مشجعات الطريق
فى العظة الماضية تكلمنا عن مصاعب الطريق إلى الله، وقلنا إن هذا الأمر غير مستغرب لأنه يتعلق بطبيعة هذا الطريق... تكملنا عن الشياطين فى الطريق وأعوانهم، وختمنا موضوعنا بالكلام عن الإنسان بما فيه، وما يعانيه من ضعف يشكل صعوبة فى هذا الطريق... وفى هذا المساء نرفع قلوبنا إلى الله لكى ما يهبنا نعمة أن نتكلم عن مشجعات الطريق إلى الله... وإذا كان معلمنا بولس الرسول يقول إن هبة النعمة ليست كمثل الخطية (رومية 5: 15)، فبكل تأكيد، فإن مشجعات الطريق تفوق مصاعبه... والآن نتقدم لنستعرض هذه المشجعات...
أولاً – الفهم السليم لمصاعب الطريق:
1 - لعل أولى مشجعات الطريق هى الفهم السليم لمصاعب هذا الطريق.
إنى أؤكد على هذه النقطة بالذات، لأن أى سوء فهم لمصاعب الطريق قد يُطوّح بالإنسان فى هوة اليأس. واليأس من أمضى أسلحة الشيطان.
الحرب الروحية التى يتعرض لها المجاهد السائر فى طريق الله، إنما هى بمثابة اعلان أن هذه النفس تتمتع بنعمة الله. هى حرب يعلنها عدو الخير على المجاهد الحقيقى. فلا خوف من ذلك، ولا محل لأفكار اليأس التى يحاول عدو جنسنا أن يدخلها إلى نفوسنا. فليس معنى الحرب الروحية أن هذا الإنسان الذى يحارب هو إنسان شرير وساقط ولا فائدة منه... على العكس من ذلك تماماً... إذا كان هذا الإنسان شريراً، وفى قبضة الشيطان، وهو عميل دائم يتعامل معه، وبينهما حساب ومعاملات، فإن الشيطان لا يحارب هذا الإنسان، لأنه من خاصته... الذين له هو لا يحاربهم... ولكنه يتجند لمحاربة إنسان ليس من خاصته!!
وعدو الخير يحاول أحياناً أن يلقى فى روع الإنسان الذى يحاربه أنه شرير، وطبيعته غير طبيعة بقية الناس، لذا يحارب بشدة، وأنه الوحيد الذى يحارب هكذا...
حينما يذهب للأب الكاهن ليعترف – ويكون أعترافه متكرراً فى خطية معينة – وهذا أمر طبيعى أن يجاهد الإنسان ضد خطية معينة أو شهوة معينة مدة طويلة، قد تصل أحياناً إلى سنين، وهذا واضح فى سير القديسين... وقتها يقول له عدو الخير: "على أى شئ ستعترف، وما فائدة اعترافك. ما قلته منذ سنة ستكرره الآن، وسوف تقوله وتردده... أنت لا فائدة منك. لماذا تتعب نفسك. أنت فى وضع سئ. تحرم نفسك من متع الدنيا وملذاتها وفى نفس الوقت لا تتمتع بالحياة الروحية التى يتمتع بها أولاً الله الحقيقيون...".
وقد يأتى إليه بفكر آخر يقول له فيه: "أنت أفضل أن تظل بعيداً عن الكنيسة والاعتراف والتناول حتى تصلح من ذاتك، وبعدها تذهب لتعترف اعترافاً حسناً. أما الآن فإنك تذهب للاعتراف وتضحك أبونا عليك، ويأخذ عنك فكرة سيئة". طبعاً هذا الكلام مردود عليه... فالإنسان لا يذهب للطبيب بعد أن يكون قد شُفى من عليته، بل يذهب وهو يعانى منها. قال رب المجد "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى".
قد يتضايق مثل هذا الإنسان... حسناً، لكن هذه المضايقة ليست دليلاً على فشله، بل على العكس تماماً، إنها دليل على حيويته... ومعنى حيويته أنه حىّ وليس ميتاً. فالإنسان الميت روحياً لا يحسّ ولا يشعر. فالإنسان حينما يُجرح يحس بالألم، لكن ممكن أن يزيل بسلاح بعض الجلد المميت (خلايا ميتة) من قدمه مثلاً دون أن يشعر بأى ألم!! أما السبب فلأن هذا الجزء ميت... والمريض بالفالج (الشلل) لا يحس بوخز الإبرة فى أعضائه المشلولة، لأنها فقدت الحساسية.
فكونك تتألم هذا شئ لا يدعو للخوف بقدر ما يدعو للطمأنينة. إنه علامة صحية... بل أقول لكم إن الألم النفسى الذى يتحمله الإنسان متغصباً بسبب حروب الشهوة والأفكار الشريرة مثلاً، هذا الألم يحسب له إكليلاً... من المفيد أن نتأمل قول الرسول بولس عن الرب يسوع "بل مجرّب فى كل شئ مثلنا بلا خطية" (عبرانيين 4: 15)... أى أن المسيح له المجد جُرّب مثلنا. إذن فالتجربة لا تعنى الفشل السقوط. وليس كل تجربة معناها أن الخطأ فى جانب الإنسان. ولا تظنوا خطأ أن الإنسان المنتظم فى حياته الروحية، المداوم على الصلوات والتناول، لا يقترب منه الشيطان أو يجربه. بل أنه ربما استهدف للحرب أكثر... إذا كان الشيطان قد تجاسر وتقدم إلى المسيح ليجربه. أفلا يجربنا نحن؟!!
