رفاق الطريق

رفاق الطريق

أهمية الرفقة بصفة عامة:

نحن نسير فى الطريق إلى الله. ولابد وأن يكون معنا رفاق فى هذا الطريق... فالإنسان اجتماعى بطبيعته، ينزع إلى الرفقة، ويميل إلى التآخى والتعاون... ونحن نرى الله منذ البداية – وهو خالق الإنسان ويعرف ما فيه – يقول.

"ليس جيداً أن يكون آدم وحده، فأصنع له معيناً نظيره" (تكوين 2: 18)...

والسيد المسيح له المجد حينما اختار السبعين رسولاً "ارسلهم اثنين اثنين أمام وجهه إلى كل مدينة وموضع حيث كان هو مزمعاً أن يأتى" (لوقا 10: 1).

هذا الموضوع – موضوع الرفقة – على جانب كبير من الأهمية، خاصة بالنسبة للإنسان المبتدئ فى حياته الروحية، أو من لم يبدأ بعد...

ولست مبالغاً إن قلت أن الرفقة والصداقة تسبقان من جهة الأهمية للمبتدئين، الصلاة والكتاب المقدس وبعض الممارسات الروحية، فالرفيق الصالح – بتأثير محبته – يمكنه أن يجتذب صديقه، ويقوده إلى طريق الله... وعلى العكس من ذلك تماماً، فإن الرفقة الرديئة تخرج الإنسان الطيب عن دائرة الحياة الروحية... ولا شك أننا جميعاً نعى فى آذهاننا كثيرة لصدق وصحة ما نقول... وإذا كان الأمر بهذه الدرجة من الخطورة والأهمية، فما هى أهمية الرفقة الطيبة؟... نتحدث أولاً عن الرفقة الطيبة، وبعدها ننتقل للكلام عن الرفقة السيئة، أو ما نسميه المعاشرات الرديئة.

الرفقة الطيبة:

تكمن أهمية الرفقة الطيبة فى أن الإنسان حينما يحب إنساناً آخر حباً عميقاً فإنه يحاول أن يقلّده أو يتشبه به.

فالمحبة دائماً تعمل على توحيد المحب والمحبوب... فالتلميذ الذى يُعجب بأستاذه،

يحاول أن يقلّده فى بعض ممارساته، كطريقة مشيه، وحركات يديه أثناء الكلام، ووقفته، وكلامه وما إلى ذلك. والسبب أنه معجب بهذا الإنسان، لذا فهو يحاكيه أو يقلده...

مثل هذا الإنسان لو كان له صديق يحبه محبة عميقة، فإنه يحاول أن يتشبه به ويحاكيه فى أمور كثيرة...

ونلاحظ إن هذه الظاهرة، تتضح أكثر من حالة الفتيات... فحينما تحب فتاة فتاة أخرى، فإنها تحاول محاكاتها فيما ترتديه من ثياب (فى اللون والتفصيل)، وفى طريقة تصفيف شعرها وهكذا...

وهل لنا أن نقول فى هذا المقام، إن الله من فرط محبته لنا أخذ جسداً مثلنا!! ومن الناحية الأخرى فإن القديسين من محبتهم للمسيح، حاولوا أن يتمثلوا به فى كمالاته. ولا عجب فقد ترك المسيح مثالاً لكى نتبع خطواته (بطرس الأول 2: 21)... وبذا يصبح هؤلاء القديسين "مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين اخوة كثيرين" (رومية 8: 29)... والمشابهة هنا هى فى السلوك والتقوى والقداسة، وجميع الكمالات النسبية...

أمثلة للرفقة الطيبة:

فبطرس الرسول فيما كان بين التلاميذ نراه متشدداً متشجعاً،

سبَاقاً للكلام بحمية، معبراً عن رأى بقية إخوته الرسل، على نحو ما فعل فى الرد على سؤال السيد المسيح: "من يقول الناس إنى أنا ابن الإنسان" قائلاً "أنت هو المسيح إبن الله الحى" (متى 16: 13 - 16)...

وعلى العكس من ذلك نراه فى دار قيافا رئيس كهنة اليهود، ضعيفاً، خائفاً، جباناً رعديداً... ولعل السبب إنه كان جالساً وسط الخدم والجوارى.

ووصل به الضعف أنه أنكر سيده المسيح، ولعنه وجدف عليه، وأقسم أنه لا يعرفه!!... ومن مشاهدتنا فى الحياة، نرى الفحم المشتعل، حينما نضيف إليه فحماً غير مشتعل، فإنه يشعله. هكذا الإنسان، فإنه عن طريق الرفقة الطيبة يستنير ويحاول التشبه بالرفاق الصالحين.

إن أبناء نوح البار وإمرأته ونساء بنيه نجوا من الطوفان بسبب رفقتهم لذلك البار، بينما العالم القديم كله الذى إنغمس فى الشر والرذيلة هلك بالطوفان... ولوط إبن أخى إبراهيم طالما كان فى صحبة إبراهيم، كان محفوظاً وعاش باراً، وحصل على ثروة عظيمة، لكنه لما سكن بين الوثنيين، خسر أمواله، لولا أن إبراهيم استردها له (تكوين 13، 14). ولما سكن وسط أهل سدوم وعمورة الأشرار، كاد يفقد كل شئ، لولا أن الرب الزمه بالخروج منها... ولابان خال يعقوب أبو الأسباط، باركه الرب بسبب نزول يعقوب عنده. حتى أن يعقوب حينما أراد أن ينصرف بنسائه وأولاده واستأذن لابان فى الانصراف، تمنع لابان وقال له: "ليتنى أجد نعمة فى عينيك. قد تفاءلت فباركنى الرب بسببك" (تكوين 30: 27)...

