الكتاب المقدس والآراء الفكرية المعاصرة العهد القديم

تقديم

"كتابنا المقدس ومسيحنا القدوس"

حول هذا الموضوع المزدوج يجتمع المسيحيون فى العالم، من مختلف الكنائس والمذاهب... قد يختلف المسيحيون فى بعض التفاصيل والعقائد الإيمانية. لكنهم لم ولن يختلفوا حول "الكتاب المقدس، وشخص المسيح المبارك"...

فالكتاب المقدس هو دستور المسيحيين... إليه يرجع كل مسيحى، أياً كانت هويته، والكنيسة التى ينتمى اليها ويستند الى نصوصه مثبتاً صدق إيمان ومعتقده... وإليه يرجع كل مؤمن بالمسيح أياً كانت قامته الروحية، لينهل من منهله العذب، ويشبع من كلماته التى هى روح الحياة.

لقد تعرض هذا الكتاب على مدى الأجيال، وما زال حتى الآن، لهجمات كثيرة، بعضها مغرض، وبعضها عقلانى...

لكنه خرج من كل المعارك سالماً ظافراً، مثبتاً بذلك على أنه كتاب الله لكل البشر... لم ولن يسقط حرف واحد منه... بل إن زوال السماء والأرض أيسر من أن يسقط حرف من كلماته...

"وشخص المسيح"... هو لب الديانة المسيحية وجوهرها...

للمسيحيين هو الاله والمخلص الفادى، بل هو كل شئ لهم...

"به نحيا ونتحرك ونوجد" و "منه وبه وله كل الأشياء"... هو حياة المسيحيين، وعونهم ورجاؤهم... يتقدمون بعبادتهم إليه، وإليه يلتجئون فى كل شدائدهم... ورجاؤهم الذى يعزيهم عن كل أتعاب الحياة، أنهم سيحيون معه حياة الأبد فى السماء.

والرابطة وثيقة لا تنفصم بين المسيح والكتاب المقدس...

فموضوع الكتاب المقدس من أوله إلى آخره هو شخص المسيح... إليه أشار الأنبياء وعنه تنبأوا... تنبأوا عن حقيقة شخصه الإلهى ورسالته ومعجزاته وألامه وصلبه وقيامته... لذا لا نعجب إن رأينا المسيح يدعو اليهود المعاصرين له أن يفتشوا كتب الأنبياء السابقين لأنها "تشهد لى" (انجيل يوحنا 5: 39). كما أنه بعد قيامته من بين الأموات، فسر لبعض تلاميذه "الأمور المختصه به فى جميع الكتب" (انجيل لوقا 24: 27)...

وموضوعات هذا الكتاب تعتبر مكملة لموضوعات كتاب "أيماننا الأقدس" الذى صدر فى العالم الماضى. وقد القيت فى سبع عظات فى الصوم الأربعينى المقدس سنة 1979 فى مدينتى طنطا والمحلة الكبرى. يسعدنى ان أقدم هذا الكتاب إلى كل مسيحى، فهو يمس جوهر الديانة المسيحية... وحتى ما يكون المسيحيو مستعدين لمجاوبة كل من يسألهم عن سبب الرجاء الذى فيهم...

وانى أضع هذا الكتاب بين يدى من أحبنا وفدانا، ليجعله سبب بركة لكل من يقرأه...

والهنا المبارك الذى دعان لمجده الأبدى، فى المسيح يسوع يحفظنا جميعاً فى ايمانه بلا لوم ولا عثرة لحين ظهروه. وله كل المجد والكرامة إلى الأبد آمين،.

يوأنس.

بنعمة الله اسقف الغربية.

31 من يناير سنة 1980 تذكار نياحة القديس.

22 من طوبة سنة 1696 الأنبا أنطوينوس أب الرهبان.

الكتاب المقدس والآراء الفكرية المعاصرة العهد القديم

أيها الإخوة الأحباء المباركين سلسلة عظات الصوم المقدس فى هذا العام عن «كتابنا المقدس ومسيحنا القدوس» لقد كانت سلسلة العام الماضى عن «إيماننا الأقدس»[1]، وتأتى سلسلة هذا العام كشئ مكمل لما قلناه فى العام الماضى فى مثل هذا الصوم...

وقد طلب كثير من أبنائنا أن تكون سلسلة هذا العام تعالج مواضيع روحية. لكن الضرورة وحدها هى التى تحتم علينا الاعداد للمواضيع الدراسية اللاهوتية. وتحتم علينا أيضاً دوام الحديث عن أمثال هذه الموضوعات الإيمانية...

إن عدو الخير يحاول أن يلقى بكل ثقله على الإيمان المسيحى، محاولاً إتلافه أو تشويهه

، لكى ما يقتنص ما يمكن أن يقتنصه ممن دعى اسم المسيح عليهم... ولذلك فنحن مضطرون أن نتحدث وبإستمرار عن هذين الموضوعين الذين هما هدف كل الهجمات: الكتاب المقدس وشخص المسيح من جهة لاهوته.

وفى موضوع الكتاب المقدس وشخص المسيح المبارك ولاهوته لا تختلف كنيستان مسيحيتان، ولا يختلف اثنان من المسيحيين.

على مدى الأجيال آمن المسيحيون إيماناً ثابتاً بالكتاب المقدس على أنه كتاب الله، الذى كتب بالروح القدس لكن بقدر ما كان إيمان المسيحيين بكتابهم المقدس عظيماً، بقدر المعارك الشديدة التى خاضها هذا الكتاب إثباتاً لإصالته وصحته وسلامته. لقد واجه الكتاب الفلاسفة الوثنيين، والعقلانيين المحدثين، وفئات من المغرضين، وخرج من كل هذه المعارك سليماً، مثبتاً أنه كتاب الله، الذى لم ولن يسقط حرف واحد منه.