2 - لا يوجد شئ يدعو الشيطان للهياج علينا سوى تمسكنا بالرب يسوع وطريقه. إنه مستعد لمهادنتنا لو تركنا المسيح...
لكن إن كان الأمر كذلك فمرحباً بالضيقات والآلام... هنا نفهم السر المختفى وراء كلمات القديس بولس الرسول "لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح" (كورنثوس الثانية 12: 10)... إنه نفس الرسول الذى قال فى شبه تحدى "من سيفصلنا عن محبة المسيح..." (رومية 8: 35).
3 - لنتأكد أنه مع كل تجربة يسمح بها الب لأولاده، هناك بركة خاصة، ومحبة ومعونة يدخرها الله للمنتصرين فى حروبهم الروحية...
حينما تدوى ابواق الحرب الروحية معلنة بداية المعركة، معنى ذلك أنه يجب علينا أن نزود أنفسنا بمزيد من شحنات القوة الإلهية لمجابهة المعركة... إن الله بسماحه بالتجارب والضيقات التى تأتى علينا، إنما يعطينا فرصة لكى نتمم وصيته "اكنزوا لكم كنوزاً فى السماء" (متى 6: 20).
4 - إن الخلاص الذى أتمه الرب على الصليب
معلناً ذلك بقوله "قد أكمل"، ليس معناه أن القضية كلها برمتها قد إنتهت... لقد إنتهى وكمل ما يختص بالله من جهة خلاصه للإنسان... لكن على الإنسان دوراً يضطلع به. يقول عن ذلك معلمنا بولس "تمموا خلاصكم بخوف ورعدة" (فيلبى 2: 12)... إن التجارب هى الفرصة التى عينها الله للإنسان ليتمم خلاصه، فلا يجب أن نهرب منها.
5 - كلما ثقلت الضيقة وأشتدت التجربة،
كان معنى ذلك أن الشيطان يشّن علينا هجوماً شرساً، لأنه يرى فينا نعمة خاصة، وإنه قلق ومنزعج لهذا السبب، وإلاّ لما احتاج الأمر منه إلى ذلك... فى ذلك الوقت لنتشدد ونتشجع... وعلينا أن نشجع ذواتنا، ونقول لأنفسنا مع المرتل: "لماذا أنتِ منحنية (حزينة) يا نفسى ولماذا تئنين فىَّ (لماذا تزعجيننى). توكلى على الله فإنى أعترف له. خلاص وجهى هو إلهى" (مزمور 43).
6 - الحروب الروحية
تنطوى على كثير من نقاط التعزية التى يجدها المسيحى المجاهد، ومن ثمّ يتعزى ويفرح ويبتهج.
ثانياً – رفقة الرب يسوع للسائرين فى هذا الطريق:
لعل أكبر مشجع فى هذا الطريق، هو إحساس الإنسان السائر فى هذا الطريق برفقة الرب يسوع، وكذا برفقة القديسين والملائكة... وسبق أن تكلمنا عن هذه النقطة فى موضوع "رفاق الطريق"... إن الرب يسوع هو رفيق الطريق. يرافقنا فى المسيرة... نسير معه، ونسير به، ونسير فيه "أنا هو الطريق". يكفى أن يكون الإنسان فى رفقة الرب يسوع وفى حضرته... إن هذا يقودنا لتذكر موضوع التجلى والتأمل فيه...
أخذ المسيح له المجد ثلاثة من تلاميذه هم بطرس ويعقوب ويوحنا إلى جبل عالٍ منفردين. وهناك تغيّرت هيئته، وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. ثم ظهر موسى وإيليا، وكانا يتكلمان معه. أخذ بطرس بهذا المنظر وجماله فقال للرب "جيد أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال، لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة" (متى 17: 1 - 8)... "جيد يا رب أن نكون ههنا"... هذا هو الإحساس الذى يعمّ الإنسان حينما يكون فى حضرة الرب أو رفقته... إنه ينسى كل شئ حتى ذاته "معك لا أريد شيئاً. (مزمور 73: 25).
ثالثاً – المجد الذى ينتظر السائرين فى هذا الطريق:
الإنسان يعيش ويحيا على الأمل...
على أمل الراحة بعد التعب. وعلى أمل المجد بعد المشقة. على أمل الغنى بعد الفاقة والعوز... هكذا نشجع الناس فى هذه الحياة المملوءة مشقات واتعاب، والخليقة كلها تئن... نحن نشجع الطالب اواخر العام أن يبذل قصارى جهده، فإن النجاح ينتظره، والمستقبل الزاهر ينتظره، والراحة بعد التعب والجهاد تنتظره...
هكذا فى حياتنا الروحية، نحن نجاهد ونتعب ونحرم أنفسنا من كل راحة ومتعة أرضية على أمل المجد الأبدى الذى ينتظرنا فى السماء...
