لماذا الطريق إلى الله؟

تقديم

يقول الرب يسوع المسيح "وتعلمون الطريق" (إنجيل يوحنا 14: 4).

من الأمور التى يجب أن نعرفها، أن.

حياة الإنسان المؤمن فى العالم، هى رحلة أو مسيرة نحو الله...

والحياة مع الله سهلة وحلوة "نيرى هيّن وحملى خفيف" (إنجيل متى 11: 30)... لكن الأمر يتطلب أن يعرف الإنسان السائر فى الطريق نحو الله معالم هذا الطريق من جهة السهولة أو الصعوبة والعقبات التى سوف تصادفه، والمشجعات التى سوف تدفعه لمزيد من السير والتقدمات، وعينات البشر وغير البشر الذين سوف يتعامل معهم أو يتصدّون له فى هذا الطريق... إلخ...

إن قلنا إن الطريق إلى الله سهلة وحلوة، فيجب أن نعترف بصعوبات الطريق وخداعاته. يقول سليمان الحكيم "توجد طريق تظهر لفنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت" (أمثال 14: 12). ولذا فهو يمتدح من يفهم حقيقة الطريق.

"حكمة الذكى فهم طريقه" (أمثال 14: 8)

بهذا نفهم كلمات داود النبى وهو يتوسل إلى الله ويقول.

"علّمنى يا رب طريقك... سهّل أمامى طريقك" (مزمور 27: 11؛ 5: 8).

إن قلنا إن الله يرافقنا فى الطريق لكنه فى بعض الأحيان يتخلّى عنا تخلية وقتية، حتى ما يشتد عودنا، وتزداد صلابتنا أو يكون ذلك سبباً فى تزكية إيماننا... ومن المفيد بل من اللازم أن يعرف الإنسان كل ما يمكن معرفته عن هذا الطريق حتى لا نقع فى فخاخ إبليس التى ينصبها لنا... فالقديسون أنفسهم لم يسلموا من هذه الفخاخ... وحسناً قال القديس بولس الرسول "ولا عجب، لأن الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور" (كورنثوس الثانية 11: 14)... ويضيف إلى ذلك قوله "لئلا يطمع فينا الشيطان لأننا لا نجهل أفكاره (حيله)" (كورنثوس الثانية 2: 11). ولا شك أن معرفة معالم هذا الطريق تجنّب الإنسان كثيراً من المعاثر والمعاطب.

وهذا الكتاب الذى نقدمه لك أيها الإبن المبارك والأخ الحبيب يسير معك خطوة خطوة ويشرح لك معالم هذا الطريق...

إنه يكلمك أولاً عن "لماذا الطريق إلى الله". ثم يشرح لك كيف نُعد لرحلة هذا الطريق... وإذا كان المثل يقول الرفيق قبل الطريق، فإنه يشير عليك بالعينات الصالحة لرفاق هذا الطريق... بعد ذلك يشرح لك باسهاب مصاعب الطريق. لكنه فى نفس الوقت – وحتى لا تقع فى صغر النفس – يحدثك عن مشجعات الطريق... أخيراً يصل بك الكتاب إلى نهاية الرحلة أو خاتمة الطريق ويعطيها عنواناً "هتاف النصرة أكملت السعى" وعلى هذا فإن هذا الكتاب هو خير رفيق وخير عون لك فى رحلة حياتك القصيرة على هذه الأرض.

مادة هذا الكتاب القيت فى سبع عظات فى الصوم الأربعينى المقدس سنة 1977 فى مدينتى طنطا والمحلة الكبرى.

وكان من المفروض أن يظهر هذا الكتاب قبل كتاب "إيماننا الأقدس" الذى ظهر أواخر سنة 1978، وكتاب "كتابنا المقدس ومسيحنا القدوس" الذى ظهر أوائل سنة 1980، وكذلك قبل كتاب "مسيحنا فوق الزمان" الذى ظهر أواخر سنة 1981 لكننا اضطررنا وقتها إلى الاسراع فى إصدار هذه الكتب الثلاثة لدواع إيمانية ملحّة لا تقبل التأجيل، مُفَضَلين إياها فى وقتها عن كتاب "معالم الطريق إلى الله" الذى يعالج موضوعاً روحياً...

إنى أقدم الشكر لله الذى أعاننى على ظهور هذا الكتاب الآن. فلقد قمت بتنقيح مادته وانا باحدى المستشفيات بمدينة تيبنجن بالمانيا الاتحادية خلال شهر سبتمبر سنة 1980. وبعد ذلك توالت ظروف الكنيسة الصعبة ابتداء من سنة 1981، والتى عاقتنى عن التفرغ لإصدار أى كتاب...

ونحن نصلى إلى الله من أجل سلام وبنيان كنيستنا المقدسة، ونطلب من إلهنا السلامة والعافية لرئيس رؤساء كهنتنا قداسة البابا شنوده الثالث...

يسعدنى أن أقدم هذا الكتاب إلى أبناء كنيستى وأبناء ايبارشيتى الذين أنامدين لهم بالحب والتشجيع... أقدمه لكل مسيحى يجاهد من أجل الوصول إلى الله ويشعر أن غربته فى العالم قد طالت عليه... واطلب صلوات كل قارئ لهذا الكتاب عن ضعفى، ليهبنى القوة والعون وصحة الروح والجسد حتى ما أكمل رحلة الغربة، ونكون مستحقين فى النهاية لمشاركة القديس بولس الرسول هتاف النصرة الذى اطلقه "أكملت السعى"...

وإنى أضع هذا الكتاب بين يدى من احبنا وفدانا، ليجعله سبب بركة لكل من يقرأه.

