هذا الفصل هو جزء من كتاب: كتابنا المقدس ومسيحنا القدوس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
الكتاب المقدس والآراء الفكرية المعاصرة خاص بالعهد الجديد
تحدثنا فى المحاضرة الماضية عن الكتاب المقدس والآراء الفكرية المعاصرة... والكتا المقدس يشمل العهد القديم والعهد الجديد. وقد تكلمنا فى المحاضرة الماضية عن القسم الخاص بالعهد القديم. واليوم نتناول بالكلام كتاب العهد الجديد، أو ما يسمى تجاوزاً بالانجيل....
ما أكثر الهجمات واعنفها التى توجه الى انجيل الله المقدس. لكن ما اسهل الرد عليها، وإفحامها وإظهار بطلانها...
من جهة الهجمات هى كثيرة، لأن المسألة بالدرجة الأولى هى مسألة تعلل مُغرض... أناس يتعللون محاولين أن يجدوا أى ثغرة ينفذون منها الى هدم الكتاب المقدس... وسبق أن قلنا فى المرة الماضية أن الهجمات التى يتعرض لها الكتاب المقدس بعضها مُغرض، وبعضها عقلانى....
والوقت لا يتسع أن نتناول كل اعتراض على حدة ونرد عليه، لأن ذلك يتطلب منا لا أقول أسابيع كثيرة، ولكن شهوراً طويلة... لكننا نحاول أن نجمل اليوم بعض هذه الاعتراضات، ونجيب عليها... ونقدم عينات من هذه الاعتراضات.
(1) بولس الرسول واليهود المتنصرون أو النصارى المتهودون
أول هجوم يهاجم به العهد الجديد هو القديس بولس شخصياً. وإن كنا نتكلم عن الرسول بولس، فالمسألة ليست مسألة الرسول بولس شخصياً، إنما هى عقيدته فى شخص المسيح ومنهجه فى التعليم فيما يختص بالمسيح. ربما ذكرت أمامكم فى مرة سابقة الادعاء الذى يردده البعض، أن المسيح له المجد لم ينسب الى نفسه الألوهه. وانما كان هذا من صنع الرسول بولس... بناء عليه يتعرض القديس بولس الرسول من جانب أعداء المسيح الى هجوم شديد، متعدد الأوصاف والأغراض أما السبب فى ذلك فقد ذكرته لكم الآن... بولس الذى ملأ الدنيا كرازة وتبشيراً بالمسيح المخلص، وترك لنا أربع عشرة رسالة تحمل أفكاره.. قالوا إنه دخل الى المسيحية ليخربها من الداخل، ونسب الى المسيح ما لم ينسبه المسيح لذاته. قالوا إن بولس أسس ما يمكن أن يسمى بالمسيحية البولسية نسبة الى «الى بولس الرسول» مقابل بعض اليهود الذين آمنوا والذى اصطلح على تسميتهم باليهود المتنصرين تمييزاً لهم عن المسيحيين الذين كانوا من أصل أممى.
وجدير بالذكر أن كلمة ناصرى، ونصارى، وناصريين هى تعبيرات يهودية عن أتباع المسيح. فقد دعى المسيح. «يسوع المسيح الناصرى»، «يسوع الناصرى» (أعمال الرسل 2: 22، 3: 6، 4: 10)، وقيل عن بولس الرسول أنه «مقدام شيعة الناصريين» (أعمال الرسل 24: 5). أما التعبير اليونانى فهو مسيحيين. وقد أطلق لأول مرة على المؤمنين بالمسيح، الذين كانوا قبلاً وثنيين فى مدينة انطاكية. « ودعى التلاميذ «المؤمنون» مسيحيين فى أنطاكية أولاً » (أعمال الرسل 11: 26).
نخلص من هذا أن كلمة نصارى كانت تعبر عن المؤمنين بالمسيح من أصل يهودى وكلمة مسيحيين كانت تعبر عن المؤمنين بالمسيح من أصل أممى أو وثنى.
بعض هؤلاء اليهود المتنصرين كانوا من جماعة الفريسيين المعروفين بتزمتهم الدينى... وكان القديس بولس الرسول فى يهوديته فريسياً (أعمال 26: 5)... هؤلاء الفريسيين المتزمتين الذى آمنوا بالمسيحية، لازمهم تزمتهم، وحاولوا أن يحتفظوا بناموسهم اليهودى مع أيمانهم بشخص المسيح المخلص، ويحاول بعض المغرضين من أعداء المسيحية أن يحملوا هذا الموضوع أكثر مما يحتمل فقالوا: -.
«بين اللحظة التى غادر فيها المسيح هذه الأرض وحتى منتصف القرن الثانى، أى طيلة أكثر من قرن! كانت هناك معركة بين إتجاهين: أى بين ما يمكن تسميته بالمسيحية البولسية، وبين اليهودية المسيحية. ولم يحل الأول محل الثانى: ولم تنتصر البولسية على اليهودية المسيحية، إلا بشكل شديد التدرج... أما اليهود المسيحيون الذين ظلوا يهوداً مخلصين. فانهم يعتبرونه بولس كخائن. وتصفه وثائق يهودية مسيحية «بالعدو» وتتهمه بتواطؤ تكتيكى. ولكن اليهودية المسيحية كانت تمثل حتى عام 70م غالبيه الكنيسة. وكان بولس منعزلا فى ذلك الوقت»... هذا ما قاله موريس بوكاى Maurice Boucaille بالنص فى كتابه. الذى حمل فيه على المسيحية لأغراض شخصية. ثم يقول هذا الرجل نفسه بعد ذلك «إن معرفة هذه الوقائع أمر رئيسى حتى نفهم فى أى جو من الصراع بين الجماعات حررت الأناجيل. إن خروج النصوص التى نملكها اليوم الى النور قد بدأ فى عام 70م بعد تعديلات فى المصادر».
معنى هذا الكلام أنه كان فى الكنيسة المسيحية فى تلك الفترة المبكرة فريقان: أحدهما هم اليهود المنتصرون والآخر بزعامة بولس الرسول الذى كان له اتجاه خاص، وكان يعلم تعاليم غير تلك التى علمها المسيح نفسه!!.. ونتيجة ذلك فإن الكلام المكتوب حالياً فى الأناجيل التى بين أيدينا لا يعبر عن مبادئ المسيح نفسه. وهذا كلام فى غاية الخطورة.
ونود الآن أن نجلو هذه النقطة الخاصة بما يسمى التهود: -
اليهود سواء الذين كانوا فى زمن السيد المسيح أو الذين كانوا قبل مجيئه بالجسد تعلقوا بناموسهم اليهودى تعلقاً كبيراً. وكانوا فخورين به على أساس أنهم شعب الله المختار دون سائر الشعوب. وأن الله هو الذى أعطاهم هذا الناموس. بل إن جزء منه – وهو الوصايا العشر – مكتوبة بأصبح الله (خروج 22: 16، 34: 1) ومن هنا كان اعتزاز اليهود بناموسهم[5].
انبثقت المسيحية من اليهودية، بعد أن أكمل السيد المسيح فى شخصه الناموس القديم... فقد ولد المسيح فى ظل الناموس وقد قال القديس بولس الرسول فى (غلاطية 4: 4، 5) «لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى».
بل أكثر من هذا نجد المسيح يعلن فى العظة على الجبل «لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل» (متى 5: 17)... ومن هنا فقد تمسك هؤلاء اليهود المتنصرون بالناموس وحرفيته. وظنوا أن لا شئ ينسخه أو يعدله أو يحل محله...
حاول اليهود المتنصرون أن يبنوا إيمانهم الجديد على أساس إحتفاظهم بالناموس القديم مع إيمانهم بيسوع المخلص الذى تنبأ عنه أنبياء العهد القديم...
وهكذا أرادوا أن يجعلوا رقعة جديدة على ثوب عتيق. وأن يجعلوا خمراً جديده فى زقاق عتيقة (متى 9: 16، 17). وقد استمر هؤلاء اليهود المتنصرون متأثرين تأثراً عميقاً بيهوديتهم بل كانوا يشاركون شعبهم اليهودى حياته وبعض ممارساته الدينية.
لكن ما لبثت بشرى الخلاص أن وصلت الى الأمم الوثنية بصورة فردية فى بداية الأمر... وعلى الرغم من أن إيمان الأمم تم بناء عن إعلان إلهى فقد قوبل فى بادئ الأمر بالدهشة والمقاومة على نحو ما حدث فى إيمان وعماد كرنيليوس قائد المئه وأهل بيته، وتبشير اليونانيين الوثنيين فى أنطاكية (أعمال الرسل 11: 2، 19).
