يستطيع أن يستنتج. يقول سليمان الملك ابن داود فى صلاة تدشين الهيكل: ".
لأنك أنت وحدك قد عرفت قلوب كل بنى البشر "(ملوك أول 8: 39)...
الله وحده إذن الذى يعرف ما فى قلوب بنى البشر. أما الشيطان فلا قدرة له على ذلك... وما أن يلاحظ الشيطان على الإنسان اضطراباً أو خوفاً أو ميلاً للأستلام نتيجة غوايته، حتى يضاعف من هجومه بصورة يكتسح معها مقاومته!! لذا ينبغى ان نكون هادئين غير مضطربين فى أوقات التجربة، غير معطين أى علامة خارجية نشجع بها الشيطان... ولنتذكر كيف أن خبرة الشيطان الطويلة قد اكسبته حذقاً ومكراً ودهاء فى قراءة الانفعالات والعلامات الخارجية التى تصدر من البشر.
ﻫ - الشيطان يجرب الإنسان فى حدود ما يسمح به الله:
الشيطان ليس حراً فى أن يفعل بالإنسان ما يريده. وإلاَّ لو كان الأمر كذلك لأبادت الشياطين البشر.... لكن الشيطان يجرب الإنسان بسماح من الله، وفى حدود ما يسمح به. وقصة أيوب (ص1، 2). توضح لنا هذا الأمر تماماً بما لا يدع مجالاً للشك أو التأويل...
ماذا تقول قصة أيوب؟
"كان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب، وجاء الشيطان أيضاً فى وسطهم. فقال الرب للشيطان من أين جئت. فأجاب الشيطان الرب وقال من الجولان فى الأرض ومن التمشى فيها. فقال الرب للشيطان هل جعلت قلبك على عبدى أيوب، لأنه ليس مثله فى الأرض. رجل كامل ومستقيم يتقى الله ويحيد عن الشر. فأجاب الشيطان الرب وقال هل مجاناً يتقى أيوب الله. أليس انك سيّجت حوله وحول بيته وحول كل ما له من كل ناحية. باركت أعمال يديه، فانتشرت مواشيه فى الأرض. ولكن ابسط يدك الآن ومسّ كل ما له فإنه فى وجهك يجدّف عليك.
فقال الرب للشيطان هوذا كل ما له فى يدك. وإنما إليه لا تمد يدك.
ثم خرج الشيطان من أمام وجه الرب ".
ثم أخذ الشيطان يمارس نشاطه أو هوايته الشريرة فحلت الكوارث بأيوب وبيته: ضاعت أبقاره واتنه، ومات غلمانه بحد السيف، واحترقت اغنامه بالنار وكذلك غلمانه، ومات أولاده وبناته...
"فقام أيوب ومزّق جبته وجزّ شعر رأسه وخرّ على الأرض وسجد. وقال عرياناً خرجت من بطن أمى، وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ فليكن إسم الرب مباركاً. فى كل هذا لم يخطئ أيوب ولم ينسب لله جهالة".
مرة ثانية يتكرر الأمر ويظهر الشيطان أمام الله. ويقول الرب للشيطان: "هل جعلت قلبك على عبدى أيوب، لأنه ليس مثله فى الأرض. رجل كامل ومستقيم يتقى الله ويحيد عن الشر. وإلى الآن هو متمسك بكماله. وقد هيجتنى عليه لابتلعه بلا سبب. فأجاب الشيطان الرب وقال جلد بجلد وكل ما للإنسان يعطيه لأجل نفسه، ولكن ابسط يدك ومسّ عظمه ولحمه فإنه فى وجهك يُجدّف عليك. فقال الرب للشيطان ها هو فى يدك، ولكن احفظ نفسه. فخرج الشيطان من حضرة الرب وضرب أيوب بقرح ردئ من باطن قدمه إلى هامته... فى كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه".
كانت تجربة أيوب الأولى فى أولاده وممتلكاته، والتجربة الثانية صارت فى جسده وواضح جداً من هاتين التجربتين أن الله كان يسمح للشيطان بتجربته فى حدود معينة. ولماذا يسمح الله بالتجربة فى حدود معينة؟... لأن الله – فى عدله – لا يسمح أن يجرب الإنسان فوق طاقته واحتماله... وإذا سلمنا أن الله عادل، وهو كذلك، فإنه لا يسمح بتجربتنا فوق ما نطيق... يقول معلمنا بولس: "لم تُصبكم تجربة إلاَّ بشرية ولكن الله أمين الذى لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضاً المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا" (كورنثوس الأولى 10: 13).
