هذا الفصل هو جزء من كتاب: كتابنا المقدس ومسيحنا القدوس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
المسيح مشتهى الأجيال
هذا هو الموضع الأخير من سلسلة الصوم المقدس لهذا العام... تحدثنا فى بداية هذه السلسلة عن الكتاب المقدس والآراء الفكرية المعاصرة، ثم انتقلنا للكلام عن السيد المسيح وصلته بالعهد القديم من جهة الرموز والعبادة والأسفار... وكان كلامنا فى المرة الماضية عن المسيح واسفار العهد الجديد... ونتكلم اليوم عن الموضوع الذى نختم به سلسلة هذا العام، ولعله مسك الختام أو ختام المسك، فنتناول بالحديث موضوع.
«المسيح مشتهى الأجيال»...
انى أرجع بذاكرتى إن أمكن وأسأل نفسى كم عدد الذين تناولوا هذا الموضوع أو كم عدد المتكلمين أو الذين كتبوا عن هذا الموضوع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
«المسيح مشتهى الأجيال».
عشرون قرناً من الزمان مرت – حوالى الفين سنة. ونحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور، نتكلم أيضاً عن هذا الموضوع. الرب يعطينا نعمة ويضع الكلام الذى حسب إرادته فى فمى لكى تتكلم بما يرضى صلاحه.
«المسيح مشتهى الأجيال»...
هذا الذى تنبأ عنه حجى النبى قائلاً، لأنه هكذا قال رب الجنود «هى مرة بعد قليل، فأزلزل السموات والأرض، والبحر واليابسة، وأزلزل كل الأمم، ويأتى مشتهى كل الأمم» (حجى 2: 6، 7)... وذاك الذى قالت فيه عروس النشيد.
«حلقه حلاوة وكله مشتهيات»
(النشيد 5: 16)...
وأنا لا أعرف كيف أتكلم فى موضوع كهذا... من أى النواحى كان المسيح مشتهى البشر... ذاك الذى هو غير محدود فى كمالاته، وفى صفاته. ولكن ومع ذلك نحاول أن نتكلم عن الموضوع من عدة نقاط:
إذا أردنا أن نتحدث عن المسيح مشتهى الأجيال لابد لنا أن نتحدث عن حالة البشر فى العالم كله قبل مجئ المسيح المخلص... سنرى مدى الظلام الذى كان يلف العالم كله، ويكتنف البشر فى حياتهم، داخلياً وخارجياً لكى نعرف كم كان البشر محتاجين الى المسيح المخلص... وإذا أردت أن اتكلم عن العالم وأنا أتكلم عن المسيح فكل ما يهمنى أن اتكلم عن العالم من الناحية الدينية...
(أولاً) حالة البشر فى العالم قبل مجئ المخلص:
كان العالم قبل مجئ المسيح ينقسم من النايحة الدينية الى قسمين غير متكافئين من جهة العدد. قسم قليل جداً جداً هم اليهود الذين يسميهم الرسول بولس فى رسائله اليهود أو الختان. وقسم كبير جداً جداً وهو العالم كله – ما عدا اليهود، وهؤلاء هم الأمم أو الوثنيون أو بتعبير القديس بولس الغرلة أى غير المختونين. والى هذا التقسيم أشار المسيح له المجد فى مثل الإبن الضال حينما قال «إنسان كان له إبنان» (لوقا 15) هذا الإنسان يرمز للآب السماوى. والإبنان هما اليهود والامم. الإبن الأصغر رمز للوثنيين لأن معرفتهم لله لاحقة لمعرفة اليهود. أما الإبن الأكبر فى هذا المثل فيرمز الى اليهود، على اعتبار أن معرفتهم لله سابقة عن الأمم. ونحاول أن نلقى نظرة على كل من هذين القسمين:
(1) الوثنيون
لعل خير وصف يمكن أن توصف به ادبيات العالم الوثنى قبل المسيحية، وإبان ظهروها هو ما دونه القديس بولس الرسول اجمالا فى صدر رسالته الى مؤمنى رومية، وفيه يصف فساد العبادة والأخلاق فى الشعوب الوثنية يقول:
«لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم، الذين يحجزون الحق بالإثم. إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظورة، ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا الله، لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا فى أفكارهم، واظلم قلبهم الغبى. وبينما هم يزمعون أنهم حكماء، صاروا جهلاء. وابدلوا مجد الله الذى لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذى يفنى والطيور والدواب والزحافات. لذلك استبدلوا حق الله بالكذب، واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق، الذى هو مبارك الى الأبد آمين. لذلك أسلمهم الله الى أهواء الهوان لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعى بالذى على خلاف الطبيعة – وكذلك الذكور أيضاً تاركين استعمال الأنثى الطبيعى، واشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض، فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكورن ونائلين فى أنفسهم جزاء ضلالهم المحق. وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله فى معرفتهم أسلمهم الله الى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق. مملوئين من كل إثم وزنا وشر وطمع وخبث. مشحونين حسداً وقتلاً وخصاماً ومكراً وسوء. نمامين مفترين مبغضين لله، ثالبين، متعظمين، مدعين مبتدعين شروراًن غير طائعين للوالدين بلا فهم ولا عهد ولا حنو، ولا رضى ولا رحمة. الذين إذ عرفوا حكم الله، أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت. لا يفعلونها فقط بل أيضاً يسرون بالذين يعملون» (رومية 1: 18 - 32)...
كتب القديس بولس هذا الكلام الذى يعبر عن الانحطاط الخلقى من مدينة كورنثوس الى الرومان برومية... وكورنثوس هى إحدى بلاد اليونان العريقة فى حضارتها. والكورنثيون والرومان يمثلون أرقى مستوى لشعوب أوربا فى ذلك الوقت. ومع ذلك فإن هذا الرقى الحضارى والثقافى لم يمنع الإنحطاط الأخلاقى!!.
ويقدم بولس الرسول وصفاً آخر للشعوب الوثنية فى رسالته الى أهل أفسس – وهى كبرى مدن آسيا الصغرى ومن مدن الحضارات القديمة – يقول:
«إذ هم «الأمم» مظلمو الفكر ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذى فيهم، بسبب غلاظة قلوبهم. الذين اذ هم قد فقدوا الحس، اسلموا نفوسهم للدعارة ليعملوا كل نجاسة فى الطمع» (افسس 4: 18، 19)...
أما فى الرسالة الى أهل كورنثوس. فيقول لهم بولس:
«أنتم تعلمون أنكم كنتم أمماً منقادين الى الأوثان البكم كما كنتم تساقون» (كورنثوس الأولى 12: 2)...
هذا وصف للحالة الأدبية التى كانت عليها أرقى شعوب العالم الوثنى قبل المسيحية وإبان ظهورها.. فكيف كانت حالة الشعوب المتخلقة؟!!