وهكذا ظهرت ثلاث وجهات نظر بين اليهود المتنصرين فيما يختص بالالتزام بالناموس أو بالشريعة اليهودية: -.
(أ) فريق متزمت نادى بأن الناموس ملزم لجميع المسيحيين بلا إستثناء وعلى الأمم الذين يريدون أن يدخلوا الإيمان المسيحى أن يمروا بمرحلة اليهودية أى «يتهودوا».
(ب) فريق ثانى معتدل قال إن الناموس ملزم لمن كانوا يهوداً قبل إيمانهم بالمسيح.
(ج) فريق ثالث متحرر يقوده القديس بولس الرسل ونادى بأن الخلاص هو بدم المسيح وحده وليس بحفظ الناموس القديم، وأن «الناموس كان مؤد بنا الى المسيح لكى نتبرر بالايمان» (غلاطية 3: 27) هذا ورسالة غلاطية هى الرسالة التى يرد فيها بولس على مفاهيم المتهودين...
وبسبب هذه الآراء المختلفة وهذه البلبلة الفكرية عقدت الكنيسة المسيحية أول مجمع كنسى لها فى مدينة أورشليم حوالى سنة 50م وكان يضم الرسل والكهنة وأخوة وبعض الأخوة العلمانيين. وأصدر قراره النهائى بخصوص موضوع التهود أو الالتزام بالناموس اليهودى. ويتلخص فى «الإمتناع عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا». (أعمال الرسل 15: 29).
لمجمع أورشليم أهمية عظمى إذ أنه يعبر عن رأى رسل المسيح، بل والكنيسة المسيحية كلها فى منتصف القرن الأول الميلادى... وكان بولس الرسول حاضراً هذا المجمع... وحينما أصدر الرسل والكنيسة قرارهم السابق بدأوه بالقول.
«قد رأى الروح القدس ونحن»
... وإذا كان هذا القرار صادر عن روح الله فإنه لا يجسر أن يشذ أى مخلوق عنه.
فالقول بوجود صراع فى الكنيسة أو إتجاهات بين الرسل غير صحيح، وإلا لما صدر القرار بهذه الصورة!! لم يكن لبولس إنجيل يبشر به، ولبطرس إنجيل آخر، ليوحنا إنجيل ثالث. وهكذا... «قد رأى الروح القدس ونحن»... والروح القدس هو كاتب الكتاب المقدس كله من أوله الى آخره. الكتاب المقدس كله مكتوب بالروح القدس. «كل الكتاب هو موحى به من الله» (تيموثاوس الثانية 3: 16)... لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس»... (بطرس الثانية 1: 21)... من هذين النصين نجد أن كلا من الرسولين بولس وبطرس يقولان أن الروح القدس هو الذى كتب الكتاب المقدس... إذن ليس هناك أى تناقض بين مفهوم الرسل فى الكنيسة الأولى – ولم يكن هناك اتجاهات متضاربة فيما بينهم... أما عن وجود بعض المتزمتين من الفريسيين الذين إعتنقوا المسيحية فهذا أمر آخر... وعلى أية الحالات فإن هذا الاتجاه لم يستمر طويلاً فى الكنيسة الأولى فقد تصدت لهم الكنيسة. أما عن أصروا على تزمتهم وآرائهم فقد كونوا هرطقة عرفت بإسم الابيونية فى أوائل القرن الثانى الميلادى...
ثمة نقطة أخرى تنبينها بوضوح من كلام بطرس الرسول... يقول عن بولس وكتاباته فى العهد الجديد «لذلك أيها الأحباء إذ أنتم منتظرون هذه، اجتهدوا لتوجدوا عنده بلا دنس ولا عيب فى سلام. إحسبوا اناة ربنا خلاصاً كما كتب إليكم اخونا الحبيب بولس أيضاً بحسب الحكمة المعطاة له، كما فى الرسائل كلها أيضاً متكلماً فيها عن هذه الامور، التى فيها أشياء عسرة الفهم يحرفها غير العلماء وغير الثابتين كباقى الكتب أيضاً لهلاك أنفسهم» (بطرس الثانية 3: 14 - 16)... وواضح من هذا الكلام أن الذين يحرفون كلام بولس الرسول، إنما يهلكون أنفسهم... فكيف يتفق ذلك مع الادعاء بوجود تعارض بين الرسل؟!!
ثم ماذا بعد هذا؟!
يقول موريس بوكاى «بولس الرسول أكثر وجوه المسيحيه موضعاً للنقاش، وإذا كان.
قد اعتبر خائناً لفكر المسيح، كما وصفته بذلك أسرة المسيح والحواريون الذين بقوا بأورشليم حول يعقوب
. فذلك لأنه قد كون المسيحية على حساب هؤلاء الذين جمعهم المسيح من حوله لنشر تعاليمه!! »...
وفيما يخص الأناجيل يقول نفس الكاتب «لولا جو الصراع بين الطوائف التى ولدت بسبب انشقاق بولس. لما حصلنا على الكتابات التى فى حوزتنا اليوم... فى هذا العصر.
شكلت المسيحية البولسية بعد نصرها النهائى مجموعة نصوصها الرسمية، أى القانون Canon الذى يستبعد كل الوثائق الاخرى، التى لم تكن توافق الخط الذى إختارته الكنيسة»!!.
وخلاصة هذا الكلام أن الكنيسة سائرة فى خط وبولس فى خط آخر وهذا محض إفتراء وإدعاء وكذب كما سبق أن أثبتنا. وأود أن أسجل هنا عبارة ذكرها موريس بوكاى فى صفحة 74 عن هؤلاء النصارى المتهودين الذين شكلوا هرطقة فى أوائل القرن الثانى بإسم الابيونيين. يقول عنهم «هؤلاء المتهودين يمكن اقتناء آثارهم من القرن الثالث الى القرن الرابع بالشرق وخاصة فى فلسطين والجزيرة العربية ما وراء الأردن وسوريا وما بين النهرين.
وقد إمتص الاسلام بعضهم وهو جزئياً وريث لهم
»... ويتفق بعض المستشرقين والعلماء والباحثين مع هذا الكاتب فى أن هؤلاء الناصرى المتهودين كان لهم تأثير كبير جداً فى ظهور الاسلام فى الجزيرة العربية فى القرن السابع.
(2) أسفار العهد الجديد ووقت كتابتها
يحاول البعض أن يوهم بأن أسفار العهد الجديد التى تنسب لرسل المسيح، لم يكتبها هؤلاء الرسل، بل كتبت متأخرة، يقول موريس بوكاى «لا تشير أولى كتابات العصر المسيحى الى الأناجيل الا بعد مؤلفات بولس بفترة طويلة جداً. فالشهادات المتعلقة بوجود مجموعة من الكتابات الانجيلية تظهر فقط فى منتصف القرن الثانى وبالتحديد بعد عام 140م».
لكننا نقول إن أسفار العهد الجديد وعددها سبعة وعشرين «أربع بشائر متى ومرقس ولوقا ويوحنا وسفر أعمال الرسل، وأربع عشرة رسالة كتبها بولس، وسبع رسائل الكاثوليكون الجامعة، وسفر الرؤيا» كتب معظمها بين عامى 50، 70م بإستثناء انجيل يوحنا ورؤياه ورسائله فقد كتبت بعد ذلك أى بعد سنة 70م لأن يوحنا نفسه عمر الى أواخر القرن الأول اى حوالى سنة 100م. وسنثبت صحة هذا الكلام بأمرين.
إثبات داخلى وإثبات خارجى أو ما يسميه العلماء الشهادات الخارجية، والشهادات الداخلية للأسفار المقدسة
.
أ - الشهادات الخارجية:
بالنسبة لتاريخ كتابة الأناجيل، فإنه لا يمكن تحديد سنة كتابة كل إنجيل على وجه التحديد. كأن يقال مثلاً أن إنجيلاً من الأناجيل الأربعة كتب سنة 49 أو 50 أو 51... هذا الأمر يصعب تحديده. لكن الشهادات الخارجية والأدلة والنظريات العلمية الحديثة تحدد أن الأناجيل الثلاثة الأولى، متى ومرقس ولوقا – كتبت قبل سنة 70م، أى قبل خراب أورشليم الذى حدث فى تلك السنة. وتحدد التسعينات لانجيل يوحنا... أما السبب فى ذلك فهو هذه الأناجيل الثلاثة الأولى تتكلم عن خراب أورشليم كشئ لم يحدث لكنه على وشك الحدوث.