ونلاحظ هنا أن التجربة لا تكون فقط على قدر طاقة الإنسان، بل أن الله فى حنوه يعطى منفذاً مع التجربة... يقول أحد الآباء الروحيين: [إن الله لا يرفع التجربة لأنها مفيدة للإنسان، لكن فائدة المنفذ أنه يعطى الإنسان قوة على إحتمال التجربة... ولو لم تكن التجربة لخير الإنسان لما سمح الله بها]...
ويؤكد الوحى الإلهى بلسان بطرس الرسول أن الرب لا يتباطأ عن وعده (بطرس الثانية 3: 9).
وعلى هذا نقول: إنه يخطئ من يظن أن الشياطين تستطيع أن تفعل كل ما تريد، إنما يحاول الشيطان أن يُوهم الناس ويلقى فى روعهم أنه يقدر على عمل أى شئ... ولكنه فى هذا – كما فى أمور أخرى – كذاب وأبو الكذاب (يوحنا 8: 44)...
من الضرورى جداً أن نعرف أن الشيطان ليس له سلطان على أولاد الله... يقول بطرس الرسول:
"إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين فى الإيمان" (بطرس الأولى 5: 8، 9)...
لنتأمل هذا القول الإلهى إبليس كأسد زائر، يجول ملتمساً من يبتلعه... والرسول هنا يشبه الشيطان بأسد يزأر. والأسد لا يزأر إلاَّ إذا كان جائعاً... ثم ماذا؟ هذا الأسد القوى الجائع يجول ملتمساً من يلتهمه... وواضح أنه فى جوعه يبحث عن إنسان ويلتمس التهامه... هذا الوصف لا يتفق مع عدو له مطلق القوة والحرية أن يفعل... ولو كان للشيطان هذا السلطان وهذه الحرية لابتلع أى أحد طالما هو جائع. إنما هو يبتلع من يخشاه ويهابه ويقف له، ليلتهمه كأسد، ويسلّم ذاته بارادته له...
يقول القديس يوحنا ذهبى الفم: [
إن الشمس ليست واضحة كوضوح العناية الإلهية. ومع هذا يتجاسر البعض قائلين بأن الشياطين تسيطر على شئوننا. إن لك سيداً محباً، لم يقبل أن يأتمن الشياطين على شئونك، ولو أنه تركك بين أيديهم لكنت تعرف شرورهم].
نحن نعرف.
قصة مجنون كورة الجدريين
الذى كان يسكنه لجئون من الشياطين أى فرقة كبيرة من الشياطين. وحالما اقترب المسيح من المكان الذى كان فيه هذا الإنسان البائس، صرخ الروح النجس وقال: "مالى ولك يا يسوع ابن الله العلى. استحلفك بالله ألا تعذبنى". ثم طلبت الشياطين من الرب يسوع أن يأذن لها بالدخول فى قطيع كبير من الخنازير كان يرعى هناك. فأذن لها. فخرجت الأرواح النجسة ودخلت فى الخنازير، فاندفع القطيع إلى البحر (مرقس 5: 1 - 13). واضح هنا أن الشياطين طلبت من المسيح أن يأذن لها أن تدخل فى قطيع الخنازير فأذن لها. ولو لم يأذن لها لما دخلت... ماذا نسمى هذا؟ هل الشيطان يستطيع أن يفعل كل ما يريده؟
بعد أن تكلمنا عن محدودية الشيطان فى إمكانياته، ننتقل الآن للكلام عن الشيطان فى صفاته وأساليبه...
3 - الشيطان فى صفاته وأساليبه:
من المفيد أن نتوقف قليلاً لنعرف بعض صفات الشيطان وأساليبه فى الحرب الروحية.
أ - الخداع:
هو سلاح الشيطان الرئيسى والذى يحارب به منذ البداية... أول ما نقرأ عن الشيطان فى الكتاب المقدس، ونقرأ عنه كمخادع، يعمل على خداع أمنا حواء وغوايتها، أن تأكل من الشجرة المنهى عنها... ويشير إلى ذلك معلمنا بولس الرسول فيقول.