أما السبب فى هذا الانحطاط الخلقى فيرجع الى الوثنية... والحق أن الوثنية قد امتزجت بالرذيلة، لأنه كان ينقصها الإدراك الحقيقى لمعنى الخطية، وبالتالى لمفهوم القداسة... وحتى الديانات والفلسفات الإغريقية – وهى نتاج عقول مبدعة – كانت مليئة بالشر والفساد... فلقد اندفع الناس فى اشباع شهواتهم حسبما يريدون، بدون أى ضابط. والفلسفة الأبيقورية التى كانت مع الفلسفة الرواقية أشهر مردستين للفلسفة فى زمان السيد المسيح – جعلت شعارها «لنأكل ونشرب ونطرب فغداً نموت». وهذا الأمر أشار اليه القديس بولس بقوله «إن كان الأموات لا يقومون فلنأكل ونشرب لأننا غداً نموت» (كورنثوس الأولى 15: 32).
أما مظاهر الفساد التى سادت الشعوب الوثنية فيمكن أن نلخصها فى النقاط التاليه:
(أ) الفساد المتصل بالعبادة:
لم يقف الأمر بين الوثنيين عند حد عبادة الأصنام، بل تعداه الى شرور أخرى.. لقد شاع بين بعض الشعوب القديمة طقس تقديم الذبائح الآدمية إرضاء للآلهة. فكان أهل صور فى فلسطين وقرطاجنه فى شمال أفريقيا، يلقون بأطفالهم فى النار كتقدمة للإله مولك Molock وهناك إشارات الى ذلك فى بعض اسفار العهد القديم[22] وليس هذا فحسب بل إن طقوس الديانات الوثنية امتزجت بالدعارة. وكانت العهارة جزءاً من الطقوس الدينية عند البابليين وبعض الشعوب السامية. وكانت هذه الرذيلة جزءاً من عبادة أفروديت إلهة الجمال عند الإغريق، تلك التى كان لها معبد ضخم فى مدينة كورنثوس يضم بين جدرانه ألف امرأة ترتكب الزنا كجزء من العبادة التى تقدم إرضاء لهذه الإلهة!!.
كما اتسمت أعياد بعض الآلهة بالاحتفالات التهتكية التى يندى لها الجبين، ولا يليق وصفها... وقد أباح الرومان – وهم أرقى شعوب العالم وقتذاك – طقوساً دينية مخالفة للحشمة وقصص الأساطير التى استخدمت لإثارة الميول الجسدية الدنيئة، مثلما فى صور وتماثيل، وزادت من شدة تيار الفساد الذى حطم حواجز العفة. ولا عجب فقد كانت الآلهة الوثنية فى الشعوب الراقية بشراً، لها أجساد وحواس ويمارسون كل الوان الحياة البشرية، ومنها الجنس!!.
(ب) وأد الأطفال:
ويعنى قتل الأطفال وهم صغار. ومن دراسة التاريخ نعلم أن وأد الأطفال كانت شائعة فى بلاد العرب فى الجاهلية. كان القانون القديم فى الشعوب القديمة يقر حق الوالدين فى إبادة أطفالهم، الذين يظن أنهم غير صالحين للتربية. ففى بلاد اليونان مثلاً كان الأطفال يقتلون إما للفقر أو يتركون حتى يهلكون جوعاً... ومما يثير الدهشة أن مفكرى الإغريق وفلاسفتهم لم يكونوا – فى هذا الأمر – أفضل من سائر الناس... لقد أقر الفيلسوف أرسطو عادة تعويض الأطفال للموت، اذا أريد منع إزدياد عدد السكان. وكان يوصى بالإجهاض كشئ بديل إذا وجدت أى موانع. والفيلسوف افلاطون اعتقد أن الأطفال المولودين من آباء أشرار، والأطفال غير الشرعيين، واطفال الوالدين المسنين يجب إبادتهم بتركهم عرايا، اذ لا يجب أن يثقل على الدولة بهم!! وهذان هما أفلاطون وأرسطو المعتبران من آباء الفلسفة فى العالم القديم!!
(ج) مكانة المرأة:
ربما لا يوجد تناقض صارخ أكثر من وضع المرأة فى الوثنية، ومكانتها فى المسيحية... كان وضعها فى الوثنية محتقراً. كانت خادمة للرجل، وليست نظيره، وشريكة حياته. لم يفهم العالم الوثنى طبيعة الزواج الروحية، ونظر الى المرأة على أنها للمتعة الجسدية فقط!! كان المثقفون فى بلاد اليونان لهم صديقات ومحظيات من العاهرات. أما فى روما فقد شاع الفساد، حتى قال المعاصرون إن فضيلة الأنثى لا وجود لها فى روما عاصمة العالم آنئذ!! ولقد احجم الرجال عن الزواج لأنهم فضلوا المتعة الطائشة على رابطة الزيجة.
كان هذا هو حال الشعوب الوثنية، فماذا عن اليهود؟!
(2) اليهود:
كان اليهود من الناحية الأدبية يفضلون الأمميين الوثنيين بكثير...
لكنهم تحت مظهر الطاعة الشديدة لناموسهم، كانوا يخفون فساداً مريعاً!!
وقد دعوا فى العهد الجديد «أولاد الأفاعى» (متى 3: 7)، و«أولاد إبليس» (يوحنا 8: 44) و«قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان» (أعمال 7: 51.
)... ويوسيفوس المؤرخ اليهودى
– بل وأعظم مؤرخ اليهود الذى يهمه أن يظهر مواطنيه اليهود للإغريق والرومان فى صورة مشرقة – يصفهم فى القرن الأول والميلادى، بأنهم شعب فاسد شرير، استحقوا بعدل العقاب المخيف فى خراب أورشليم!!.
وإذا رجعنا الى كتب اليهود المقدسة نجد أن أشعياء النبى قد عبر عن أحوالهم بقوله «الشعب الجالس فى ظلمة أبصر نوراً عظيماً. والجالسون فى كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور» (متى 4: 16)... كما يقول عن غضب الله على اليهود نتيجة انحرافهم وزيغانهم «بسطت يدى طول النهار الى شعب متمرد سائر فى طريق غير صالح وراء أفكاره» (أشعياء 65: 2). كما يقول أيضاً «اسمعى أيتها السموات واصغى أيتها الأرض لأن الرب يتكلم. ربيت بنين ونشأتهم أما هم فعصوا على. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف شعبى لا يفهم. ويل للأمة الخاطئة الشعب الثقيل الإثم. نسل فاعلى الشر أولاد مفسدين. تركو الرب، استهانوا بقدوس اسرائيل. ارتدوا الى وراء...
كل الرأس مريض وكل القلب سقيم. من أسفل القدم الى الرأس ليس فيه صحة بل جرح واحباط
... بلادكم خربة. مدنكم محرقة بالنار» (أشعياء 1: 2 - 7)...
هذه هى حالة البشرية كلها فى مأساتها، يهود كانوا أم وثنيين... يلخصها معلمنا القديس بولس الرسول فى قوله «كل الخليقة تئن وتتمخض معاً الى الآن». (رومية 8: 22)... الخليقة كلها تئن أنيناً... هكذا نفهم كلمات المسيح العميقة المعبرة عن احتياج البشر أجمعين للمخلص «تعالوا الى يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم» (متى 11: 28)...
(ثانيا) إشتياق البشر لمجئ المسيح وخلاصه:
(أ) الوثنيون:
لم يكن أبرام العهد القديم من شعب الله هم وحدهم الذين عبروا عن أشواقهم لمجئ المخلص، بل حتى الوثنيين عبروا عن ذلك أيضاً!!