ولو كان الإنجيليون كتبوا بعد خراب أورشليم أى بعد سنة 70م لأشاروا حتماً إلى ذلك لأن خراب أورشليم وهيكلها حدث ضخم لا يمكن تجاهله أو نسيانه، خصوصاً وأن حدوثه وذكره فيه إتمام لكلمات المسيح الذى تنبأ عنه، المسيح أنبأ مسبقاً فى متى 24 ومرقص 13 عن خراب أورشليم وهيكلها ويتكلم عنه كرمز لنهاية العالم.
هناك إجماع عام الآن بين العلماء على أن بشارة مرقس هى أقدم البشائر الأربعة تليها بشارة متى ثم بشارة لوقا. ولوقا لابد وأن يكون قد كتب قبل سنة 65م، إذ أنه يشير فى فاتحة سفر أعمال الرسل الى هذا الانجيل بقوله «الكلام الأول الذى أنشأته يا ثاؤفيلس عن جميع ما إبتدأ يسوع يفعله ويعلم به» (أعمال الرسل 1: 1)... إذاً الإنجيل كتب قبل سفر الأعمال السل. وإذا كان سفر أعمال الرسل – الذى ينتهى عند أسر بولس الرسول الأولى فى رومية بين سنتى 61، 63م – قد كتب قبل إستشهاد بولس فلابد وأن يكون الإنجيل الذى يحمل إسم لوقا، قد كتب قبل ذلك. أما انجيل يوحنا فقد كتب أخيراً بعد خراب أورشليم، وذلك بشهادة التقليد العام والبشارة نفسها. ويرجح أنه كتب أواخر القرن الميلادى.
والأناجيل الأربعة
تقدم لكل قارئ غير متحيز، الدليل على صدقها الخالص. فهى تروى القصة بدون أى زخرف بيانى، أو فصاحة لغوية... بدون أى تعجب أو غرابة أو إعجاب... بدون أى ملاحظة أو تعليق... إنها تسجل بأمانة وصراحة ضعفات التلاميذ الرسل وسقطاتهم، بما فى ذلك أنفسهم... وتوبيخات السيد التى وجهها لهم لثقل فهمهم الجسدى، وحاجتهم الى الايمان... لجبنهم وانفضاضهم من حوله فى ساعة التجربة والشدة... يأسهم بعد الصلب... إنكار بطرس، وخيانة يهوذا...
والاناجيل لم تخف شيئاً. ولم تعتذر عن شئ، ولم تبالغ فى شئ... وكاتبوها لم يبالوا بسمعتهم الخاصة، بل أمسكوا حتى عن ذكر أسمائهم... كانت مهمتهم الوحيدة هى أن يروا قصة الب يسوع، التى تحمل فى ذاتها قوة لا تقاوم، وبهجة وإعجاب لكل قلب قارئ محب للحق...
والآن نتقدم بسرعة لنثبت أن الاناجيل وأسفار العهد الجديد كتبت بمعرفة رسل المسيح...
انجيل متى
كان معروفاً لكاتب كتاب «تعليم الرسل الاثنى عشر Didache... هذه الوثيقة الهامة التى عثر عليها أواخر القرن الماضى، وأحدث العثور عليها هزة كبيرة فى الأوساط العلمية فى العالم. وقد أثبت العلماء أن كتاب الديداكى Didache ترجع كتابته الى أواخر القرن الأول بين سنتى 80، 100 ميلادية. وكاتب كتاب الديداكى إقتبس من انجيل متى إقتباسات كثيرة جداً خصوصاً من العظة على الجبل...
وكاتب الرسالة التى تحمل إسم برنابا – وكانت شائعة جداً فى الكنيسة الأولى – إقتبس من انجيل متى إقتباسات فى غاية الوضوح[6]. وقد حدد العلماء تاريخاً لكتابة هذه الرسالة بين سنتى 70، 120م.
وبابياس أسقف هيرابوليس بمقاطعة فريجيا بأسيا الصغرى (60 – 130م) وهو أحد الذين إستمعوا الى عظات يوحنا الرسول فى مدينة أفسس.
بابياس هذا يشهد بوجود انجيل متى فيقول فى كتابه «تفسير أقوال الرب» « وهكذاكتب متى الأقوال الالية باللغة العبرانية (يقصد الآرامية) التى تكلم بها المسيح»... وموضوع وجود انجيل لمتى الرسول بالآرامية لا يستند فقط الى رواية بابياس، بل تأيد بشهادة آباء وعلماء لهم مكانتهم، من أمثال ايريناوس أسقف ليون وبنتينوس مدير الاكليريكية بالاسكندرية من القرن الثانى الميلادى وآخرون مثل أوريجينوس من القرن الثالث وهو أعلم علماء الكتاب المقدس فى المسيحية ويوسابيوس المؤرخ وكيرلس الأورشليمى وأبيفانيوس رئيس أساقفة قبرس وايرونيموس (جيروم) العال الشهير من القرن الرابع وغيرهم.
انجيل مرقس:
وقانونية هذا الانجيل لا يقى اليها أدنى شك... أشار اليه بابياس، واقتبس منه بعض الآباء الرسوليين (تلاميذ الرسل)، ويوستينوس الفيلسوف المسيحى الشهيد الذى استشهد حوالى منتصف القرن الثانى، كما شهد له كبار علماء القرن الثانى الميلادى من أمثال ايريناوس وكليمنضس الاسكندرى مدير الكلية الاكليريكية بالاسكندرية، والعلامة ترتليانوس من قرطاجنة والعلامة أوريجينوس.
انجيل لوقا:
إقتبس منه يوستينوس المدافع المسيحى الفيلسوف والشهيد عدة إقتباسات... ويذكره ايريناوس اسقف ليون صراحة ويقول (انجيل لوقا رفيق بولس). كما ذكرته وثيقة تاريخية ترجع الى سنة 170م، تعرف بإسم وثيقة موراتورى[7] Muratori والذى عثر عليها (عالم ايطالى يسمى Muratori) مكتوب فيها الأسفار القانونية التى تعترف بها الكنيسة كأسفار مقدسة مكتوبة بالروح القدس.
انجيل يوحنا:
قبلته الكنيسة منذ البداية كسفر قانونى موحى به من الروح القدس، لا يلحقه أى ظل من الشك، وأنه من كتابة يوحنا الرسول نفسه. والادلة على ذلك قديمة جداً، وترجع الى بداية القرن الثانى، بعد كتابته بفترة وجيزة جداً... هذه الإدلة تشمل شهادات أرثوذكسية وهرطقية بالاضافة الى كتابات بعض الوثنيين من أعداء المسيحية. ولا يشذ عن هذا الاجماع سوى صوت واحد مخالف لا يكاد يسمع، وهو الخاص بشيعة «الالوجيين» (The Alogi) الذين انكروا هذا الانجيل لأنهم كانوا يعارضون عقيدة اللوغوس التى انفرد بها يوحنا فى انجيله. ومن ثم نسبوا انجيل يوحنا وسفر الرؤيا الى عدو يوحنا الرسول الهرطوقى كيرينثوس.
اعمال الرسل:
قبلته الكنيسة بالإجماع ككتاب الهى. وهو تكملة للانجيل الثالث (إنجيل لوقا) وكاتبهما واحد وهو القديس لوقا. وجه القديس لوقا هذا السفر (أعمال الرسل) لشخص يدعى ثاوفيلس من الاسكندرية. ولدينا شهادات كثيره عن قانونيته من آباء الكنيسة فى القرن الثانى كايريناوس وكلمينضس الاسكندرى وترتليانوس ووثيقة موراتورى السابق الاشارة اليها. كما إقتبس من هذا السفر (أعمال الرسل) القديس اكلمينضس الرومانى اسقف روما فى رسالته التى كتبها الى كنيسة كورنثوس سنة 94م. كما إقتبس منه ايضاً أغناطيوس الانطاكى الذى استشهد سنة 107م. كما يذكر ديونيسيوس الكورنثى فى القرن الثانى معلومات خاصه بديونيسيوس الاريوباغى تؤيد ما جاء فى (أعمال الرسل17). ويستمد بابياس بعض معلوماته من سفر أعمال الرسل. كما يمكن التعرف على أثاره فى كتابات يوستينوس الشهيد.