وهل ننسى البركة الكبيرة التى حلّت فى بيت فوطيفار المصرى الوثنى بسبب يوسف الصديق؟! إن الكتاب المقدس يركز تركيزاً واضحاً، ويُلقى ضوءً كبيراً على هذا الأمر، ويهتم بأن يسجله... يقول "وكان من حين وكلّه فوطيفار على بيته، وعلى كل ما كان له، أنت الرب بارك بيت المصرى بسبب يوسف. وكانت بركة الرب على كل ما كان له فى البيت وفى الحقل" (تكوين 39)... ولذلك فإن العاقل الحكيم، يسعى للالتصاق بالأخيار والأبرار والاتقياء والقديسين.

نقرأ عن القديس بولس الرسول أثناء سفره بالبحر كأسير مقيد بالسلاسل ومرسل للمحاكمة هناك

– أن البحر هاج بعنف على السفينة حتى تحطمت، لكن واحداً من المسافرين معه لم يُصب بأذى، وقال بولس آنذاك للمسافرين معه مطمئناً إياهم: "وقف بى هذه الليلة ملاك الإله الذى أنا له والذى أعبده قائلاً لا تَخَف يا بولس. ينبغى لك أن تقف أمام قيصر. وهوذا قد وهبك الله جميع المسافرين معك" (أعمال الرسل 27: 24).

وما أكثر ما ورد فى الكتاب المقدس خاصة فى الأسفار الحكمية عن هذه النقطة التى نعالجها بقول سليمان الحكيم "الأخ امنع من مدينة حصينة" (أمثال 18: 19)... "المكثر الأصحاب يخرّب نفسه. ولكن يوجد محب الزق من الأخ" (أمثال 18: 24)... "المساير الحكماء يصير حيكماً، ورفيق الجهّال يُضَرّ" (أمثال 13: 20)... "إثنان خير من واحد... لأن إن وقع احدهما يقيمه رفيقه. وويل لمن هو وحده إن وقع، إذ ليس ثان ليقيمه" (الجامعة 4: 9، 10)... ويقول يشوع بن سيراخ: "لا تبدل صديقاً بشئ زمنى، ولا أخاً خالصاً بذهب ابريز" (سيراخ 7: 18)... "الصديق الأمين لا يعادله شئ، وصلاحه لا موازن له" (سيراخ 6: 15)... كل هذا عن الرفقة الطيبة...

الرفقة الريئة وخطورتها:

ما أكثر المصائب والكوارث التى تحل بأولادنا وبناتنا بسبب المعاشرات الرديئة والرفقة السيئة... يقول القديس بولس الرسول بصيح العبارة "لا تضلوا فإن المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة" (كورنثوس الأولى 15: 33)... والإنسان يعجب حينما يلاحظ أن برتقالة واحدة أو تفاحة واحدة فاسدة قد أفسدت كمية كبيرة فى سلة أو قفص...

وأرى أن أتوقف هنا لأناقش موضوع الوسط واهميته...

أهمية الوسط:

موضوع الوسط موضوع فى غاية الأهمية، لذا ينبغى على الإنسان أن يتخير الوسط الذى يود أن يعيش فيه... هناك تشبيه كنا نسوقه للصغار الغواص الذى يغوص فى أعماق البحار ليقطع اسفنجاً أو بحثاً عن لآئى نفيسة أو غير ذلك، يحمل فوقه آلاف – إن لم يكن ملايين – الامتار المكعبة من الماء دون أن يحس بثقلها. بينما نفس هذا الإنسان، بعد أن يخرج من الماء، ينوء تحت ثقل صفيحة من الماء يحملها، ويلحقه التعب... أما تفسير ذلك، فهو أن هذا الإنسان فى الحالة الأولى كان الوسط – وهو الماء – يحمله. لكن بعد أن ترك هذا الوسط وخرج إلى اليابسة، أصبح يتعب لحمل أى ثقل... هكذا الإنسان أيضاً، إن وجد فى وسط طيب، فإنه حتى ولو حاق به ضعف روحى أو فتور لأى سبب – فإن الوسط الطيب الذى يحيا فيه يحمله إلى أن تعبر فترة الفتور... أما إذا ادركته حالة الضعف والفتةر وهو بعيد الوسط الطيب، فالويل له... إن النتيجة فى هذه الحالة غير مطمئنة على الاطلاق.

الإنسان الحكيم العاقل، الذى يسعى طلباً لخلاص نفسه، يلقى بذاته فى الأوساط الجيدة.

فإن ذلك يشجعه على الاستمرار فى ممارساته الروحية العاملة كحضور القداسات والاجتماعات الروحية، فضلاً عن ممارساته الخاصة كالصلاة والصوم والقراءة الروحية والاعتراف والتناول... وكلما كثرت الممارسات الروحية، كلما كان ذلك أدعى إلى الطمأنينة على مثل هذا الإنسان وسط تيارات العالم العنيفة خاصة فى هذه الأيام...

إن خير تشبيه نسوقه على ذلك هو الخيمة المشدودة إلى أوتاد.

فكلما كان عدد الأوتاد أكبر، كلما كان ذلك عاملاً على ثباتها. لكن إن قلت أوتادها يضعف ثباتها، وتأخذ فى اللخلخة. ويخشى إن هبت ريح شديدة، أو عاصفة هوجاء ان تقتلع هذه الخيمة بسهولة...