وعلى مدى الأجيال أيضاً آمن المسيحيون بشخص المسيح المبارك على أنه الله الذى ظهر فى الجسد... حول هذا العقيدة اجتمع المسيحيون فى العالم كله بصرف النظر عن بعض مفاهيمهم الإيمانية، واعتبروها العقيدة الإيمانية الأولى فى المسيحية.

ومن أجل الإيمان بلاهوت المسيح وصحة الكتاب المقدس ككتاب الله، استشهد آلاف بل ملايين المسيحيين، مفضلين ان يجودوا بأرواحهم على التفريط فى إيمانهم الحى... لكن الصراع بين المسيحيين وخصومهم فى الرأى من جهة هذين الموضوعين مازال قائماً بصورة أو بأخرى، ومازالت القضية مطروحة حتى الآن. إن هذا الأمر الذى نتصدى له لا يرهبنا... فلدينا وعد المسيح الذى أسس كنيسته على الصخر وأعطى الوعد أن أبواب الجحيم – أى قوات الشر مهما بلغت ضراوتها ووحشيتها – لن تقوى عليها. بقوة هذا الوعد المبارك سلخت الكنيسة المسيحية من عمرها قرابة الألفى عام، متخطية كل العقبات، مصارعة كل المضطهدين مفندة كل البدع والهرطقات، مبددة كل الشكوك، معلنة سمو الفضيلة فى عالم عمته الرذيلة والفساد، حاملة مشغل النور وسط مجتمعات غشيتها الظلمة... ونا نتذكر ما قاله صاحب النشيد عن الكنيسة أنها «مشرقة مثل الصباح، جميلة كالقمر، طاهرة كالشمس، مرهبة كجيش بألوية» (نش 6: 10).

وفى بداية موضوعنا عن الكتاب المقدس والآراء الفكرية المعاصرة نستطيع أن نلخص ما جاء فى الكتب من نقد للكتاب المقدس فى نقطتين:

«أولاً» ما يقال عن عدم توافق بين بعض ما ورد فى الكتاب المقدس ونظريات العلم الحديث.

«ثانياً» ما يقال من أخطاء تاريخية فى تفاصيل بعض قصص العهد القديم وتدوين الأناجيل وزمن كتابتها...

ونعالج موضوع «الكتاب المقدس والآراء الفكرية المعاصرة» فى عظتين... عظة هذا المساء نتحدث فيها عن العهد القديم، وعظة الاسبوع القادم ونتناول فيها العهد الجديد.

«أولاً» القول بعدم توافق الكتاب المقدس والعلم الحديث:

وقبل أن نخوض فى هذه النقطة نضع أمامنا بعض الحقائق:

«1» هناك فارق جوهرى بين كتب العلم الحديث والكتاب المقدس

فالعلم الحديث عبارة عن مجموعة من المعلومات تتراكم على مر السنين نتيجة أبحاث الانسان إلى أن تثبت صحتها أو خطأها. وحينئذ فقط تصبح مجموعة من الحقائق... أى أن الرأى الذى يناديه به عالم من العلماء لا يصبح نظرية علمية إلا بعد تمحيص هذا الرأى بواسطة العلماء الاخرين... وهكذا فإن العلم يشبه الطفل الذى ينمو. أما الكتاب المقدس فإنه شئ قديم جداً... هو أشبه بشيخ وقور... وهكذا فإن العلم يبدو إلى جوار الكتبا المقدس كطفل أمام شيخ مهيب.

وثمة شئ أساسى هو أن الكتاب المقدس ليس هو كتاب علم. ولو كان الكتاب المقدس كتاباً من كتب العلم لوجب أن يكتب من جديد مرة فى كل جيل على الاقل، لأن كتب العلم التى مضى عليها عشرون سنة أو ثلاثون تفقد قيمتها العلمية. وإستنتاجات أى جيل من البشر، تكون هى موضوع البحث فى الجيل الذى يليه، والمعرفة العلمية دائماً فى حالة تغيير.

«2» الكتاب المقدس يحوى حقائق علمية مكتوبة بإسلوب غير علمى.

وذلك لأن للكتاب المقدس هدفاً آخر... ومع كونه كتاباً غير علمى فإنه خال من أى خطأ علمى... نحن نسمع كل يوم عن إصطلاحات علمية جديدة تضاف إلى العلم. أما الكتاب المقدس فهو وإن كان كتاب قديم لكنه يحوى حقائق علمية صحيحة... ولو كتب الكتاب المقدس بلغة العلم لفقد قيمته ككتاب الله لكل البشر، يستهدف رسالة خاصة إلى كل الفئات من علماء وبسطاء... فالكتاب المقدس كتاب الجميع للعالم والجاهل... لكل الاجناس وكل الثقافات. إنه يحوى رسالة الله للبشر من أجل خلاصهم. ومن العجيب – ولعل ذلك يعتبر من المعجزات – أن الكتاب المقدس يعرض الحقائق العلمية بلغة بسيطة جداً، يفهمها الجميع حتى الاطفال، بعيداً عن تعقيد الاسلوب العلمى وصعوبته.

«3» الكتاب المقدس خال من الاخطاء العلمية التى كانت شائعة فى أزمنة كتابته...

ولو أن الكتاب المقدس ليس كتاب علم – بالمفهوم العلمى – ولكنه ومع ذلك خال من الأخطاء العلمية التى كانت شائعة فى أزمنة كتابته – فمثلاً:

موسى

عاش فى مصر لغاية سن 40 سنة وتعلم فى المدارس المصرية، وتهذب بكل حكمة المصريين كما يقول الكتاب المقدس. ومع ذلك لا نجد أن أسفار موسى الخمسة التى كتبها – وهى الاسفار الخمسة الأولى فى الكتاب المقدس[2] – تحوى شيئاً من الخرافات التى كانت سائدة فى مصر فى عصره. كانت هناك خرافات كثيرة شائعة. ولو لم تكن هذه الكتاب بإلهام من الروح القدس لظهرت هذه الخرافات فيما كتبه موسى.