رسائل بولس الرسول الأربعة عشر:
أما رسائل بولس الرسول فنحن لن نتكلم عنها لأن المعارضين وفروا علينا مهمة الكلام والاثبات. هم يعترفون ان الرسائل المنسوبة الى بولس هى من كتابته. وان كانوا قد قالوا أنها كتبت قبل الانجيل!! على أية الحالات فإن صحة نسبة هذه الرسائل الى بولس الرسول أمر لا جدال فيه. معنى أن أعداء المسيحية يقرون صحة جميع رسائل بولس، وصحة نسبتها اليه، ما عدا الرساله الى العبرانيين. أما السبب فى إنكار نسبة الرسالة الى العبرانيين الى بولس فلأنه على غير عادته فى كل رسائله أغفل إسمه فى فاتحتها كما فى بقية رسائله. وقد اغفل بولس كتابة اسمه فى هذه الرسالة عمداً لانه يكتبها الى خصومه فى الرأى الذين كانوا يناصبونه العداء. هذا هو تعليل كليمنضس الاسكندرى فى القرن الثانى الذى شغل منصب مدير الكلية الاكليريكية بالإسكندرية... كان هدف القديس بولس بالدرجة الأولى، ليس ذكر إسمه فى رسالته بل أن معارضيه فى الرأى يؤمنون بالمسيح... «أود لو أكون أنا نفسى محروماً من المسيح لأجل إخوتى أنسبائى حسب الجسد. الذين هم اسرائيليون. ولهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد. ولهم الاباء، ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل الهاً مباركاً الى الأبد آمين» (رومية 9: 3 - 5).
لكن كيف تثبت صحة نسبة هذه الرسالة الى بولس؟
هناك إثباتات كثيرة - لقد اقتبس أباء الكنيسة الأوائل من هذه الرسالة أكثر من أى سفر آخر من اسفار العهد الجديد، اقتبس منها كليمنضس الرومانى اسقف روما فى رسالته الى كنيسة كورنثوس التى كتبها سنة 94م. وهو لم يقتبس آيات متناثرة، بل اجزاء باكملها.
كما إقتبس منها بوليكابوس[8] أسقف سميرنا (أزمير) وتلميذ يوحنا الرسول فى رسالته الى اهل فيلبى وفى صلاته الاخيره قبيل استشهاده. كما استشهد بها يوستينوس الشهيد. ويشهد كليمنضس الإسكندرى بقانونيتها وأن كاتبها هو بولس الرسول. كما شهد بذلك سلفه بنتينوس مدير الاكليريكية بالاسكندرية، والعلامة أوريجينوس الذى إقتبس كثيراً منها على أنها كلام بولس الرسول.
رسائل الكاثوليكون[9]
أما رسائل الكاثوليكون وهى سبعة[10] فإن النقاد يسلمون بصحة نسبتها الى كاتبيها من الرسل بإستثناء الرسالة الثانية لبطرس... لكن هذه الرسالة قانونية كتبها بطرس الرسول... وقد إقتبس منها كاتب رسالة برنابا التى ترجع الى أواخر القرن الأول. وكذلك يوستينوس الشهيد فى حواره مع تريفو Trypho الحاخام اليهودى فى أفسس فى النصف الأول من القرن الثانى. وكذلك ايريناوس اسقف ليون. كما شهد لقانونيتها كليمنضس الاسكندرى بل إنه وضع تفسيراً لها وبالإضافة الى هذه الشهادات الخارجية ت وجد أدله داخلية تثبت أن بطرس الرسول هو كاتب هذه الرسالة...
سفر الرؤيا:
قبلته الكنيسة منذ عصرها الأول كسفر مقدس موحى به من الله وأحد أسفار العهد الجديد القانونية. شهد لهذا السفر كل من يوستينوس الشهيد وبابياس، وديونيسيوس الكورنثى. واقتبس منه ثاوفيلس الانطاكى، وكليمنضس الاسكندرى، وايريناوس، وترتليانوس ثم اوريجينوس وجميعهم من القرن الثانى، وكما أثبتت وثيقة موراتورى أن سفر الرؤيا من ضمن الاسفار القانونية.
(ب) الشهادات الداخلية:
ننتقل الآن الى الشهادات الداخلية التى تثبت قانونية أسفار العهد الجديد – وصحة نسبتها الى كاتبيها. ونستعرض فيما يلى بعض هذه الأدلة.
1 - ثبوت صحة كل ما ورد بأسفار العهد الجديد من جهة أسماء الملوك والولاة والأباطرة الرومان، والتقسيم الادارى بالمقارنة مع معطيات المؤلفات اليهودية والوثنية لتلك الفترة المبكرة.
2 - الحالة الطوبوغرافية والجغرافية: معلوم أن حالة أى أقليم أو بلد ما تتغير بتغير الزمن... ففى عصر متقدم كعصر الرسل، لم يعرف الخرائط الجغرافية، كان من العسير كاتب عاش بعد الحوادث التى يرويها أن يضعها فى أماكنها وأوضاعها الحقيقية. فمثلاً يقولون إن متى كاتب الإنجيل الذى يحمل اسمه ليس رسولاً، وإن انجيله كتب على الأقل فى منتصف القرن الثانى... ونحن نتساءل هل يستطيع إنسان بعد مرور مائة سنة تقريباً أن يشرح أموراً وأحداثاً بدقائقها، كما لو كان شاهد عيان... نعتقد أن هذا مستحيل... هناك أمر فى غاية الأهمية وهو أن خراب أورشليم ودمار وحرق الهيكل اليهودى بها والذى حدث سنة 70م. أحدث بهذه المدينة دماراً وخراباً مروعاً تغيرت معه معالمها، وإذا كان هذا الأمر متعلق بمدينة أورشليم فهناك خراب أكثر وأشمل وأعم تم فى بلاد اليهودية فى فترة الثورة اليهودية الكبيرة الثانية بقيادة باركوكبا (132 – 135م) فى زمان الإمبراطورية الرومانى هدريان... فبعد هزيمة هذا المتمرد هدم هدريان فى اليهودية ما لا يقل عن خمسين قلعة حربية و985 قرية هدماً كاملاً. وعم الخراب معظم بلاد فلسطين... فكيف تسنى للإنجيلى متى أن يكتب ويصف أماكن فى بلاد اليهودية بعد أن انمحت من عالم الوجود!! نحن نجد توافقاً كاملاً بين المعلومات الجغرافية عالم الوجود!! نحن نجد توافقاً كاملاً بين المعلومات الجغرافية والطوبوغرافية التى ترد فى هذا الانجيل وبين ما اجمع عليه علماء وكتاب القرن الأول الميلادى خاصاً ببلاد فلسطين من أمثال يوسيفوس المؤرخ، والفيلسوف اليهودى الاسكندرى فيلو وكتب التلمود اليهودى وغيرهم من الكتبة المعاصرين...
3 - كل ما جاء بالانجيل عن عوائد اليهود وطوائفهم وتزمتهم وكبريائهم وحرفيتهم نجده فى الكتب اليهودية المعاصرة لزمان كتابة الإنجيل.
4 - اللغة لكل عصر لغة ونوعية كتابة خاصة... ويؤكد علماء اللغات أن اللغة التى كتبت بها الاناجيل وأسفار العهد الجديد بصفة عامة هى لغة العصر الذى كتبت فيه. وهو القرن الأول الميلادى. لقد كتبت الأناجيل باللغة اليونانية، لكن الكتبه عبرانيون. لذا نجد أفكارهم تصاغ أولاً بالآرامية (العبرانية الدراجة) وهذا يظهر فى كتاباتهم هذا ما لاحظه علماء اللغة. أى أن إنساناً يكتب باليونانية لكنه ليس يونانياً... هذا الانسان يرتب أفكاره أولا بالآرامية ثم يترجمها الى اليونانية... ونستطيع أن نلمس هذا الأمر فينا حينما نكتب بالانجليزية مثلاً... فنحن نفكر أولاً بالعربية ثم نترجم الافكار الى الانجليزية... مثل هذا العمل يستطيع علماء اللغة أن يكتشفوه بسهوله.
5 - ليس أدل على كتابة الاناجيل الثلاثة الأولى (متى ومرقس ولوقا) قبل سنة 70م، من عدم ذكر خراب أورشليم، بل ذكرت النبوءة الخاصة بخرابها. ولو كانت كتبت بعد القرن الأول الميلادى كما يدعون لذكر خراب أورشليم ودمار الهيكل اليهودى بلا أدنى شك، لأنه حدث عظيم جداً وعلى جانب كبير من الأهمية وله دلالته بالنسبة لليهود والمسيحيين على السواء.