إن الحية خدعت حواء بمكرها (كورنثوس الثانية 11: 3)،
وأن المرأة أغُويت فحصلت فى التعدى (تيموثاوس الأولى 2: 14)...
وقد حذّر الرسل المؤمنين من خداعه،
فهو يستحوز على ولاء البشر بأن يُعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة إنجيل مجد المسيح (كورنثوس الثانية 4: 4) ومن أساليب خداعه أنه يستطيع تغيير شكله إلى شبه ملاك نور (كورنثوس الثانية 11: 14) وبواسطة مكائده وعجائبه الكاذبة يضل لو أمكن المختارين أيضاً كما قال رب المجد (مرقس 13: 22)... من أجل هذا أوصانا السيد المسيح أن نسهر ونصلى.
ولعل أكبر خدعة يلعب بها الشيطان حالياً، هى محاولة إيهام بعض الناس أنه لا يوجد شئ إسمه شيطان!!...
ماذا نسمى هذا؟ هل نسميه إنكار ذات؟!! فى العالم الغربى الآن لا يعترفون بوجود أرواح شريرة أو وجود شياطين. ولا شك أن هذه خدعة بارعة منه... أما الغرض من هذا الخداع فهو ألا يحترس الناس منه. إنه يشجع الناس ألا يهتموا كثيراً به، حتى يقعوا بسهولة فى حبائله... إن من ينكر وجود الشياطين والأرواح الشريرة ينكر تعليم الأسفار المقدسة. والأمر واضح جداً لا سيما فى أناجيل العهد الجديد وبقية أسفاره.
ب – حنكته وحكمته:
والحكمة هنا بطبيعة الحال ليست الحكمة الممدوحة الجيدة، بل الحكمة الرديئة أو ما يمكن أن نسميه المكر التى يدعوها يعقوب الرسول "أرضية نفسانية شيطانية" (يعقوب 3: 15)...
وتعتبر خبرة الشيطان فى التعامل مع البشر من أقوى وسائل حروبه
. فخبرته ترجع إلى آلاف السنين، بينما لا يتعدَّ الإنسان فى عمره سنوات قليلة وبالتالى خبرته... أضف إلى هذا أن الشيطان تعامل مع ملايين البشر، وربما سيطر على بعضهم. ويعتبر من الغباوة لو ظننا أن هناك شيئاً فينا لم يقابل مثله مع أحد اسلافنا. فالبشر هم البشر فى كل زمان ومكان.
ﺟ - يحارب فى أقدس الامكنة والأوقات:
إن عدونا يحارب فىكل مكان حتى فى أقدس الأمكنة... بعض الناس يظنون خطأ أن الشيطان لا يستطيع دخوله الكنيسة... لا، إنه يدخل الكنيسة ويحاربك بالفكر حتى وأنت تستعد لتناول الجسد المقدس...
يقول أحد الآباء أنه لا يوجد موضع أو مكان مهما كان مقدساً، لا يحارب فيه الشيطان الإنسان...
نحن نعلم كيف أخذ الشيطان رب المجد يسوع أثناء التجربة – طبعاً بارادته – إلى جناح الهيكل... يقول القديس يوحنا ذهبى ا لفم إنه رأى الشيطان بين الصفوف الأولى للكنيسة – أى صفوف المؤمنين المستعدين للتناول... إلى آخر لحظة هو يحارب المؤمنين القديسين الذين حضروا للتناول المقدس!!
ولعل أفضل علاج له هو المقاومة "قاوموا إبليس فيهرب منكم" (يعقوب 4: 7). يصف القديس مقاريوس الكبير الشيطان أنه كالكلب الذى يقف أمام حانوت القصاب (الجزار)... لو أعطى القصاب الكلب قطعة واحدة من العظم مثلاً فإنه لن يتركه، بل يظل مرابضاً عنده. لكن إذا لم يلتفت إليه، فإنه يتحول إلى مكان آخر وشخص آخر لعله يعطيه ما يأكله.