على أن هذا التعب الذى نتعبه، والحرمان الذى نعانى منه، لا يقارنان بالمجد الذى ينتظرنا فى السماء... يقول معلمنا بولس "فإنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" (رومية 8: 18)... ويتأمل فيما تنشئه الضيقات لنا من المجد فيقول "خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً. ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التى ترى، بل إلى التى لا ترى. لأن التى ترى وقتية، وأما التى لا ترى فأبدية" (كورنثوس الثانية 4: 17، 18) وواضح أن الرسول هنا يعتبر ضيقات الحياة خفيفة ووقتية، إذا ما قورنت بثقل المجد الأبدى!!
إن المسيح إلهنا بتجسده رفع من قدر البشر الترابيين، وجعلهم بحسب تعبير بطرس الرسول.
"شركاء الطبيعة الإلهية" (بطرس الثانية 1: 4)
. وكما تقول الكنيسة فى تسبحة يوم الجمعة عن المسيح أنه "أخذ الذى لنا واعطانا الذى له"... أخذ جسدنا وجعله واحداً مع لاهوته، فصرنا بذلك شركاء الطبيعة الإلهية... أخذ ضعفنا وأعطانا قوته، حمل خطايانا فى جسده على الصليب، وأعطانا الخلاص منها، ذاق المرارة ليعطى لحلقنا الحلاوة... لذا فإن الرب يسوع هو الأخ البكر للخليقة الجديدة.
"الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة إبنه ليكون هو بكراً بين أخوة كثيرين" (رومية 8: 29)...
نعم لقد صار الرب يسوع أخ البشرية البكر فى الخليقة الجديدة، بعد أن أعطانا صورته فى البر ومعرفة الحق...
لقد أعطانا الرب يسوع مجداً عجيباً حتى أنه قال "الحق الحق أقول لكم من يؤمن بى فالأعمال التى أنا أعملها يعملها هو أيضاً، ويعمل أعظم منها" (يوحنا 14: 12). انظروا أيها الإخوة المجد الذى ينتظر كل السائرين فى هذا الطريق... مجد عاجل، ومجد آجل. مجد فى هذه الحياة، ومجد فى الحياة الأخرى. نأخذ بعض أمثلة للمجد الذى لنا فى العالم.
كان أخاب ملك إسرائيل قد صنع الشر فى عينى الرب أكثر من جميع من سبقوه، وتزوج ايزابل وتركا عبادة إله إسرائيل. وكان إيليا النبى يعيش فى ذلك الوقت... ذلك الرجل المتقدّ غيرة على مجد الرب... ولم يكن إيليا إلاَّ "إنسان تحت الآلام مثلنا" (يعقوب 5: 17)... إيليا هذا قال لآخاب "حى هو الرب إله إسرائيل الذى وقفت أمامه، إنه لا يكون طلّ ولا مطر فى هذه السنين إلاّ عند قولى" (ملوك الأول 17: 1)...
وبلاد فلسطين ليست كبلاد مصر يعتمد الناس فياه على مياه النهر فى الشرب والزراعة. هناك مصدرهم الأساسى مياه الأمطار للشرب والزراعة... وكان نتيجة كلام إيليا أن السماء قُفلت ثلاث سنين وستة أشهر. وكاد الناس أن يهلكوا، لكن الله – القادر على كل شئ – لم يستطع ان ينزل مطراً لأن إيليا لم يقل ان تنزل المطر ثانية. فقال الله لايليا بعد هذه المدة "اذهب وتراء لآخاب فأعطى مطراً على وجه الأرض" وكان الرب يريد ان ينهى هذه الحالة من الجدب والمجاعة، التى كادت تهلك الناس – المهم أن إيليا بعد أن صلى نزلت المطر (ملوك الأول 17، 18)... وبالاضافة إلى إيليا لدينا يشوع بن نون تلميذ موسى وخليفته فى قيادة شعب الله. هذا أوقف الشمس فى كبد السماء نحو يوم كامل دون غروب بينما كان يحارب الأموريين وحلفاءهم... هذين مثلين من العهد القديم...
نقدم من العهد الجديد مثلين هما الرسولان بطرس وبولس:
يقول كاتب سفر الأعمال "وجرت على أيدى الرسل آيات وعجائب كثيرة فى الشعب... وكان مؤمنون ينضمون للرب أكثر، جماهير من رجال ونساء. حتى أنهم كانوا يحملون المرضى خارجاً فى الشوارع، ويضعونهم على فرش وأسرة، حتى إذا جاء بطرس يخيمّ ولو ظله على أحد منهم. واجتمع جمهور المدن المحيطة إلى أورشليم حاملين مرضى ومعذبين من أرواح نجسة، وكانوا يبرأون جميعهم" (أعمال الرسل 5: 12 - 16)... نحن لم نقرأ عن المسيح له المجد أن ظله كان يشفى الأمراض ويخرج الأرواح الشريرة. لكن العل بطرس أعظم من سيده؟! كلا بطبيعة الحال. لكنه اتما لقول المسيح ووعده أن من يؤمن به يعمل الأعمال التى يعملها هو وأعظم منها (يوحنا 14: 12).