هذه عن الشهادات الداخلية لأسفار العهد الجديد المقدسة بصفة عامة... لكن هناك دراسة تفصيلية قام بها العلماء تؤكد صحة نسبة هذه الأسفار لكاتبيها، وللعصر الذى عاش فيه رسل المسيح.
وكمثال للدراسة التفصيلية نعرض لإنجيل متى الذى من نتيجة دراسته يتضح الآتى:
أ - أن كاتب الانجيل من أصل يهودى – هذا يتمشى مع التقليد... ويتضح ذلك من معرفته للعهد القديم معرفة تامة، ويستشهد به 45 مرة على الاقل... وهو يتقن اللغة العبرية... فبدلاً من أن يستشهد بالعهد القديم بحسب الترجمة السبعينية فإنه يسرد الآيات بحسب النص العبرى... وفى الترجمة اليونانية لانجيله نجد بعض عبارات مختصة باللغة العبرية. وحتى بعد ايمان متى الرسول بالمسيح فإن أفكاره ظلت يهودية أو تميل لليهودية... فمثلاً أورشليم قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين هى فى نظره المدينة المقدسة... كما فى (متى 4: 5) اذ يقول «ثم أخذه ابليس الى المدينة المقدسة وأوقفه على جناح الهيكل»... والهيكل الذى قال عنه المسيح أنه لا يترك حجر على حجر الا وينقض، هو فى نظره المكان المقدس «فمتى نظرتم رجسة الخراب التى قال عنها دانيال النبى قائمة فى المكان المقدس» (متى 24: 15).
ب - كاتب الانجيل ليس يهودياً فحسب، بل يهودى فلسطينى، كما يؤكد التقليد هذا... أن انجيله يكشف عن معرفة شخصية لبلاد فلسطين، وخصوصاً لمقاطعة الجليل حيث توجد كفر ناحوم «حيث كان يعمل متى عشاراً هناك»... انه يحدد بالضبط موقع هذه المدينة، الواقعة فى تخوم زبولون ونفتالى (متى 4: 13). وانها على شاطئ البحر (بحيرة طبرية) الكثيرة الاسماك، التى يرتادها الصيادون... إنه يعرف العواصف والرياح العاتية التى تجتاح تلك البحيرة (متى 8: 23، 24). وهو يعرف السيول وشدة إندفاعها فى ذلك الاقليم (متى 7: 25).
ج - النقطة الثالثة هى أن كاتب هذا الانجيل يكتب ليهود منتصرين حديثاً... ويتضح ذلك بما يلاحظه العلماء من أنه يكتب لقراء يعرفون اللغة الآرامية (اللغة العبرية الدارجة). وذلك واضح من أنه لا يشرح الكلمات الآرامية مثل كلمة «رقاً» و«قربان» (متى 5: 22، 23). وهو يكتب لقراء متأثرين بالأفكار اليهودية، حريصين على الأخذ بها. فهو يفتتح انجيله بسلسلة النسب الجسدى للمسيح «كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم»... (متى 1: 1) ويحرص على إظهار أن العهد الجديد ليس سوى تحقيق لنبوات العهد القديم... وفى عظة المسيح على الجبل يصر متى على تاكيد العلاقة القائمة بين العهدين القديم والجديد «لا تظنوا إنى جئت لأنقض الناموس أو الانبياء. ما جئت لانقض بل لاكمل» (متى 5: 17)... وكثيراً ما نسمعه يسجل عبارة «سمعتم أنه قيل للقدماء... أما أنا فأقول لكم». ولا شك أن هذا كان له أهمية اكيدة فى نظر اليهود الذين اعتنقوا المسيحية حديثاً... ولم يكن الأمر على هذا النحو بالنسبة للذين انتقلوا من الوثنية للمسيحية. لذا لا نرى هذه الظاهرة فى اسلوب بقية الانجيليين. بل قد نرى شيئاً آخر. فمثلاً يوحنا فى انجيله (يوحنا 4: 9) وهو يسجل لقاء المسيح مع المرأة السامرية يقول.
«قالت المرأة السامرية، كيف تطلب منى لتشرب وأنت يهودى وأنا إمرأة سامرية. لأن اليهود لا يعاملون السامريين».
وواضح من ذلك أن هذا الانجيل لم يكتب لليهود لانه لو كان مكتوباً لليهود لما إحتاج أن يوضح هذا الأمر، لأنه معروف لكل اليهود.
د - وكاتب انجيل متى هو شاهد عيانى للأحداث التى يدونها، وشاهد سمعى لأحاديث المسيح له المجد، ولمواعظة التى أوردها فى انجيله... وهذا واضح من تتبع انجيله.
3 - الادعاء بوجود تناقض بين الأناجيل.
النقطه الثالثه من الهجمات والطعون التى توجه لكتاب العهد الجديد الإدعاء بوجود تناقض بين الأناجيل:
زعموا بوجود إختلافات بين انجيل يوحنا والاناجيل الثلاثة الاخرى «متى ومرقس ولوقا» والتى تعرف بإسم.
«الاناجيل المتوافقة أو الائتلافية» Synoptic
، من جهة مضمون الانجيل والاسلوب والاحداث والمعجزات.
وزعموا بوجود تناقض بين الاناجيل الثلاثة الاولى متى ومرقس ولوقا بعضها البعض.
وزعموا بوجود تناقض بين الأناجيل والتاريخ العام.
(أولاً) الزعم بوجود تناقض بين انجيل يوحنا والاناجيل الثلاثة الأخرى:
نحن لا ننكر بأن انجيل يوحنا ينفرد بمنهج خاص، لكن ذلك يرجع للأسباب الآتية: -.
1 - كتب يوحنا انجيله بعد أن كتبت الاناجيل الثلاثة الأولى الأخرى. كتب فى أواخر القرن الأول، حوالى سنة 95م. وكانت غايته تكملة ما جاء بهذه الأناجيل الاخرى بمعنى تفصيل ما أجمل ذكره، أو ذكر ما أغفل كتابته. وقد كانت هذه الاناجيل الثلاثة منتشرة ومعروفة فى ذلك الوقت. فهو من هذه الناحية يمكن إعتباره مكملاً للأناجيل الثلاثة الأخرى. هم كتبوا حوالى سنة 50م وهو كتب نحو سنة 90م. فليس ثمة داع لأن يكرر ما جاء فى الاناجيل الثلاثة الأولى.
2 - يوحنا كان له هدف أساسى من كتابة الانجيل وهو إثبات الوهة المسيح. وهذا ما يكشفه بصراحة فى خاتمه انجيلة.
« وآيات أخر كثيرة. صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب فى هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله. ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة بإسمه»
(يوحنا 20: 30، 31)... ومن ثم فقد توفر يوحنا لهذه المهمة وأبرزها... وبطبيعة الحال فإن هذه المهمة العقيدية لا تتعارض مع مهمته كمؤرخ أمين، دون حياة السيد المسيح وهو بالجسد... فقد كان لزاماً على يوحنا أن يتنقى من حياة الرب يسوع وكلامه ما يلائم هدفه... على أن هذا لا يفهم منه أن بقية الانجيليين لم يتعرضوا لهذه النقطة ولم يظهروا الوهة المسيح.
3 - كتب يوحنا انجيله أواخر القرن الأول، وكان فى ذلك الوقت قد ظهرت هرطقات ضد لاهوت المسيح... فكان من أغراضه فى الكتابة دحض هذه الهرطقات وإثبات خطأها. وهذا واضح من رسائله الثلاثة. «كل أحد يأتيكم، ولا يجئ بهذا التعليم فلا تقبلوه فى البيت ولا تقولوا له سلاماً لأن من يسلم عليه يشترك فى اعماله الشريره». (رسالة يوحنا الثانية 10، 11) وقد تكلمنا فى العام الماضى عن الغنوسيين الذين كانوا يعتبرون أن المسيح خيال. لذا فإن يوحنا يؤكد على هذه النقطة «الذى كان من البدء، الذى سمعناه، الذى رأيناه بعيوننا، الذى شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة» (رسالة يوحنا الأولى 1: 1). ومن هنا يتضح أن يوحنا كان له غرض ثان من كتابته لانجيله وهو ما يبدو سبباً للتعارض.