دانيال

عاش فى بابل، وكانت فى ذلك الوقت إمبراطورية عظيمة. ولا يحوى السفر الذى يحمل إسمه شيئاً من الخرافات والاساطير البابلية. ومنها أن الأرض يحملها ثور على قرنيه. وعندما تحدث زلزلة يعللونها أن الثور ينقل الأرض من أحد قرنيه الى الآخر. وفى كل العبادات الوثنية نجد أمثلة كثيرة لمثل هذه الأساطير.

«4» ما ظنه أعداء الكتاب المقدس أنه دليل على خطأه، هو فى الحقيقة بمثابة تنبؤ عن كثير من الحقائق العلمية المكتشفة حديثاً.

فمثلاً: -

«أ» يقول أشعياء النبى

« ويرفع (السيد) راية للأمم ويجمع منفى اسرائيل، ويضم مشنتنى يهوذا من أربعة أطراف الأرض» (أشعياء 11: 12)... لقد ظن النقاد أن فى قول أشعياء «أربعة أطراف الأرض» دليل على إعتقاده أن الأرض منبسطة، بينما هى كروية... والواقع أن هذا التعبير.

«أربعة أطراف الأرض»

أو أربعة أركان الارض، تعبير يقصد به الأربعة جهات الأصلية. الشمال والجنوب والشرق والغرب... ولم يقصد أشعياء أن الأرض منبسطة بدليل قوله فى موضع آخر من سفره «الجالس على كرة الأرض» (أِشعياء 40: 22)... وكلام أشعياء هنا فى غاية الوضوح. علماً أن كروية الأرض لم يصل البشر إلى معرفتها إلا بعد آلاف السنين.

«ب» موسى

فى كلامه عن خلقة العالم فى بداية سفر التكوين، قسم أعمال الله على ست فترات من الزمن مبتدئاً بالنباتات البسيطة «العشب»، ثم البقل، ثم الشجر... بعد ذلك ظهرت الحيوانات المائية، ثم الطيور، وأخيراً الانسان... هذا الترتيب هو نفس الترتيب الذى يضعه علم الحياة للكائنات الحية... أما الاعتراض على كلمة.

«اليوم»

الواردة فى قصة الخلق، فمعلوم أنه لا يقصد بها اليوم بمعنى 24 ساعة، لأن اليوم بحسب مفهومنا والذى مدته 24 ساعة يتحدد بالشمس. ولكن الشمس لم تخلق الا فى اليوم الرابع... يقول المرتل «لأن الف سنة فى عينيك مثل يوم أمس. بعد ما عبر وكهزيع من الليل» (مزمور 90: 4). ويقول بطرس الرسول « ولكن لا يخف عليكم هذا الشئ الواحد أيها الاحباء أن يوماً واحداً عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد» (رسالة بطرس الثانية 3: 8)... ويقول أيوب مخاطباً لله «ألك عينا بشر، أم كنظر الانسان تنظر. آآيامك كأيام الانسان، أم سنوك كأيام الرجل» (أيوب 10: 4، 5). بل حتى القرآن نفسه يؤيدنا فى هذه النقطة فيقول فى (سورة السجدة: 4) «فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون» وفى موضع آخر فى (سورة المعارج: 3) «فى يوم مقداره خمسين ألف سنة».

«ج» ويكتب موسى النبى

فى (تكوين 1: 9، 10) « وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء الى مكان واحد ولتظهر اليابسة وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضاً ومجتمع المياه دعاه بحاراً»... هناك إعتراض على هذا الكلام. إذ كيف تجتمع المياه تحت السماء الى مكان واحد «المحيطات». لكن هذا الأمر صحيح علمياً، إذ أن المحيطات السبعة مشتركة مع بعضها إذ لها قاع واحد... أما البحار فهى منفصلة، ولذا ذكرها بصيغة الجمع «بحاراً». هذه المعلومات الجغرافية لم تكن معلومة فى زمان موسى. ومع ذلك كتب موسى هذه المعلومات الصحيحة علمياً دون أن يدرى... وتفسير ذلك أنه كانت هناك قوة أخرى ترشد موسى، وهو ما نسميه الوحى.

«د» فى زمان أيوب

كانوا يعتقدون أن الأرض مرتكزة على شئ ما، وإن إختلفوا فى هذا الشئ... لكن أيوب يصف قدرة الله ويقول «يمد الشمال على الخلاء، ويعلق الأرض على لا شئ» (أيوب 26: 7)... وقوله «يعلق الارض على لا شئ» هو ما يسميه العلماء بالجاذبية التى تحفظ التوازن فى هذا الكون. فمن أين أتت هذه المعرفة العلمية الى أيوب حتى أنه يقول أن الأرض معلقة على لا شئ!! هذا الاسلوب البسيط هو الذى يعبر عنه علمياً بالجاذبية.

«ﻫ» يقول سليمان الحكيم

«كل الانهار تجرى الى البحر، والبحر ليس بملآن. الى المكان الذى جرت منه الأنهار، الى هناك تذهب راجعة» (الجامعة 1: 7). وهذا الكلام بتمشى مع نظرية علمية تقول بعدم ارتفاع وإزدياد مستوى المياه فى البحار نتيجة تبخر المياه، وتحولها الى سحب تسوقها الرياح وتسقط أمطاراً، وهكذا تدور الدورة... هذه المعلومات الجغرافية مكتوبة بإسلوب مبسط...