نقرأ عن بولس الرسول أنه بينما كان فى مدينة ترواس رأى ليلاً فى رؤيا رجلاً مكدونياً وثنياً يقول له.
«اعبر الى مكدونية وأعنا» (أعمال الرسل 16: 9)... لم نكن كلمات هذا الرجل المكدونى الوثنى سوى صراخ البشرية من الأمميين، تستنجد عن وعى أو بدون وعى منها بالمخلص المجهول ليحطم قيودها ويعتنقها...
لقد وجد الباحثون فى تراث البشرية القديم ما يدل على ان الشعوب الوثنية كانت تواقة الى منقذ ومحرر ومخلص. وجد هذا فى غالياً «فرنسا الحالية».
كان سكان غالياً يقيمون تمثالاً ومذبحاً للعذراء المزمعة أن تهبهم مولوداً يحررهم!! كيف هذا؟ ولئلا يختلط الأمر فى ذهنك وتظن أن بعض عقائد المسيحية مأخوذ عن الوثنية، أقول لك أن روح الله فى بداية خلقة العالم كان يرف على وجه المياه، على الرغم من أن الأرض كانت خربة وخالية وعلى وجه الغمر!! لا نظن أن الله يتعامل مع أولاده ولا يتعامل مع الشعوب الوثنية. إن الله يفتقد هؤلاء الوثنيين بأسلوبه الخاص.
ووجد هذا أيضاً فى المكسيك. كان المكسيكيون ينحتون فى الصخر وعلى الأبنيه العامه تمثالاً للإله الذى سوف يسحق التنين!! ووجد ما يعبر عن ذلك عند الصينيين والهندوس والفرس واليونان والرومان. ولقد انتظر الفيلسوف افلاطون مثل هذا الشخص فقال «متى يأتى هذا الشخص الذى يعلمنا كل شئ. إننى بغاية الشوق الى معرفته»...
ويتهلل.
الشاعر الرومانى فريجيل
لذكرى مجئ ذلك المنقذ فيقول «لقد حانت الأيام الموعودة... طفل صغير مرسل من السماء الينا. وعلى عهده ستمحى آثار جريمتنا. والأرض لن تعرف الخوف فيما بعد. ولسوف يتخذ له مقراً مع الآلهة ويحكم العالم الهادئ بقوة فضائل أبيه. فهلم أيها الابن العزيز يا ابن جوبيتر انظر الى المسكونة فهى خاشعة باحترام أمامكن تسلم عليك. وانظر فكل إنسان قد سر وابتهج بقدوم هذا العهد الجديد»...
فالعالم القديم على مختلف شعوبه وأديانه – بالرغم من شططهم وأخطائهم كانوا ينتظرون وان كان فى شكل مبهم – ذلك المنقذ الذى سترسله السماء يوماً ليحررهم.
(ب) اليهود:
أما الشعب الإسرائيلى فى اشتياقه لمجئ المسيح المخلص فنقول إنه كان يتجه دوماً نحو المسيح فى عبادته، إن قام للصلاة أو وقف فى الهيكل ليقدم ذبيحته، أو يقرب قربانه. ذلك لأن الديانة اليهودية كانت رجاء وضعفاً، استغاثة وانتظاراً فى آن معاً، واتجاهاً مستمراً نحو المستقبل. فعلى الصخرة العالية المبنية عليها مدينة أورشليم، كان يقوم بناء الهيكل الضخم، الذى يرمز بوحدته الى ذبيحة الصليب الواحدة. بينما الذبائح المتعددة والمحرقات المتجددة كل يوم كانت تعلن عن عجز الإنسان فى جهاده وتدعو الى ذبيحة الصليب الكاملة وترمز الى القوة التى ستظهر يوماً من ذبيحة الإله المتجسد.
ما أكثر ما قاله رجال الله الأبرار فى العهد القديم تعبيراً عن اشتياقهم للمسيح المخلص، الذى لوا يترقبون مجيئه منذ آدم!!
قال المرتل «يا جالساً على الكروبيم اشرق قدام افرايم وبنيامين ومنسى. ايقظ جبروتك وهلم لخلاصنا» (مزمور 80: 1، 2).
ويقول أشعياء «فى طريق أحكامك يا رب انتظرناك. الى أسمك والى ذكرك شهوة النفس. بنفسى اشتهيتك فى الليل» (اشعياء 26: 8، 9)... ويستبد الشوق بأشعياء لمجئ المخلص فيقول له مناجياً «ليتك تشق السموات وتنزل» (أشعياء 64: 1)...
ويقول المرنم «نفسى تنتظر الرب أكثر من انتظار الحراس للصبح، والساهرين للفجر» (مزمور 130: 6)... ويقول داود النبى «انتظر الرب ليتشدد وليتشجع قلبك وانتظر الرب» (مزمور 27: 14)...
ويأتى السيد المسيح ويعبر عن ذلك كله حينما يقول «فإنى الحق أقول لكم ان أنبياء وأبرار كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا» (متى 13: 17)... هذه العبارة التى تقال فى أوشية الإنجيل.
وهناك من رجال الله القديسين فى العهد القديم من تحقق رجاؤهم فى مجئ المخلص ورآه العين. إنه سمعان الشيخ، الذى حمل الرب يسوع طفلاً على يديه وهو فى الهيكل... يقول عنه القديس لوقا فى انجيله «كان رجل فى أورشليم اسمه سمعان وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل والروح القدس كان عليه»... فلما تحقق الحلم الذى طالما تمناه وترجاه قال «الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عينى قد ابصرتا خلاصك الذى اعددته قدام وجه جميع الشعوب» (لوقا 2: 29، 30)... ولم يكن سمعان وحده هو الذى سعد بإتمام هذا الرجاء بل كانت هناك أرملة هى حنة بنت فنوئيل وكانت ملازمة للهيكل اربعاً وثمانين سنة عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً « وقفت تسبح الرب وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداء فى أورشليم» (لوقا 2: 38)...
ولعل قصة المجوس توضح لنا حالة الانتظار التى كان عليها اليهود، فحينما سأل هيرودس الملك الكهنة وكتبة الشعب عن مكان ولادة المسيح اجابوه على الفور «فى بيت لحم اليهودية»، وأوردوا له نبوءة ميخا النبى (ميخا 5: 2)...
ثم يأتى القديس بطرس الرسول ويكتب مشيراً الى شوق رجال العهد القديم الى المسيح المخلص فيقول «الخلاص الذى فتش عنه أنبياء. الذين تنبأوا عن النعمة التى لأجلكم. باحثين أى وقت، أو ما الوقت الذى كان يدل عليه روح المسيح الذى فيهم، اذ سبق فشهد بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها... التى تشتهى الملائكة أن تطلع عليها» (بطرس الأولى 1: 10 - 12)...