هذا الكلام لا أسوقه للمبتدئين فى حياتهم الروحية، لكنى أوجهه للجميع. فليس فينا قوى لا يخشى السقوط

"من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط" (كورنثوس الأولى 10: 12). إن قائل هذه الكلمات القدسية هو بولس الرسول، الذى رأى إعلانات إلهية كثيرة، واختطف إلى السماء الثالثة (الفردوس)، ورأى أموراً لا ينطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها. ولكنه أعطى شوكة فى جسده لئلا يرتفع من فرط الإعلانات حسب تعبيره (كورنثوس الثانية 12: 2 - 7)... ويقول هذا الرسول أيضاً "لا تستكبر بل خَف" (رومية 11: 20)... "أقمع جسدى واستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير انا نفسى مرفوضاً" (كورنثوس الأولى 10: 27)... يا للعجب!!... ايخاف هذا الرسول العظيم الذى امتلأ قلبه بمحبة سيده، وملأ الدنيا كرازة وتبشيراً، أيخاف على خلاصه الأبدى، ولذا فإنه يقمع جسده ويستعبده؟!!

موضوع الوسط فى غاية الأهمية كما رأينا... والإنسان كائن يؤثر ويتأثر... وهكذا فإن الإنسان إن وجد فى وسط صالح فسوف يتأثر بكل ما فى هذا الوسط. وأنا هنا لا أقصد تاثره من شخصية معينة، لكنه يتأثر بأمور قد لا ندركها نحن... فقد يرى فى الكنيسة إنساناً عابداً يقف فى خشوع، فيتأثر من منظره ويحترّ قلبه فيه من مجرد رؤيته... وقد يرى آخر يسجد فى وقار وإنسحاق أمام هيكل الله فيُنخس قلبه فى داخله... إن هذا الذى أقوله ليس كلاماً نظرياً، لكنه حدث ويحدث مع أشخاص أنا أعرفهم.

هناك أمثلة كثيرة فى حياتنا العملية نراها ونلمسها، ويمكن بالتأمل فيها الاستفادة منها...

فمن يصافح إنساناً غير نظيف اليد، فإن يده التى يصافح بها تتسخ... هكذا من يلتصق بإنسان شرير فإنه بالضرورة يتأثر به.

لاحظت أثناء قيامى بالتقديس – ومازلت أمارسه حتى الآن – وبعد أن أنتهى من الكتابة بالطباشير على السبورة،.

أن ذرات الطباشير الدقيقة، تكون قد تساقطت على ملابسى السواء والعمامة واللحية ورموش العينين،

على الرغم من أن الإنسان لا يكون قد أقترب بيده المبيضة بالطباشير إلى شئ مما ذكرت... لكن الإنسان دون أن يحس أو يشعر تغطيه ذرات الطباشير البيضاء!!... هكذا أيضاً من يتواجد فى وسط شرير، فإنه سيتأثر بالشر دون أن يحس... ولا يحاول أحد أن يغالط نفسه مدعياً خلاف ذلك. فهذه خبرتنا فى الحياة العملية.

مثال آخر للتدليل على صدق ما نقول الإنسان الذى يسير على قدميه فى طريق مُتْربة، لابد وأن تتغطى ساقاه بذرات التراب، على الرغم من أنهما مغطيان بشراب سميك وثياب أخرى... إن من يطلب إنساناً على خلق من بين عشرة الأشرار، كمن يطلب ناراً فى ماء، أو ثماراً فى شوك.

ومن الأمور المسلّم بها أن اخلاقيات الانسان يمكن معرفتها إذا عرف أصدقاؤه... لماذا؟ لأنه لا يمكن أبداً أن يجتمع ضدان كالماء والنار... يقول المثل الإنجليزى: "الطيور التى لها نفس نوع الريض تطير معاً" (الطيور على أشكالها تقع)... فلا يحدث اطلاقاً أن حماماً أو يماماً مثلاً يطير وسط الغربان والحدايات أو طيور جارحة أخرى... أفاضل الناس يتصادقون معاً، وفئات الأشرار تتجمع معاً وتكون شلل ومجموعات. فهناك جماعة السكيرين، واللصوص، والزناة، والمجرمين... إلخ... أيها الإخوة، إحترسوا لأنفسكم. فلا يوجد مرض يمكن أن يصاب الإنسان بعدواه أكثر وأسهل وأسرع من الشر!!

حينما يزور إنسان مريضاً مصاباً بمرض يسهل انتقال عدواه، فحالما تنتهى الزيارة ويعود إلى بيته، يسرع إلى غسل يديه جيداً. وقد يطهرها بالمطهرات الطبية، لأن يخشى العدوى... أما عدوى الخطية والشر، فلا يلتفت أحد إليها، ولا يأبه أحد بالاحتراس منها...

إن مداومة الاتصال بالأشرار – حتى لو لم تشاركهم اخطاءهم وسلوكهم، من شأنه أن يجعل محبتنا لله تبرد وتفتر... ومن يريد أن تظل حرارته الروحية ملتهبة، عليه أن يتواجد باستمرار وبانتظام فى الأجواء والأوساط التى تعطيه دفعات روحية... قال موسى النبى بعد الخطية التى سقط فيها قورح وداثان وإبيرآم واستهانتهم بالكهنوت: "فاعتزلوا عن خيام هؤلاء القوم البقاة. ولا تمسوا شيئاً مما لهم، لئلا تهلكون بجميع خطاياهم" (العدد 16: 26).