وإلهنا المبارك الذى دعانا لمجده الأبدى فى المسيح يسوع يحفظ كنيسته وشعبه ويهبنا وحدانية القلب الذى للمحبة، ويحفظنا جميعاً فى إيمانه بلا لوم ولا عثرة لحين ظهوره... له كل المجد والكرامة والسجود إلى الأبد آمين،.

يوأنس.

بنعمة الله أسقف الغربية.

22 من يونية سنة 1984م تذكار تكريس كنيسة.

15 من بؤونة سنة 1700ش الشهيد مارمينا العجائبى.

لماذا الطريق إلى الله؟

لماذا الطريق إلى الله؟

ربما بدت الإجابة على هذا السؤال سهلة هينة قصيرة... وهى بالفعل هكذا. لماذا يسير الإنسان ويحيا مع الله؟... ولكن كلما بسطنا الموضوع وتعمقنا فيه، وكلما تأملنا تفصيلاته ودقائقه، كلما استبانت لنا الحقائق المعزية. وكلما كشف لنا روح الله معان سامية، بها تشبع نفوسنا، وتمتلئ قلوبنا تعزية ورجاء...

فلماذا الطريق إلى الله إذن؟

أولاً - لأنه الطريق الذى يتمشىّ مع طبيعة الإنسان وتكوينه:

لعل أول نقطة تأتى كإجابة على هذا السؤال، أن الطريق إلى الله هو الطريق الذى يتمشى مع طبيعة تكوين الإنسان... لا تظنوا يا أحبائى أن الإنسان البعيد عن الله هو إنسان سعيد. لقد كذب من يدعى هذا الإدعاء، حتى لو ملأ مثل هذا الإنسان – الذى يحيا بعيداً عن الله – الجو المحيط به تهريجاً ومزاحاً ومرحاً... والحقيقة انه إنما يفعل ذلك، لكى ما يخفى حزناً وكآبة وألماً وضيقاً يعتمل فى نفسه.

أ - ازدواج طبيعة الإنسان:

نرجع للإنسان فى بدء خلقته... فبحسب التفصيلات التى أوردها سفر التكوين فى قصة الخلق، نرى أن الإنسان بحسب تكوينه، فيه ازدواج فى طبيعته... فالإنسان ليس روحاً خالصاً، وليس جسداً خالصاً. لكنه يتكون من جوهرين أو عنصرين متحدين ببعضهما، هما الروح والجسد... وكما يحدثنا الرسول بولس: "لن الجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر، حتى تفعلون ما لا تريدون" (غلاطية 5: 17)... الروح الذى فى كل إنسان هو جوهر سماوى، أما الجسد فهو جوهر ترابى... هكذا تقول قصة الخلق: "وجبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض. ونفخ فى أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حيّة. وغرس الرب الإله جنة فى عدن شرق. ووضع هناك آدم الذى جبله... وأخذ الرب الإله آدم، ووضعه فى جنة عدن ليعملها ويحفظها" (تكوين 2: 7، 8، 15)... هذه هى طبيعة الإنسان، الذى أوجده الله من العدم.

النقطة الثانية التى تتضح من قصة الخلق والسقوط، أن انفصال الإنسان عن الله بالخطية وبالمعصية يقوده إلى العدم... هكذا كان حكم الله على آدم بعد أن أخطأ وسقط: "بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التى أُخذت منها. لأنك تراب وإلى التراب تعود" (تكوين 3: 19). هذه هو الجسد...

أما بالنسبة للروح

فكما قلنا إنها جوهر سماوى... صلتها بالله، وكل أشواقها ورجائها فيه... وهكذا يا أحبائى، فإن الإنسان من عمق أعماقه يُحس بارتباط روحه بالله، واشتياقها إلى السير معه، بل إلى الاتحاد به... لا يوجد انسان أبداً مهما بلغ من الشر، لا يود الحياة مع الله حياة طيبة. إنما المشكلة بالنسبة للإنسان الشرير، أو الخاطئ أنه قيّد نفسه بقيود، يحسّ أنه عاجز عن التحرّر منها. نحن نعرف أناساً يبكون بالدموع لوعة وأسى... يريدون أن يعيشوا مع الله، لكنهم يجدون أنفسهم غير قادرين... وعدم قدرتهم لا ترجع إلى الله وأنه يرفضهم ولا يريدهم... حاشا لله.

إنه يريد أن جميع الناس يخلصون...

إنه يدعو الكل... يدعو كل التعابى وثقيلى الأحمال لكى يريحهم... لكن توجد ثغرات وأسباب فى حياة أمثال هؤلاء لا مجال للخوض فيها الآن.

الإنسان البعيد عن الله، الذى يشاهد دائماً ضاحكاً ويرسل النكات، تأتى عليه أوقات يثور فيها ضميره ويبكى... نقرأ عن بعض المجرمين المتهمين بجرائم بشعة كالقتل، والصادر ضدهم احكام بالسجن المؤبد مثلاً – بعد أن يظل الواحد منهم مختفياً سنوات عديدة، ويفشل رجال الشرطة فى القبض عليه – نرى مثل هذا الإنسان يذهب ويقدم ذاته للشرطة من تلقاء ذاته معترفاً بجريمته... ألم يحدث ذلك؟ نعم لقد حدث، وقرأنا عن أمثال ذلك فى الجرائد السيّارة... وتعليل ذلك أن الإنسان بطبيعته – طبيعة الروح الذى فيه – يشتاق إلى الله والحياة معه، وأن الشر دخيل على طبيعته.