(ثالثاً) المسيح وبركات العهد الجديد أو ماذا أعطى المسيح للبشرية نتيجة طول إنتظارها:
(1) لعل أولى بركات المسيح للبشر عقب موته على الصليب كانت هى تحرير نفوس أبرار العهد القديم الذين ماتوا على رجاء مجيئه وخلاصه من قبضة إبليس... كان جميع الأموات قبل الفداء الذى أتمه المسيح على الصليب – سواء كانوا أبراراً أم أشراراً، قديسين أو اثمة – يقبض الشيطان على أرواحهم ويزج بها فى الهاوية أو الجحيم... والجحيم والهاوية إسمان لمكان واحد. فكلمة الهاوية كلمة عبرية، أما الجحيم فهى ترجمة لكلمة يونانية. والكلمتان تعبران عن المكان حين أرواح الموتى... والمسيح له المجد بعد أن مات على خشبة الصليب – ذهب فى الحال الى الجحيم وحرر نفوس هؤلاء الأبرار والقديسين المقبوض عليهم... يقول بطرس الرسول عن ذلك «فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة، لكى يقربنا الى الله مماتاً فى الجسد ولكن محيى فى الروح. الذى فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن « = الهاوية أو الجحيم» (بطرس الأولى 3: 18، 19)...
وعن نفس المعنى يقول بولس الرسول «صعد «المسيح»الى العلاء سبى سبياً. وأعطى الناس عطايا. وأما أنه صعد فما هو إلا أنه نزل أيضاً أولاً الى أقسام الأرض السفلى « = الهاوية أو الجحيم». الذى نزل هو الذى صعد ايضاً فوق جميع السموات لكى يمللأ الكل» (أفسس 4: 8 - 10). هذا المعنى هو ما يعبر عنه القداس الالهى بقوله عن المسيح «نزل الى الجحيم من قبل الصليب»... أى نزل لكى يحرر هؤلاء الأبرار الذين كانوا فى قبضة الشيطان.
(2) النقطة الثانية فى البركات التى أعطاها المسيح للبشرية نتيجة طول انتظارها، نتضح جيداً من خلال الألقاب أو التسميات التى أطلقها المسيح على نفسه. والمسيح لقب نفسه عدة القاب كخبز الحياة، ونور العالم، والطريق الحق والحياة... الخ. إن هذه الألقاب لها دلالات روحية وإيمانية عميقة، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بما جاء بالعهد القديم... هذه الألقاب تعبر عما لنا من بركات كثيرة فى شخص المسيح المخلص لكل من يؤمن به... ونحاول الآن ان نستعرض باختصار بعض هذه الألقاب:
(أ) خبز الحياة والماء الحى:
قال المسيح عن نفسه «أنا هو خبز الحياة» (يوحنا 6: 35)... اعتقد اليهود أن المن الذى عالهم الله به فى البرية، هو خبز من السماء (نحميا 9: 15)... كما اعتقدوا أنه خبز الملائكة (مزمور 78: 25)... كان المن الذى ظل اليهود يأكلونه أربعين سنه بعد خروجهم من مصر فى البرية، يرتبط فى افكارهم وفى نظرهم بمعجزة من السماء، لا يستطيعون أن يدركوا عمقها. لقد اعتقدوا أيضاً أن المسيا الآتى سيطعم شعبه من المن السماوى... إذاً كان موسى أعطاهم المن، فالمسيا من حيث كونه أعظم من موسى لابد وأن يعطيهم مناً... ولأهمية المن وما يرمز اليه، أمر الله موسى أن يحفظ جزء منه فى قسط من الفضة، وكان ضمن محتويات تابوت العهد...
لقد أعلن المسيح أنه هو الخبز الحى النازل من السماء. قال «أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المن فى البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء لكى يأكل منه الإنسان ولا يموت. أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء.. إن اكل أحد هذا الخبز يحيا الى الابد. والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم» (يوحنا 6: 47 - 51)... ومعنى أن المسيح خبز الحياة، أنه هو الخبز الذى يعطى الحياة... فما هى أوجه الشبه بين الخبز والمسيح خبز الحياة؟ أى لماذا دعا المسيح نفسه خبز الحياة؟!
(1) الخبز هو طعام الجميع، الكبير والصغير، الذكر والانثى، الغنى والفقير، وهو كذلك لكل شعوب الدنيا، مهما اختلف اللون والجنس والثقافة والمستوى الاجتماعى. إن كل شعوب الدنيا تأكل الخبز. هكذا المسيح أتى لأجل الجميع.
(2) الخبز هو الطعام الوحيد الذى يدخل فى كل وجبة دون أن يمله الناس. هكذا المسيح ينبغى أن يدخل فى كل حياتنا وفى كل أمور حياتنا.
(3) يمكن الاستغناء عن أطعمة كثيرة لكننا لا نستغنى عن الخبز... ونحن لا نستغنى عن المسيح لأن الاستغناء عن المسيح معناه الهلاك.
(4) البعض لا يناسبه أكل أطعمة معينة، كاللحم والبقول والنشويات، أما الخبز فيناسب الجميع. وهكذا المسيح هو المخلص الذى فيه احتياجات الجميع.
(5) والخبز نأكله مع كل الوان الطعام. هكذا المسيح يجب أن يدخل فى كل أمور حياتنا.
اما المسيح كالماء الحى فنقول: لا أحد يستطيع الإستغناء عن الماء قال السيد المسيح للمرأة السامية «كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً ولكن من يشرب من الماء الذى أعطيه أنا، فلن يعطش الى الابد» (يوحنا 4: 13، 14). ويقول «إن عطش أحد فليقبل الى ويشرب» (يوحنا 7: 37). إن الماء من الأشياء التى لا يمكن أن يستغنى عنها الإنسان، هكذا المسيح. حتى أن داود النبى يقول «يا الله الهى اليك أبكر لأن نفسى عطشت اليك» (مزمور 63)... ولذلك فحينما يسمى المسيح نفسه أنه الماء الحى فهذا له دلالة عميقة.
(ب) نور العالم:
تساءل أيوب قديماً وقال «أين الطريق الى حيس يسكن النور» (أيوب 38: 19)...
وداود النبى قال.
«بنورك يا رب نعاين النور» (مزمور 36: 9)...
لقد كان الشعب قديماً جالساً فى ظلال الموت وفى الظلمة... وفى ملء الزمان أتى من استطاع أن يقول «أنا هو نور العال» (يوحنا 8: 12)... كان داود يترنم بهذا النور قديماً يقول «الرب نورى وخلاصى» (مزمور 27: 1)... ونجد هنا تلازم الكلمتين نورى وخلاصى. المسيح هو النور وهو المخلص. وبعدها يقول «الرب نورى وخلاصى مما أخاف» الإنسان عندما يسير فى الظلام يخاف وحينما يكون معه النور لا يخاف الظلام. وحينما يكون معه المخلص لا يخاف الأعداء.
وإذا كان المسيح قد قال أنا هو نور العالم، فما هو النور الذى ينير العالم؟ النور الذى ينير العالم هو الشمس. وفى الكتاب المقدس فى العهد القديم فى الخليقة يتكلم عن النيرين العظيمين الشمس والقمر. وكما نعرف ان القمر يستمد ضوءه من الشمس. فإذا كان المسيح يقول عن نفسه أنا هو نور العالم، فإنه الشمس، ويدعوه ملاخى النبى «شمس البر والشفاء فى اجنحتها» (ملاخى 4: 2). فماذا تفعل الشمس؟ إنها تعطينا ضوء وحرارة ودفئاً. حينما يقول المسيح عن نفسه أنه نور العالم، وشمس البر فهذا تعبيراً عن مدى احتياج العالم له، وفعالية ذلك فى حياة البشر.