« و» يقول القديس بولس الرسول

«ليس كل جسد جسداً واحداً. بل للناس جسد واحد وللبهائم جسد آخر وللسمك آخر وللطير آخر» (كورنثوس الأولى 15: 39). وهكذا يتكلم الكتاب المقدس بوضوح بوجود إختلاف بيولوجى وسيتولوجى فى تركيب الخلية فى هذه الكائنات المختلفة... قد يعترض البعض ويقول: إن هذا الاختلاف غير موجود، إذ أن كلا من هذه الاجسام تتكون من خلايا. وكل الخلايا لها تركيب متشابه. أى أن لكل خلية من هذه الخلايا جدار ونواه وبروتوبلازم... لكن الحقيقة التى أوضحها العلم الحديث، أن هناك إختلافاً أساسياً فى تركيب الخلايا الحيوانية، التى تنتمى الى قبائل حيوانية مختلفة... وبناء على ذلك، يستطيع الطبيب الشرعى أن يميز بين قطعة لحم صغيرة من جسم آدمى، وبين نظيرها من أجسام الحيوانات الاخرى.

«ز» ويوجه القديس بولس الرسول كلامه فى أثينا

الى رهط من الفلاسفة الرواقيين والأبيقوريين ويقول عن الله «صنع من دم واحد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض» (أعمال الرسل 17: 26)... وهنا يعترض البعض بقولهم إن بولس الرسول قد أخطأ حين قال «من دم واحد»، لأنه توجد أربع فصائل للدم البشرى O,A,B,AB... لكن هذا الاعتراض فى غير محله لأنه لا يمكن التمييز بين البشر عن طريق تحليل دمائهم... بمعنى أنه لا يمكن أن يكشف تحليل الدم عن الجنس الذى ينتمى اليه إنسان ما، وهل هو إفريقى أو أوروبى أو زنجى... من العظماء أو من الفقراء!!... فدماء كل شعب من شعوب الارض تشمل هذه الفصائل الاربعة، بغض النظر عن توزيعهم الجغرافى، أو لونهم... وهذا ما يعنيه الرسول.

تتقدم لنعرض لبعض الاعتراضات الكبيرة... والحقيقة أن الكلام متشابه، والنغمة تكاد تكون واحدة وكذلك الإتهامات...

فلك نوح والطوفان:

هناك إعتراض كبير على موضوع نوح والفلك والطوفان....

هناك عدة تساؤلات: -

هل قصة الفلك حقيقة أم أسطورة خرافية؟

إلى أى حد تتفق أبعاد الفلك «الطول والعرض والارتفاع» الواردة فى الكتاب المقدس مع تصميم السفن بالمفهوم العلمى الحديث؟

ما مقدار حموله الفلك تبعاً لوصف الكتاب المقدس وأعداد الحيوانات التى أدخلت إليه؟..

إلى أى حد تتفق قصة الكتاب المقدس والحيوانات التى أدخلها نوح معه مع الواقع الذى يقبله العقل؟!

أول ما تجدر الاشارة اليه هو وجود إشارات الى قصة الطوفان فى أساطير بعض الشعوب القديمة كالبابليين وسكان جزر هاواى والمصريين والانجليز القدماء ولدى العلماء اليوم على الاقل 33 وثيقة قديمة تحدثت عن الطوفان فى أماكن متعددة فى العالم. ليس معنى هذا أن الطوفان حدث فى أجزاء مختلفه فى العالم، بل إن نفس القصة موجودة لدى شعوب مختلفة فى جهات متفرقة من العالم. حقيقة أن هناك إختلافات فى تفاصيل القصة حسب ورودها فى أساطير تلك الشعوب. لكن إنتشارها بين اكثر من شعب دليل على ثبوتها وحدوثها... كما يقول علماء الاثنولوجى[3] Ethnology.

ونناقش فيما يلى هذه التساؤلات والشكوك.

حمولة الفلك:

لا يمكن معرفة عدد الحيوانات التى كانت تعيش فى زمان نوح... ربما كان العدد أكثر مما هو اليوم، لكن لا يمكن أن يكون أقل. فهناك حيوانات أنقرضت... كان كلام الله لنوح أن يأخذ «من الطيور كأجناسها. ومن البهائم كأجناسها. ومن كل دبابات الأرض كأجناسها، اثنين من كل تدخل إليك لإستبقائها» (تكوين 6: 20)... نلاحظ أن نوح كان مكلفاً أن يأخذ من كل جنس اثنين وليس من كل نوع «الجنيس الواحد يشمل أنواعاً مختلفة. أى أن الجنس أعم من النوع»... ثم أن هناك أنواعاً من الحيوانات يمكن تركها خارج الفلك لانها لا تتأثر بالطوفان كالبط والأوز والتماسيح وما شاكلها من الحيوانات التى تعيش على أو فى الماء[4]. وبناء على ذلك فإن عدد الحيوانات من الأجناس التى كان يتحتم على نوع ادخالها إلى الفلك يمكن حصره فى نطاق ضيق. وإذا فرضنا أن نصف الفلك كان مخصصاً للطعام والنصف الآخر للحيوانات المحتم إدخالها، لوجدنا أنه من المعقول أن يتسع الفلك لها.

تهوية الفلك:

وقالوا كيف يعيشون فى الفلك وليس فيه تهوية كافية؟! لكن هذا الكلام غير صحيح، لأن الله أمر نوح بإيجاد وسائل التهوية « وتصنع كوى للفلك وتكمله الى حد ذراع من فوق» (تكوين 6: 16)... أى أن هذه الكوى كانت بأبعاد الفلك من جميع الأضلاع بعض ذراع واحد... وهكذا تكون مساحة هذه النافذة 2460 قدماً مربعاً. وهذه المساحة كافية للتهوية لمن هم بداخل الفلك. حيث أن الهواء الداخل إلى الفلك من أى ناحية كان يدفع الهواء الفاسد الذى بالداخل من الناحية المقابلة.