ولأن الله استودع الإنسان مثل هذه المشاعر والرغبات الباطنية، نجد فى نفس قصة سقوط الإنسان الأول أن الله يمهد له الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه... يقول الله لآدم "أين أنت"؟... عجباً ألا تعرف يا رب أين آدم؟! بالتأكيد الله يعرف. إذن فما معنى السؤال؟... معنى السؤال ومغزاه، أن الله يقوده إلى الاعتراف بخطئه... لكن آدم التوى ولم يكن صريحاًن وكان جوابه: "سمعت صوتك فى الجنة فخشيت، لأنى عريان فاختبأت" وما الذى اعلمك أنك عريان. هل أكلت من الشجرة التى قلت لك لا تأكل منها؟ وحتى هذه اللحظة نرى.

الله يمهد لآدم سبيل الاعتراف بالخطأ الذى هو غريب عن طبيعته...

قال له "المرأة التى أعطيتنى"... وهنا بدأ الإنسان ينسب الخطأ لله، طالما أنه هو الذى أعطاه المرأة، وهى التى قادته للخطأ!! وبعد ذلك كان الحكم المعروف الذى صدر من الله.

ونفس الملاحظة نجدها فى قصة قايين وهابيل...

فبعد أن قتل قايين أخاه هابيل، نجد الله يسأل قايين عن أخيه "أين هابيل أخوك؟"... وهنا أيضاً ألا يعرف الله أن قايين قد قتل هابيل؟!... لكن قايين يلتوى ويتجه اتجاهاً مخالفاً لطبيعته. هذه الطبيعة التى خلقها الله على صورته تريد أن تتقيأ الشر. لكن إجابة قايين تأتى ملتوية متجاهلة الأمر، فيقول لله "لا أعلم أحارس أنا على أخى؟". والمعنى "هل أقمتنى أنت حارساً على أخى؟" فيبدأ الله يكشف لقايين كذه والتواءه "صوت دم أخيك صارخ إلىَّ من الأرض" والله الذى كان يعرف ما فعله قايين بأخيه، كان يمهد له سبيل الاعتراف والندم والتوبة... وأخيراً أسقط فى يد قايين وانهار أمام الله، بعد أن كشف له جريمته. وسوف نرى بعد قليل نوعية العقوبة التى وضعها الله على قايين (تكوين 4: 8 - 15).

فالإنسان أيها الأخوة بطبيعته، من عمق أعماق يريد أن يعيش مع الله.

لكنه يجد نفسه عاجزاً، غير قادر أن يفعل شيئاً، خاصة بعد أن فسدت طبيعته جداً... هل ممكن أن الله فى هذه الحالة يعمل؟

سوف نرى... واسمحوا لى أن أتوقف عند هذه النقطة قليلاً، بل استطرد...

حينما يمرض إنسان وتسوء حالته الصحية وتتدهور، وتصل إلى مرحلة الخطر، وتكون العلة قد استفحلت، والصحة قد استهلكت، ينصح الأطباء فى هذه الحالة بنقل دم لهذا المريض وبهذه الوسيلة يمكن إنقاذه، وتعود إليه الحياة ثانية. على أنه يتحتم أن الدم الذى يُنقلَ إليه، يكون من نفس فصيلة دم هذا المريض دم من فصيلة أخرى تخالف فصيلة دمه، تحدث صدمة وكارثة. وينتهى أمر هذا المريض بموت محقق...

إن هذا هو عين ما عمله المسيح لإنقاذ البشرية كلها!!

المسيح حينما اتحد بطبيعتنا، كانت هذه الطبيعة مهلهلة وفاسدة فساداً كلياً "الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد" (رومية 3: 12)... "فإنى أعلم أنه ليس ساكن فىَّ أى فى جسدى شئ صالح. لأن الإرادة حاضرة عندى، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذى أريده، بل الشر الذى لست أريده فإياه أفعل... ويحى أنا الإنسان الشقى. من ينقذنى من جسد هذا الموت" (رومية 7: 18 - 24)... هذا تصوير لحال الإنسان، بل البشرية كلها قبل المسيح... ويقول معلمنا بولس إلى أهل غلاطية: "لما جاء ملء الزمان أرسل الله إبنه مولوداً من إمرأة، مولوداً تحت الناموس، ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى" (غلاطية 4: 4، 5)... ومعنى "ملء الزمان" بالنسبة لفداء الإنسان، أن الإنسان بالنسبة لطبيعته وصل إلى حالة ملء الفساد أو ذروة الفساد أو كمال الفساد... الإنسان مضروب بالفساد من هامة الرأس إلى اخمص القدمين كما يقولون... لا يوجد شئ سليم فى الإنسان العقل والفكر، القلب والعواطف، الجسد والنفس... وبات الأمر يتطلب علاجاً سريعاً ينقذ هذا الإنسان المسكين المشرف على الموت الرحى، بل الذى كان ميتاً روحياً بالفعل.

إنقاذ الإنسان كان يتطلب عملية نقل دم أو نقل حياة، فالحياة هى فى الدم (تثنية 12: 23)...

كان لابد أن المسيح يتحد بطبيعتنا، لكى ما يردّ إلينا الحياة...