كانت المنارة الذهبية ذات السبعة سرج فى داخل القدس بالهيكل قديماص هى التى تنير القدس، وكانت رمزاً للمسيح نور العالم. ورغم الحضارة والتكنولوجيا فإن العالم يحتاج الى النور – يحتاج الى المسيح. حسبما يقول أشعياء «الظلمة تغطى الأرض والظلام الدامس الأمم» (أشعياء 6: 2)... فالظلام الأدبى والروحى يخيم على العالم...
إن السيد المسيح كالشمس ينشر النور والحياة وسط عالم تغشاه الظلمة. إن الشمس هى مصدر الضوء والحرارة والحياة والخصب؛ وهذا هو ما جاء به المسيح الى عالم ملئ بالخطاة. إنه النور الوحيد الحقيقى الذى يضئ لكل إنسان آت الى العالم...
(ج) الباب:
نقطة أخرى فى التشبيهات والالقات التى أطلقها المسيح على نفسه. قال السيد المسيح.
«أنا هو الباب إن دخل بى أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى» (يوحنا 10: 9)...
الخطية أو خطايا البشر أقامت حاجزاً ضخماً بين البشر وبين الله. والمسيح فتح لنا باباً فى هذا الحاجز الضخم.
فى الرؤيا التى أعلنت ليعقوب وقت أن كان هارباً من وجه أخيه عيسو، رأى سلماً يربط الأرض بالسماء، وملائكة الله تنزل وتصعد عليه، قال بعد أن استيقظ من نومه «ما أرهب هذا المكان. ما هذا الا بيت الله وهذا باب السماء» (تكوين 28: 17)... ان المسيح هو باب السماء... لنتأمل فيما قاله المسيح «ليس أحد يأتى الى الآب الا بى» (يوحنا 14: 6)... أى أنه لا توجد وسيلة أخرى لبلوغ السماء سواه «الذى يدخل من الباب الى حظيرة الخراف، بل يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص» (يوحنا 10: 1)... ومعلوم ان السارقين لا يرثون ملكوت السموات (كورنثوس الأولى 6: 10). الذى يريد أن يطلع من موضع آخر ذاك سارق ولص. والسارقون واللصوص ليس لهم ملكوت السموات.
(د) الراعى الصالح:
من الالقاب أيضاً التى أطلقها المسيح على ذاته «الراعى الصالح» وهذه التسمية قديمة. فلقد أطلقها الله قديماص على ذاته. وقدم ذاته لشعبه كالراعى الذى يرعى شعبه. ونحن لدينا مزمور داود المشهور مزمور الراعى وهو المزمور الثالث والعشرون. وفى مطلعه يقول.
«الرب راعى فلا يعوزنى شئ»...
المسيح الذى تمت فيه نبوات العهد القديم – الرب راعى فلا يعوزنى شئ ويقول المرنم «اعلموا أن الرب هو الله. هو صنعنا وله نحن شعبه وغنم مرعاه» (مزمور 100: 3)...
وإذا انتقلنا الى أشعياء النبى نجده يقدم صورة جميلة للرب الراعى، يقول «كراع يرعى قطيعه. بذراعه يجمع الحملان. وفى حضنه يحملها ويقود المرضعات» (أشعياء 40: 11)...
ويتحدث الرب على فم حزقيال النبى فيقول «هأنذا أسأل عن غنمى وأفتقدها... أرعاها فى مرعى جيد... أنا أرع غنمى وأربضها يقول السيد الرب... وأطلب الضال واسترد المطرود وأجبر الكسير، وأعصب الجريح... وأرعاها بعدل» (حزقيال 34: 11 - 16)...
كان يهوه إله العهد القديم هو المتكلم، ووصف نفسه بأنه هو الراعى. ويأتى المسيح ويقول عن نفسه أنه الراعى الصالح الذى يبذل نفسه عن الخراف والذى يفتش عن الضال لأنه «ليست مشيئة أمام ابيكم الذى فى السموات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار» (متى 18: 12)... وقد تحنن على الجموع لما رآهم.
«منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعى لها» (متى 9: 36)...
انه يترك التسعة والتسعين من أجل خروف واحد ضال!! يذهب ويفتش عنه فى الجبال ومتى وجده يحمله على منكبيه فرحاً...
(ﻫ) القيامة:
تشبيه آخر أطلقه المسيح على ذاته «القيامة». قال الرب يسوع لمرقا فى ظرف موت أخيها لعازر «أنا هو القيامة والحياة من آمن بى ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بى فلن يموت الى الأبد» (يوحنا 11: 25، 26)... لم يستطع أحد من الأنبياء أن الرسل مهما عظم قدره أن يقول عن نفسه أنه هو «القيامة والحياة». لكن الرب يسوع قالها عن نفسه لانه هو الله نفسه الظاهر فى الجسد... هنا نلاحظ فى هذا التشبيه أن المسيح يذكر القيامة قبل الحياة. ولا شك أن المسيح يعنى بالقيامة شيئاً آخر غير القيامة التى فى ذهننا والتى ستكون فى نهاية العالم.
هنا يتكلم المسيح عن القيامة الروحية...
القيام من سقوط الخطية. فى سفر الرؤيا يتكلم عن.
القيامة الأولى والقيامة الثانية.
القيامة الأولى يقصد بها التوبة والحياة مع الله لأن الخطية تنشئ موتاً روحياً. فالخاطئ إنسان ميت. وفى مثلا الابن الضال يقول الأب «إبنى هذا كان ميتاً فعاش». الخطية موت لانها انفصال عن الله. والله ه ومصدر الحياة. الخاطئ إنسان ميت. وعندما يؤمن بالمسيح يقوم. ولذلك يقول بولس الرسول «استيقظ أيها النائم وقم من الأموت فيضئ لك المسيح» (أفسس 5: 14)... وهنا الموت موت الخطية. ولذلك يتكلم الرسول بولس فى موضع آخر قائلاً « وأقامنا معه وأجلسنا معه فى السمويات فى المسيح يسوع» (أفسس 2: 6).. ومما يؤيد أن هذه القيامة التى يتكلم عنها المسيح إنما هى القيامة من الخطية، قوله «الحق الحق أقول لكم تأتى ساعة وهى الآن حين يسمع الآموات صوت ابن الله والسامعون يحيون» (يوحنا 5: 25)... وواضح هنا أن الاموات، هم الاموات روحياً. لذلك فحينما يقول المسيح أنا هو القيامة والحياة يقصد القيامة الروحية. وبعد أن أقوم أنا القيامة الروحية أحيا مع المسيح وفى المسيح الذى هو الحياة «فيه كانت الحياة» (يوحنا 1: 4)...
(و) الطريق:
ننتقل لنقطة أخرى فى الالقاب أو الاسماء. المسيح شبه ذاته بالطريق «أنا هو الطريق»... منذ القديم كان الناس ينتظرون الهداية الى الطريق الصحيح. نقرأ لداود قوله «علمنى يا رب طريقك واهدنى فى سبيل مستقيم بسبب اعدائى» (مزمور 27: 11)... كما يقول «علمنى يا رب طريقك أسلك فى حقك» (مزمور 86: 11)... ثم يأتى المسيح ويقول «أنا هو الطريق». عن هذا الطريق تنبأ أشعياء قديماً وقال « وتكون هناك سكة وطريق يقال لها الطريق المقدسة لا يعبر فيها نجس... من سلك فى الطريق حتى الجهال لا يضل... يسلك المفديون فيها» (أشعياء 35: 8، 9)...