والله منذ البداية سلك بهذه الخطة من جهة عزل الأبرار عن الأشرار، ليُعدّ لنفسه شعباً خاصاً تتوفر فيهم صفات وقيم معينة...

فحينما يدعو الله إبراهيم فى بداية دعوته، ودعاه إلى الاعتزال عن قومه، وان يخرج من أرضه وعشيرته وبيت أبيه، بينما كان ساكناً فى أور الكلدانيين... كانت الدعوة هكذا... "أخرج من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التى اريك، فأجعلك أمة عظيمة، وأباركك وأعظم إسمك وتكون بركة. وأبارك مباركك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (تكوين 12: 1 - 3)... وواضح أن خطة الله فى اعداد إبراهيم كانت هى أن يترك الكل، وأن يسحب إبراهيم من هذا الوسط... أما النتيجة "أجعلك أمة عظيمة".

ووجهت الدعوة إلى موسى أن يخرج بالشعب من ارض مصر... ووجهت الدعوة إلى شعب إسرائيل أن يعودوا إلى أرض آبائهم. وكان سبيهم إلى بلاد غريبة راجعاً إلى إنحرافهم وتركهم عبادة الله الحى...

وقد ترددت أصداء هذه الأحداث فى العهد الجديد، فيكتب بولس الرسول إلى أهل كورنثوس موصياً "اخرجوا من بينهم واعتزلوا يقول الرب. ولا تمسوا نجساً فأقبلكم وأكون لكم أباً. وأنتم تكونون لى بنين وبنات يقول الرب القادر على كل شئ" (كورنثوس الثانية 6: 17، 18)... وحتى فى سفر الرؤيا – ذلك السفر النبوى – نجد هذا الإتجاه واضحاً وممدوحاً. فبعد أن يتكلم يوحنا عن سقوط بابل العظيمة رمز الشر يقول "ثم سمعت صوتاً آخر من السماء قائلاً: اخرجوا منها يا شعبى، لئلا تشتركوا فى خطاياهم، ولئلا تأخذوا من ضرباتها" (رؤيا 19: 4).

يقول الحكيم "لا تستصحب غضوباً. ومع رجل ساقط لا تجئ، لئلا تألف طرقه وتأخذ شركاً لنفسك" (أمثال 22: 24، 25)... "لا تدخل فى سبيل الأشرار، ولا تَسْرِ فى طريق الآثمة. تنكب عنه، لا تمرّ به. حد عنه واعبر، لأنهم لا ينامون إن لم يفعلوا سوءً. وينزع نومهم إن لم يُسقطوا أحداً. لأنهم يطعمون خبز الشر، ويشربون خمر الظلم. أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل. أما طريق الأشرار فكالظلام، لا يعلمون ما يعثرون به" (أمثال 4: 14 - 19).

يقول داود النبى والمرتل فى فاتحة مزاميره: "طوبى للرجل الذى لم يسلك فى مشورة المنافقين، وفى طريق الأشرار لم يقف، وفى مجلس المستهزئين لم يجلس. لكن فى ناموس الرب مسرته. وفى ناموسه يلهج نهاراً وليلاً. يكون الشجرة المغروسة على مجارى المياه، التى تعطى ثمرها فى حينه، وورقها لا ينتثر. ليس كذلك المنافقون – ليس كذلك – لكنهم كالبهاء الذى تذريه الريح عن وجه الأرض، وعن وجه الأرض كلها. فلهذا لا يقوم المنافقون فى الدينونة، ولا الخطاة فى مجمع الصديقين" (المزمور الأول ".

هكذا يبدأ داود ذو القلب النقى تسابيحه... ونلاحظ هنا أنه يمتدح الإنسان الذى امتنع بارادته عن ثلاثة أمور تؤدى إلى بعضها: لم يسلك – لم يقف – لم يجلس مع الخطاة والأشرار... وهنا نرى التحذير ليس عن السلوك أو المجالسة، بل عن مجرد الوقوف!! ونلاحظ أيضاً أن هذه الثلاثة غالباً ما تؤدى إلى بعضها فالسلوك قد يؤدى إلى الوقوف. وهذا يؤدى بدوره إلى الجلوس نتيجة الارتياح يقول معلمنا القديس بولس الرسول "إن كان أحد مدعواً أخاً زانياً أو طماعاً أو عابد وثن أو شتاماً أو سكيراً أو خاطفاً لا تخالطوه، ولا تؤاكلوا مثل هذا" (كورنثوس الأول 5: 11).

أيها الإخوة والأبناء...

احترسوا لأنفسكم من المعاشرات الرديئة، والخلطة السيئة...

ما أكثر الملاججة والمناقشة التى تحدث مثلاً بين إبن مستهتر ووالديه اللذين يحذرانه من الرفقة الرديئة. يقول الابن الجاهل المستهتر حينما يُحذر من مصاحبة المنحرفين "ماذا يستطيع هؤلاء أن يفعلوا بى. هل حينما أكون معهم، هل سيغصبونى على فعل الشر. أنا عارف مصلحتى كويس، ولا يمكن أن أكون مثلهم. هذه مجرد فرفشة!!"... ما أجهل وما أتعس هذا الابن الذى لا يفهم الحكمة التى اَملَت على الحكيم أن يقول "الذكى يُبصر الشر فيتوارى. الأغبياء يعبرون فيُعاقبون" (أمثال 27: 12). وهذا هو عين ما يقوله المثل الشعبى "إبعد عن الشر وغنى له"!!