وهذا ما تم فعلاً بالتجسد، حينما أخذ الأقنوم الثانى فى الثالوثا القدوس جسداً بشرياً من العذراء مريم، وجعله واحداً مع لاهوته... لكن رغم ذلك، فالإنسان مازال من حين إلى حين يخطئ وينحرف. والخطية تجلب معها الموت: "بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم. وبالخطية الموت" (رومية 5: 12)... "أجرة الخطية هى موت" (رومية 6: 23)... وهكذا نحتاج من حين إلى حين عملية نقل دم. وهذا ما يحدث فى سر الافخارستيا... فذبيحة الافخارستيا غير الدموية، هى امتداد لذبيحة الصليب... ونحن نأخذ دماً من الكأس التى على المذبح... ألم يقل المسيح له المجد "من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىَّ وأنا فيه... من يأكلنى فهو يحيا بى" (يوحنا 6: 56، 57)... أيها الأخوة؛ إن حياتنا تتجدد بنقل دم المسيح إليها!! من أجل هذا، فإن الذين يحجمون عن التناول المقدس من الافخارستيا يحرمون أنفسهم من سر الحياة ألم يقل رب المجد يسوع بصيغة التأكيد: "الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد إبن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم" (يوحنا 6: 53)... إنه تجديد مستمر لطبيعتنا، وعملية نقل دم مستمرة، به نتشدد ونسترد صحتنا الروحية.

فى كل مرة نتناول الافخارستيا، نحن بحاجة إلى التفكير والتأمل: دم من هذا الذى نتناوله؟ إنه دم المسيح ابن الله المعلن منذ تأسيس العالم... أقول إننا بحاجة إلى التفكير والتأمل لأن آفة الحياة الروحية هى الروتين. والحذر لئلا يتحول هذا السر – سر الحياة – إلى مجرد ممارسة!! أنا لا أتكلم عن هذا الأمر عقيدياً، ولكن كخبرة روحية عاشها القديسون وأشكر الله الذى أهلنا أن نتذوق نذراً يسيراً منها... إن الألفاظ تعجز عن التعبير عن مدى السلام والفرح والقوة، التى يشعر بها الإنسان فى كل مرة يتناول من هذا السر... إننا به نواجه أعداءنا الروحيين.

"هيأت قدامى مائدة تجاه مضايقى" (مزمور 23: 5)..

. وقد فسر آباء الكنيسة الروحيون هذه المائدة على انها مائدة الافخارستيا تجاه مضايقينا!!

الإنسان من عمق أعماقه تُحس روحه بارتباطها بالله وتشتاق إلى الحياة معه، بل إلى الاتحاد به... نقول الاتحاد بالله وليس مجرد السير معه... ومعنى الاتحاد اننا نصير واحداً معه... هذا هو ما عمله مخلصنا الصالح بتدبير الفداء العجيب، الذى أكمله فى ملء الزمان من أجل خلاص كل العالم... واكرر ثانية التعبير: الاتحاد بالله وليس السير معه هذا هوعمق المسيحية وسر سموها... لقد صار الإله إنساناص (ابن الإنسان)، حتى يرفع الإنسان من سقطته، ليجعله شريكاً للطبيعة الإلهية (رسالة بطرس الثانية 1: 4)... هذا المعنى أورده القديس اغريغوريوس اللاهوتى فى قداسه: "باركت طبيعتى فيك". وهو عين ما تقوله كنيستنا المقدسة فى تسبحة يوم الجمعة "الثيؤتوكية": "هو أخذ الذى لنا. وأعطانا الذى له. نسبحه ونمجده ونزيده علواً"...

ب - مشاعر الغربة فى القديسين:

قلنا إن الطريق إلى الله هو الطريق الذى يتمشى مع طبيعة الإنسان وتكوينه... لذا إذا تتبعنا تاريخ الجنس البشرى منذ القديم، نجد أن كل رجال الله القديسين أحسوا أنهم طالما يعيشون فى الجسد فهم متغربون عن الله... "فإذا نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون فى الجسد فنحن متغربون عن الرب... فنثق ونُسَر بالأولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب" (كورنثوس الثانية 5: 6، 8)... لقد أحسّوا بغربتهم فى العالم. وجعلوا هدفهم الوصول إلى الله... الله الذى كان يعيش معه أبونا الأول آدم وإن كانت المعصية قد باعدت بين الإنسان والله، ولكن شكراً لله، فقد تجسد ابن الله وصنع فداءً للعالم اجمع، لكيما يعيد الإنسان إلى رتبته الأولى، وإلى السماء موطنه الأصلى... قال رب المجد يسوع وأنا إن ارتفعت عن الأرض اجذب إلىَّ الجميع "(يوحنا 12: 32)... ألم يقل المسيح له المجد" أنا أمضى لأعد لكم مكاناً. وإن مضيت واعددت لكم مكاناً، آتى أياضً وآخذكم إلىَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً "(يوحنا 14: 2، 3)... لقد ظل الأبرار والقديسون منجذبين بأرواحهم وعقولهم إلى فوق، حيث الرب ذاته. وظلوا يتطلعون فى شوق إلى مسكنهم العلوى الذى ذهب المسيح وأعده لهم.

الإحساس بالغربة فى العالم – فى أى موضع فيه – احساس عميق فى الإنسان... إن لسان حال الأبرار فى كل الأجيال يهتف "هذا العالم ليس لنا"...

يقول المرنم.

"غربتى قد طالت علىَّ" (مزمور 120).

وقال سمعان الشيخ فى اشتياق حينما حمل الرب يسوع طفلاً على ذراعيه.

"الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام. لأن عينىَّ قد أبصرتا خلاصك" (لوقا 2: 29، 30).

وقال معلمنا بولس الرسول بعد أن استعرض فى رسالته إلى العبرانيين أبرار العهد القديم "فى الإيمان مات هؤلاء اجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد، من بعيد نظروها وصدوقوها وحيوّها وأقرّوا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض" (العبرانيين 11: 13).