فما معنى أن المسيح هو الطريق؟
المسيح هو الطريق على الاقل بمعنيين. المعنى الأول، انه هو الطريق الى الآب، ولا يستطيع أحد أن يصل الى الآب الا به وفيه.
والمعنى الثانى للطريق، هو الطريق المريح. الطريق الحلو، الطريق الذى فيه الفضيلة، الطريق الذى فيه السلام. الطريق الذى فيه الفرح والراحة.
(ز) الحق:
إن كنا تكلمنا عن المسيح كالطريق فقد قال عن نفسه انه هو الحق «أنا هو الحق» (يوحنا 14: 6)...
لقد تغنى أنبياء العهد القديم بالحق فقال داود «أحكام الرب حق وعادلة كلها» (مزمور 19: 9)... وفى المزمور الكبير الذى نصليه فى صلاة نصف الليل، يقول داود «شريعتك حق... كل وصاياك حق... كلامك حق». وأخيراً جاء المسيح ليقول «أنا هو الحق» الحق ذاته وليس صفة... ان المسيح هو الحق الكامل. كما يقول يوحنا.
«النعمة والحق بيسوع المسيح صارا» (يوحنا 1: 17)...
المسيح هو الحق الكامل. الحق الذى يجب أن نعرف عن الله. المسيح وحده هو الذى كلمنا عن الله وكشف لنا عن الله أموراً كنا نجهلها «الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الجنس الذى فى حضن الآب هو خبر» (يوحنا 1: 18)...
«كل شئ قد دفع الى من أبى وليس احد يعرف الآب الا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له» (متى 11: 27)...
(ج) الطبيب:
ننتقل الى نقطة أخرى فى هذه التسميات والالقاب – لقد قال المسيح عن نفسه انه هو الطبيب. كانت مخالطة المسيح للخطاة والاشرار تهمة اتهمه بها الحاقدون عليه. لكن المسيح رد على انتقادهم بقوله.
«لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى... لأنى لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة الى التوبة» (متى 9: 12، 13)...
المسيح هو الطبيب الذى يستطيع ان يشفى كل عللنا، وأمراضنا – أمراض النفس والجسد والروح.
ففى معجزة شفاء المرأة نازفة الدم، يقول عنها مرقس الانجيلى.
«إمرأة بنزف دم منذ اثنتى عشرة سنة أنفقت كل معيشتها على الاطباء ولم تستفد شيئاً بل كانت تصير الى حال أردأ». (مرقس 5: 25)...
إن هذه المرأة نازفة الدم هى تصوير لحال البشرية وما وصلت اليه... لقد أنفقت كل ما عندها على الاطباء... البشر حاولوا أن يسعدوا ذواتهم. حاولوا أن يتغلبوا على أمراضهم وعلى متاعبهم عن طريق آخر غير الله، لكن ماذا كانت النتيجة، لم تستفد شيئاً بل كانت تصير الى حال أردً». ماذا فعلت المرأة إنها لم تستطع أن تواجه المسيح. انما قالت فى نفسها «إن مسست ولو ثيابه شفيت». فجاءت من ورائه ومست هدب ثوبه. أما النتيجة لهذه اللمسة «للوقت جف ينبوع دمها وعلمت فى جسمها أنها قد برئت من الداء».
كانت هذه المرأة نازفة الدم رمزاً للبشرية البائسة التى تعانى من أمراض روحية ونفسية وجسدية... وانجيل مرقس يذكر على وجه التحديد أن تلك المرأة كانت تعانى من علتها مدة اثنتى عشرة سنة... ومعنى ذلك أنها بلغت فى حالتها المرضية الى القمة، لان العدد 12 يشير الى اكتمال الشئ.
إن المسيح فى هذه المعجزة لم يكلم تلك المرأة، إنما مجرد لمس هدب ثوبه من الخلف وهبها الشفاء فى الحال...
نحن أمام المسيح الذى مع الاسف الشديد يعثر فيه كثيرون، لأنهم لم يحسوا بما كانت تحس به هذه المرأة نازفة الدم. كان العالم وما زال تستنزف قواه عوامل الشر والانحلال... ورغم كل الجهود البشرية المبذولة لا يقاف نزيف الفساد، فإن النتيجة أسوأ... ولن يشفى العالم ويبرأ عن علله الا إذا تقابل مع المسيح وتلامس معه. هنا سوف تحدث المعجزة... وإذا كانت تلك المرأة رمزاً للعالم فهى أيضاً رمز للنفس البشرية.
كان المسيح هو الطبيب، ولقد انتظر الشعب قديماً هذا الطبيب حتى تساءل أرميا «اليس بلسان فى جلعاد. أم ليس هناك طبيب. فلماذا لم تعصب بنت شعبى» (أرميا 8: 22)... طبعاً المطلوب هو طبيب للأرواح. وكثيرا ما يكون مرض الجسد نتيجة الخطية والشر... ولدينا قصة الرجل المفلوج الذى دلاه الاربعة من السقف. لقد قال له المسيح فى بداية الامر «مغفورة لك خطاياك» (لوقا 5: 20)... وكذلك فى معجزة شفاء مريض بيت حسدا قال له المسيح بعد شفائه «ها أنت قد برئت. فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر» (يوحنا 5: 14)...
كان البشر محتاجين الى هذا الطبيب الذى يعالج الداء من أساسه. يخلص الناس من سلطانه الخطية، ويعطيهم النصرة على الشر. هذا وكان أشعياء النبى قد أعلن أن خطية الشعب قاتلة وبدون طب أو علاج. ويصف حالة الشعب فيقول «كل الرأس مريض كل القلب سقيم من أسفل القدم الى الرأس، ليس فيه صحة بل جرح وإحباط. وضربة طرية لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بالزيت» (أشعياء 1: 5، 6)...
وأخيراً جاء هذا الطبيب الذى طالما انتظره البشر، وكان يشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب (متى 4: 23)... حتى انه عندما أرسل تلاميذه فى ارسالياتهم قال لهم «اشفوا مرضى طهروا برصاً. اقيموا موتى. اخرجوا شياطين مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا» (متى 10: 8)...
(ط) العريس:
آخر هذه التشبيهات والالقاب لكن ليس كلها. وهى من الالقاب الحلوه التى أنا شخصياً أحبها... حينما يسمى المسيح نفسه العريس.
آخر هذه الالقاب هو «العريس»... المسيح يقدم لنا نفسه كالعريس. فى مثل العشر عذارى يقول المسيح له المجد «يشبه ملكوت السموات عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس... وفيما ابطأ العريس نعسن جميعهن ونمن. ففى نصف الليل صار صراخ هوذا العريس مقبل فاخرجن للقائه» (متى 25: 1 - 6)...
المسيح هو العريس... إن هذا يذكرنا بما قاله القديس بولس «فإنى أغار عليكم غيرة الله لأنى خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح» (كورنثوس الثانية 11: 2)...