وفضلاً عن الأضرار الروحية والادبية التى قد تصيب الإنسان نتيجة الرفقة الرديئة والمعاشرة السيئة، فإن مثل هذه الرفقة لن تستمر ولن تدوم، لأنها رفقة أنانية، بنيت على أساس المنفعة الشخصية... أما الرفقة والصداقة التى أساسها الله فهى ثابتة، ولا يستطيع الزمان ولا المسافات الشاسعة أن تلاشها... ولعل هذا يذكرنا بغراب نوح... فلقد اطلق نوح الغراب أول مرة، فلم يجد جيفة يأكلها عاد ثانية إلى الفلك، إذا كانت المياه تغطى كل شئ حتى قمم الجبال العالية... ثم عاد نوح واطلق الغراب ثانية فلم يَعد إليه، لأنه وجد ما يقتات به، ولم يحفظ عشرة نوح الذى عاله مائة وخمسين يوماً داخل الفلك!!...

يقول إبن سيراخ: "فى زمن الخير لا يعرف الصديق. فى أوان البلية يُعرف العدو".

إن الشجرة وهى محملة ثمراً يهرع إليها الناس يطلبون ثمرها، وحين انقطاع الثمر منها، لا احد يقصدها... نقرأ عن اورشليم أنه فى زمان عزّها ومجدها، كان جيرانها يتوددون إليها ويسألونها. ولكن بعد خرابها، تبدل كل شئ، حتى رثاها أرميا النبى بدموع غزيرة قائلاً عنها "كيف صارت كأرملة العظيمة فى الأمم السيدة فى البلدان صارت تحت الجزية. تبكى فى الليل بكاءً، ودموعها على خدّيها. ليس له مًعّزٍ من كل محبيها. كل أصحابها غدروا بها صاروا لها أعداء" (مراثى 1: 1، 2).

إن كل ما سبق من كلام كان عن أهمية الرفقة وخطورتها، سواء الرفقة الجيدة أو الرفقة السيئة... والآن ننتقل للكلام عن مَنْ هم رفقاؤنا فى الطريق إلى الله. وهذا هو بيت القصيد، الذى من أجله كان موضوع هذا المساء.

من هم رفقاؤنا فى الطريق إلى الله؟

هناك رفاق نقضى معهم مسيرة الطريق إلى الله، فنستمتع برفقتهم ونستلهم مشورتهم، ويُهونون علينا وحشة الطريق ووعورته فى بعض الأحيان... ولعل أول وأعظم رفيق هو رب المجد يسوع المسيح:

1 - السيد المسيح:

مثال من العهد القديم:

لدينا صورة باهتة أوردها كتاب العهد القديم عن الرفقة مع الله، قريبة فى زمانها من بداية الخليقة –.

تلك هى شخصية أخنوخ...

ويسجل سفر التكوين تلك الرفقة على النحو التالى: "وعاش أخنوخ خمسا وستين سنة وولد متوشالح...

وسار أخنوخ مع الله

، ولم يوجد لأن الله أخذه "(تكوين 5: 21 - 24). تعبير جميل" سار أخنوخ مع الله "... المسيح هو نعم الرفيق فى الطريق. هو الذى تنبأ عنه الحكيم قديماً بقوله.

"يوجد محب الزق من الأخ" (أمثال 18: 24).

عمانوئيل – الله معنا:

من البداية، والسيد المسيح له المجد يُعلن عن هذه الرغبة – أن يرافقنا فى طريقنا... وقد عبّر عن ذلك بالاسم الذى اتخذه لنفسه "عمانوئيل" – ومعنى هذا الإسم (الله معنا)... لقد اختار هذا الاسم ليعبرعن رغبته فى أن يكون معنا. وهو بالفعل معنا، لكننا فى بعض الأحيان لا نحس بوجوده معنا، لأننا فى ذلك الوقت لا نكون معه... "إن عدم أمانتنا لا تبطل أمانة الله. بل إن كنا غير امناء فهو وحده يبقى أميناً إلى النهاية لن ينكر نفسه" (رومية 3)... إن ربنا يسوع المسيح يريد أن يرافقنا فى طريقنا، إن أردنا نحن!!...

تعجبنى الترنيمة التى مطلعها:

يا ترى أى صديق

مثل فادينا الحبيب

يحمل الأثقال عنا

وكذا الإثمّ المُذيب

نعم هو صديق، بل أفضل من كل الأصدقاء. ألم يخاطب تلاميذه فى بعض الأحيان بقوله "يا أصدقائى"؟

إن محبة المسيح العجيبة والمُفرطة نزعت عنا كل خوف... انظروا إلى ما حدث قديماً وقارنوه بما حدث فى ملء الزمان فى العهد الجديد، لتعلموا كيف أن محبة الله هى بالحقيقة فائقة المعرفة... لقد حلّ الله بمجده فوق جبل سيناء فى زمان موسى حينما أراد أن يكلم شعب إسرائيل. وكان الجبل يُدخن لأن الله نار آكلة. وكان المنظر مُخيفاً جداً. وقد عبر بولس الرسول عن ذلك بلسانه البليغ وهو يعقد المقارنة بين العهد القديم والعهد الجديد فقال "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار. إلى ضباب وظلام وزوبعة، وهتاف بوق وصوت كلمات، استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة. لأنهم لم يحتملوا ما أمر به، وان مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمى بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد. بل قد اتيتم إلى جبل صهيون، وإلى مدينة الله الحى أورشليم السماوية، إلى ربوات هم محفل ملائكة. وكنيسة أبكار مكتوبين فى السموات، وإلى الله ديّان الجميع، وإلى أرواح أبرار مكملين، وإلى وسيط العهد الجديد يسوع، وإلى دم رشّ يتكلم أفضل من هابيل" (عبرانيين 12: 18 - 24).

