الإعداد لرحلة الطريق

الإعداد لرحلة الطريق

بعد أن ناقشنا موضوع "لماذا الطريق إلى الله"، وأثبتنا لزوم هذا الطريق للإنسان، لأنه هو الوحيد الذى يتلاءم معه، فضلاً عن كل البركات التى فيه، نتقدم اليوم ونبدأ فى دراسة كل ما يتعلق برحلة هذا الطريق... ويأتى بطبيعة الحال، فى مقدمة هذه الدراسة، الإعداد لرحلة الطريق.

ولعله من الواضح أن عنوان الموضوع يوضح أمراً هاماً،.

وهو أن الطريق عبارة عن رحلة. وكلمة رحلة تفيد أمرين أساسيين:

الأمر الأول إن مفهوم كلمة رحلة يرتبط دائماً بالغربة، لأن الإنسان يقوم برحلة إلى مكان بعيد عن موطنه وموضع إستقراره...

الأمر الثانى إن كلمة رحلة تطلق على سفر يستغرق وقتاً قصيراً.

والحق يا أحبائى أننا جميعاً فى رحلة... جميعنا نرتحل أردنا أو لم نُرد. ادركنا ذلك أو لم ندركه. أعددنا أنفسنا لذلك أو لم نعدها... وطوبى للإنسان الذى يُعد ذاته لهذه الرحلة، ويقدر للأمور قدرها وعواقبها. ويتحكم بالحكمة الإلهية، لكى يعرف كيف يقطع هذه الرحلة بنجاح، حتى ما يعود إلى وطنه الأصلى سالماً.

إن اية رحلة تحتاج إلى استعداد، حتى ولو كانت رحلة يوم واحد. لابد من الاعداد للطعام والشراب وبقية ما يلزم. وإذا كانت الرحلة ستطول إلى أيام وأسابيع أو أكثر، فلابد وأن الإنسان يفكر فى الملابس، وما يحتاجه من مال لنفقات هذه الرحلة... وهكذا نرى أن أية رحلة لابد لها من أعداد. وبقدر ما يكون الاعداد سليماً ومحكماً، بقدر ما يستريح الإنسان فى هذه الرحلة، وتصبح متعة له... فما هى الاستعدادات التى تلزم الإنسان لرحلة الطريق إلى الله؟

أولاً – الرغبة والقصد والنية:

أحسّ كما أدرك أن أول ما ينبغى أن يتوفر لمن يريد القيام برحلة الطريق إلى الله، الرغبة والقصد والنية. إذ لا يمكن لأحد أن يقوم بمشروع كبير أو بأى عمل ذى أهمية، ما لم تتوفر له نية عمل هذا الشئ... وليست الأمور الضخمة هى وحدها التى تحتاج إلى ذلك، بل حتى أبسط الأمور التى يعملها الإنسان لابد وأن يكون وراءها رغبة وقصد... فمثلاً إذا نهضت من مقعدى متجهاً هذا الاتجاه أو ذاك، فلابد وأنى أقصد شيئاً ما. وإلاَّ إذا كنت لا أقصد شيئاً محدداً، فإن الأمر يصبح هراءًن ويبتعد عن جادة الصواب ويفتقر إلى الاتزان... وهذا لا شك يتمشى مع طبيعة الإنسان الذى خلقه الله حراً مريداً، له أن يعمل أو لا يعمل...

نقدم بعض أمثلة من الكتاب المقدس من عهديه القديم والجديد...

مثال شعب الله قديماً:

مثال العهد القديم هو عن رحلة شعب الله (بنى إسرائيل) من مصر إلى كنعان أى بلاد فلسطين... نتكلم أولاً عن مدلول هذه الرحلة العظيمة عقيدياً وروحياً، ثم نتكلم بعدها عن كيفية اعداد الله بنفسه لهذه الرحلة... وأود الإشارة هنا إلى أن ارتحال شعب إسرائيل من مصر إلى كنعان، إنما يمثل الجنس البشرى كله، وما ينبغى عليه أن يتبعه... والموضوع فى غاية الأهمية، كما أن الرموز فى غاية الوضوح.

ظل بنو إسرائيل فى مصر لمدة نحو أربعمائة سنة، قضوا معظمها فى عبودية.

... وفرعون فى هذه القصة رمز للشيطان، بينما عبودية بنى إسرائيل ترمز إلى عبودية الجنس البشرى كله لإبليس... كيف تحرروا؟

كلنا يعرف قصة موسى النبى وقصة الضربات العشر. كان فرعون عقب بعض الضربات التسعة الأولى يستدعى موسى وهارون، ويصرّح لهما بالخروج مع الشعب من مصر. لكنه سرعان ما كان يعود ويحنث فى كلامه... ولم يستطع بنو إسرائيل الخروج من مصر إلاَّ بعد الضربة العاشرة والأخيرة، وهى ضربة الأبكار. إن ضربة الأبكار ترتبط بخروف الفصح وبذبحه، وتلطيخ القائمتين والعتبة العليا لكل بيت من بيت بنى إسرائيل بالدم... حتى إذا ما مرَّ الملاك المهلك يرى الدم ويعبر. وهذا ما تعنية كلمة بصخة.