ونستطيع أن نقرّب مشاعر الغربة حتى ما ندركها على حقيقتها... فحينما يُعيّن إنسان من أحدى بلاد الوجه البحرى، فى وظيفة حكومية فى صعيد مصر أو العكس، يظل هذا الإنسان فى قلق دائم، ولا يحاول الاستقرار فى البلد الذى عين فيه أو نقل إليهز ولا يتلاءم مع الوسط الجديد. ويظل فى مساعيه تارة بكتابة الإلتماسات، وتارة بالمقابلات وجلب الوساطات... ولا يهدأ حتى يُنقل إلى بلده... فإذا كانت غربة الجسد على هذا النحو وبهذه الصعوبة والقسوة، فكم تكون مشاعر القديسين والأبرار، الذين عاشوا على الأرض بينما عقولهم وعواطفهم تهيم فى السماء... هناك اتخذوا لهم مستقراً، وتصادقوا مع شخصيات العالم العلوى من ملائكة وقديسين، وجعلوا رجاءهم هناك... هذا ما يوضحه معلمنا بولس الرسول "نشكر الله وآبا ربنا يسوع المسيح كل حين مصلين لأجلكم، إذ سمعنا إيمانكم بالمسيح يسوع ومحبتكم لجميع القديسين، من أجل الرجاء الموضوع لكم فى السموات" (كولوسى 1: 3 - 5).

باختصار نقول إن هذا الإحساس بالغربة هو الدافع للإنسان فيما يعلنه من أشواق

نحو الله يعبّر عنها بوسائل مختلفة... وإلا فما هو الذى يدفعه إلى مداومة الصلوات والتأملات ومناجاة الله... وما هو الدافع للتقدمات التى نرفعها، والشركة الحية بيننا وبين القديسين والملائكة وكل الخلائق السمائية الذين نتشفع بهم... ولماذا نقيم تذكارات عن المنتقلين فى مناسبات مختلفة كالأربعين أو السنة أو أى وقت آخر... الدافع إلى كل ذلك أن أولاد الله يحنّون إلى عالمهم الحقيقى لأنهم ليسوا من هذا العالم.

ج – أولاد الله الحقيقيون ليسوا من العالم:

السيد المسيح يؤكد هذه الحقيقة تأكيداً قاطعاً – ففى مناجاته لله الآب، يشير إلى تلاميذه القديسين فيقول.

"لست أسأل أن تأخذهم من العالم، بل أن تحفظهم من الشرير. ليسوا من العالم كما أنى أنا لست من العالم" (يوحنا 17: 15، 16)...

ويقول فى موضع آخر موجهاً الحديث لتلاميذه: "لو كنتم من العالم، لكان العالم يحب خاصته. لكن لأنكم لستم مع العالم، بل أنا اخترتكم من العالم، لذلك يبغضكم العالم" (يوحنا 15: 19)... والمعنى واضح تماماً... ولعل هذا يفسر لنا سر الكراهية والحقد التى يظهرها أولاد العالم – الذين هم أولاد إبليس – نحو أولاد الله... وحينما نقول عن أولاد العالم أنهم أولاد ابليس، لا تستغربوا هذا التعبير، لأنه تعبير المسيح نفسه!! قال له المجد لليهود "أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك كان قتالاً للناس من البدء" (يوحنا 8: 44)...

علينا أن نفكر ملّياً وبعمق فيما قاله المسيح له المجد "لستم من العالم. لو كنتم من العالم، لكان العالم يحب خاصته. ولكن لأنكم لست من العالم، بل أنا أخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم" فى كل مرة نجد العالم يبغضنا ويقف ضدنا، لا يجب أن تأخذنا الدهشة، كأن شيئاً غير متوقع قد أصابنا. يقول يوحنا الرسول للمؤمنين "لا تتعجبوا يا إخوتى إن كان العالم يبغضكم" (يوحنا الأولى 3: 13)... السنا أولاد الله وتلاميذ الرب يسوع الذى قال "ليس التلميذ أفضل من معلمه، ولا العبد أفضل من سيده"!! فلنتعز أيها الأخوة، فهذا الذى نقوله من معالم الطريق إلى الله... وسيظل الأمر على هذا النحو حتى ينقلنا الله إليه، وهناك سيمسح الرب كل دمعة من دموع التعابى.

نعم إن أولاد الله ليسوا من العالم... "لأن ليس لنا هنا مدينة باقية، ولكننا نطلب العتيدة" (عبرانيين 13: 14)... إن المسيحى الحقيقى هو فى حالة سعى وركض دائمين نحو "المدينة التى لها الأساسات، التى صانعها بارئها الله" (عبرانيين 10: 11).

ثانياً – كل رجال الله القديسين ساروا فى هذه الطريق:

لقد سار جميع الأبرار فى هذه الطريق، الذى لم يكن سوى "الله نفسه"... قال الرب يسوع لتلاميذه الأطهار "وتعلمون الطريق... قال له توما: يا سيد... كيف نقدر أن نعرف الطريق. قال له يسوع: أنا هو الطريق..." (يوحنا 14: 4 - 6)... نعرض لبعض الأمثلة:

† أخنوخ البار

– ذكره الكتاب المقدس – العهد القديم – فى عددين فقط، يقول: "وسار اخنوخ مع الله. ولم يوجد لأن الله أخذه" (تكوين 5: 24)... وأشار إليه القديس بولس بقوله "بالإيمان نُقل أخنوخ لكى لا يرى الموت، ولم يوجد لأن الله نقله. إذ قبل نقله شُهد له بأنه قد ارضى الله" (عبرانيين 11: 5)... وسنعود إلى موضوع السير مع الله فيما بعد.