أبعاد الفلك:

كانت أبعاد الفلك حسبما وردت فى سفر التكوين «الطول 300 ذراع، العرض 50 ذراع، الإرتفاع 30 ذراع»... معنى ذلك أن الطول كان 6 أمثال العرض. لقد بنى الفينيقيون سفنهم – وكانوا سادة البحار فى عصرهم – الطول قدر العرض مرتين. وبنى الرومان سفنهم الطول عشرة أمثال العرض. أما السفن الحديثة طبقاً للحسابات العلمية فتبنى بنسبة 6 الى 1، وهى نفس النسبة التى روعيت فى بناء فلك نوح. معنى ذلك أن فلك نوح كان مطابقاً للحسابات العلمية التى يقول بها العلم الحديث.

هل حدث الطوفان حقيقة؟

هل حدث الطوفان حقاً أم أنه مجرد أسطورة خرافية؟! الحق أن الطوفان أمر أثبته العلم الحديث. إنه حقيقة حدثت.

(أ) عثرت بعثة أثرية للتنقيب فى سنة

1929 وعلى رأسها البروفسور ليونارد وولى Leonard Woolley أثناء حفرياتها فى أور الكلدانيين، على بقايا حضارة ترجع الى عصر ابراهيم. ووجدت تحتها طبقة سمكها ثمانية أقدام من الطمى النظيف المتساوى الذى يدل وجوده على أنه قد ترسب بفعل المياه وأعلن البروفسور وولى أنه لابد أن يكون هو الطوفان المذكرو فى سفر التكوين. نشرت ذلك جريدة التايمز فى 15 مارس 1929... بعدها بثلاثة أيام (18 مارس سنة 1929) نشرت نفس الجردية تصريحاً للبروفسور الأثرى لانجدون Langdon أنه عثر على نفس الطبقة أثناء حفرياته فى كيش Kish « وهو مكان يبعد عن المكان الأول ببضعة أميال» وقال أنها ترجع لنفس الفترة «بين سنتى 3400، 3200ق. م. ».

(ب) وهناك نقطة ثانية تختص بموضوع الطوفان من وجهة نظر علم الجولوجيا.

يشرح سفر التكوين كيف حدث الطوفان... يقول «انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء» (تكوين 7: 11). هذا عن بداية الطوفان... انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء.

ثم ماذا؟ كيف انتهى الطوفان أو كيف كف الطوفان؟! يقول «انسدت ينابيع الغمر وطاقات لاسماء، فإمتنع المطر من السماء، ورجعت المياه عن الأرض رجوعاً متوالياً» (تكوين 8: 2، 3).

هناك اعتراض على ما جاء بقصة الطوفان قوله «انفجرت كل ينابيع الغمر»... لقد سكن نوح قرب مصب نهر دجلة والفرات، وهناك بنى فلكه. كان المفروض حسب تدرج انحدار الأرض نحو البحر أن يتجه الفلك نحو البحر أى نحو الجنوب. ولكن ما حدث كان العكس، إذ اتجه الفلك بعيداً عم البحر نحو القارة الأسيوية حتى استقر فى النهايةعلى جبل أراراط فى أرمينيا، فى منطقة مرتفعة جداً فى قلب آسيا. ويذكر سفر التكوين أن المياه إرتفعت وتعاظمت جداً نحو خمسة عشر ذراعاً فوق قمة اعلى الجبال... فكيف حدث ذلك؟...

ما حدث فى الطوفان هو أن قاع البحر ارتفع عما كان عليه، وانخفض مستوى الأرض عما كان عليه، ونتج عن ذلك أن اندفعت المياه من البحر نحو اليابس حامله معها الفلك فى اتجاه وسط أسيا. هذا ما عبر عنه سفر التكوين بإنفجار ينابيع الغمر. واستمر الحال على هذا النحو، مع تدفق هطول الأمطار حتى وصل الفلك الى جبل أراراط. وبعد ذلك انسدت ينابيع الغمر، ورجعت المياه عن الأرض رجوعاً متوالياً... وترتب على ذلك انخفاض مستوى قاع البحر وعودته الى ما كان عليه، ثم إرتفاع سطح اليابسة الى ما كان عليه، وهكذا انسدت ينابيع الغمر، ورجعت المياه عن الأرض رجوعاً متوالياً، تاركة الفلك مستقراً على جبل أراراط...

على أن هذه التغييرات لابد وأن تظهر فى القشرة الأرضية. وهذا هو ما حدث بالفعل.

لقد وجد الجولوجيون انكساراً فى القشرة الأرضية ثم تزحلق جزء من القشرة المكسورة وركب فوق الجزء الآخر، وهو ما يسمى جيولوجيا Upheaval. وبه نجد طبقات الأرض وكأنها مقلوبة على رأسها... الطبقات الأحدث من أسفل والأقدم فوقها. وكان المفروض هو العكس. ويشير علم الجولوجيا على أنه لا يوجد كسر واحد من هذا النوع الذى ذكرناه فى تلك المنطقة، بل يوجد كسران!! الأول حينما انفجرت ينابيع الغمر، والثانى حينما ارتدت مياه تلك الينابيع.

نشرت جريدة أخبار اليوم بعددها الصادر بتاريخ 9 / 6 / 1945 خبراً عن سفينة نوح تحت عنوان «العثور على سفينة نوح».