إن الضربات التسعة تمثل جهد الإنسان فى أن يحرر ذاته ويعتقها من العبودية. لكن كل ذلك لم يأتِ بنتيجة على الإطلاق. لكن الذى حرّر الشعب هو دم خروف الفصح، الذى يرمز إلى فصح العهد الجديد ربنا يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا" (كورنثوس الأولى 5: 7)... والموضوع لم يكن موضوع إسرائيلى أو غير إسرائيلى. لكن الموضوع كان موضوع الدم المسفوك، والملطخ به باب البيت الخارجى. ولو فرض أن واحداً من بنى إسرائيل لم يذبح الخروف أو يضع علامة الدم على الباب الخارجى، اعتماداً على أنه من ذرية إبراهيم، لدخل الملاك المهلك وقتل بكر ذلك البيت... كان الموضوع إذن هو موضوع الدم والاحتماء به... والاحتماء بالدم إنما يشير إلى فاعلية دم ربنا يسوع المسيح المخلص، الذى به افتدانا وخلصنا، وخلص العالم كله من لعنة الخطية... وماذا بعد هذا؟

عبر بنو إسرائيل البحر الأحمر، الذى كان رمزاً للمعمودية المقدسة... "فإنى لست أريد أيها الأخوة أن تجهلوا أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة. وجميعهم اجتازوا فى البحر. وجميعهم اعتمدوا لموسى فى السحابة والبحر" (كورنثوس الأولى 10: 1، 2)... وواضح من الرمز أن أول بركة من بركات الإيمان بقوة الدم المخلص، هو الاستحقاق لاقتبال نعمة المعمودية المقدسة... والسحابة التى يشير إليها بولس الرسول فى الآية السابقة، إنما ترمز إلى عمل الروح القدس الذى يقدّس مياه المعمودية.

بعد ذلك دخلوا البرية القاحلة، وظلوا فيها تائهين – بتدبير الله مدة أربعين سنة. وكان الله يعولهم خلال هذه السنوات كلها بالمنّ الذى كان ينزله لهم من السماء. وحينما عطشوا فجرّ لهم ماءً حلوة من صخرة. إن كلاً من المن والصخرة يرمز إلى شخص المسيح... وهذا التفسير ليس من ذواتنا، بل من المسيح نفسه الذى قال لليهود: "أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المنّ فى البرية وماتوا... أنا هو الخبز الحىّ الذى نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد" (يوحنا 6: 48 - 51)... أما عن الصخرة كرمز للمسيح، فيقول بولس الرسول عن الشعب قديماً فى البرية:

"لأنهم كانوا يشربوا من صخرة روحية تابعتهم. والصخرة كانت المسيح" (كورنثوس الأولى 10: 4).

ويظل بنو إسرائيل فى رحلتهم وارتحالهم هكذا حتى يدخلوا أرض كنعان وأورشليم التى ترمز إلى أورشليم السمائية... هذه هى رحلة شعب الله قديماً بعد أن تحرروا من عبودية فرعون حتى وصلوا إلى أورشليم. وهى فى نفس الوقت رمز واضح لرحلة الجنس البشرى من وقت تحررهم من عبودية فرعون الروحى (إبليس) بقوة دم المخلص يسوع المسيح ربنا، حتى يبلغوا السماء...

لقد احتاجت رحلة بنى إسرائيل إلى اعداد طويل. والذى أعدّ لهذه الرحلة هو الله نفسه. فالشعب كان مستعبداً ومستسلماً وفى مرحلة الفطرة، ولم يُعدّ لشئ... والله من تحننه هو الذى أعدّ كل شئ... أعد لرحلة خروج الشعب من العبودية، من أرض مصر... فماذا فعل الله؟

قلنا إنه لابد من توافر النية والقصد والإرادة. وقلنا ايضاً أن الله هو الذى أعدَّ لهذه الرحلة.

فكيف نوّفق بين القولين: القول بأن الله هو الذى أعدّ لرحلة الخروج من مصر، وأن النية توفرت لدى بنى إسرائيل!!

حقيقة أن بنى إسرائيل فى مصر كانوا فى مرحلة الطفولة الروحية والاستسلام للعبودية وحقيقة كان الله يريد أن يخلصهم من عبوديتهم ويحررهم... لكنه لا يتناقض مع ذاته من جهة القوانين التى رسمها بخصوص حرية إرادة الإنسان... لكن لنرى كيف سارت الأمور.

نعود لأكثر من أربعمائة سنة إلى الوراء، نعود إلى قصة يوسف وبيع إخوته له إلى قافلة الاسماعيليين الذين كانوا متجهين إلى مصر... والأحداث التى تمت بتدبير الله... كيف خرج يوسف من السجن ليصير مدبراً لأرض مصر. وكيف حدثت المجاعة مدة سبع سنين فى مصر وكل الأقاليم المحيطة بها. وكيف اضطر إخوة يوسف للنزول إلى مصر ليشتروا قمحاً، وكيف تم التعرف. عليه. وكيف جاءوا جميعاً مع أبيهم يعقوب إسرائيل واستقروا فى مصر... حدث بعد ذلك أن "مات يوسف وكل اخوته وجميع ذلك الجيل. وأما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا كثيراً جداً... ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف... فاستعبد المصريون بنى إسرائيل بعنف ومرّروا حياتهم بعبودية قاسية فى مالطين واللبن، وفى كل عمل الحقل. كل عملهم الذى عملوه بواسطتهم عنفاً" (خروج 1: 6 - 14).

ثم نأتى بعد ذلك إلى قصة ولادة موسى وافلاته من الموت، وتربيته فى قصر فرعون بعد أن تبنته إبنته... ثم حادث قتله للمصرى وهربه إلى أرض مديان... وبعدها يقول "تنهد بنو إسرائيل من العبودية وصرخوا، فصعد صراخهم إلى الله من أجل العبودية. فسمع الله انينهم فتذكر الله ميثاقه مع إبراهيم وإسحق ويعقوب. ونظر الله بنى إسرائيل" (الخروج 2: 23 - 25)... وهكذا نرى أن الله سمح أن المصريين يضغطوا على بنى إسرائيل ويثقلوا عليهم حتى ما يزداد تضايقهم فيصرخوا إلى الله... المهم أن الله سوف يتحرك، ويبدأ فى تنفيذ خطة إخراجهم من مصر بعد أن يصرخوا إليه...

هذه قضية يحدث بشأنها كثير من الخلط من بعض الناس... إنسان يقول: ألا يستطيع الله أن يتوّبنى؟! والإجابة على ذلك أن الله بكل تأكيد قادرة، إذ هو قادر على كل شئ. لكن الله لن يتناقض مع ذاته، ومع الأسلوب الذى خلق به الإنسان من جهة حرية إرادته... وما أجمل العبارة التى قالها القديس والفيلسوف أغسطينوس [الله الذى خلقك بدونك. لن يُخلصك بدونك]... والمعنى أن الله خلقك دون أن يكون لك دخل فى خلقتك أنت. لكن هذا الإله الذى خلقك دون أن يكون لك دخل فى الأمر، حينما يريد أن يخلصك، لابد أن تشترك أنت مع الله فى أمر خلاصك – والإشتراك هنا بواسطة إرادتك. أى إنك تكون مريداً لخلاصك.