فإذا اتينا إلى معلمنا القديس بولس الرسول، نجد كاتب سفر الأعمال يقول عنه "وكان الله يصنع على يدى بولس قوات غير المعتادة. حتى كان يؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى فتزول عنهم الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة منهم" (أعمال الرسل 19: 11، 12)... هذه المناديل أو المآزر التى يلقيها بولس عن جسده هى الضمادات وكانت مليئة بالميكروبات والقذارة. فقد قيل عن شوكة الجسد التى أشار إليها بولس وكان يعانى منها (كورنثوس الثانية 12: 7)، إنها كانت جرحاً فى جسده يفرز صديداً ويضع عليه المناديل أو المآزر (بدل أربطة الشاش والقطن الحديثة)... وعلى الرغم من أنها كانت محملة بالميكروبات، فقد كانت تشفى الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة!! من كان يُصدِق هذا لو لم يسجله الوحى الإلهى فى الكتاب المقدس!!
وماذا عن القديسين والشهداء الذين مازالت تجرى على أسمائهم قوات وعجائب كثيرة إلى يومنا هذا...
لكننا اكتفينا بما أوردناه من الكتب المقدسة المنزهة عن الخطأ حتى لا يتطرق الشك إلى أذهان البعض من أن أمثال هذه القصص هى من خيال الكتّاب وحدهم... حقاً "عجيب هو الله فى قديسيه"... هذا عن المجد الذى يمجد الرب به المؤمنين باسمه والسائرين فى طريق هذا العالم.
أما بالنسبة للعالم الآتى – أى السماء، فما أكثر ثقل المجد الذى ادخره الله لقديسيه واتقيائه!!... لقد أعلن طرف بسيط من هذا لدانيال النبى فى العهد القديم فرأى وكتب "والفاهمون يضيئون كضياء الجَلَد، والذين ردّوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور" (دانيال 12: 3).
لننتقل الآن إلى ما كشفه رب المجد لنا فى العهد الجديد، وما أعلنه الروح القدس على لسان رسله الأطهار. قال الرب يسوع: "أنا امضى لأعدّ لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً، آتى أيضاً وآخذكم إلىَّ. حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً" (يوحنا 14: 2، 3)... ما هذا؟ حيث يكون الرب يسوع نكون نحن!! ما هذا المجد الذى أعددته وادخرته يا رب لمحبيك؟!!
ربما ظن البعض أن هذا الكلام خاص بالرسل. لكنه يخص جميع المؤمنين...
وقد كشف لنا الرب يسوع عن ذلك فى مناجاته الوداعية مع الله الآب التى دونها يوحنا فى إنجيله. يقول "ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون بى بكلامهم... وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى، ليكونوا واحداً، كما أننا نحن أيضاً واحداً" (يوحنا 17: 20 - 22)...
والقديس بولس الرسول يؤكد هذه المكانة العظيمة التى للمؤمنين فى شخص المسيح الفادى، متحدثاً عنها بصيغة الماضى تأكيداً ليقينيتها، يقول "وأقامنا معه، وأجلسنا معه فى السماويات فى المسيح يسوع" (أفسس 2: 6)... ويكتب معلمنا بطرس الرسول إلى المؤمنين... "كما اشتركتم فى آلام المسيح، افرحوا لكى تفرحوا فى استعلان مجده أيضاً مبتهجين" (بطرس الأول 4: 13)...
وما أكثر ما ذكره القديس بولس فى رسائله:
إنه يصلى لأجل أهل أفسس، ويطلب لهم استنارة عيون أذهانهم ليعلموا ما هو رجاء دعوته "وما هو غنى مجد ميراثه فى القديسين. وما هى عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين، حسب عمل شدة قوته الذى عمله فى المسيح" (أفسس 1: 15 - 20). ويقول لمؤمنى كولوسى "لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح فى الله. متى أظهر المسيح حياتنا فحينئذ تُظهرون أنتم أيضاً معه فى المجد" (كولوسى 3: 3، 4). ويكتب إلى مؤمنى رومية: "والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضاً، والذين بررهم فهؤلاء مجدّهم أيضاً" (رومية 8: 30)... ويكتب إلى تلميذه الأسقف تيموثاوس "صادقة هى الكلمة إنه إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه" (تيموثاوس الثانية 2: 11، 12)... ومن أجل هذا اليقين فى المجد فإن الرسول بولس يستهين بكل الآلام، معلناً أن "آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (رومية 8: 18).
أما سفر الرؤيا الذى يتكلم عن الأمور العتيدة أن تكون فى العالم الآتى، فيكشف لنا عن مجد القديسين مع المسيح فى السماء...
يقول يوحنا الرائى "ورأيت عروشاً فجلسوا عليها وأعطوا حكماً. ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة المسيح يسوع، ومن أجل كلمة الله. والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته، ولم يقبلوا السمة على جباههم وعلى أيديهم، عاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة" (رؤيا 20: 4)...
رابعاً – رفقتنا للمسيح تجعله يعتبر كل ما يحلّ بنا، إنما يحدث له شخصياً.
المسيح له المجد – ونحن برفقته فى هذا الطريق – يعتبر أن كل ما يأتى على أولاده من ضيقات وآلام، إنما يأتى عليه هو شخصياً... ولا عجب فقد صرنا "أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه" (أفسس 5: 30)... "ألستم تعلمون أن أجسادكم هى أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية" (كورنثوس الأولى 6: 15).