وأود أن اعلق بكلمة بسيطة على الفقرة الأخيرة التى جاءت فى كلام الرسول بولس "بل قد أتيتم... إلى وسيط العهد الجديد يسوع، إلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل"... ماذا يعنى الرسول بأن دم المسيح المرشوش يتكلم أفضل من هابيل؟ كان دم هابيل يصرخ طالباً الانتقام من قايين. هكذا قال الله لقايين حين حاول إنكار قتله لأخيه "دم أخيك هابيل صارخ إلىَّ من الأرض"... أما دم المسيح فكان يصرخ على الصليب طالباً الغفران "اغفر لهم يا أبتاه، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون"... هذه هى محبة المسيح الغامرة الغافرة... لقد كانت آخر كلماته قبيل صعوده إلى السماء: "ها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر" (متى 28: 20)... "أنا معكم"... فعلى الرغم من ارتفاعه إلى السماء، وعدم رؤيتنا له فى الجسد، لكنه معنا... إنه معنا دائماً، لأنه "عمانوئيل – الله معنا"...

خذوه إذن أيها الأخوة معكم فى طريقكم... ضعوا أيديكم فى يده... هناك اختبار أو تدريب لطيف... تخيل يدك دائماً فى يد المسيح. وحاول أن تتحسسها فى كل عمل تعمله، وفى كل طريق تسلكه... فإذا احسست أن يد المسيح المبارك مازالت فى يدك، فثق أن هذا العمل الذى تعمله، والطريق الذى تسلكه جيد ومقبول من الرب... أما إذا احسست أن المسيح سحب يده من يدك، فاعلم أنه لا يرضى على ما تعلمه، وإنه يأبى السير معك فى ذلك الطريق.

مثال من العهد الجديد:

ليدينا نموذج لرفقة السيد المسيح فى الطريق هو الخاص بتلميذى عمواس الذى أورده القديس لوقا فى بشارته، يقول "وإذا إثنان منهم (التلاميذ) كانا منطلقين فى ذلك اليوم إلى قرية بعيدة عن أورشليم ستين غلوة اسمها عمواس. وكانا يتكلمان بعضهما مع بعض عن جميع هذه الحوادث. وفيما هما يتكلمان وتيحاوران اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشى معهما. ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته. فقال لهما ما هذا الكلام الذى تتطارحان وانتما ماشيان عابسين"... وانتهى الأمر بدخوله معهما إلى المنزل فى قريتهما... "واتكأ معهما، وأخذ خبزاً وبارك وكسر وناولهما. فانفتحت اعينهما وعرفاه، ثم اختفى عنهما. فقال بعضهما لبعض ألم يكن قلبنا ملتهباً فينا إذ كان يكلمنا فى الطريق ويوضح لنا الكتب" (لوقا 24: 13 - 32).

أنظروا أيها الأخوة وتأملوا ما قد كُتب عمن يسير الرب يسوع معه ويرافقه فى الطريق: "ألم يكن قلبنا مُلتهباً فينا، إذ كان يكلمنا فى الطريق"... واهمس فى آذانكم وأقول لكم احترسوا لئلا يكون المسيح يسير معكم فى الطريق ولا تعرفونه لأن عيونكم تكون قد امسكت عن معرفته... لتكن أفكارك فى السماويات أينما تسيرون متوقعين رفقة الرب لكم أينما كنت تسيرون، وحيثما تخلّون...

إن كنا قد تكلمنا عن نموذج لرفقة المسيح فى الطريق وبركاتها، فأرجو ألا نأخذ الأمر بخفة وسذاجة، ونظن أن الطريق هو الشارع الذى نسير فيه... لست أقصد هذا، بل أقصد الحياة كلها... كل فى مكانه وعمله وموضعه ووضعه... السيدة فى بيتها وهى تؤدى عملها، ليكن عقلها منشغل بالإلهيات... الطلبة وهم يدرسون دراساتهم فى قاعات الدرس، يستطيعون أن يكونوا منشغلين بمحبة الله بقلوبهم دون أن يُعطلهم ذلك عن دراساتهم... الموظف وهو يؤدى عمله، العامل وهو يعمل عمله، الفلاح وسط حقه، التاجر وهو يمارس تجارته... ليتنا نعيش هذا الاختبار العميق الجميل...

إن اعتراضنا صعاب أو ضيقات فى الطريق، فستكون سهلة هيّنة طالما هو سائر معنا... ولنا فى ذلك تعزية من الثلاثة فتية القديسين الذى القاهم نبوخذ نصر بابل فى أتون نارٍ، بعد أن أمر بتحميته سبعة أضعاف... فالأشخاص الذين ألقوا هؤلاء الفتية اصابتهم النار. أما الثلاثة فتية فكانت نار الأتون برداً وسلاماً عليهم... كان الفتية مقيدين، فأحرقت النار قيودهم وحلّتهم منها. فأخذ الفتية يتمشون وسط النار كما لو كانوا فى نزهة ممتعة. والسر فى كل ذلك فكان فى ذلك الرابع الذى شوهد معهم وسط نار الأتون، وكان شبهاً بابن الآلهة (دانيال 3)... أيها الأخوة، نحن بحاجة ماسة فى هذه الأيام – وسط أتون العالم – إلى هذا الرابع الذى رآه نبوخذنصر... نحن بحاجة إلى مسيحنا يرافقنا ويشجعنا... ذاك الذى كان مع دانيال فى جب الأسود (دانيال 14)، ومع يونان فى جوف الحوت، ومع آبائنا القديسين فى وحدتهم. وسط البرارى والجبال وشقوق الأرض من أجل عظم محبتهم له...