ثم نأتى بعد ذلك إلى قصة ظهور الله لموسى من خلال عليقة فى جبل حوريب بسيناء. ويكلم الله موسى من العليقة هكذا "إنى قد رأيت مذلة شعبى الذى فى مصر، وسمعت صراخهم من أجل مًسَخّريهم. إنى علمت أوجاعهم، فنزلت لأنقذهم م أيدى المصريين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة... والآن هوذا صراخ بنى إسرائيل قد اتى إلىَّ. ورأيت أيضاً الضيقة التى يضايقهم بها المصريون. فالآن هلمّ فأرسلك إلى فرعون، وتُخرج شعبى بنى إسرائيل من مصر" (الخروج 3: 7 - 10).

كانت خطة الله أنه من كثرة ضغط المصريين على شعبه أن يشعروا بالاحتياج، وتتوفر لديهم الرغبة والنية والقصد التحرّر من العبودية... وامعاناً فى ذلك، فإن الله قبل أن يرسل موسى ليقود الشعب فى مسيرته قال له "عندما تذهب لترجع إلى مصر، أنظر جميع العجائب التى جعلتها فى يدك واصنعها قدام فرعون. ولكنى أشدّد قلبه حتى لا يطلق الشعب" (الخروج 4: 21)... وفى أكثر من مناسبة فى أحداث تلك الحقبة. المدونة فى سفر الخروج تقابلنا عبارة "ولكنى أقسىّ قلب فرعون" أو "ولكن شدّد الرب قلب فرعون"... وأمثال هذه العبارات تثير تساؤلات لاهوتية وعقيدية. لكن الأمر ببساطة أن الله قصد إلى أنه من كثرة ضغط فرعون على الشعب تتوفر لديهم النية والقصد والرغبة الكاملة أن يتحرروا.

وكان نتيجة كلام موسى وهارون مع فرعون أن يطلق الشعب ليعبدوا إلههم فى البرية، أن أمر بالتثقيل عليهم... هكذا كان الله يهئ قلوب بنى إسرائيل واذهانهم بمثل هذه الضيقات. حتى ما تتوفر لديهم الرغبة الصادقة فى التحرّر... وطريق الله هو طريق التحرّر من كل أنواع العبودية الروحية، عبودية الخطية وعبودية إبليس. إنه يحتاج بالدرجة الأولى إلى توفرّ الرغبة والإرادة والقصد والنية للحياة معه.

هنا نتذكر كلام السيد المسيح له المجد حينما بكى على أورشليم قائلاً: "يا أورشليم يا أورشليم. يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها. وكم مرة اردت أن أجمع أولادَكِ كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خراباً. الحق أقول لكم إنكم لا تروننى حتى تقولوا مبارك الآتى باسم الرب" (متى 23: 37 - 39)... "كم مرة اردت وأنتم لم تريدوا" – وعلى الرغم من أن الله أراد، فلكونهم لم يريدوا، فقد تركهم الله لينفذوا إرادتهم. لكن النتيجة كانت مروّعة "هوذا بيتكم (الهيكل) يترك لكم خراباً".

كانت خطية الله منذ البداية أن تتواجد لدى الشعب الرغبة فى التحرر. وما كان يمكن أن تتوفر هذه الرغبة إلاَّ نتيجة الإحساس بالضغوط الكثيرة عليهم... إن الله يسمح أن يثقل على أولاده من أجل خيرهم، على نحو ما يقول المرنم: "يدك ثقلت علىَّ" (مزمور 32: 4)... لكن الله فى حنوه ومحبته وعدله لا يسمح بأن يجرب الإنسان فوق احتماله وأكثر من طاقته.

مثال من العهد الجديد:

يوحنا الإنجيلى يروى لنا فى فاتحة إنجيله قصة لقاء إثنين من تلاميذ يوحنا المعمدان مع الرب يسوع واتباعهما إياه... "كان يوحنا (المعمدان) واقفاً هو واثنان من تلاميذه، فنظر إلى يسوع ماشياً، فقال هوذا حمل الله: فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع. فالتفت يسوع ونظرهما يتبعان، فقال لهما ماذا تطلبان. فقالا ربى الذى تفسيره يا معلم أين تمكث. فقال لهما تعاليا وانظرا" (يوحنا 1: 35 - 39)... وواضح أن الرب يسوع أول ما التفت إليهما وجه سؤالاً عما يطلبان... وهذا هو عين السؤال الذى يوجهه الرب لكل واحد منا حتى الآن. إن كل من يراه سائراً وراءه يسأله ماذا تريد. ما هو قصدك من السير ورائى واتباعى. إن كثيرين ممن ساروا وراء الرب يسوع، لم يكن اتباعه لأجل ذاته هو... "فلما رأى الجمع أن يسوع ليس هناك لا تلاميذه، دخلوا هم أيضاً السفن. وجاءوا إلى كفر ناحوم يطلبون يسوع. ولما وجدوه فى عبر البحر، قالوا له: يا معلم متى صرت هنا. أجابهم يسوع وقال الحق الحق أقول لكم، أنتم تطلبوننى ليس لأكم رأيتم آيات، بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم" (يوحنا 6: 24 - 26)... إن السؤال الذى ويوجهه الرب لكل من يتبعه عما يريده، إنما يكشف النية والقصد والهدف... إن المسيح له المجد يريد ممن يسير خلفه ويتبعه، أن يكون ابتاعه له من أجل ذاته، وليس لأجل أى شئ آخر عالمى. وهكذا كشفت إجابته لليهود فى كفر ناحوم، أنهم ما كان يطلبونه لأجل ذاته...