4 - أسباب قوة الشيطان:
يجب ألا ننسى ونحن نتكلم عن أسباب قوة الشيطان، ان ذلك يرجع إلى طبيعته القديمة كرئيس طغمة من طغمات الملائكة الذين سقطوا. لأنه لم يفقد شيئاً من طبيعته القديمة – تلك الطبيعة الروحانية... والآن نتقدم لنعدد أسباب هذه القوة:
أ - نشاطه:
إنه لا يهدأ ولا ينعس... قال لأحد الرهبان المجاهدين: "أنت تسهر وأنا لا أنام... أنت تصوم وأنا لا آكل. أنت لا تغلبنى بشئ إلاَّ بالتواضع"... ربما هدأت الحرب الروحية فى بعض الأحيان. لكن ما يبدو أنها فترات هدوء فى الحرب الروحية، ليس سوى فترات يأخذها عدو الخير لدراستنا بأكثر دقة، وليدبر أساليب أكثر خداعاً للفتك بنا... حتى فى لحظات هزيمته، نجده يقظاً لاسترداد ولو منفعة تافهة... فمثلاً إذا ظفرنا فى إحدى حروبنا معه، ونحاول أن نسترد أنفسنا ونستريح، نجده يرمينا بطعنة كبرياء بسبب نصرتنا عليه!!
ب - لا يدع فرصة تفلت منه:
الشيطان لا ينتظر حتى تواتيه الفرصة للإيقاع بالإنسان فى الشر، لكنه يعمل بلا هوادة ليخلق فرصاً "إنه يجول ملتمساً من يبتلعه"... أى أنه يبحث عن فريسة... نحن بحاجة أن نتعلَّم من الشيطان الدأب وعدم ترك أى فرصة دون أن نستفيد منها ونستثمرها روحياً.
ﺟ - إصراره وعناده:
على الرغم من مقاومة الإنسان للشيطان، واحباط خططه فى بعض الأحيان فى بعض التجارب، لكن الشيطان لا يكف عن معاودة الهجوم واستئناف القتال.
ومهما أنزل الإنسان به من هزائم، فهو لا يفقد الأمل فى إسقاط الإنسان،
واحتلال القلب الذى يملك الله عليه... إنه لا ييأس ولا يستحى... وليتنا نقتدى به أيضاً فى هذه النقطة، ونغصب أنفسنا إلى وسائل جهادنا.
د - صبره ومثابرته:
الشيطان ينتظر الوقت الملائم. فإذا وجد الإنسان مثلاً فى جو الخطية لا يُسرع باسقاطه، لكنه ينتظر عليه حتى يألف جو الخطية ومنظر الشر، ويكون الشيطان فى هذه الفترة قد أحكم تقييده!! ومن كثرة اعتياد الإنسان على فعل الخطية تصبح لديه كشرب الماء. لكنه لو سارع باسقاطه فربما يفيق الإنسان نتيجة هذا السقطة السريعة!! إن الشيطان يبدأ بالخطايا الصغيرة حتى يصل إلى الكبيرة... إنه يصبر على النفس لتصبح مشاعرها أكثر بلادة، ويصبح الضمير أقل حساسية.
ﻫ - تكيّفه مع كل الظروف لإسقاط الإنسان:
وهذا واضح من تجربة إبليس لربنا يسوع فى البرية (متى 4: 1 - 11). حينما لاحظ إبليس أن السيد المسيح فى رده على التجربة الأولى قد إقتبس من سفر التثنية "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" تثنية 8: 3)، فإنه فى التجربة الثانية نلاحظ أنه يغيّر خطته... ففى هذه المرة يقتبس إبليس مما ورد فى مزمور 91 "انه يوصى ملائكته بك، فعلى إياديهم يحملونك لكى لا تُصدم بحجر رجلك"... إنه ليس لديه مانع من الاستشهاد بالكتب المقدسة والاقتباس منها، لو كان ذلك يحقق غ رضه، على الرغم من أنه لا يطيق سماع كلام الله... ليس لدى إبليس مانع من أن يدفع إنساناً مثلاً للذهاب إلى الكنيسة، لو عرف أنه يمكن اصطياده هناك. وما أكثر العثرات. إنها موجودة فى كل مكان.