المسيح هو عريس النفس. كل النفوس مخطوبة له سواء كانوا رجالاً أو نساء، شباناً أو شابات... هو العريس الوحيد للنفس البشرية. وطوبى للنفس التى أحبته وطوبى للنفس التى حفظت ذاتها له، وفضلته على كل شئ آخر. طوبى للنفس التى ارتبطت به، وأحبته وانتظرته وملأت مصابحها بزيت البهجة وسهرت سهر النفس استعداداً لمجيئه.
(رابعاً) مسيح الخلاص والحب والمحجمون والرافضون
هذا المسيح الذى تحدثنا عنه، وما يصاحبه من بركات يتمتع بها كل من يرتبط به، ويسير معه... هذا المسيح المخلص، مازال هناك كثيرون محرومين من نعمته وبركاته. وهؤلاء يؤلفون فريقين: فريق المحجمين وفريق الرافضين.
(أ) فريق المحجمين:
المحجمون هم المسيحيون بالاسم. المسيحيون بشهادة الميلاد أو البطاقة الشخصية. وهؤلاء هم الذين حرموا أنفسهم بأنفسهم من بركات المسيح. إن الانسان المسيحى بالاسم يأخذ من المسيحية تعبها وضيقها وألمها، ولا يأخذ منها بركاتها... لكن ليعلم مثل هذا الانسان أن مجرد حمله اسم مسيحى وانتمائه للمسيحية، يثير عليه متاعب كثيرة، حتى ولو كان اشر إنسان فى الوجود. إن الشهداء والمعترفين المسيحيين منذ بداية المسيحية تعرضوا للأذى من أجل تهمة الاسم وحده. هنا تصدق كلمات المسيح.
«تكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمى» (متى 10: 22)...
إن الحياة مع المسيح كلها بركة وثقل مجد... ولا يوجد إنسان عاش مع المسيح وتعب. يقولون كيف هذا؟ وقد جعل المسيح حمل الصليب هو علامة التلمذة له، وانه «فى العالم سيكون لكم ضيق»... «تأتى ساعة فيها يظن كل من يقتلكم انه يقدم خدمة لله» (يوحنا 16: 2)... نعم لقد قال المسيح كل ذلك وغيره، لكن حمل الصليب ينشئ فرحاًن، لانه يوصل الى المجد.. «خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً» (كورنثوس الثانية 4: 17)... العالم اليوم يلهث نحو السلام، لكن لا سلام قال الرب للأشرار (أشعياء 48: 22)... لكن الانسان الذى يحيا مع الله يتمتع بسلامه العجيب الذى يفوق كل عقل... وحتى حينما تأتى علينا الضيقات، تمتزج بالتعزية.
نتذكر هنا كلمات حنانيا التى قالها لشاول الطرسوسى عقب ظهور السيد المسيح له على مقربة من دمشق « والآن لماذا نتوانى. قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب» (أعمال الرسل 22: 16)... نعم الآن لماذا نتوانى أيها الأخ المبارك. أنت يا من لم تختبر محبة المسيح وبركته فى حياتك، لماذا نتوانى؟... الله يريدك أن تدخل معه الى حياة العمق... اننا فى العمق نستطيع أن ندرك معجزة المسيحية. أما الانسان الذى يعيش على هامش المسيحية، فإنه لا يرى فى المسيحية سوى ثقل ونير وحرمان.
شخص كبولس الرسول، حاول اليهود أن يقتلوه اكثر من مرة... لكن نتساءل ما الذى اضطرك الى هذا يا بولس. لقد كنت قبل ايمانك بالمسيح ذا سلطان تأمر تنهى وتقبض على الناس وتزج بهم فى السجون، فلماذا ارتضيت أن تتنازل عن سلطانك الدنيوى لتصبح أسير يسوع المسيح؟! لكنه يجيبنا قائلاً «ما كان لى ربحاً فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة. بل انى أحسب كل شئ أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربى، الذى من أجله خسرت كل الاشياء، وانا احسبها نفاية لكى أربح المسيح وأوجد فيه» (فيلبى 3: 7 - 9)... بولس هذا هو الذى قال «من سيفصلنا عن محبة المسيح. اشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف... ولكننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذى أحبنا. فإنى متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة. لا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التى فى المسيح يسوع ربنا» (رومية 8: 35 - 39)...
(ب) فريق الرافضين:
أما عن فريق الرافضين وهم الذين يرفضون المسيح رباً ومخلصاً. فهؤلاء نذكرهم بدموع ونصلى من أجلهم. نذكرهم بدموع لاننا نحبهم نحبهم ولا نريد لهم النهاية التى تنتظرهم. إن هذه النهاية حتميه ومؤكده اسمعوا. ما قاله المسيح لنيقوديموس «الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله... الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح» (يوحنا 3: 3 - 6)... ويقول بعد هذا الحديث «الذى يؤمن به لا يدان والذى لا يؤمن قد دين لانه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وهذه هى الدينونة أن النور قد جاء الى العالم، وأحب الناس الظلمة اكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة» (يوحنا 3: 18 - 19)... وفى نفس الاصحاح أيضاً يقول.
«الذى يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذى لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله» (يوحنا 3: 36)...
لا توجد كلمات أوضح من هذه الكلمات. من أجل ذلك نحن نذكرهم ونصلى لأجلهم ونقول له ليتقدس اسمك فى أفواه هؤلاء. ليأت ملكوتك. لتملك أنت يا رب علينا. ليعرفوك أنت الاله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته... الذى.
«ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص» (أعمال الرسل 4: 12).
(خامساً) عرس الحمل الأبدى
ننتقل الى النقطة الاخيرة فى موضوعنا وهى عن عرس الحمل الابدى أى عرس المسيح مشتهى الاجيال...
لقد قال المسيح له المجد «أنا أمضى لأعد لكم مكاناً وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً، آتى أيضاً وآخذكم الى، حتى حيث اكون أنا تكونون أنتم أيضاً» (يوحنا 14: 2، 3).
ما هذا؟! حيث يكون المسيح سأكون أنا أيضاً!! إنه شرف كبير... كل التعب سيزول. سيمسح الرب كل دمعة من عيون التعابى (رؤيا 7: 17، 21: 4)... نعم كل التعب سيزول، ولا يقاس بالمجد... كان هذا هو اختبار القديس بولس الرسول «إنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن» (رومية 8: 18)... لقد كان القديسون فى غاية العقل والحكمة لأنهم لم يبيعوا السماء بمجد زائل. ولذلك ضيقوا على أنفسهم من أجل الراحة المزمعة والمجد العتيد.
ولكن ماذا عن هذا العرس.. متى، وأين سيكون، وماذا عنه؟!.
(أ) زمان العرس:
بعد الدينونة العامة يزف المؤمنون للعريس «الختن» السماوى ربنا يسوع المسيح... كنا ونحن بالجسد – بحسب تعبير بولس الرسول مخطوبين له. والخطوبة هى مقدمة للزواج. بعد فترة الخطوبة يكون العرس... وفترة الخطوبة هى فترة اختبار. هى ليست ارتباطاً نهائياً. وإما أن يتم الزواج، وأما أن يعدل عنه... إذا توافق الخطيبان يتم زواجهما. وهذا ما سوف يحدث بالنسبة لنا. المسيح عريس نفوسنا قدم مهراً ثميناً – لا يقدر عليه أحد من البشر – لقد قدم ذاته، وسفك دمه.