إن الرب يسوع لا يفرح بكثرة من يتبعونه، بقدر ما يُسَرّ بالنية والقصد... ويسجل لنا الإنجيل المقدس أن بعض الناس تقدموا إلى الرب يسوع طالبين إتباعه، لكنه درهم لأنه – وهو فاحص القلوب – علم أنه لم تكن لهم نية خالصة لاتباعه، بل لعلهم أرادوا من وراء ذلك مجداً عالمياً او شهرة باطلة... "وفيما هم سائرون فى الطريق قال له واحد يا سيد ابتعك اينما تمضى. فقال له يسوع للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار. وأما إبن الإنسان فليس له أين يسند رأسه... وقال آخر أيضاً اتبعك يا سيد، ولكن ائذن لى أولاً أن اودع الذين فى بيتى. فقال له يسوع ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله" (لوقا 9: 57 - 62)... إن الرب لا يرفض أحداً يريده لذاته.

لابد وان الذى يريد إتباع الرب، والسير فى الطريق إليه أن يطلبه من كل القلب، وأن يريده لشخصه لا لشئ آخر... وما أكثر الآيات والمواقف التى تقابلنا فى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، والتى تكشف لنا عن لزوم هذا الأمر...

يقول داود النبى لا "من كل قلبى طلبتكلا فلا تبعدنى عن وصايك" (مزمور 119: 10)... "يعطيك الرب حسب قلبك ويتمم كل مشورتك" (مزمور 20: 4)... ويقول الرب بلسان أرميا النبى "تطلبوننى فتجدوننى إذ تطلبوننى بكل قلبكم" (أرميا 29: 13).

وفى قصة المرأة الكنعانية

الأممية (الوثنية) نرى الرب يسوع يتعامل معها بطريقة تبدو صعبة وجافة... قال لها "ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين يطرح الكلاب". لكنها فى إنسحاق قالت له "نعم يا سيد، والكلاب ايضاً تأكل من الفتات الذى يسقط من مائدة اربابها"... كلام صعب. ولكن المسيح كان يقصد إلى أن يكشف عن إيمان هذه المرأة الوثنية أمام اليهود الذين يفتخرون بأنهم ذرية إبراهيم. وحتى ما يغيرون غيرة مقدسة، ويخجلون من إيمانها... وما أن بات واضحاً صلابة إيمانها وإنسحاقها، قال لها كلمة فيها كل شئ، وفيها شهادة صدق لعظمة إيمانها...

"يا إمرأة عظيم إيمانكِ. ليكن لكِ كما تريدين. فشفيت إبنتها من تلك الساعة" (متى 15: 21 - 28).

ويروى لنا الإنجيل المقدس أن الرب يسوع فيما كان خارجاً من مدينة أريحا "تبعه جمع كثير، وإذا.

اعميان جالسان على الطريق

. فلما سمعا أن صوت مجتاز صرخا قائلين ارحمنا يا سيد يا ابن داود. فانتهرهما الجمع ليسكتا، فكانا يصرخان أكثر قائلين ارحمنا يا سيد يا ابن داود. فوقف يسوع وناداهما وقال: ماذا تريدان أن أفعل بكما. قالا له يا سيد أن تنفتح أعيننا. فتحنن يسوع ولمس اعينهما. فللوقت أبصرت أعينهما فتبعاه "(متى 20: 29 - 34)... ومن هذا الحديث الذى دار نعرف تماماً ويقيناً أن الله مستعد أن يعطى لو كانت لدينا النية... أنه مستعد أن يعطينا كل شئ...

فى معجزة شفاء مريض بيت حسدا البائس الذى طالت علته إلى ثمان وثلاثين سنة، يقول القديس يوحنا الإنجيلى: "هذا رآه يسوع مضطجعاً، وعلم أن له زمان كثيراً. فقال له اتريد أن تبرأ. اجابه المريض يا سيد ليس لى إنسان يلقينى فى البركة متى تحرك الماء..." (يوحنا 5: 1 - 9)... هنا نرى الرب يسوع رغم علمه بطبيعة الحال بظروف ذلك المريض الصعبة، وجه إليه سؤالاً محدداً "أتريد أن تبرأ"... وحينما شرح المريض بنفسه ظروفه تعبيراً عن رغبته فى الشفاء، أبرأه المسيح "قم إحمل سريرك وامش".

إذن أول نقطة للإعداد لرحلة الطريق إلى الله، هى توفر النية والرغبة فينا. وهنا لابد من وقفة قصيرة بيننا وبين أنفسنا لنسأل "هل لدينا الرغبة حقيقة أن نسلك الطريق مع الله أم لا؟"... وإذا كانت الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب. وكان هذا معبراً حقيقة عن دخيلة نفسك وما فى أعماق قلبك،.

فتأكد أن الله لابد وأن يعطيك سؤل قلبك... بل بحسب تعبير القداس الغريغورى "أكثر مما نسأل أو

وقبل أن ننتقل من هذه النقطة إلى غيرها، أود أن نفرّق بين أمرين: الرغبة الصادقة والتمنّى... فالتمنّى لا يرقى إلى درجة الرغبة الصادقة. والتمنّى وحده لا يوصل الإنسان إلى ما يريد. بل يجب أن تتوفر الرغبة الصادقة مع التمنّى، إذ هى القوة الدافعة التى تدفع الإنسان إلى العمل وبذل الجهد... نأخذ مثلاً: إنسان يقول "نفسى أروح هذه الرحلة. خذونى معكم"... يقول هذا دون أن يحرك ساكناً ولا يتحرك هو... ألا يحتاج القيام برحلة إلى تحرك واعداد، مثل التقدم للشخص المسئول عن الرحلة واثبات اسمه ضمن المشتركين فيها، ودفع قيمة الاشتراك... الخ مثل هذا الإنسان لم يتحرك، وكل ما فعله أنه قال: نفسى أروح الرحلة، واكتفى بذلك... قطعاً سوف لا يكون له نصيب فى هذه الرحلة...

ننتقل إلى النقطة الثانية من موضوعنا وهى وضوح الهدف.