† بعد ذلك بدأ الفساد يعرف طريقه إلى البشر، حتى إذا ما وصلنا إلى عصر الطوفان، نجد الكتاب المقدس يقول "ورأى الله الأرض فإذا هى قد فسدت. إذ كان كل بشر قد أفسَد طريقه إلى الله" (تكوين 6: 12)... ولا شك أن هذه الصورة السيئة القاتمة هى عن الأشرار، أما الأبرار فصورتهم مشرقة...

† تمسّك الأبرار بطريق الله وعبّروا عن ذلك إليه، وطلبوا معونته للسير فيه... قال أيوب البار "بخطواته استمسكت رجلى. حفظت طريقه ولم أحِد" (أيوب 23: 11).

† اما داود النبى والملك فيعبّر عن ذلك بأساليب متنوعة يقول:

● "انتظر الرب وأحفظ طريقه" (مزمور 37: 34).

● "يا رب أهدنى إلى برّك بسبب أعدائى، سهّل قدامى طريقك" (مزمور 5: 8). نفس المعنى يعبر عنه القديس اغريغوريوس فى القداس المنسوب إليه "سهل لنا طريق التقوى".

● "علمنى يا رب طريقك، وأهدنى فى سبيل مستقيم بسبب أعدائى" (مزمور 27: 11).

● "علمنى يا رب الطريق التى أسلك فيها" (مزمور 85: 11).

● "عرفنى يا رب الطريق التى اسلك فيها، لأنى إليك رفعت نفسى" (مزمور 143).

● وفى فاتحة المزمور الكبير الذى رتبته الكنيسة فى الخدمة الأولى من صلاة نصف الليل، يقول داود: "طوباهم الذين بلا عيب فى الطريق" (مزمور 119: 1). إن الروح القدس بفم داود يطوّب الذين بلا عيب فى طريق الله.

وكصدى لأشواق داود النبى وأمثاله من أبرار العهد القديم، أن يعلن لهم الرب الطريق ويعرفهم إياه، فإن الرب نفسه يجيب على لسان داود ويقول:

"اعلمك وارشدك الطريق التى تسلكها انصحك عينى عليك" (مزمور 32: 8)...

فمادام الإنسان وضع طريق الله نصب عينيه فإن الله لن يتخلى عنه، بل يعلمه ويرشده.

ولكى لا يتوه البشر ويضلون بين طرق متنوعة وكثيرة فى العالم، حَسَم السيد المسيح الأمر، وأعلن أنه لا يوجد سوى طريقان، أحدهما يؤدى إلى الله والآخر يؤدى إلى الهلاك... ادخلوا من الباب الضيق. لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذى يؤدى إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب واكرب الطريق الذى يؤدى إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه "(متى 7: 13، 14)... وهكذا نرى أنه لا يوجد سوى طريقان، لا ثالث متوسط بينهما... هذا الطريق المتوسط يحاول الناس اختراعه. لكن ذلك فى مخيلتهم وتصورهم وحدهم. أما بالنسبة لله، فلا يوجد سوى طريق واحد... لابد لنا ان نعرف هذا الأمر جيداً ولابد أن تعرف يا أخى فى أى طريق تسير. هل هو طريق الله، أم طريق العالم؟!!

ثالثاً – لأن طريق العالم يسلبنى سلامى وفرحى:

لكن لماذا طريق الله بالذات... ألا يمكن أن يكون طريق العالم أفضل وأيسر؟!! وفى اجابتنا على ذلك، نحن لا نحتكم فقط إلى كتاب الله المقدس، وأقوال القديسين، بل نحتكم إلى أنفسنا لنرى إن كانت هناك اية مميزات لطريق العالم، الذى هو طريق الشر والمتعة الذاتية الوقتية...

أ - إنه يورث الإنسان القلق ويفقده سلامه القلبى. الإنسان السائر فى هذا الطريق فى قلق دائم، يفتقد سلاماً فلا يجد... إن أكبر عطية أعطاها السيد المسيح لمن يؤمن به ويحيا فى طاعته، هى السلام الداخلى "سلاماً أترك لكم. سلامى أعطيكم. ليس كما يعطى العالم اعطيكم أنا" (يوحنا 14: 27)... وكلمة "أترك لكم"، تعنى تركه أو ميراث، على نحو ما يترك إنسان ثرى لأولاده ميراثاً كبيراً يتمتعون به من بعده... إذن فالتركة التى تركها لنا المسيح له المجد هى السلام... ويحاول القديس بولس الرسول وصف سلام الله فيعجز، وكل ما أستطاع أن يقوله عنه إنه.

"يفوق كل عقل" (فيلبى 4: 7).

ولحاجة البشر لهذا السلام، افتتح الرسل رسائلهم واختتموها بالسلام "ورب السلام نفسه يعطيكم السلام دائماً من كل وجه" (تسالونيكى الثانية 3: 16)... "سلام لكم جميعاً الذين فى المسيح يسوع" (بطرس الأول 5: 14).

ما أكثر من نعرفهم ممن توفرت لهم كل مسببات السعادة بمفهوم أهل العالم، ومع ذلك لا ينعمون بالسلام، بل على العكس من ذلك تماماً، تمتلئ حياتهم غماً ونكداً وهماً!! إن نسبة الانتحار فى بلاد الغرب المتحضر مروعة. ومرضى الأمراض النفسية والعصبية هناك تفوق اعدادهم مرضى الأمراض العضوية، على الرغم من توفر كل سبل الحضارة والراحة!! أما السبب فى ذلك فيرجع إلى أن حياتهم ليس فيها سلام... ولماذا؟! السبب الحقيقى هو بعدهم عن طريق الله... مع المسيح يأتى السلام، وبعيداً عنه لن يوجد سلام لأنه هو إله السلام، وملك السلام، ورئيس السلام... هذه الحقيقة التى أعلنتها ملائكة السماء وقت مولده بالجسد:

"وعلى الأرض السلام" (لوقا 2: 13)...