جاء فيها ما يلى:

«كلنا نعرف قصة نوح وقصة سفينته. فقد رددت الكتب السماوية أن الله عندما رأى الإنسان قد زادت آثامه، غمر العالم بالماء أربعين يوماً وأربعين ليلة. وأمر نوحاً عليه السلام ببناء سفينة تحمل أبناءه ونساءه ومن كل الكائنات ذكراً وأنثى. ثم عفا الله وقيل يا أرض إبلعى ماءك ويا سماء اقلعى. كان ذلك من نحو 5000 عام عندما خرجت حمامة السلام لتعود بغصن الزيتون إشارة إلى زوال الماء وعودة السلام وعفو الله. ومنذ أشهر كان الطيار الروسى فيلاديمير رسكوفتسكى يحلق بطائرة حول قمة آراراط فى أرمينيا عندما صاح به مساعده. انظر الى أسفل. هل ترى هذا الشئ العجيب؟! ودار فيلاديمير بطائرته ليتبين هذا البناء الفخم الجاثم على الثلج بجوار بحيرة متجمدة... ولم يكن هذا البناء سوى سفينة نوح التاريخية. وعندما عاد الى قاعدته وروى هذه القصة سخر منه جميع زملائه إلا القائد. فقد ألف هيئة من الاخصائيين للكشف عن هذا السر...

ونعود الآن الى الماضى القريب عندما كانت روسيا تحت حكم القياصرة. كان أحد الرحالة قد عثر على هذه السفينة، فأرسل فى طلب بعض الاخصائيين لفحصها، وذهبت إليه بعثة اخصائية لتصوير السفينة وإليك ما جاء فى تقريرها:

تحتوى السفينة على مئات من الحجرات علوية وسفلية، بعضها كبير الحجم بدرجة تسترعى الإنتباه، وبعضها مرتفع السقف ويرجح أن هذه الحجرات المرتفعة السقوف قد خصصت للجمال أو بعض الحيوانات الطويلة العنق. وتوجد حجرات أحيطت بقضبان من الحديد تختلف طولا وعرضاً، وأقفاص لحفظ الحيوانات الضارية وللسفينة باب واحد فى الجانب، وطاقة فى أعلى السطح. وقد طليت جدرانها بالقار.

هذه هى المعلومات التى وصلت إلى موسكو على يد أولئك الأثريين. غير أن الثورة الشيوعية اضطرمت بعد ذلك، وحرق الشيوعيون جميع الكتب الدينية التى وقعت بين أيديهم ومن بينها وثائق سفينة نوح. ثم نسى الناس كل شئ عن هذا الحادث الفذ. وبعد سنوات أرسل بعض الأتراك بعثة علمية فى هذه المنطقة لمعاينة السفينة. وقد قرر أحد رجال البعثة أن.

السفينة مصنوعة من خشب الجوز

، وهو من فصيلة الخشب القبرصى العتيق. وقد قيست أبعاد السفينة فبلغ طولها 300 ذراعاً وعرضها 50 ذراعاً وارتفاعها 30 ذراعاً. وهى نفس الأبعاد التى وردت فى بعض الكتب الدينية. وكانت الحكايات التى تروى عن السفينة عن السكان القاطنبين فى هذه المنطقة، تثير الإنتباه والإستغراب فقد أكدوا أنهم كانوا يسمعون أصواتاً غريبة تصدر من داخل السفينة، وأشباحاً غامضة تتراءى حولها مما أدى إلى اعتقادهم أن بعض الأرواح الشريرة تسكن فيها فإبتعدوا عنها.

لكن هناك بعض الأسئلة المحيرة مثل:

نوع الخشب المصنوع منه الفلك «خشب الجوز» لم يظهر على سطح الأرض إلا منذ ألف سنة فقط. يضاف الى ذلك أن آلاف السنين التى مضت على حادث الطوفان كانت كافية لأن تغطى السفينة بأكوام وأطنان من الثلوج لا يمكن إزالتها إلا بمجهود شاق طويل.

فكيف ظهرت السفينة على وجه الأرض من غير مجهود؟ وقد أجاب بعض المؤرخين على هذه التساؤلات ففيما يختص بنوع الخشب الذى صنعت منه السفينة قالوا انه انقرض حقيقة لكنه عاد للظهور منذ ألف عام... وفيما يختص بإختفاء السفينة تحت الثلوج قرروا أن الزلازل التى حدثت سنة 1883 فى تلك المنطقة نتج عنها دك بعض قمم الجبال وانخفاض أجزاء أخرى، الأمر الذى كان سبباً فى اظهار السفينة بحالتها الراهنة. فالسفينة إذن لم تتعرض للجو الخارجى الا منذ نحو ستين عاماً. وظلت أكثر من 4500 عاماً قابعة فى باطن الأرض تحيط بها الثلوج، غير متأثرة بعوامل الجو الخارجى. وهذا هو السبب فى حفظ كيانها». «انتهى ما نشر بجريدة أخبار اليوم».

وثمة قصة أخرى يرفضها العقلانيون:

قصة يونان والحوت:

ما أكثر ما قيل فى قصة يونان والحوت... فمن قائل انها خرافة اسطورية، ومن قائل أن يونان كان يحلم حلماً قاسياً، ولم استيقظ أخذ يكتبه. والبعض الآخر يقول إن يونان حينما ألقى فى البحر انتشلته سفينة أخرى تصادف سيرها، وكان لها شكل السمكة. فلما رأى رجال السفينة الأولى نجاة يونان قالوا أن وحشاً من الأعماق ابتلعه...

لكن الكتاب المقدس يقرر صدق قصة يونان... فبخلاف السفر الذى يحمل إسم يونان، نجد سفر الملوك الثانى يذكر اسم يونان ونسبة ومسقط رأسه. ففيما كان يتكلم هذا السفر عن يربعام من يوآش ملك اسرائيل، ويذكر أنه عمل الشر فى عينى الرب يقول «هو رد تخم اسرائيل من مدخل حماة الى بحر العربة حسب كلام الرب إله اسرائيل الذى تكلم به عن يد عبده يونان بن آمتاى النبى الذى من جت حافر» (ملوك ثانى 14: 25)... وليس هذا فحسب بل إن السيد المسيح له المجد أشار أكثر من مرة إلى يونان فى كتاب العهد الجديد:

ففى (متى 39: 12 - 41). يقول «أجاب وقال لهم جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إى آية يونان النبى لأنه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان فى قلب الأرض ثلثة أيام وثلاث ليال. رجال نينوى سيقومون فى الدين مع هذا الجيل ويدينونه لانهم تابوا بمناداة يونان وهوذا أعظم من يونان ههنا» وفى (متى 16: 4). يقول «جيل شرير وفاسق يلتمس أية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبى»... وفى (لوقا 11: 29، 30) يقول « وفيما كان الجموع مزدحمين ابتدأ يقول. هذا الجيل شرير بطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبى لانه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضاً لهذا الجيل»...