2 - الروح القدس:

الرفيق الثانى فى طريقنا إلى الله هو الروح القدس، بعد أن صرنا فى المسيح وبه هيكلاً مقدساً لله الحىّ "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله. لأن هيكل الله مقدس الذى أنتم هو" (كورنثوس الأولى 3: 16، 17)... والروح القدس كما تعلمون هو ما وعدنا به رب المجد يسوع أنه يمكث معنا إلى الأبد، وأنه يعرفنا كل الحق، ويعلمنا كل شئ، ويذكرنا بكل ما قاله لنا (يوحنا 14: 15 - 17، 26).

يقول المثل الدارج "الغريب أعمى ولو كان بصيراً"... فما أحوجنا ونحن فى غربة هذا العالم إلى من يقودنا ويرشدنا!!... إن هذا هو عمل الروح القدس فى الإنسان المؤمن... لقد سلمنا الرب يسوع للروح القدس ليجدّد طبيعتنا ويعمل فينا ويرشدنا وذكّرنا (يوحنا 16، 12، 13)... ونحن بحاجة إلى روح الله القدوس الباركليت (المعزى). فما أكثر الضيقات والمصاعب التى نتعرض لها فى طريق غربتنا... لكن لنذكر أن روح الله الذى أخذناه مجاناً، لا تكون له فاعلية فينا، إلاّ إذا عشنا حياة الطاعة له فلا نطفئه ولا نحزنه بخطايانا وعنادنا، وعدم انصياعنا لتبكيته لنا عن إنحرافنا عن طريق الله...

3 - الضمير:

رفيق آخر فى الطريق هو الضمير... فى عظة السيد المسيح على الجبل يقول "كن مراضياً لخصمك سريعاً مادمت معه فى الطريق. لئلا يُسلّمك الخصم إلى القاضى. ويُسلّمك القاضى إلى الشرطى فتلقى فى السجن. الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفى الفلس الأخير" (متى 5: 25، 26)... ويفسر آباء الكنيسة معلموها الخصم على أنه ضمير الإنسان. ولقد شبهه المسيح بالخصم لأنه يختصم الإنسان كلما أراد أن يعمل عملاً لا يرضى الله. لكنه لا يظل إلى النهاية يختصمنى، ويقف أمامى معانداً، لأنى بكثرة رفضى لمشوراته وتحذيراته، يضعف صوته ويخفت فى أذنى... ويظل الأمر يسير من سئ إلى أسوأ حتى يصاب الإنسان بالصمم الروحى، فلا يسمع صوت الضمير كلية!! والمقصود بالطريق فى كلام السيد المسيح السابق، حياة الإنسان الأرضية. أما القاضى فهو المسيح له المجد، والشرطى يقصد بهم الملائكة، والسجن يُكنى به عن الأبدية الرهيبة إن كان الإنسان شريراً... وقوله "الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفى الفلس الأخير"... يقصد بالفلس أقل الخطايا حيث أن الفلس أصغر عمله عند اليهود. ولا يقصد المسيح أنك حينما توفى الفلس الأخير تخرج من السجن. فحتى هناك لا تفيد ذلك... وهناك أمثلة عديدة من الكتاب المقدس تؤدى ذلك. يقول "لم تَلد ميكال حتى ماتت". وليس من المعقول أنها ولدت بعد موتها. وقوله فى قصة الطوفان "لم يعد الغراب إلى الفلك حتى جفت المياه" (تكوين 8: 7). فلم يحدث أن الغراب بعد جفاف الطوفان، عاد ثانية إلى فلك نوح!! أقول هذا الكلام تحوّطاً، لئلا يسئ البعض فهم الكلام، فيظن أن هناك عذاباً لبعض الوقت بالنسبة للخطاة، بعده يفرج عنهم وينعمون بالنعيم الأبدى!!

4 - الخلائق الروحية السمائية:

ويقصد بهم الملائكة... ونكتفى بالكلام هنا عن الملائكة الحراس... تعلّم كنيستنا أن لكل واحد منا ملاكاً حارساً، وهو نفس معتقد اليهود قديماً... يقول السيد المسيح "انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار، لأنى أقول لكم إن ملائكتهم فى السموات كل حين ينظرون وجه أبى الذى فى السموات" (متى 18: 10)...

وفى قصة سجن بطرس الرسول، وخروجه من السجن بواسطة ملاك الرب ليلاً،

يقول كاتب سفر أعمال الرسل "أن بطرس قصد علّية صهيون حيث كان كثيرون مجتمعين يصلون لأجله. فلما قرع الباب سمعته جارية إسمها رودا، لكنها لم تفتح الباب من الفرح: بل ركضت إلى المجتمعين واخبرتهم أن بطرس واقف قدام الباب. لكنهم لم يصدقوا الجارية وقالوا أنه ملاكه" (أعمال الرسل 12: 12 - 15).