إن الإنسان الذى يباعد بينه وبين المسيح، أو ينكر المسيح لأى سبب من الأسباب يفقد أكبر عطية إلهية وهى السلام... لذا فلا عجب أن نرى كثيرين ممن أنكروا المسيح رباً ومخلصاً يعودون بمحض إرادتهم، بعد أن يكونوا قد ذاقوا المرارة وفقدوا السلام... إنهم يعودون رغم علمهم بالمصاعب التى تكتنف عودتهم!! ما أصعب وما أمر فقدان السلام!!

يقول الوحى الإلهى بلسان إشعياء النبى "أما الأشرار فكالبحر المضطرب، لأنه لا يستطيع أن يهدأ. وتقذف مياهه حمأة وطيناً. ليس سلام قال إلهى للأشرار" (إشعياء 57: 20، 21)... لنتأمل عبارة "لا يستطيع أن يهدأ". حتى لو أراد فإنه لا يستطيع.

●.

أما داود النبى والملك

فيتميز بأن له خبرة شخصية فى موضوع الخطية ونتائجها، بعد أن هوى من قمة القداسة وسموها نتيجة خطية الزنا التى سقط فيها. فماذا قال داود؟

"ليست فى عظامى سلامة من جهة خطيتى" (مزمور 28: 3)...

ونلاحظ التعبير العجيب "ليست فى عظامى سلامة"... والمعنى أن فقدان السلام تغلغل فى أعماق أعماقه حتى وكأنه بلغ عظامه!! وفى مزمور آخر يقول:

"عظامى قد أضطربت. ونفسى قد انزعجت جداً" (مزمور 6: 2، 3).

والشرير لا ينازعه أحد، أنما هو الذى ينازع نفسه... بمعنى أن الشرير يفقد سلامه – ليس لسبب خارجى عنه – بل أن السبب فى أعماقه... لذا فقد قال السيد المسيح له المجد فى عظته على الجبل "كن مراضياً لخصمك سريعاً مادمت معه فى الطريق. لئلا يُسلمك الخصم إلى القاضى، ويسلمك القاضى إلى الشرطى فتلقى فى السجن. الحق أقول لك، لا تخرج من هناك حتى توفى الفلس الأخير" (متى 5: 25، 26)... وقد أجمع معظم آباء الكنيسة ومعلميها على أن هذا الخصم الذى أمرنا المسيح بمراضاته هو الضمير. والمقصود بالطريق حياة الإنسان فى الجسد والعالم.

والإنسان الذى عاش مع المسيح، واختبر حياة الشركة معه، يعرف جيداً أنه ما لم يندم على الخطية التى عملها، ويذهب أمام الكنيسة ويقر ويعترف بها أمام الأب الكاهن، فإنه لن يجد راحة وسلاماً... وقد لازمت ظاهرة فقدان الراحة والسلام الداخلى الإنسان منذ البداية.

ولنا فى قصة قايين أبلغ واوضح دليل على ذلك...

فبعد أن قتل أخاه هابيل، وكشف الله له الأمر بعد أن حاول هو إنكاره، قال لله "من وجهك اختفى، وأكون تائهاً وهارباً فى الأرض. فيكون كل من وجدنى يقتلنى"... بعد ذلك يقول الكتاب المقدس "وجعل الرب لقايين علامة لكى لا يقتله كل من وجده" (تكوين 4: 14، 15)... ولا شك أن تلك العلامة التى تنجيه من القتل، كانت سبباً فى عذابه وآلامه النفسية أكثر!! هذه صورة محزنة وأليمة لما يمكن أن تحدثه الخطية. كان العالم فى ذلك الوقت بلا تعقيدات، رحباً متسعاً لكن لأن الخطية ملكت على الإنسان، فقد صار العالم له جحيماً.

لا توجد مصيبة تحل بالإنسان أكثر من الخطية فى آثارها ونتائجها... فلقد فقد أيوب كل أبنائه وثروته وممتلكاته، لكن ذلك لم يستطيع أن ينزع سلامه بل كان يردد: "عرياناً خرجت من بطن أمى، وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ، فليكن إسم الرب مباركاً" (أيوب 1: 21)... ولنا أن نقارن هذا بموقف داود بعد خطيته، حينما كان يعوّم كل ليلة فراشه بدموعه (مزمور 6: 6). ويقول:

"خطيتى أمامى فى كل حين" (مز 51: 3).

ب - يورث الإنسان الحزن والكآبة:

يتحدث القديس بولس الرسول عن الفرح كثمرة شهية من ثمار الروح القدس: "اما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام..." (غلاطية 5: 22.

)... ومن المستحيل أن روح الله يثمر فى الإنسان ثمرة الفرح الروحى، ويكون ذلك الإنسان عائشاً فى الخطية، متلذذاً بها...

ولعل هذا الكلام يتضح من تأملنا فى المزمور 137 وهو من مزامير السَبْى الذى رتبته كنيستنا ضمن مزامير صلاة النوم فى الأجبية... يقول المرنم:

"على أنهار بابل هناك جلسنا فبكينا عندما تذكرنا صهيون. على الصفصاف فى وسطها علقنا قيثاراتنا. هناك سألنا الذين سَبَوْنا نشيداً. والذين استاقونا إلى هناك، قالوا سبحوا لنا تسبحة من تسابيح صهيون. كيف نسبح تسبحة الرب فى أرض غريبة" (مزمور 137: 1 - 4).