والسيد المسيح كان يذكر يونان وبقائه فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، كرمز له، وبقائه فى القبر ثم قيامته المجيدة.

وهنا يثير العقلانيون تساؤلا: هل يمكن – من الناحية العلمية الخالصة – أن يحتفظ حوت بإنسان مدة 72 ساعة أى ثلاث أيام وثلاث ليال؟!.

لقد أخترع الانسان الغواصة التى يمكن أن يعيش فيها تحت الماء لعدة أسابيع دون الصعود إلى سطح الماء. وتتسع لكثيرين من البشر. فإذا كان الأنسان وصل إلى أن يعمل غواصة ويعيش فيها تحت الماء لعدة أسابيع، فهل الله يعجز عن حفظ يونان لمدة 72 ساعة؟!!

لكن لنناقش الموضوع من الناحية العلمية أيضاً!!! يقول العلماء أن الحيتان على نوعين نوع له أسنان وآخر ليس له أسنان. النوع الأول يمزق بأسنانه الفريسة عندما يبتلعها. والنوع الثانى يوجد فى الجزء الخلفى لتجويف فمه صفائح رقيقة متصلة بالفكين الأعلى والأسفل، وهذه الصفائح تكون شبكة عند انطباق الفم...

أما الطريقة التى يتغذى بها هذا النوع من الحيتان فهى أنه يسير بسرعة فى الماء فاتحاٌ فمه على مدى اتساعه، ثم يقفل فكيه، ويضغط بلسانه على الماء خلال الشبكة «الصفائح الرقيقة المتصلة بالفكين». فيخرج الماء تاركاً الغذاء وراءه... وأكبر أنواع الحيتان من هذا النوع. ومعدة هذا الحوت معقدة وبها خمس أو ست تجاويف، ويمكن أن يعيش أكثر من انسان واحد فى أى تجويف من هذه التجاويف. وقد حدثت قصص حقيقية نشرت فى الجرائد لأشخاص أو حيوانات إبتلعتها حيتان... بعضهم خرجوا أحياء من بطون الحيتان بعد أن قتلوها، والبعض مكث مدة كبيره فى بطون الحيتان، ولمافتحوها وجدوا هياكلهم العظيمة كاملة.

وهكذا يصل العلماء الى نتيجة وهى أنه يمكن للإنسان أن يبتلعه حيوان بحرى من النوع غير المفترس بأسنانه ويبقى بداخله ثلاثة أيام كاملة حياً.

الكشوف الاثرية تشهد لصحة العهد القديم:

وبفضل الإكتشافات الاثرية والحفريات تأيد صحة كثير مما ورد ذكره فى الكتاب المقدس سواء من جهة أسماء الاشخاص أو المدن أو العوائد...

فقد اكتشف فى خرائب بابل، لوح يحمل اسم ابرام أو (ابراما) الذى هو ابراهيم. ومدون عليه أنه دفع الضرائب المستحقة عليه. وإن كنا لا نعلم على وجه التحديد إن كان الاسم المذكور فى هذا اللوح هو لإبراهيم، لكن على أية حال يعطينا فكرة على أن هذا الاسم كان موجوداً فى ذلك العهد.

وكشفت الحفريات الاثرية فى مكان يعرف باسم «مارى» عن قصر أثرى بناه ملك يدعى.

«زمرى ليم»

على مساحة قدرها خمسة عشر فداناً، وبه 300 حجرة. وقد اكتشف فى مخزن المحفوظات فى هذا القصر «الارشيف» اكثر من عشرين الف لوح من الطين تلقى محتويات أضواء على أسماء مدن وأشخاص ورد ذكرهم فى سفر التكوين. فهناك مثلاً مدينة بإسم.

«حاران»

كانت مذدهرة فى القرن 18 ق. م (انظر تكوين 12: 4، 5).

وهناك مدينة باسم.

«ناحور»

«أخى ابراهيم». وقد ورد إسم هذه المدينة فى أماكن متعددة من آثار مارى وآشور. وهناك مدينة اسمها «تل التوراخى» أو «التوراحى» ولعل هذا الاسم نسبة الى تارح والد ابراهيم. وهناك مدينة بالقرب من حاران تحمل إسم «سروج»، وسروج هذا هو جد ابراهيم.

وقد عثر الاثريون على الواح جنوبى شرق مدينة «نينوى» فى مدينة تدعى «نُزى». وتكشف لنا محتويات هذه الالواح عن بعض العادات الوارد ذكرها فى سفر التكوين.

ومما جاء بهذه الألواح نعرف أنه كانت هناك عادة أن الابوين العاقرين يقومان بتبنى من يسهر على رعايتهما طيلة حياتهم ويرث أملاكهما بعد الممات.

من هنا نفهم قول ابراهيم الذى خاطب به الرب.

«أيها السيد الرب ماذا تعطينى وأنا ماض عقيماً ومالك بيتى هو اليعازر الدمشقى... إنك لم تعطينى نسلاً، وهو ذا ابن بيتى وارث لى» (تكوين 15: 2، 3)

وواضح من كلام ابراهيم أن اليعازر الدمشقى هو الوريث الشرعى لإبراهيم بناء عما ورد فى ذلك اللوح.