لا عجب إذن، إذا كان المسيح يعتبر كل الإهانات والضيقات والآلام التى تأتى على أولاده إنها موجهة إليه شخصياً... لقد صرنا جزء منه، لأننا صرنا واحداً معه... كل ما يُفعل لأولاده من خير يعتبره انه عمل هو... ولعل هذا يتضح من تصوير السيد المسيح لمشهد الدينونة الأخير، حينما يمتدح الأبرار بقوله "تعالوا إلىَّ يا مباركى أبى رثوا المُلك المعدّ لكم منذ تأسيس العالم. لأنى جعت فأطعمتمونى، عطشت فسقيتمونى، كنت غريباً فآويتمونى، عرياناً فكسوتمونى، مريضاً فزرتمونى، محبوساً فأتيتم إلىَّ فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين متى رأيناك جائعاً فاطعمناك، أو عطشاناً فسقيناك. ومتى رأيناك غريباً فآويناك أو عرياناً فكسوناك. ومتى رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك. فيجيبهم الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم" (متى 25: 31 - 40).
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن السيد المسيح حينما أسس كنيسته، أقام نفسه مسئولاً عنها مسئولية مباشرة. ونعنى بالكنيسة هنا أعضاءها من المؤمنين به... من هنا أيضاً نفهم كلمات الرب يسوع لشاول الطرسوسى فى لقائه به على مقربة من دمشق "شاول شاول لماذا تضطهدنى. فقال من أنت يا سيد. فقال الرب أنا يسوع الذى أنت تضطهده" (اعمال الرسل 9: 4، 5)... ولقد تم هذا اللقاء بعد أن اتعب شاول الطرسوسى هذا (بولس الرسول) الكنيسة. فلقد أشترك فى رجم استفانوس شهيد المسيحية الأول، وزج بكثير من الرجال والنساء فى السجون (أعمال الرسل 22: 4)... وبالجملة فإنه كان يضطهد كنيسة الله بافراط ويخربها (غلاطية 1: 13)... تأملوا فى كلمات المسيح لشاول "أنا يسوع الذى أنت تضطهده" وواضح أن السيد المسيح أعتبر اضطهاد أولاده اضطهاداً له!!
وفى وعد المسيح لتلاميذه "فى العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يوحنا 16: 33)، ما يوضح الفكرة التى نعرض لها... المسيح يكلمنا "سيكون لكم ضيق" وبعدها يقول: "لكن ثقوا أنا قد غلبت العالم"... إن كلمة "لكم" يقابلها "أنا"!! كلمتان غير منفصلتين، والمعنى أنتم لستم وحدكم، بل أنا معكم. ومادمت أنا قد غلبت العالم فستغلبون أنتم... هكذا نرى أن الأمر متعلق بالمسيح شخصياً. لذا يقول الرسول بولس للمؤمنين: "إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً. وإياكم الذين تتضايقون راحة معنا عند إستعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته" (تسالونيكى الثانية 1: 6، 7).
نحن أولاد الله. هذا أمر لا شك فيه... فأى أب يرى أولاده متعبين ومتضايقين ولا يبالى بتعبهم وضيقتهم، فى الوقت الذى يستطيع أن ينقذهم ويريحهم... إذا كان هذا لا يحدث على المستوى البشرى، فهل ننتظر هذا الصنيع من الله؟!... قال رب المجد يسوع أى إنسان منكم إذا سأله إبنه خبزاً يعطيه حجراً. وإن سأله سمكة يعطيه حيّة. فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا اولادكم عطايا جيدة. فكم بالحرى أبوكم الذى فى السموات يهب خيرات للذين يسألونه "(متى 7: 9 - 11)... هل تحبون أولادكم، والله الحنون لا يحب أولاده؟!
أيها الإخوة، إن مواعيد الله ثابتة منذ القديم لأولاده... يقول بفم إشعياء النبى: "هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم إبن بطنها. حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك. هوذا على كفى نقشتك" (إشعياء 49: 14 - 16)... ويعلق القديسين يوحنا ذهبى الفم على عبارة: "على كفى نقشتك" فيقول إن الرب لم ينقشنا على كفه بمداد وقلم، بل بالمسامير التى ثقبت يديه على الصليب!!... ويقول السيد الرب بفم زكريا النبى "لأنه هكذا قال رب الجنود... من يسّكم يمسّ حدقة عينه" (زكريا 2: 8)... ويقول بفم أرميا النبى عن نسل يعقوب "واعاقب كل مضايقيهم" (أرميا 30: 20). كما يقول بفم إشعياء النبى "فى كل ضيقتهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم" (إشعياء 63: 9). أى أنه حينما يتضايق شعبه، فهو يتضايق أيضاً معهم!!