و - إن كنا قد عرضنا فيما سبق لأسباب قوة الشيطان، فكما أشرنا إلى ذلك قبلاً، إننا لم نفعل ذلك لكى يزداد خوفنا منه، لكن لكى نعرف قوة عدونا، فلا نستهين به، فالاستهانة هى من أسباب السقوط... لنثق تماماً ونحن نحارب أعداءنا الروحيين، أننا إنما ننتصر عليهم بالقوة التى لنا فى شخص المسيح المبارك، التى استودعها أسرار الكنيسة المقدسة... نحن، كما يقول الرسول بولس "أعضاء جسمه (جسم المسيح) من لحمه ومن عظامه" (أفسس 5: 30)... لذا فنحن نتعامل بقوته التى قهر بها إبليس وهو بالجسد... وطالما نحن متحدون بالرب فنحن لا ننهزم لكن الهزيمة تحيق بنا وتلحقنا حينما ننحل نحن من هذه الرابطة المقدسة والوحدة الكائنة معه.
ثالثاً – أعوان الشيطان:
الشيطان لا يعمل بمفرده، لكن له أعواناً كثيرين يستخدمهم ويعتمد عليهم فى تنفيذ مخططاته وإرادته... إنه يتكلم فيهم ويعمل بهم... ولا يجب الاستهانة بمثل هذه الحرب. فما أكثر المتاعب التى يسببها الناس لاخوتهم... ومنذ البداية نلاحظه يركن لهذا الأسلوب، حينما دخل فى الحية وتكلم فيها وأسقط أبوينا الأولين...
لقد عانى ربنا يسوع المسيح كثيراً من اليهود إخوته ومعلميهم الذين كان الشيطان يتكلم فيهم،
حتى أن السيد المسيح قال لهم فى إحد المرات "أنتم تعملون أعمال أبيكم. فقالوا له إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد وهو الله. فقال لهم يسوع... أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يوحنا 8: 41 - 44)... بل أن حياة المسيح بالجسد على الأرض تقدّم لنا صورة متكاملة لألاعيب الشيطان، وكيف كان يرسل أعوانه ليتصدوا للمسيح محاولين أن يصطادوه بكلمة. وقد إستطاع الشيطان أن يحرك الجموع وعلى رأسهم رؤساء كهنة اليهود لكى يُحكم على الرب يسوع بالموت صلباً. وقد قبل المسيح كل ذلك بارادته لأنه لهذا أتى إلى العالم، لأجل خلاص البشر. وعن ذلك يقول الرسول بولس: "فتفكروا فى الذى (الرب يسوع) أحتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلا تكلّوا وتخوروا فى نفوسكم" (عبرانيين 12: 3).
عينه أخرى من أعوان الشيطان وما يمكن أن يفعلوه، ما ذاقه بولس الرسول من اليهود والأمم على السواءن بل من بعض المسيحيين الهراطقة الذين دعاهم "إخوة كذبة" (كورنثوس الثانية 11: 26؛ غلاطية 2: 4)... بل أنهم يدعوهم وحوشاً فيقول "إن كنت كإنسان قد حاربت وحوشاً فى أفسس (كورنثوس الأولى 15: 32)... وقد اذاق عملاء إبليس القديس بولس ألواناً من العذاب والضيقات، حتى أنه قال لأهل كورنثوس" فإننا لا نريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الضيقات التى اصابتنا فى آسياً، إننا تثقلنا جداً فوق الطاقة حتى ايسنا من الحياة أيضاً. لكن كان لنا فى أنفسنا حكم الموت لكى لا نكون متكلين على أنفسنا بل على الله الذى يقيم الأموات. الذى نجانا من موت مثل هذا وهو ينجى "(كورنثوس الثانية 1: 8 - 10)...
فى رأيى، لا علاج لأعوان الشيطان وما أكثرهم – سوى الصلاة من أجلهم لكى يفيقوا لأنفسهم ويدركوا أنهم يتممون مشيئة إبليس، فيثوبوا إلى رشدهم ويعودوا إلى صوابهم، وإلى الرب فيرحمهم.
رابعاً – الإنسان ذاته:
كثيراً ما ينسب الإنسان أخطاءه للشيطان. فيقول الشيطان أغوانى... الشيطان ضحك علىَّ... الشيطان اوقعنى... وهكذا وهكذا... لكن الأمر بهذه الصورة لا يُعبّر عن الحقيقة. لكن هناك بعض الأمور نود أن نكشفها حتى نتفهمها ونحترس منها.