تعالوا بنا نتأمل هذا المنظر:

اناس جالسون على ضفاف نهر، وقد توفرت لهم كل مسببات البهجة والسرور. أمامهم الماء والخضرة... جلسوا على شاطئ النهر، تتدلى فوقهم أغصان أشجار الصفصاف الجميلة، ومعهم قيثاراتهم الموسيقية التى تصدر عنها الأنغام الشجية... لكنهم رغم كل ذلك كانوا فى كآبة وحزن... لقد أبوا التسبيح حين طُلب منهم، وعلقوا قيثاراتهم على أشجار الصفصاف، ورفضوا أن يعزفوا عليها... ما السبب؟ هناك المثل الذى يقال عن ثلاثة أشياء تُدخل البهجة إلى النفس: الماء والخضرة والوجه الحسن... ولقد توفر لهؤلاء اليهود المسبيين فى بابل الماء والخضرة. لكن لم يتوفر لهم الوجه الحسن، الذى هو ليس شيئاً آخر سوى وجه الله!! ولذا فقد هرب الفرع من نفوسهم، وباتوا فى كآبة ووحشة. قال داود: "صرفت وجهك عنى فصرت قلقاً" (مزمور 30: 7)... "بنورك يا رب نعاين النور" (مزمور 36: 9)... "كيف نسبح تسبحة الرب فى أرض غريبة؟!".

إن كلمات هذا المزمور هى لسان حال الإنسان المسبى فى الخطية وبالخطية. حتى لو بدا فى الخارج فرحاً ومرحاً، لكن فى أعماقه مرارة وكآبة وقلق!!... "كيف اسبح تسبحة الرب فى أرض غريبة"... إذن أين تريد أن تسبح؟... أسبح الرب فى أورشليم... وكلمة أورشليم معناها مدينة السلام... وبحسب الفهم اليهودى فى ذلك الوقت عن أورشليم أنها تعنى الهيكل بيت الله حيث يسكن... ومتى تريد أن تسبح؟ اسبح حينما يرد الرب سبينا... قال المرنم "إذا ما ردَّ الرب سبى صهيون صرنا مثل المتغربين. حينئذ امتلأ فمنا فرحاً ولساننا تهليلاً" (مزمور 126: 1، 2)... يصف بطرس الرسول الفرح الحقيقى قائلاً: "تبتهجون بفرح لا ينطق به ومجيد"... أما السبب فى هذا الفرح العجيب فيستطرد الرسول قائلاً "نائلين غاية إيمانكم خلاص أنفسكم" (بطرس الأول 1: 8، 9). والفرح الذى لا ينطق به، أى لا يعبّر عنه، هو فرح داخلى، وسببه خلاص النفس.

ﺟ - يصل بالإنسان إلى اليأس وقطع الرجاء:

طريق الخطية يجلب العار والخوف، وقد يصل بالنفس إلى اليأس فى نهاية المطاف، وذلك على مستوى الأفراد والشعوب والجماعات... "فالبر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية" (أمثال 4: 34)... الإنسان الذى هو أسير لخطية معينة أو شهوة خاصة، هو إنسان لا يملك القوة والشجاعة أن يظهر فى النور.

وفضلاً عن ذلك.

فإن حياة البعد عن الله قد تجلب الأمراض.

ولعلنا نذكر مريض بيت حسدا الذى طالت به العلة وامتدت إلى ثمان وثلاثين سنة. بعدها جاءه المسيح وشفاه وقال له "ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر" (يوحنا 5: 14). وواضح هنا من كلام المسيح كيف يربط بين المرض والخطية. بين مرض الجسد ومرض الروح. والسيد المسيح قد جاء طبيباً لكليهما.

ولا أود أن أستطرد طويلاً فى هذه النقطة. يكفى أن أشير إلى أن حياة البعد عن الله، والإنغماس فى الدنس والشهوات العالمية، تجلب غضب الله... "لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس واثمهم الذين يحجزون الحق بالاثم" (رومية 1: 18). فبسبب الخطية لعن الله الأرض، وأهلك العالم القديم بطوفان، وأحرق مدينتى سدوم وعمورة، وضرب من بنى إسرائيل فى يوم واحد ثلاثة وعشرون ألفاً بعد أن زنوا مع بنات موآب (كورنثوس الأولى 10: 8)...

كان موضوع هذا المساء هو، لماذا الطريق إلى الله؟ والآن نسأل سؤالاً: ما هو الطريق؟

قال الرب يسوع لتلاميذه "وتعرفون الطريق... قال له توما يا سيد كيف نقدر أن نعرف الطريق. قال له يسوع أنا هو الطريق" (يوحنا 14: 4 - 6).

فإن كنا نتكلم عن الطريق إلى الله. فالطريق ليس شيئاً آخر سوى الرب يسوع ذاته: الوسيط الوحيد بين الله والناس (تيموثاوس الأولى 2: 5). ولا يقدر أحد أن يأتى إلى الآب إلاَّ به (يوحنا 14: 6)... قال الرب يسوع عن ذاته: "أنا هو الباب" (يوحنا 10: 9). وقال أيضاً الذى لا يدخل من الباب "بل يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص" (يوحنا 10: 1).

فليباركنا الله بكل بركة روحية فى المسيح يسوع ويختم على هذه الكلمة بالبركة آمين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الإعداد لرحلة الطريق

المحتويات
المحتويات