بعد الدينونة العامة يزف المؤمنون القديسون الى الختن السماوى. هذا عن زمان العرس، فأين سيكون.
(ب) مكان العرس:
اين سيكون هذا العرس. هل سيكون فى كنيسة أو مكان آخر؟ مكان العرس فى السماء فى أورشليم السمائية. فى عالم آخر غير عالمنا.
يقول يوحنا فى رؤياه «ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة. لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا. والبحر لا يوجد فيما بعد» (الرؤيا 21: 1)... وأقول هنا كلمة صغيرة تعليقاً بسيطاً على قوله « والبحر لا يوجد». البحر «أى الماء» هو الذى يفصل الاراضى عن بعضها والقارات عن بعضها. ويعبر بطرس الرسول عن هذا المكان الجديد بقوله «أرض جديدة يسكن فيها البر» (بطرس الثانية 3: 13)...
(ج) وصف مكان العرس الابدى:
يصفه يوحنا فى رؤياه فيقول « وذهب بى بالروح الى جبل عظيم عال وأرانى المدينة العظيمة أورشليم المقدسة نازله من السماء من عند الله. لها مجد الله ولمعانها شبه اكرم حجر كحجر يشب بلورى وكان لها سور عظيم وعال وكان لها إثنا عشر بابا وعلى الابواب إثنا عشر ملاكاً وأسماء مكتوبة هى أسماء أسباط بنى اسرائيل الاثنى عشر من الشرق ثلثة أبواب ومن الشمال ثلثة أبواب ومن الجنوب ثلثة أبواب ومن الغرب ثلثة أبواب. وسور المدينة كان له إثنا عشر أساساً وعليها أسماء رسل الخروف الاثنى عشر والذى كان يتكلم معى كان معه قصبة من ذهب لكى يقيس المدينة وأبوابها وسورها. والمدينة كانت موضوعة مربعة طولها بقدر العرض. فقاس المدينة بالقصبة مسافة اثنى عشر الف غلوة. الطول والعرض والارتفاع متساوية وقاس سورها مئة وأربعا واربعين ذراعاً ذراع إنسان أى الملاك. وكان بناء سورها من يشب والمدينة ذهب نقى شبه زجاج نقى وأساسات سور المدينة مزينة بكل حجر كريم. الاساس الأول يشب. الثانى ياقوت أزرق. الثالث عقيق أبيض. الرابع زمرد ذبابى. الخامس جزع عقيقى. السادس عقيق أحمر. السابع زبرجد الثامن زمرد سلقى. التاسع ياقوت أصفر. العاشر عقيق أخضر الحادى عشر اسمانجونى الثانى عشر جمشت. والاثنا عشر باباً إثنتا عشرة لؤلؤة كل واحد من الابواب كان من لؤلؤة واحدة وسوق المدينة ذهب نقى كزجاج شفاف. ولم أر فيها هيكلاً لأن الرب الله القادر على كل شئ هو والخروف هيكلها. والمدينة لا تحتاج الى الشمس ولا الى القمر ليضيئا فيها لأن مجد الله قد أنارها والخروف سراجها. وتمشى شعوب المخلصين بنورها وملوك الارض يجيئون بمجدهم وكرامتهم اليها وأبوابها لن تغلق نهاراً لأن ليلا لا يكون هناك. ويجيئون بمجد الامم وكرامتهم اليها ولن يدخلها شئ دنس ولا ما يصنع رجساً وكذباً الا المكتوبين فى سفر حياة الخروف» (رؤيا 21: 10 - 27). لقد أعد السيد المسيح لنا هذا المكان الذى سنسكن فيه «أنا ذاهب لأعد لكم مكاناً».
نلاحظ من هذا الكلام أن المدينة كلها من الذهب النقى. وهذا يشير الى غنى مالك هذه المدينة وثراء ساكنيها... «كفقراء ولكن نغنى كثيرين. كأن لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ»... نحن نملك كل شئ، لأننا ملكنا المسيح ذاته. لكن يوحنا يقول عن هذا الذهب أنه ذهب نقى شبه زجاج أو بللور نقى، وليس مثل الذهب المعروف لنا.
الذهب يعبر عن الغنى وأما البللور النقى يشير الى نقاوة حياة الناس الذين فى هذا العرس.
أما عن هذه الوليمة ومدتها... نحن نقرأ فى سفر استير عن الملك أحشويرش الذى عمل وليمة، ظل العالم كله فى ذلك الوقت يتحدث عنها. هذه الوليمة استمرت مائة وثمانين يوماً أى ستة شهور. لكن ماذا تكون هذه الوليمة بالقياس الى وليمة المسيح فى عرس مجده الابدى، التى سوف تستمر الى الابد.
(د) الأطعمة التى تقدم فى هذا العرس:
ماذا يقدم فى هذه الوليمة؟ لا تهتموا بهذا الامر فالسيد المسيح، حينما أرسل تلاميذه فى ارساليات تدريبية أوصاهم الا يحملوا كيساً أو مزوداً. قال السيد المسيح لهم أن الطعام هناك سيكون شجرة الحياة «من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التى فى وسط فردوس الله. وسأعطيه أن يأكل من المن المخفى» (رؤيا 2: 7، 17)...
(ﻫ) الشراب فى هذا العرس:
ماذا يقدم هناك للشراب؟ يقول يوحنا.
«الخروف الذى فى وسط العرش يرعاهم ويقتادهم الى ينابيع ماء حية» (رؤيا 7: 17)...
هناك.
فى السماء فرح ووليمة مستمرة الى الابد – ليس هناك بكاء ولا تنهد أو وجع أو مرض.
فترة الخماسين فى طقس كنيستنا التى تعقب عيد القيامة، ليس فيها صوم ولا مطانيات أو أى شئ من أعمال التقشف. وما ذلك الا رمز لحياتنا فى السماء.
والخلاصة أننا سنحيا فى فرح دائم وسنملك مع الله «تعالوا الى يا مباركى أبى رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم» (متى 25: 34)... «من يغلب فسأعطيه أن يجلس معى فى عرشى. كما غلبت أنا أيضاً وجلست مع أبى فى عرشه» (رؤيا 3: 21)... أيها الاخوة أريد أن اختم بكلمة وأقول...
لتفرح عروس النشيد بعريسها...
لقد تحققت كل أشواقها «ادخلنى الملك الى حجاله. نبتهج ونفرح بك. نذكر حبك اكثر من الخمر... شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى... حبيبى أبيض وأحمر... حلقه حلاوة وكله مشتهيات.. أنا لحبيبى والى اشتياقه... اجعلنى كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك. لأن المحبة قوية كالموت... مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها» (نشيد الانشاد 1: 4، 2: 6، 5: 10، 16، 7: 10، 8: 6، 7)...
هذا هو المسيح الهنا الذى نحبه لأنه أحبنا أولاً... ليته يباركنا ويفتقدنا بنعمته له كل المجد والكرامة الى أبد الدهور كلها آمين.
[22] - انظر لاونيين 18: 21؛ 20: 2 - 4؛ ملوك الأول 11: 7؛ وملوك الثانى 23: 10.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.