هذا الكلام ليس كلاماً نظرياً، بل إن آلام الشهداء التى تفوق التصوّر والوصف، إحتملها الرب يسوع عنهم!! وسأروى لكم قصة الشهيدة فيليسيتاس (سعدى) من قرطاجنة بشمالى أفريقيا... كانت أمَة (عبدة) ورفيقة للشهيدة الشريفة الأصل الشهيرة بربتوا. كان الإثنان فى صفوف الموعوظين المهيئين لقبول العماد حين قبض عليهما... كانت فيليسيتاس فى نحو العشرين من عمرها، وكانت متزوجة حديثاً، وحاملاً فى شهرها الثامن... أنا لا اسرد قصتها كاملة إنما آتى إلى نقطة تهمنى فى سيرتها وقصة آلامها... لما أتاها المخاض ووجع الولادة فى السجن كانت تصرخ بشدة من الألم، فقال لها أحد حراس السجن متهكماً [إذا كنتٍ لا تستطيعين احتمال هذا الألم، فكيف ستحتملين أنياب الوحوش ومخالبها؟]. قالت له [إنى أتألم الآن بحسب الطبيعة، أما غداً فيتألم عنى آخر هو سيدى يسوع المسيح. اليوم القوة الطبيعية تقاوم الطبيعة، وفى الغد تنتصر فىَّ النعمة الإلهية على أشد ما أعددتم لى من التعاذيب]...
سيقت للعذاب وضربت بالسياط، واطلقت عليها بقرة وحشية نطحتها ثم رفعتها إلى أعلى وطرحتها إلى الأرض بشدة. ولما أفاقت سألت رفيقتها بربتوا [متى سيلقوننا للوحوش؟] إنها لم تشعر بأى شئ، وكأنها كانت مستغرقة فى نوم!! أخيراً قطعت رأسها بحد السيف مع رفيقتها بربتوا...
خامساً – التطلع الدائم للصليب والإحساس بأن كل الأتعاب هى شركة آلام مع الرب:
قلنا فى النقطة السابقة أن كل ما يحدث لأولاد الله، يعتبره الله موجهاً إليه. لكن فى هذه النقطة نقول إن كل أتعاب السائرين فى طريق الرب، إنما هى من أجله هو. ومن أجله تهون كل الأتعاب والضيقات...
أيها الأخوة الأحباء... فى المسيحية تبدّلت صورة الألم وفعاليته ومذاقته، فارتفع إلى مستوى الهبة الروحية... "وهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط، بل أن تتألموا أيضاً" (فيلبى 1: 29)... وُهبّ لكم لأجل المسيح أن تتألموا. والمعنى أنه كوننا نتألم من أجل المسيح هذه تعتبر هبة إلهية... والترجمة الحرفية لهذه الآية هى "لأنه أنعم عليكم أن تتألموا من أجل المسيح" ونلاحظ أن الإيمان والألم يسيران جنباً إلى جنب. وكأن الإيمان والألم صنوان لا يفترقان!!
إن الرب يسوع يُحصى الضيقات ضمن البركات التى يعوض بها كل من ترك شيئاً من أجله وتبعه...
قال بطرس الرسول للسيد المسيح بلسان بقية التلاميذ "ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك". فردّ عليه الرب "ليس أحد ترك بيتاً أو أخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو إمرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل، إلاَّ ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً وإخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً، مع اضطهادات. وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية" (مرقس 10: 28 - 30). إنه يحصى الاضطهادات ضمن البركات التى يجازى بها محبيه فى هذا الدهر!!
لقد أصبح الألم فى المسيحية فى مفهومه الجديد شركة مع الرب المتألم "إن كنا نتألم معه، لكى نتمجد أيضاً معه" (رومية 8: 17)... "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته" (فيلبى 3: 10). هنا يتكلم الرسول عن الألم كشركة مع الرب... ويقول نفس الرسول لأهل كولوسى: "أكمل نقائص شدائد المسيح فى جسمى لأجل جسده الذى هو الكنيسة" (كولوسى 1: 24)... ويكتب إلى مؤمنى رومية وهو يربط الألم من أجل الرب بالحب فيقول: "من أجلك نُمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح" (رومية 8: 36)... إنها تعزية كبرى للمؤمن حينما يُحسّ أنه يتألم مع الرب ومن أجله... حينما قال المسيح على الصليب: "قد أكمل"، كان يشير إلى خلاص البشرية جمعاء الذى أكمله بموته المحيى. أما آلام المسيح وشدائده فهى لم تكمل بعد... إنها تكمل فينا. وعلينا نحن كتعبير عن محبتنا لذاك الذى احتمل عنا كل الآلام، أن نكمل آلامه. بهذا المعنى نفهم كلمات بولس: "أكمل نقائص شدائد المسيح". إن أعضاء المسيح التى مازالت على الأرض هى التى ينبغى أن تكمل آلام المسيح...
ونضيف إلى المفهوم السابق مفهوماً آخر من مشجعات الطريق إلى الله، هو التطلع الدائم للصليب. يجب أن يكون صليب المخلص هو قبلة نظر المسيحى السائر فى الطريق إلى الله. ففى الصليب نرى الحب متجسداً، متألماً بفرح من أجل من يحبهم. نرى فيه الاحتمال والغفران والبذل، نرى فيه كل فضيلة... فالصليب لم يكن للمسيح آلة تعذيب عُذب عليها، بل صار منبراً علّم من فوقه كل شعوب الأرض كل فضيلة... والسيد المسيح يدعونا أن نتأمل صليبه وآلامه. لذا قال بلسان أمريا النبى فى مراثيه: "أما إليكم يا جميع عابرى الطريق. تطلعوا وانظروا إن كان حزن مثل حزنى الذى صُنعَ بى" (مراثى 1: 12)... يقول القديس أوغسطينوس: [إنه لا يوجد شئ نافع للإنسان مثل التأمل فى كل يوم فيما احتمله ابن الله لأجلنا]. وقد شهد أنه لم يجد قط علاجاً أقوى من جراحات المسيح فى كل شئ... إن التطلع الدائم إلى صليب المخلص والتأمل فى آلامه يقودنا إلى بركات روحية كثيرة من شأنها أنها تشجعنا فى مسيرتنا الروحية، نذكر منها:
1 - يقودنا إلى التوبة والندم على خطايانا، وهذا بدوره يقود إلى الانسحاق.