(ثانياً) الزعم بوجود تعارض بين الثلاثة أناجيل المتوافقة:
زعموا أن هناك تعارضاً بين أناجيل متى ومرقس ولوقا. ونحن نقول أن الاتفاقات بين الأناجيل الثلاثة الاولى أكثر بكثير جداً مما بينها من اختلافات ظاهرية. ونقول إختلافات ظاهرية لانها ليست اختلافات حقيقية... وليس أدل على التوافق بين الثلاثة أناجيل الاولى، من وضع مضمونها فى ثلاثة أنهر متوازية فى بعض الكتب، كل جزء من انجيل متى مثلاً مع ما يقابله من إنجيلى مرقس ولوقا وهكذا... وقد بدأ هذا العمل منذ وقت مبكر فى تاريخ الكنيسة حتى أن القديس والفيلسوف أغسطينوس (القرن الرابع) وضع كتاباً أسماه «إتفاق الاناجيل» (Harmony of The Gospels)... ونستطيع اجمال هذه الخلافات المزعومة فى ثلاث نقاط:
الترتيب الزمنى للأحداث ثم تفاصيل الاحداث وأخيراً حرفية كلام السيد المسيح.
(أ) الترتيب الزمنى للأحداث:
فيما يختص بالترتيب الزمنى للأحداث المدونه فى الاناجيل نقول إن اسلوب الترتيب الزمنى ليس هو الطريقة الوحيدة الواجب على المؤرخ إتباعها. فهناك الترتيب المنطقى، الذى ترتبط الاحداث بمسبباتها... وهناك الترتيب النفسى الذى يخضع لتأثر الكاتب، وتتمشى مع الغرض الذى لأجله كتب... فمثلاً لاحظ علماء الكتاب أن لوقا فى انجيله اهتم بذكر وتدوين معجزات الشفاء التى فعلها المسيح. والسبب فى ذلك واضح. لقد كان لوقا طبيباً (كولوسى 4: 14). وكطبيب اهتم بذكر معجزات الشفاء التى كان يعجز الطب ازاءها..
(ب) تفاصيل الأحداث:
أما عن تفاصيل الاحداث، فنقول إن الانجيليين يتفقون فى جوهر الأحداث ومن الناحية الاخرى فإن وجود تباين فيما كتبه الانجيليون ينفى عنهم تواطؤهم معاً واتفاقهم المسبق... ونلاحظ أن بعض هذه الاختلافات راجع الى بعض التفاصيل التى لم يرد أن يسجلها أحد الانجيليين من وجهة نظره بينما سجلها آخر... كما أن هذا الاختلاف قد يحدث نتيجة حدوث أحداث متشابهة... أى حدوث أكثر من حادثة من نفس النوع. كما حدث فى معجزة إشباع الألوف والبركة. فلدينا إشباع الخمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين ثم إشباع الأربعة آلاف من سبع خبزات وقليل من صغار السمك (متى 14: 15 - 20، 15: 32 - 38، مرقس 6: 35 - 44، 8: 1 - 9)... الهدف هنا من الكتابة هو إظهار بركة المسيح... ربما يأتى انجيلى آخر ويتكلم عن احدى المعجزتين.
ونود أن نشير الى نقطة هامة وهى أن الكتبة الملهمين لهم أن يستعملوا ما درج عليه عصرهم من قواعد لغوية وعوائد شائعة. فمثلاً قول المسيح «جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية الا آية يونان النبى. لانه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الانسان فى قلب الارض ثلاثة أيام وثلاث ليال». (متى 12: 39، 40)... وحينما نحسب المدة التى مكثها المسيح فى القبر لا تكون ثلاثة أيام وثلاث ليال كاملة... إن هذا التعبير يرتبط بالاسلوب الذى عبر به اليهود عن الزمن... كان اليهود فى عصر المسيح يقصدون بكلمة نهار وليل الى يوم غير كامل «أى ليس 24 ساعة»... وبهذا المفهوم تكلم السيد المسيح فى النص السابق المرتبط بيونان وبقائه فى بطن الحوت... وفى اللغة الفرنسية تدل عبارة ثمانية أيام على أسبوع. والاسبوع بمفهومنا هو سبعة أيام... وفى عصر الرسل كان يطلق اليوم الثامن على يوم الاحد الذى يدعى أول الاسبوع. [11].
هذه مجرد أمثلة... فإذا وجدت بعض ما يبدو انها متناقضات فالسبب يرجع الى جهل البشر ببعض الظروف والقوانين أو العادات التى تكشف الدراسات عنها.
(ثالثاً) الزعم بوجود تعارض بين متى ولوقا فى سلسلة الأنساب:
هناك بعض التعارض الظاهرى بين سلسلة الانساب التى سجلها متى فى الاصحاح الأول من انجيله، وبين سلسلة الانساب التى سجلها لوقا الاصحاح الثالث من انجيله...
فوالد يوسف النجار يسمى فى سلسلة متى باسم يعقوب « ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التى ولد منها يسوع الذى يدعى المسيح». (متى 1: 16). ثم يذكره لوقا فى سلسلته باسم.
هالى
وليس يعقوب (لوقا 3: 23).
ثم أن سلسلة متى تنزل بالنسب من ابراهيم فى ترتيب تنازلى حتى تصل الى يوسف، بينما سلسلة لوقا تصعد بالنسب حتى تصل الى آدم... هذا الى جانب بعض الأمور الأخرى التى سنذكرها فى سياق الحديث.
(أ) لماذا حُسب نسب المسيح من يوسف وليس من مريم؟
أول اعتراض هو لماذا حسب نسب المسيح من يوسف وليس من مريم؟ وما هى علاقة يوسف بالمسيح؟ ليس له اية علاقة، لأن العذراء حبل بها من الروح القدس وليس من يوسف!!.
القاعدة فى الكتاب المقدس أن تدرج أجيال النسب من جهة الرجال وليس من جهة النساء. فيذكر التناسل من الآباء الى الأبناء الذكور... ولا يقام الإحصاء على أساس الزوجات والأمهات... وكمثال لذلك أحصيت مريم أخت موسى وهارون معها. وسار الانجيل على هذه القاعدة فى تسلسل النسب الى يوسف وليس الى مريم، وإذا كان الأمر كذلك فكيف صار النسب موافقاً للمسيح الذى لم يولد من يوسف...
والحل واضح.
توجد فى سفر العدد وصية فى الناموس لا يسمح من جهتها لأحد ان يخطب امرأة من سبط غير سبطه ليحيا معها حياة زوجية. أى أنه لابد وأن يتخذ له زوجة من نفس سبطه حتى لا يتحول إرث الأرض من سبط الى آخر عن طريق الزواج «هذا ما أمر به الرب عن بنات صلفحاد قائلاً. من حسن فى أعينهن يكن له نساء ولكن لعشيرة سبط آبائهن يكن نساء فلا يتحول نصيب لبنى اسرائيل من سبط إلى سبط بلا يلازم بنو اسرائيل كل واحد نصيب سبط آبائه» (سفر العدد 36: 6، 7). وبناء على ذلك، فإن يوسف الذى كان من سبط يهوذا ومن عشيرة داود خطب العذراء مريم من نفس السبط.
إن نسب يوسف فى الحقيقة هو كنسب العذراء مريم التى ولدت المسيح
«فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داود التى تدعى بيت لحم لكونه من بيت داود وعشيرته» (لوقا 2: 4).
وإذ سار متى الانجيلى على نفس قاعدة الكتاب المقدس فى عدم إدراج النساء فى النسب، أتى بنسب يوسف لأن العذراء نفسها كانت من نفس سبط يوسف وعشيرته.
وهذا واضح أيضاً فيما كتبه لوقا فى انجيله «ارسل جبرائيل من الله الى مدينة من الجليل اسمها ناصرة. الى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. واسم العذراء مريم» (لوقا 1: 26، 27)... ولذا قال لها الملاك.
«ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع هذا يكون عظيماً وابن العلى يدعى ويعطيه الرب الاله كرسى داود أبيه» (لوقا 1: 31، 32)
.. ويقول أيضاً «فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داود التى تدعى بيت لحم لكونه من بيت داود وعشيرته لكتتب مع مريم امرأته المخطوبه وهى حبلى» (لوقا 2: 4، 5)... لم يقل الانجيلى إن يوسف صعد مع مريم، حتى لا يظهر أن هذا قد حدث بسبب نفس المسكن المشترك. ولكنه قال «يكتتب مع مريم». ولا يمكن أن يكون الاكتتاب واحداً ومشتركاً إلا إذا كان أيضاً من نفس العشيرة، ومن نفس البيت، ومن نفس المدينة. ومن عادة الكتاب المقدس أن يسمى الأسرة (عشيرة). فكل سبط كان مقسماً الى عشائر وأسرات «فكان بنو رأوبين بكر إسرائيل تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الاسماء برؤوسهم كل ذكر من ابن عشرين سنة فصاعداً كل خارج للحرب» (سفر العدد 1: 20).