1 - إن كان الشيطان هو عدو الإنسان الأول، فليس معنى ذلك أنه هو مصدر جميع المتاعب والخطايا. فكثيراً ما يكون الإنسان نفسه هو مصدر التعب لنفسه... يقول يعقوب الرسول "لا يقل أحد إذا جُرّب إنى أجرب من قبل الله. لأن الله غير مجرب بالشرور، وهو لا يجرب أحداً. ولكن كل واحد يُجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته" (يعقوب 1: 13، 14)... والرسول بولس يقول "ولكنى أرى ناموساً آخر فى أعضائى يحارب ناموس ذهنى، ويسبينى إلى ناموس الخطية الكائن فى اعضائى. وَيْحى أنا الإنسان الشقى من ينقذنى من جسد هذا الموت" (رومية 7: 23، 24)... هذا الكلام تصوير للشهوات الداخلية التى تشد الإنسان... ودون الدخول فى تفصيلات نقول أن هذه الحالة التى يشير إليها الرسول بولس تحتاج إلى جهاد ويقظة روحية.
نعود إلى ما سبق قوله إن حياة الإنسان الذى يريد أن يكمل الطريق إلى الله يجب ألا تخلو من الجهاد "لا نكلل إن لم نجاهد قانونياً" (تيموثاوس الثانية 2: 5). والجهاد سمة فى حياة الإنسان على المستوى الاجتماعى المادى وعلى المستوى الروحى... فبدون جهاد لن يحقق الإنسان لنفسه ما تصبو إليه... كل شئ يحتاج إلى تعب ومشقة لقد كان هتاف النصرة الذى انبعث من قبل المجاهد العظيم بولس الرسول.
"وأخيراً وضع لى إكليل البر"،
حينما كان قاب قوسين أو أدنى من الاستشهاد، مصدره أنه جاهد الجهاد الحسن وأكمل السعى (تيموثاوس الثانية 4: 7)... نعم لقد جاهد هذا الكارز العظيم. حتى وهو فى اوج حياته الروحية، والرؤى والإعلانات التى كانت تعلن له، لم يتخلّ عن الجهاد، بل نسمعه يقول عبارة عجيبة "أقمع جسدى واستعبده" (كورنثوس الأولى 9: 27)... طوباك يا معلمنا بولس الرسول، وطوبى لكل من تتلمذ لك!!
2 - الملل من الطريق:
الإنسان هو الكائن الوحيد القائم باتحاد الروح بالجسد. هو ليس روحاً خالصاً ولا جسداً خالصاً.
لكن لكل من هذين العنصرين رغباته ومتطلباته. وهى رغبات متعارضة. فالجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر، حتى تفعلون ما لا تريدون "(غلاطية 5: 17)...
هذا الصراع القائم فى الإنسان لا يعطيه استقراراً وسلاماً وراحة، إلاَّ بأن يُغلّب الروح على الجسد، ويصبح الجسد تحت سلطان الروح. لذا يكمل الرسول بولس بعد كلامه السابق مباشرة ويقول "لكن إذا إنقذتم بالروح (الروح هى التى صار لها القيادة) فلستم تحت الناموس. وأعمال الجسد ظاهرة التى هى زنى عهارة نجاسة دعارة... ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات. إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضاً بحسب الروح" (غلاطية 5: 18 - 25).
قد يلحق الإنسان الملل من طول الطريق. أولاً لأنه لا يرى شيئاً أمامه، والإنسان يتأثر بالمحسوسات. وثانياً، ربما حاربه الشيطان بالشك فى كل مواعيد الله... بل فى وجود الله ذاته، والسماء والأبدية!! ولكن على الإنسان أن يجعل هدفه واضحاً فى حايته الروحية، وإيمانه فى الله صادقاً. وعليه أن ينمّى حبه لله لحظة بعد أخرى، يحسّ برفقة الرب يسوع له فى الطريق... حينئذ يستهين بكل مصاعب الطريق متشبهاً بالمسيح نفسه... "لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة. ولنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا. ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع، الذى من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزى فجلس فى يمين عرش الله. فتفكروا فى الذى إحتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلا تكلوا وتخوروا فى نفوسكم. لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عبرانيين 12: 1 - 4).
الرب يبارك على الكلمة، ويكشف أمامنا كل حيل إبليس، ويُبطل مكايده، ويقوينا فى ضعفاتنا، ويعيننا فى الطريق إليه، وله كل المجد.
[1] - أقرأ عن هذا الموضوع فى كتاب "السماء" لنفس المؤلف.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.