كيف ذلك؟ حينما يُحسّ الإنسان أنه هو سبب آلام المسيح... فلولا خطاياى يا رب ما كنت تألمت... ونلاحظ هنا أن السيد المسيح اوفى العدل الإلهى من جهة خطايا جميع البشر من آدم وإلى نهاية العالم. فخطاياى مع خطايا جميع البشر هى السبب فى آلام الصليب.. نتذكر هنا كلمات إشعياء النبى الى قالها بروح النبوة عن المسيح المتألم: "مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه. وبحبره (جراحاته) شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه. والرب وُضِعَ عليه إثم جميعنا" (إشعياء 53: 5، 6)... علينا كلما نظرنا إلى الصليب أن نقول: [يا رب نحن السبب فى آلامك]. ولنتشبه بيونان الذى لما هاج البحر ولم يكن بحارة السفينة يعرفون سبباص ليهاجه – قال لهم "خذونى وأطرحونى فى البحر فيسكن البحر عنكم، لأننى عالم أنه بسببى هذا النوء العظيم" (يونان 1: 12). إن آلام الصليب هى بسبب خطاياى وشرورى وآثامى الماضية والحالية والمستقبلة]!!
2 - التأمل فى الصليب ومنْ صُلب عليه من شأنه أنه يُشعل فينا عاطفة الحب نحو الله.
فالمسيح مات عنا حباً فينا... يقول يوحنا الرسول الحبيب "بهذا أُظهرت محبة الله فينا، إن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به" (يوحنا الأولى 4: 9)... والقديس امبروسيوس أسقف ميلان يقول [أنا مديون لك يا سيدى المسيح لأجل الاهانات التى بها افتديتنى، أكثر مما أنا مديون بقدرتك التى بها قد خلقتنى. لأنه إن كانت خلقتك لى نعمة عظيمة، لكنك لم تتكلف فيها شيئاً، بل كنت تقول للشئ كن فيكون. ولكن فى فداء الجنس البشرى، لم يَجْر الأمر هكذا، بل تكلفت لهذا كثيراً، واحتملت من أجله كثيراً من الإهانات والأوجاع حتى سفك دمك كله].
3 - والتطلع إلى الصليب ومَنْ صُلبَ عليه يؤسس ويقوى فينا فضيلة الشكر والعرفان بالجميل...
يقول يشوع بن سيراخ: "لا تَنْسَ نعمة الضامن لأنه أسلم نفسه من إجلك". والمسيح المخلص الوسيط الوحيد بين البشر والله الآب. بعد أن غسل أرجل تلاميذه قبيل تأسيسه لسر الافخارستيا، قال لهم "اتفهمون ما قد صنعت لكم" (يوحنا 13: 12). ليتنا نفهم سر الحب الذى أعلنه الرب بالصليب!!
4 - والتأمل فى الصليب ومَنْ صُلب عليه يقودنا إلى احتمال الضيقات أياً كان مصدرها أو سببها...
يقول القديس بطرس الرسول وهو يرسم صورة بديعة لمسلك المسيح المخلص إزاء الآلام "فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكى تتبعوا خطواته. الذى لم يفعل خطية ولا وُجد فى فمه مكر. الذى إذ شُتم لم يكن يشتم عوضاً، وإذ تألم لم يكن يهدد، بل كان يسلّم لمن يقضى بعدل" (بطرس الأولى 2: 22، 23)... لنتأمل فى مسلك المسيح مخلصنا حتى لا تفلت أعصابنا إزاء ظلم بعض الناس أو اساءاتهم لنا. يقول القديس يوحنا التبايسى (الأسيوطى) من نسّاك القرن الرابع الميلادى: [إذا وُجد من يبغضك فلا تحزن، لأنك لست الوحيد الذى ابغضوه، فإن سيدك قد ابغضوه من قبلك]... ويقول الأنبا باخوميوس أب الشركة الرهبانية: [إذا رذلك الناس وافتروا عليك فلا تحزن، لأن ربك دُعى مختل العقل وبعلزبول وبه شيطان ولم يتذمر. فاقتنِ لك وداعة القلب، واذكر أن ربك وإلهك سيق كخروف إلى الذبح ولم يفتح فاه]... والراهب القديس برصنوفيوس يقول: [أذكر الحمل الوديع وكم صبر. فعلى الرغم من أنه لم يكن له خطية، لكنه احتمل الشتم والضرب وسائر الإهانات والأوجاع حتى الموت].