(ب) هل كان يوسف ابن هالى أم ابن يعقوب؟
يقولون: لقد ذكر لوقا فى سلسلة الأنساب اشخاصاً آخرين، غير اولئك الذين ذكرهم متى. وليس فقط أشخاصاً آخرين، وانما أيضاً أشخاصاً عديدين، اكثر فى العدد من أولئك! ثم كيف يذكر متى أن يوسف خطيب مريم هو ابن شخص يدعى يعقوب، بينما لوقا من جانب آخر يذكر أنه ابن هالى؟
أما السبب فى ذلك فهو
أن متى فى إنجيله سرد النسب الطبيعى، بينما يسرد لوقا فى أنجيله النسب الرسمى (القانونى أو الشرعى) فما معنى هذا الكلام؟
جاء فى ناموس موسى أن الشخص الذى يتوفى بدون نسل لا يتزوج أرملته سوى أخوه ليقيم نسلاً له «إذا سكن إخوة معاً ومات واحد منهم وليس له ابن فلا تصر امرأة الميت الى خارج لرجل أجنبى. أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة ويقوم لها بواجب أخى الزوج. والبكر الذى تلده يقوم بإسم أخيه الميت لئلا يمحى اسمه من اسرائيل» (تثنية 25: 5، 6). فإذا حدث أن المتوفى لم يكن له أخ، فإن واحداً من أقربائه يأخذ امرأته ليقيم له نسلاً. لأن الابن الذى يولد ينسب لهذا المتوفى حسب الناموس. وإذا كان النسيب لا يريد أن يأخذ زوجة المتوفى حسبما كلف، فإن النسيب الذى يليه فى القرابة لابد أن يتمم هذا الزواج. لان الناموس نفسه يحرص على أن يقيم نسلاً لذلك الذى توفى دون أن ينجب بنين. وهذا الأمر واضح فى سفر راعوث « وكذا راعوث الموآبية امرأة محلون قد إشتريتها لى امرأة لأقيم اسم الميت على ميراثه ولا ينقرض اسم الميت من بين اخوته ومن باب مكانه». (راعوث 4: 10).
ولعل هذا الامر واضح فيما قاله الصدوقيون للمسيح بشأن المرأة التى تزوجت سبعة أخوة «يا معلم قال موسى إن مات أحد وليس له أولاد يتزوج أخوه بامرأته ويقيم نسلاً لأخيه» (متى 22: 24).
وانجاب الأبناء عن طريق زيجات من هذا النوع ما هو الا اقامة لاسم المتوفى وبالضرورة أن الابن المولود ينسب له. الزوج الثانى للمرأة كأب حسب الطبيعة من جهة الاتصال الجسدى الشرعى الذى به قد ولد، ومن جهة أخرى فإنه حسب الناموس ابن المتوفى.
وبهذه الطريقة فإن يوسف خطيب مريم ينتسب فى الواقع الى أبوين اثنين.
هالى اتخذ له امرأة ومات دون أن ينجب بنين. لذا فإن يعقوب – الذى كان أقرب الأنسباء اليه – تزوج بإمرأته لكى باتصاله بها جسدياً ينجب نسلاً لهذا المتوفى حسبما امرت الشريعة... كان يوسف إذاً ابناً شرعياً لهالى «أى ابنا حسب الشريعة». وفى نفس الوقت كان ابناً طبيعياً ليعقوب. ولهذا السبب قال متى ان يوسف هو ابن يعقوب بينما قال لوقا انه ابن هالى. وكلا القولين صحيح.
أما عن الاختلاف فى الاسماء بين متى ولوقا فالسبب فى ذلك أن متى ذكر الاباء الطبيعيين ليوسف، بينما ذكر لوقا الآباء الشرعيين.
وإذ ذكر لوقا هالى كأب ليوسف حسب الشريعة تدرج تبعاً لذلك حتى وصل الى ناثان الذى كان هو ايضاً ابن داود، لكى يظهر بذلك النسب الشرعى الذى يصل بين المسيح وداود. أما متى فبإحصائه النسب الطبيعى لأولئك الذين تناسلوا من سليمان أظهر كذلك أن المسيح هو ابن لداود حسب الجسد «من الناحية الطبيعية أيضاً».
كان المجرى فى الواقع يتشابه أحياناً ثم ينقسم متنوعاً، ويعود فيتحد مرة أخرى، ثم ينفصل من جديد «بتوسط الآباء الطبيعيين»، لأن الانجيليين كليهما يذكران شالتئيل. ولكن متى من جانبه يسميه – حسب الطبيعة – ابن يكُنيا ولوقا من جانب آخر – حسب الناموس – يسميه ابن نيرى. اذ حدث أيضاً تخف عن انجاب البنين لذلك المتوفى. فحدث اتصال جسدى بالطريقة التى ذكرناها أنفاً.
ومتى ولوقا يذكان زر بابل: ولكن متى من جهته يذكر أن منه ابيهود. ولوقا من جهة اخرى يذكر أن منه ريسا. ولكن نفس الاثنين خرجا من داود... أن هناك شخصين، ابنين لداود هما سليمان وناثان. ومنهما تفرعت الأنساب حتى وصلت الى يوسف خطيب مريم والدة الاله.
ومن هنا يثبت أنه بواسطة النسب الشرعى والطبيعى كليهما سنصل الى نفس النسب. وبهذا – طبيعياً حسب الجسد – جاء المسيح ليقيم سقطة طبيعتنا، وشرعياً لكى يحمل القوة والصحة للعاجزين والضعفاء.
(ج) لماذا هبط متى بالانساب، بينما صعد لوقا بها؟
(د) ولماذا ذكر لوقا الانساب بعد العماد، وذكرها متى فى بدء انجيله؟
هبط متى بالنسب. بدأ من ابراهيم ووصل ليوسف بينما لوقا سار فى اتجاه عكسى اذ صعد بالنسب من يوسف الى آدم. يقول القديس ساويرس الانطاكى وهو من ابطال الارثوذكسية أن متى أورد الانساب الطبيعية التى هى نتيجة اتصالات جسدية... هذه الطبيعة الساقطة هبطت بالانسان الى أسفل... هبط متى بالاجيال حتى وصل الى المسيح، مظهراً حبل العذراء الذى قاد الى الخلود وشفى ذات الطبيعة التى سقطت.
أما لوقا فقد روى ميلاد يوحنا المعمدان، ثم بشارة العذراء والحبل من الروح القدس والميلاد الالهى، ثم معمودية المسيح من يوحنا. وبعدها بدأ يعرض الأنساب محصياً الاشخاص، لا بالقرابة الطبيعية ولكن بالقرابة الشرعية حسب الناموس. وماذا كان ذلك النسب الشرعى؟ إنسان يموت بدون نسل، فينسب له بعد موته نسل بطريقة شرعية، ليقيم اسمه بعد موته... وهذا الذى أمرت به الاقوال المقدسة كان مثلاً وصورة لكل من التبنى والقيامة...
ولأن العماد هو الذى يعطى التبنى الحقيقى والسمائى فى إظهارنا أولاداً لله، والذى يكمل فى موت يسوع المسيح وفى رجاء القيامة... لذلك فإن لوقا بعد أن ذكر عماد الرب يسوع، أورد الانساب الشرعية التى تعطى ظلاً للتبنى لإظهار أن هذا المثال يثبت بالحقيقة. وأن حالة المرض التى من الناموس أعيدت الى الصحة بواسطة النعمة. ولهذا السبب فى الواقع ذكر الانساب من أسفل الى أعلا وأوصلها الى الله، لكى نعرف أن النعمة التى تأتى بواسطة المعمودية ترفعنا وتصعد بنا الى النسب الالهى حيث أنها تجعلنا أولاداً لله.
«الكلام عن البراكليت أى الروح القدس»
قالوا إن يوحنا هو الوحيد بين الانجيليين الذى سجل حديث المسيح فى العشاء الاخير وصلاته الوداعية (يوحنا 14 - 17). وعلى الرغم من أن كلام المسيح فى هذا الجزء يعالج أموراً إيمانية أساسية فإنها لم ترد فى الثلاثة أناجيل الاخرى التى لمتى ومرقس ولوقا...