ثانياً – وضوح الهدف:

والمقصود أن يكون الإنسان عارفاً تماماً بما سيفعله، وإلى أين يذهب، وكم من الزمن سيقضيه فى هذه الرحلة، وبالجملة كل ما يتعلق بهذه الرحلة... لابد وضوح الهدف لكى يكمل الإنسان الطريق...

يُشبه العالم فى الكتب المقدسة بالبرية (الصحراء)، وبالبحر...

والإنسان الذى سار فى الصحراء يعرف معنى هذا الكلام... الصحراء ليس فيها طرق مبعدّة محددة المعالم. بل حيثما تتلفت حولك ويمتد بصرك فلا ترى سوى رمالاً وكثباناً وتلالاً متشابهة... وليس أسهل من ان يضل الإنسان فى الصحراء، وينتهى الأمر بمأساة، وربما بهلاكه... ولابد للسائر فى البرية ان يضع أمامه هدفاً معيناً أياً كان، كأكمة مرتفعة متميزة عما حولها. ويجب أن يظل نظره متعلقاً بهذا الهدف لا يتحول عنه، وإلاَّ تاه وسط هذه التيه!!... فإذا كان هذا هو الحال فى البرية القاحلة، فإن نفس الأمر يحتاجه المسافر فى البحر أو المياه الشاسعة... لابد من هدف يضعه أمامه المسافر... هكذا لابد من وضوح الهدف لن يريد سلوك الطريق إلى الله.

السيد المسيح له المجد نفسه فى تدبير خلاص البشرية كان أمامه هدف.

ويعبر معلمنا بولس عن ذلك بقوله عن المسيح "الذى من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصليب مستهيناً بالخزى فجلس فى يمين عرش الله" (عبرانيين 12: 2)... إذن كان هناك هدف أتى المسيح لأجل تحقيقه والسعى نحوه، وهو خلاص العالم مدفوعاً بحبه لهم... ذلك الحب الذى بلا سبب.

هناك خطأ خطير يقع فيه كثيرون، بل وكثيرون جداً، وهو الخلط بين الأهداف والوسائل. لذا من الأهمية بمكان أن نتوقف لنجيب على سؤال أساسى وحيوى فى هذا الموضوع الذى نناقشه:

ما هو الهدف فى الطريق إلى الله؟

ما هو الهدف فى الطريق إلى الله:

الهدف الأكبر فى الطريق هو الله ذاته والاتحاد به... أما ما يعرف باسم الوسائط الروحية كالصلاة والصوم والقراءات الروحية والتناول المقدس...، فهذه كلها وسائل مقدسة تحفظنى فى الطريق وتعيننى على بلوغ هذا الهدف... ماذا يحدث لو اختلط الأمر وتحولت الوسائل إلى غايات أو أهداف؟... وكمثال، ماذا يحدث لو اختلط الأمر وصارت الصلاة هدفاً؟ هل تعرفون النتيجة؟... النتيجة أنه طالما صارت الصلاة هدفاً فى حد ذاتها، فحينما أصلى، أحسّ أنى حققت الهدف. وطالما انى قد حققت الهدف، فإن الأمر ينتهى عند هذا الحد... يجب أن ننتبه جيداً إلى هذا الأمر، وهو أن الدين ليس مجموعة فرائض... وإلاَّ لو كان الأمر كذلك، فحينما اتمم ما علىَّ من فرائض استريح، ويستريح ضميرى لأنى أدّيت ما علىَّ!! من هنا جاء المثل السائر:

"يعمل الفرض، وينقل (يسرق) الأرض"!!

و.

ثمة نقطة أخرى فى الموضوع فى غاية الأهمية، هى المحاكاة أو التقليد...

فنحن فى كثير من الأحيان نتحول إلى مجرد مقلّدين لآخرين، نحاكى أعمالهم وتصرفاتهم دون أن يكون هناك وراء تصرفاتنا دوافع خاصة لهدف نحن نراه واضحاً أمامنا... فنحن نرى الناس يصلّون لذا نصلى مثلهم... يذهبون إلى الكنيسة نذهب مثلهم... يحضرون الاجتماعات الروحية نحضر مثلهم... ولو سألنا أنفسنا سؤالاً "لماذا اتينا إلى هذا الاجتماع"، وجاوبنا بأمانة وصراحة، فسنرى عجباً فى الإجابات. ولو كشف الرب ما بقلوبنا لرأينا عجباً أعظم!!... أعتقد أن هناك من يحضرون مثل هذه الاجتماعات لتمضية وقت فى مكان مقدس. وهناك من يحضرون مع أصدقائهم – وهذا لا بأس به، بشرط محاولة الاستفادة طالما أنهم أتوا. وهناك من يحضرون لرؤية المتكلم وماذا سيقول، حتى ما يصدروا الحكم فى نهاية الاجتماع على المتكلم وكلامه!!

لكن هل فكر كل واحد منا أنه أتى لكى ما يلتقى بالله فى هذا المكان المقدس؟

انظروا ما أعظم الفرق... وإذا أنت أتيت بهذا القصد، فسوف تلتقى بالرب، وسيعطيك حسب قلبك، كما يقول المرنم: "يعطيك الرب حسب قلبك" (مزمور 20: 4).

فى إجتماعى بالآباء الكهنة ذات مرة، اعترضت عليهم اسلوبهم فى طبع اعلانات بأسماء متكلمين مشهورين، وموضوع جذابة. لاجتماعات الشباب. وإن كان الهدف طيباً وهو جذب الشباب، لكننا نحن ما اعتدنا هذا الأسلوب حينما كنا شباباً. كنا نذهب إلى اجتماع درس الكتاب المقدس أو أى اجتماع، دون أن نعرف من سيتكلم. لكننا كنا نذهب لسماع كلمة الله على فم أى متكلم... من أجل هذا نرى بعض الناس – خاصة الشباب – يحضرون الاجتماعات لسماع متكلم معين. أعتقد أن هذا أسلوب غير سليم... إذا أنت اتيت إلى الكنيسة بقصد الاستفادة، فسوف تستفيد قطعاً. لأنك تحس أن الله يكلمك بصرف النظر عن الإنسان المتكلم... أنا لا اتصور أنى أحضر إلى بيت الله بقصد الفائدة الروحية واخرج فارغاً... إن هذا لن يحدث ولن يكون، فالمسيح له المجد يقول:

"من يقُبل إلىَّ لا أخرجه خارجاً" (يوحنا 6: 37)...