سادساً – تعزيات الله للسائرين فى الطريق إليه:
حينما نتكلم عن تعزيات الله التى يهبها للسائرين فى هذا الطريق، نتذكر للحال الروح القدس المعزى وعمله فى داخلنا... قال الرب يسوع: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد... لا اترككم يتامى. إنى آتى إليكم" (يوحنا 14: 16، 18). أما عن تعزيات روح الله فلا أحد يستطيع أن يصفها أو يعبر عنها... ومعلمنا القديس بولس الرسول الذى خبر هذه التعزيات فى كل ضيقاته التى لا تُحصى لكثرتها يقول "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح أبو الرأفة وإله كل تعزيات، الذى يعزينا فى كل ضيقتنا، حتى نستطيع أن نعزى الذين هم فى كل ضيقة بالتعزية التى نتعزى بها من الله. لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تتكثر تعزيتنا أيضاً" (كورنثوس الثانية 1: 3 - 5). ويكتب إلى أهل تسالونيكى: "وربنا نفسه يسوع المسيح، والله أبونا، الذى أحبنا واعطانا عزاء أبدياً، ورجاء صالحاً بالنعمة، يعزى قلوبكم، ويثبتكم فى كل كلام وعمل صالح" (تسالونيكى الثانية 2: 16، 17).
وأود أن اضيف هان نقطة أخرى ونحن نتحدث عن تعزيات الله، هو ما اصطلح القديسون على تسميته "بزيارات النعمة"... الإنسان فى حياته الروحية يشعر أحياناً بجفاف روحى. أى أنه لا يشعر بأى تعزية روحية. وفى أحيان أخرى يفتقد الله الإنسان بتعزيات عجيبة، وتفيض دموعه بغزارة. لكنها ليست دموع الحزن، بل دموع الفرح والتعزية والراحة... هذه يسميها الآباء زيارة نعمة. فى تلك اللحظات يحس الإنسان أنه أمام الله وجهاً ولوجه، أو أن الله فى داخله. وهنا تتحول يبوسة القلب وجفافه إلى شبع وراتواء من النعمة...
سابعاً – الصبر:
ولا شك أن الصبر هو من أهم المشجعات فى الطريق الروحى... يقولون "الصبر مرّ"... نعم هو مر، لكن مرارته تؤول إلى حلاوة عجيبة. والسيد المسيح يعلق اقتناء النفس بالصبر. فبعد أن يعرض للضيقات العتيدة أن تصادف المؤمنين فى العالم، يصف الدواء: "بصبركم اقتنوا أنفسكم" (لوقا 21: 19)... وعن ذلك يقول يعقوب الرسول "عالمين أن امتحان إيمانكم يُنشئ صبراً، وأما الصبر فليكن له عمل تام. لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين فى شئ" (يعقوب 1: 3، 4)... والترجمة الحرفية لهذه الآية "وأما الصبر فلابد أن يصحبه عمل تام"...
نعم الصبر عمل تام، ولا يوجد شئ آخر يستطيع أن يقوم مقام الصبر أو يعمل عمله... فكم من مشكلات وأوضاع غير سليمة وظروف قاسية استطاع الصبر أن يحلها ويتغلب عليه، أو فى القليل يخفف من حدتها... من أجل هذا يقول معلمنا القديس بولس "لنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا" (عبرانيين 12: 1)... نعم الجاهد يحتاج إلى صبر... إن بولس يقدمه كعلاج للمؤمنين المجاهدين فى حياتهم "لأنكم تحتاجون إلى الصبر" (عبرانيين 10: 36).
ثامناً – الرجاء:
الرجاء فضيلة كبرى من فضائل المسيحية... هكذا يذكره معلمنا بولس مع فضائل المسيحية الكبرى "أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة" (كورنثوس الأولى 13: 13) ويتحدث عن فاعليته فى الرسالة إلى أهل رومية فيقول.
"بل نفتخر أيضاً فى الضيقات عالمين أن الضيق يُنشئ صبراً، والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يخزى، لأن محبة الله قد اسكبت فى قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رومية 5: 3 - 5).
.. والتزكية تعنى النقاوة، هذه التزكية تولد فينا الرجاء. أما الرجاء فلا يخزى صاحبه. يقول المرتل فى المزمور.
"لا أخزى لأنى عليك توكلت".
الرجاء يا أحبائى ضد اليأس، وخطورة اليأس أنه يقود إلى الفشل. والله لم يعطنا روح الفشل، بل روح النصرة والقوة. هذا ما يفعله الرجاء. إن الكلام عن الرجاء كفضيلة مسيحية موضوع هام ومتسع. إنه يحتاج للتحدث عنه إلى موضوع خاص ومنفصل، فنحن كما يقول الرسول بولس: "بالرجاء خلصنا" (رومية 8: 24)... ولكننا مضطرين للإختصار الشديد لأنه يأتى كنقطة فرعية فى موضوع كبير...
أيها الاخوة الأحباء، نحن بحاجة إلى الرجاء... رجاء فى القلب أن الله لن يتركنا او يتخلى عنا. إن هذا يقودنا إلى النصرة والتوفيق...
مبارك هو إلهنا الذى أحبنا، وأعطانا رجاء صالحاً بالنعمة، نسأله أن يشدد قلوبنا، ويعزى نفوسنا، ويقوى رجاءنا فيه. وله كل المجد والكرامة دائماً.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.