أضف الى هذا أنه كانت هناك عادة دونت فى الالواح الأثرية المكتشفة تعطى الزوجة التى لا تنجب «العاقر» الحق فى أن تقدم أمتها لزوجها لكى تنجب لها أطفالاً... وهذا هو عين ما فعلته سارة زوجة إبراهيم، إذ قدمت أمتها هاجر لإبراهيم لينجب منها نسلاً فأنجب اسماعيل وكذلم راحيل زوجة يعقوب أب الآباء التى قدمت له أمتها بلهة.

ومن العادات التى سجلتها هذه الواح الاثرية أن كلمات رب البيت وهو على شفا الموت تسرى كوثيقة قانونية. هكذا نفهم ما جاء فى (تكوين 49)، وكيف أن يهوذا صار رأساً لعائلة يعقوب بعد وفاته بناء على وصيته قبيل وفاته.

كما تكشف لنا تلك الالواح الأثرية أن آلهة الأسرة وتعرف بإسم «الترافيم» كانت فى غاية الأهمية لمن يمتلكها. فقد كانوا يعتقدون أنها تجلب له الثراء والنجاح والحق فى الميراث. وهكذا نفهم معنى ثورة لابان حين اكتشف أن يعقوب هرب، وأن آلهته قد إختفت فى نفس الوقت!!.. ونفهم أيضاً معنى كلمات يعقوب للابان «الذى تجد آلهتك معه لا يعيش» (تكوين 31: 32) وهذا يعنى أن تلك الالهه كان لها أهمية عظمى.

وتحفظ لنا الآثار اسماء المدن والاماكن التى مر بها إبراهيم مثل دوثان، وبيت إيل، وشكيم.

ومن قصة إبراهيم ولوط نعلم أن الأراضى الواقعة جنوبى البحر الميت كانت مأهولة بالسكان مزهرة بالمزروعات، بينما هى الان خرائب لا يسكنها أحد.

وذكر العالمان كيل Kyle والكسيس مالون (Alexis Mallon).

نتيجة حفرياتهما فى منطقة البحر الميت أن منطقة سدوم تظهر أنها أبيدت بنار هائلة ولم تسكن بعد ذلك.

كما حفظت الآثار أسماء بعض الملوك الذين ورد ذكرهم فى سفر التكوين مثل أمرافل (Amraphel) ملك شنعار، ويعرف بإسم.

حمورابى

، وكان فى تلك الحرب التى سجلها الاصحاح 14 من سفر التكوين، صغير السن، لكن إسمه إرتفع بعد ذلك، وإمتدت ممتلكاته وإتسعت. كان هو سادس ملوك الأسرة الأولى البابلية. وقد عثر على تشريعاته التى عرفنا منها بعض ما كان متبعاً. كانت هذه االتشريعات الى حد ما الشريعة الاسرائيلية.

ويرد فى الآثار أيضاً إسم كدر لعومر ملك عيلام وكلام معاصراً لحمورابى فى سنيه الأولى. ويمكن لمن يريد المزيد من المعلومات الرجوع الى دائرة المعارف البريطانية تحت إسم حمورابى كما يذكر أيضاً اسم أريوك وتدعال... وهما من الملوك الذين إشتركوا فى تلك الحرب الوارد ذكرها فى تكوين اصحاح 14.

وفى الواح مكتشفه فى تلك المنطقة تذكر أن ثلاثة من هؤلاء الملوك الاربعة وهم كدر لعومر وأريوك وتدعال اتحدوا معاً فى حملة على بابل.

كما أثبتت الحفريات التى أجريت فى موقع مدينة أريحا القديمة أن أسوارها سقطت دون أى سبب من الخارج. كما أثبتت أن بعض المنازل كانت مبنية فوق سور المدينة على نحو ما يخبرنا سفر يشوع عن منزل راحاب الزانيه «فأنزلتهما بحبل من الكوة لأن بيتها بحائط السور وهى سكنت بالسور» (يشوع 2: 15).

كما أثبتت الحفريات أن مدينة أريحا أحرقت بما فيها « وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها. إنها الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها فى خزانة بيت الرب» (يشوع 6: 24).

ونتيجة الحفريات أيضاً أنهم عثروا على أسماء بعض المدن الكنعانية المذكورة فى سفر يشوع مثل «لخيش» (يشوع 10: 3)، وبيت شمس (يشوع 15: 10)، وتعنك (يشوع 12: 21) وحضارتها تتبع العصر البرونزى التى انتهت بالحريق ومن السهل رؤية الرماد من بقاياها.

كان هذا يا أحبائى هو ردنا عن الهجمات الموجهة ضد كتابنا المقدس – العهد القديم. وليس هذا هو كل ما يجب أن يقال رداً على هذه الافتراءات، لكنى قدمت لكم بعض أمثلة حسبما سمح الوقت وقد حصرت كلامى فى النواحى الايجابية. والحمد لله فإن العلم يقدم لنا يوماً بعد يوم ما يؤيد صدق ما جاء بالكتاب المقدس.

هذا الكتاب الذى صمد عبر الاجيال أمام كل الحملات التى حاولت التشكيك فى صدقه وصحته ككتاب الله الموحى به...


[1] - صدرت هذه السلسلة فى كتاب «ايماننا الأقدس» فى مارس سنة 1979.

[2] - أسفار التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية.

[3] - هو العلم بدراسة أجناس البشر من ناحية الأصل والطباع والمميزات التى تميز كل جنس.

[4] - من المعروف أن 60٪ من الكائنات الحية تعيش فى الماء. وكل مائة كائن حى يعيش على اليابسة هناك سبعين منها حشرات.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الكتاب المقدس والآراء الفكرية المعاصرة خاص بالعهد الجديد

سلسلة لاهوت السيد المسح
سلسلة لاهوت السيد المسح