ممكن حدوث هذا، لو أنك قصدت إنساناً. إذ ليس للإنسان ما يشبع جوع الروح ويروى عطشها...

هذا الخطأ يقع فيه كثيرون...

أناس إذا ارادوا حضور قداس فى الكنيسة، يسألون أولاً عن الكاهن المصلى قبل أن يحضروا. فمتى كان هذا الكاهن يستهويهم بصوته وعذب الحانه او اسلوبه فى الوعظ حضروا، وإلاَّ احجموا عن الذهاب للكنيسة... أيها الإخوة يا للأسف والأسى والخطية!! نحن نخطئ كثيراص إن تصرفنا على هذا النحو. نحن نحضر إلى الكنيسة لنلتقى بالله ونستمع إليه، ونرفع إليه صلواتنا، ونبثه شجوننا وآلامنا، ونطلب عونه ومراحمه. يجب ألا نحضر إلى الكنيسة من أجل إنسان بل من أجل الله.

إياكم أن تتحول الوسائل لديكم إلى اهداف... يجب أن يظل الهدف هو الهدف، لا شئ يخفيه عنا. وعلينا من وقت لآخر أن نسأل أنفسنا من جهة هذا الهدف. إن الأنبا أرسانيوس العظيم معلّم أولاد الملوك، بعدما ترك العالم وسكن البرية، كان بين الحين والحين يسأل نفسه [يا أرسانيوس أذكر فيما خرجت لأجله. أذكر لماذا تركت العالم واتيت إلى هنا]... ليتنا ونحن جلوس فى الكنيسة نسأل أنفسنا: لماذا أتينا إلى الكنيسة؟ إن عدو الخير يحاول أن يسلبنا عواطفنا ومشاعرنا المقدسة. لكن لنجمع أفكارنا، لئلا تكون منشغلة بآخر غير الله، أو بشئ آخر غير خلاص أنفسنا... لتكن أفكارنا فى الله وحده، لكى يصبح هو الكل فى الكل فى حياتنا...

ننتقل إلى النقطة الثالثة فى موضوعنا وهى عن الإيمان

ثالثاً – الإيمان:

فى الاعداد لرحلة الطريق إلى الله، يأتى الإيمان. لكن ماذا يمكن أن نقوله عن الإيمان، الذى قال عنه الرسول بولس إنه بدون إيمان لا يمكن ارضاء الله (عبرانيين 11: 6)... "وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية" (رومية 14: 23).

أيها الأخوة... إن الطريق إلى الله يحتاج بلا شك إلى الإيمان... فالطريق هو إلى الله، والإيمان هو بالله وفى الله...

فما هو هذا الإيمان الذى نحتاجه ونحن نعدَّ لرحلة الطريق؟

لقد قدم بولس الرسول تعريفاً محدداً للإيمان قال: "الإيمان هو الثقة بما يُرجى، والإيقان بأمور لا تُرى" (عبرانيين 11: 1)... الإيمان ثقة، ولأنه ثقة بالله، لذا "فكل ما ليس من الإيمان فهو خطية"... لأن عدم الثقة فى الله اهانة له... إذا حدث وقال إنسان لآخر إنى لا أثق بكن أو لا ثقة لى فيك، ألا تعتبر هذه إهانة كبيرة لذلك الإنسان؟!... وحتى لو لم نتجرأ ونقول هذه الكلمة لله أو عنه، لكنه يعرف الخفايا والسرائر...

الإيمان هو اليد التى تأخذ ما تريده من الله... هى اليد التى يتعامل الله معها، وبها نأخذ كل عطاياه... إذا أراد إنسان أن يعطى آخر شيئاً ما، فعلى هذا الآخر أن يمدّ يده ويبسطها لكى ما يأخذ هذا الشئ... من جهة الله هو مستعد أن يعطيك كل شئ مقابل شئ واحد هو الإيمان!! ألم يقل المسيح بفمه الإلهى الطاهر "كل ما تطلبونه فى الصلاة مؤمنين تنالونه" (متى 21: 22)... لقد أعطى الله الإيمان كل القوة، وكل الفاعلية أن يأخذ كل ما يريده.

على أن فشل البعض فى الحصول على طلباتهم من الله – رغم ادعائهم بالإيمان – إنما يرجع لبعض الأسباب... لابد وأن يكون الإيمان كاملاً... ولكى يكون الإيمان كاملاً: لابد وأن تتوافر له ومعه بعض العناصر...

أ - الشعور بوجود الله:

أول ما ينبغى توفره فى الإيمان هو الشعور بوجود الله...

نحن فى رحلة طويلة وسائرين فيها، ولا نعلم ماذا يصادفنا خلالها، لذا فإن الأمر يتطلب إيماناً بالله... يقول معلمنا بولس الرسول: "لكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه.

لأنه يجب أن الذى يأتى إلى الله يؤمن بأنه موجود

وأنه يجازى الذين يطلبونه "(عبرانيين 11: 6)... وسوف نعرض لهذه النقطة بإسهاب نحن نعالج موضوع رفاق الطريق... إن الله يرافقنا فى هذا الطريق مع رفاق آخرين..." لأنه يجب أن الذى يأتى إلى الله يؤمن بأنه موجود ".

ما معنى أن الله موجود؟ ما معنى الشعور والاحساس بوجود الله؟

نقول الله موجود، وربنا موجود... نعم، الله موجود،.

لكن المقصود هنا ليست المعنى اللاهوتى أن الله موجود فى كل مكان...