وفى كلام معلمنا بولس الرسول ما يؤيد هذا المعتقد من جهة عمل الملائكة... يقول عنهم "اليس جميعهم أرواحاً خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عبرانيين 1: 14).

إن الملائكة هم الذين يحملون ارواح البشر حينما تنفصل عن أجسادهم... وفى مثل الغنى ولعازر الذى قدمه السيد المسيح يقول "مات المسكين (لعازر) وحملته الملائكة. إلى حضن إبراهيم" (لوقا 16: 22)...

هناك أنواع ورتب كثيرة من الملائكة والسمائيين يمكن أن نطلب معونتهم ورفقتهم. والله نفسه يحرضنا ويشجعنا على ذلك... "ملاك الله حال حول خائفيه وينجيهم" (مزمور 34: 7)... "لأنه يوصى ملائكته بك ليحفظوك فى سائر طرقك" (مزمور 91: 11). لكن يكفينا هنا أن نفكر فى رفقة ملاكنا الحارس فى الطريق المقدس إلى الله...

5 - الشهداء والقديسين:

وهؤلاء هم نعم الرفاق فى الطريق الروحى...

إن كنيسة المسيح هى كنيسة القديسين سواء الذين إنتقلوا أم الذين مازالوا يجاهدون على الأرض... والقديسون الذين رحلوا عنا بالجسد، لم يتوقف عملهم... ليس هناك كنيستان كما يحلو للبعض أن يصوروا: كنيسة منتصرة فى السماء، وكنيسة مجاهدة على الأرض... إنها كنيسة واحدة، رحل بعض أعضاؤها، ومازال البعض الآخر على الأرض يجاهدون...

إن قصص الشهداء والمعترفين الذين عذبوا لأجل إيمانهم المسيحى حافلة بالرؤى التى كانت تعلن لهم... نقرأ أن قديسين كثيرين كانوا يظهرون لهم يشجعونهم على إحتمال الآلام. وفى كتاب "الاستشهاد فى المسيحية" قدمنا أمثلة لما نقول... ومعلمنا القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين، بعد أن استعرض قائمة طويلة من أبطال الإيمان فى العهد القديم يقول: "إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا" (عبرانيين 12: 1)... ماذا يفعل هؤلاء الذين يؤلفون سحابة الشهود...؟ إنهم يتوقون إلى خلاصنا لذا فهم يشجعوننا بطرق عديدة، بعضها نحس به، والبعض الآخر لا نحس به... وطوبى للإنسان الذى يتصادق مع القديسين بمعرفة سيرهم والاقتداء بها، وعمل تماجيد لهم خاصة فى تذكار أعيادهم. ولقد كان اجدادنا واسلافنا وآباؤنا حريصين على هذه المناسبات.

وفى طقس كنيستنا ما يُجَسّد أمامنا هذا المعتقد... ففى ذكصولوجية (تمجيد) باكر، التى ترتل عقب مزامير باكر وقبل رفع البخور، رتبت الكنيسة سلاماً لقديسين كثيرين... تقول:

نسجد للآب والإبن والروح القدس، السلام للكنيسة بيت الملائكة.

السلام للعذراء التى ولدت مخلصنا. السلام لغبريال الذى بشرها.

السلام لميخائيل رئيس الملائكة. السلام للأربعة وعشرين قسيساً.

السلام للشاروبيم. السلام للسارافيم. السلام لجميع الطغمات السمائية.

السلام ليوحنا السابق العظيم. السلام للإثنى عشر رسولاً.

السلام لأبينا مرقس الإنجيلى، مبدّد الأوثان.

السلام لاستفانوس أول الشهداء. السلام لجورجيوس كوكب الصبح.

السلاح لجميع صفوف الشهداء. السلام لأنبا أنطونيوس والثلاثة مقارات.

السلام لجميع صفوف لباس الصليب. السلام لجميع القديسين الذين أرضوا الرب.

أيها المسيح ملكنا. بصلواتهم اصنع معنا رحمة فى ملكوتك.

إن هذه الذكصولوجية إعلان عن إيمان كنيستنا بأن هؤلاء القديسين والشهداء أحياء، ولذا فنحن نهديهم السلام، شاعرين أنهم معنا يملأون بيت الله... إن هذه الذكصولوجية بترتيبها الطقسى تحمل معنى رائعاً... إنها أول عمل تعمله فى الصباح. وكأننا نقول لقد كنا نائمين أثناء الليل. وها ان النهار قد أصبح علينا، لذا فنحن بذلك كمن يقول لهم صباح الخير... إن هذه الذكصولوجية بترتيبها إنما هى تعبير عن الصلة العميقة التى تود الكنيسة أن تكون لنا مع القديسين...

الشهداء والقديسون خير معين للإنسان

. ولا تصدقوا محاولات التشكيك من غير أبناء الكنيسة، التى يحاولون بها تشكيك البسطاء وغير الدارسين فى فعالية الالتجاء للقديسين وطلب شفاعتهم... فما زالت المعجزات تحدث كل يوم على إسم قديسين كثيرين، وعلى رأسهم العذراء أم النور مريم.

لقد تمسكت كنيستنا دائماً بالقديسين والشهداء وتصادفت معهم ولها جيش غير منظور منهم، يدافعون عنها ويحمون تراثها... لقد تشربت الأرض بدماء الشهداء فنبتت شجرة الإيمان وترعرعت... ونحن الآن نستظل ونستفيد من قطوفها الرانية وثمارها الحلوة.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

مصاعب الطريق

مؤونة الطريق

المحتويات
المحتويات