إنما موجود هنا تعنى أنه ينظر ويعتنى ويتصرف وينتقم إذا تطلب الأمر الإنتقام، ويحفظ إذا لزم الحفظ، ويستر إذا احتاج الأمر إلى الستر، ويشجع فى حالة الحاجة إلى التشجيع، ويبعث الرجاء فى النفس فى حالة الافتقار إلى الرجاء.

نعم الله موجود "لأنه يجب أن الذى يأتى إلى الله ويؤمن بأنه موجود". هناك بعض الناس فى أوقات الضيق والتجارب يقولون نريد أن نرى أين الله – فين ربنا ده... الإنسان كاد يكفر أين هو الله. ولو كان فيه ربنا كان يحصل كده... إلخ. مثل هؤلاء الناس لا يشعرون أن الله موجود. ولو أن الله أعطاهم كل رغباتهم لكان بالفعل موجوداً، حتى لو كانت هذه الرغبات خاطئة. ومن المستحيل أن يحقق الله رغبات خاطئة، أو يعطى الإنسان ما ليس لخلاص نفسه.

على اى الحالات،.

فإن الشعور بوجود الله عنصر من عناصر الإيمان... هو تدريب شيقّ وقوى ونافع جداً، لأنه يمنع الإنسان من الزلل

. إنه يحس بأن الله موجود – ليس فقط ليتشجع بهذا الشعور والإحساس – بل موجود وناظر إليه ويراقب كل تصرفاته... وهذا وحده كاف لردع الإنسان ومنعه من الخطأ. وما أبلغ العبارة التى قالها المرنم: "جعلت الرب أمامى فى كل حين. لأنه عن يمينى فلا اتزعزع" (مزمور 16: 8)... وطالما هو موجود، فإنه يمنع الأضرار، ويوقف المصائب ويبعد عنا الكوارث... هذا هو الإيمان ببساطة... هذا عن العنصر الأول الخاص بالإحساس بوجود الله...

أما العنصر الثانى فهو الثقة فى الله.

ب - الثقة فى الله:

الإيمان هو أن يثق الإنسان فى الله، وفيما يطلبه منه... تعالوا نقيَّيم ثقتنا بالله كبشر.

إنه لأمر مخجل حقاً أن يثق المريض فى طبيبه أكثر من ثقته بالله. وأن يثق المسافر فى سائق العربة أو القطار أو الطائرة ثقة تفوق ثقته بالله... الإنسان يركب وسيلة المواصلات أياً كانت، وينشغل بالقراءة أو أى شئ آخر، وهو واثق أن السائق سوف يصل به إلى حيث يريد!! إنه أمر مخجل حقاً أن نثق ببعض الناس أكثر من ثقتنا بالله!! لماذا هذا؟!

لقد أعطانا الله مواعيد عظمى وثمينة (بطرس الثانية 1: 4)... ها إن الله قد أعطاك كل شئ. أعطاك سلطاناً على السماء والأرض... إن الله لم يعطنا الجزء، بل أعطانا الكل بواسطة الإيمان... إنسان محتاج يطلب من إنسان ثرى أن يقرضه مبلغاً من المال فيقول له ذلك الثرى الطيب سوف لا أعطيك المبلغ الذى تطلبه، بل سأعطيك مفتاح خزانتى لتأخذ منها ما تريد!! هكذا يتعامل الله معنا... ألم يقل المسيح له المجد "إسألوا تعطوا. أطلبوا تجدوا. اقرعوا يُفتح لكم. لأن كل من يسأل يأخذ. ومن يطلب يجد. ومن يقرع يُفتح له" (متى 7: 7، 8)... "ومهما سألتم بإسمى فذلك افعله ليتمجد الآب بالابن. إن سألتم شيئاً بإسمى فإنى أفعله" (يوحنا 14: 13، 14). وأمام هذه المواعيد العجيبة، هناك إحتمالان: فإما أن الله غير صادق فى مواعيده وإما أن هناك عيباً فينا، أو أننا لا نريد أن نأخذ!! وبطبيعة الحال فإن الله صادق، وحاشا له أن يكذب (رومية 3: 4)... "السماء والأرض تزولان ولكن كلامى لا يزول" (متى 24: 35)... هذه هى مواعيد الله... إذن لابد وأن يكون العيب فينا...

إن يد الله ممدودة مستعدة لعطائنا، لكننا لا نأخذ... بابه مفتوح مستعد لدخولنا لكننا لا ندخل. وصوته العالى ينادينا ونحن لا نصغى ولا نسمع أو لا نريد أن نسمع ونقبل إليه!! العيب ليس فى الله بل فينا... هلم، ثق فى الله وكل مواعيده، وتعال وسوف ترى حسن صنيعه معك... فقط ثِق فى مواعيده. واتكل عليه من كل قلبك وسترى عجباً...

لكن علينا أن نعرف ونحن نتكلم عن الثقة فى الله، أن هناك اعداء للإيمان. ومن أعداء الإيمان العقل، بل لعله أكبر الأعداء!! ليس معنى هذا أن العقل خطية أو تجربة حاشا لنا أن نقول ذلك. لكننا نقصد الإنسان الذى يضع اقوال الله ومواعيده تحت عقله وفحصه، يأخذ منها ما يقبله عقله، ويرفض كل ما عداه... مثل هذا الإنسان لن يستفيد من مواعيد الله... لقد امتدح السيد المسيح إيمان الصغار: "الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات" (متى 18: 3)... وما ذلك إلاَّ لأن الصغار عندهم عنصر التصديق، الذى يستند إلى البراءة والبساطة. الطفل أو الصغير لا يفكر بعقله، لكنه يُسلّم بما يُقال له ويصدقه...

هكذا مطلوب منا أن نثق فى صدق الله وصلاحه وحبه وعنايته وحبه.

"هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها حتى هؤلاء تنْسَين وأنا لا أنساك" (إشعياء 49: 15)...

ونثق فى أن الله لا ولن يتغير "ليس عنده تغيير ولا ظل دوران" (يعقوب 1: 17) وهو هو امساً واليوم وإلى الأبد (عبرانيين 13: 8)... ومعنى أن الله ليس عنده تغيير، انه كما كان مع آبائنا واسلافنا سيكون معنا... إن الكتب المقدسة وسير القديسين مليئة بمعاملات الله معهم، وعنايته بهم ورعايته لهم، حتى وهم فى شقوق الأرض والمغاير والبرارى والجبال... أما عنصر التغيير فقد حدث فينا، فقلت ثقتنا فى الله أو كادت تنعدم...

ينبغى أن تكون احد عناصر ثقتنا فى الله أنه صالح ومحب لا ينسى أولاده. ثم نثق فى قوته وقدرته وأنه قادر على كل شئ...

إن هذا الكلام يعتبر من البديهيات، لكن الكلام النظرى شئ، والإحساس واليقين بصدقه شئ آخر هو المطلوب.. ان عبارة "الضابط الكل" التى نسمعها نرددها، معناها الحرفى فى اللغة اليونانية "الكلى القدرة"... هذا هو إلهنا الذى نعبده ونسير خلفه ونتبعه، وهذه هى الثقة التى لنا فيه... إنه معنا كل الأيام إلى إنقضاء الدهر (متى 28: 20).

حدث أن شعب الله قديماً، فيما كانوا يقتربون من شاطئ البحر الأحمر، أنهم راوا فرعون بمركبات وجنوده وفرسانه، يجدّون فى اثرهم. امتلأت قلوبهم هلعاً ورعباً، وارتجفوا وتذمروا على موسى لكن موسى رجل الله قال لهم:

"لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذى يصنعه لكم اليوم... الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (الخروج 14: 13، 14)...

إن حادث البحر الأحمر لم تكن حدثاً تاريخياً وقع وانتهى، لكنه مازال على مستوى الواقع يتكرر من يوم إلى يوم. مازال الله – بنفس الصورة القديمة يعمل معنا، لكن فهمنا ثقيل – ألم يقل المسيح له المجد: "وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون شياطين بإسمى... يحملون حيات، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم" (مرقس 16: 17، 18)...

يجب أن نفهم أننا نحيا بمعجزة. وكل من له حس روحى يستطيع أن يلمس يد القدير وهى تعمل.

أنا لا أتكلم عن أحداث مضى عليها مئات السنين، لكنى أتكلم عن تاريخنا القريب والمعاصر. والله بهذا المفهوم يتعامل مع شعبه كأفراد وجماعة مؤمنين وكنيسة...

ماذا يقول السيد المسيح أيها الأخوة "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم. فلا تهتموا للغد" (متى 6: 33، 34)... وملكوت الله هنا تعنى خلاص النفس "ها ملكوت الله داخلكم" (لوقا 17: 21). الله يريدنا ألا ننشغل إلاَّ بخلاص أنفسنا، أما الأمور الباقية فقد أخذ الله مسئوليتها... يعوزنا هذا الإيمان ونحن فى رحلة الطريق إلى الله، حتى لا ننشغل بأمور أخرى، أعلن الله تكفله بها...

هناك عدو آخر من أعداء الإيمان هو الشك...

فى إحدى المرات أمر السيد المسيح تلاميذه أن يركبوه السفينة ويذهبوا إلى عبرالبحر. وفى الهزيع الأخير من الليل رأوه التلاميذ ماشياً على الماء. فى البداية ظنوا أنه خيال. فقال لهم "أنا هو لا تخافوا". فقال بطرس "إن كنت أنت فمرنى أن آتى إليك ماشياً على الماء. فقال له تعال. فنزل بطرس من السفينة ومشى على الماء ليأتى إلى يسوع. لا ولكن لما رأى الريح شديدة خاف. وإذ ابتدأ يغرق صرخ قائلاً يا رب نجنى. ففى الحال مدّ يسوع يده وامسك به، وقال له يا قليل الإيمان لماذا شككت" (متى 14: 22 - 31)... ولو لم يشك بطرس لاستمر فى سيره على الماء.

وفى يوم اثنين البصخة بعد أن يبست شجرة التينة غير المثمرة بأمر الرب يسوع وبكلمته قال لتلاميذه.

"إن كان لكم إيمان ولا تشكون فلا تفعلون أمر التينة فقط، بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انتقل انطرح فى البحر فيكون" (متى 21: 21)...

بقدر ما يبدو هذا الإيمان فى نظر البعض صعباً، لكننا لا نستطيع أن نخطئ، وننسب لله عدم الصدق فى كلامه ومواعيده. إن عطية الإيمان، وهبة الإيمان، وقوة الإيمان، وما يستطيعه الإيمان إنما هى عطية مجانية لكل إنسان بشرط أن يصدق فقط...

الله يريد أن يعطينا، ويريدنا أن نأخذ، لكن يعوزنا يد الإيمان المبسوطة التى تأخذ من الله

. اعود وأقول إن الإيمان هو اليد التى بها نأخذ كل شئ من الله.

ثم ماذا أيها الأخوة... كان ينبغى أن نتكلم عن شئ آخر، ونحن نعد لرحلة الطريق. هو شئ مرتبط بالإيمان، لكنى سأتحدث عنه بإسهاب فى الموضوع القادم "مؤونة الطريق"... هذا الشئ هو الحب... والحب والإيمان مرتبطان ببعضهما. يقول رب المجد "الذى عنده وصاياى ويحفظها، فهو الذى يحبنى. والذى يحبنى يحبه أبى وأنا أحبه وأظهر له ذاتى" (يوحنا 14: 21)... هذا هو قمة الإيمان الذى يستند إلى الحب.

إن الحب والإيمان يسيران جنباً إلى جنب، ويرتبطان ببعضهما إرتباطاً وثيقاً...

لأنه كيف يمكن لإنسان أن يحب من لا يصدقه ولا يثق به (الإيمان)، أو كيف يمكن لإنسان أن يثق ويصدق (الإيمان) من لا يحبه؟!

الا فليباركنا الله بكل بركة روحية ويعين ضعف إيماننا، ويختم بالبركة على هذه الكلمة آمين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

مؤونة الطريق

لماذا الطريق إلى الله؟

المحتويات
المحتويات