أما ردنا على ذلك فهو أن كل بشير «انجيلى» كتب عن المسيح من زاويته الخاصة ولغرض خاص... يضاف الى ذلك أن القديس يوحنا كتب بشارته «انجيله» بعد كتابة الثلاثة بشائر «أناجيل» الاخرى التى لمتى ومرقس ولوقا... لقد كتب انجيله أواخر القرن الأول الميلادى، وكانت بدع وهرطقات خاصة بلاهوت المسيح قد ظهرت. وألح المؤمنون المسيحيون على آخر الرسل – وهو يوحنا – الذى كان ما زال على قيد الحياة، أن يكتب انجيلا يفند فيه هذه البدع والاضاليل... ومن غير المعقول أن يكتب يوحنا تكراراً لما جاء بالاناجيل الاخرى التى كانت قد تداولت بين أيدى المسيحيين.
لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل زعم البعض، أن كلمة «براكليت» المستخدمة للتعبير عن الروح القدس – روح الله – لا يقصد بها الروح القدس، لكنها نبوءة عن إنسان آخر تنبأ المسيح عن مجيئه...!! وقد أولوا هذا الزعم والادعاء كل اهتمامهم وكأنهم اكتشفوا شيئاً عظيماً... لكننا سنرى ماذا تعنيه كلمة براكليت، وماذا يعنيه زعمهم...
سوف نقرأ بالنص الآيات التى ذكرها يوحنا فى انجيله على لسان المسيح الخاصة بالروح القدس «البراكليت». وكلمة براكليت كلمة يونانية تعنى المعزى وهى صفة للروح القدس... لنقرأ اذن هذه الآيات التى وردت فيها كلمة براكليت لنرى هل هى تعبر عن روح الله، أم أنها تصلح لتكون وصفاً لإنسان يأتى بعد المسيح برسالة دينية!! «إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى. وأنا أطلب من الآب.
فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم الى الابد
. روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه.
ماكث معكم ويكون فيكم...
وأما.
المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم... ومتى جاء المعزى الذى
سأرسله أنا اليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى. ولكن إن ذهبت أرسله اليكم. ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة. أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بى. وأما على بر فلأنى ذاهب الى أبى ولا تروننى أيضاً. وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين. إن لى أموراً كثيره أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه. بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم». (انجيل يوحنا 14: 15 - 17، 26، 15: 26، 16: 7 - 14).
لكن كيف حدث هذا الخلط؟ وكيف ما يوصف به روح الله يصلح أن يكون وصفاً لإنسان؟! كان الإدعاء التقليدى أن الكلمة اليونانية براكليت تعنى «المحمود»... لكن هذا خطأ لغوى فاضح... فكلمة براكليت لا تعنى «المحمود»...
الكلمة اليونانية براكليتوس «παρακλητοϛ» = بالقبطية «paraklhtoc» وردت فى العهد الجديد خمس مرات. أربع مرات قيلت عن الروح القدس ووردت فى (يوحنا ص 14، 15، 16). وجاءت بمعنى المعزى أو المعين، وهو المعنى الاصلى للكلمة فى اللغة اليونانية. وفى المرة الخامسة ذكرت عن المسيح بمعنى الوكيل فى القضاء أو المحامى. ووردت فى (رسالة يوحنا الاولى 2: 1) «يا أولادى اكتب اليكم هذا لكى لا تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار».
إذن من اين نشأ هذا الخلط؟!.
هناك كلمة يونانية اخرى قريبة من paraklntog هى paraklhtoc وتعنى المحمود وهذه الكلمة لم ترد فى الانجيل... وواضح أن هناك فرقا فى الهجاء بين الكلمتين فى الحرفين الثانى والرابع – بصددها والتى هى موضوع حديثنا فى انجيل يوحنا.
لكن المسألة التى نحن بصددها لكونها فى غاية الخطورة والأهمية، فلا نقف فيها عند حد الاختلاف اللفظى ونكتفى بذلك، لكن حينما نعود إلى الصفات التى ذكرت عن البراكليت نجد أنها لا يمكن بحال من الاحوال أن تنطبق على بشر كما سوف نرى. والعجيب أنهم – لفرط حماسهم – قالوا ان العناية الالهية هى التى حفظت هذه الآيات الواردة فيها كلمة براكليت من تلاعب المسيحيين. والتى فى نظرهم توصلهم الى غرضهم أى أن هذه الآيات لم تتناولها الايدى بالتحريف!!
ونحن فى دهئة نقول لماذا كل هذا البحث والعناء الذى يدور حول الصفة ما دام الموصوف ظاهراً جلياً؟!! فالموصوف هو الروح القدس أو روح الحق. وكلمة براكليت هى صفة للروحق القدس... ولا يمكن بأى حال أن.
يكون الروح القدس هو إنسان للأنسان الآتيه:
(1) البراكليت الموعود به هو روح كما هو واضح من الآيات السابق ايرادها.
(2) الروح الموعود به حسبما جاء فى الآيات السابقة سيرسله المسيح معزياً للتلاميذ فى وقت قريب لارتفاعه «المسيح» الى السماء «انه خير لكم أن أنطلق – لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم»... وهذا ما حدث بعد عشرة أيام لصعود المسيح الى السماء، حينما حل الروح القدس على الرسل والتلاميذ فى أورشليم. وهذا الوصف والكلام لا ينطبق على انسان يأتى بعد قرون طويلة من الزمان بعد أن يكون الرسل قد ماتوا!!.
(3) كان وعد المسيح، أنه «المسيح» يرسل الروح القدس ليمكث مع التلاميذ الى الأبد. وواضح أن هذا لا ينطبق على أى انسان فى الوجود لأنه لا يوجد انسان يحيا ولا يرى الموت. اما كيف يمكث مع التلاميذ الى الأبد... فإن المؤمن المسيحى بالولادة الثانية بالمعمودية المقدسة يصير ابناً لله وهيكلاً للروح القدس... والمعنى أن هذا الكلام لا يقتصر على التلاميذ وحدهم بل على كل من يؤمن باسم ابن الله المخلص بواسطتهم، وهكذا...
(4) قيل عن الروح الموعود به «البراكليت» أن العالم لا يراه ولا يعرفه. وكونه شيئاً لا يرى يعنى أنه روح وليس انساناً ذا جسد هيولى.
(5) الروح الموعود به قيل إن التلاميذ يعرفونه. وهذه الصفة لا تنطبق على انسان آخر يحاولون تفسير كلمة براكليت عليه.
(6) الروح الموعود به قيل عنه إنه يعلم التلاميذ كل شئ ويذكرهم بكل ما قاله المسيح. ومعنى هذا أنه يسير فى نفس خط المسيح، يعلم تعليمه ويذكرهم بكلامه.
(7) الروح القدس الموعود به قيل عنه إنه روح الحق المنبثق من الآب – وهذا لا ينطبق على أى انسان مهما سماً فى مكانته. لكنه يتعلق بأقانيم الثالوث القدوس.
(8) قيل عن الروح القدس الموعود به أنه يشهد للمسيح ويمجده. ويأخذ مما للمسيح ويخبرهم. وهذا تم فى عمل الروح القدس فى الرسل والتلاميذ أثناء كرازتهم بالمسيح المخلص.
(9) قيل عن الروح القدس أنه يبكت العالم على خطية. وهذه الخطية هى عدم الإيمان بالمسيح كإله. وعلى بر المسيح، لمن فاته من الناس أن يؤمنوا به كإله، وعلى دينونة لم يعرفوها حين دان المسيح الشيطان رئيس العالم. و واضح جداً أن هذا لا ينطبق على أى إنسان.
(10) المسيح أوصى التلاميذ أن «لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه منى لأن يوحنا عمد بالماء وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير» (أعمال الرسل 1: 4، 5). فكيف يقول المسيح لتلاميذه أنكم ستتعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير وكيف يقال إن هذا البراكليت هو إنسان آخر يأتى بعد السيد المسيح بقرون؟!
كان هذا هو الفكر التقليدى الذى سار فيه المهاجمون ردحاً طويلاً من الزمان، وتعلقوا به.. لكن هناك تخريجاً جديداً لمفهوم كلمة براكليت ورد فى كتاب موريس بوكاى المذكور... يقول:
« وكأن المسيح يريد القول إنه سيرسل الى البشر وسيطاً آخر كما كان هو أى المسيح» وسيطاً لدى الله وفى صالح البشر مدة حياته على الأرض. وذلك يقودنا بمنتهى المنطق الى أن نرى فى البراكليت عند يوحنا كائناً بشرياً مثل المسيح يتمتع بحاستى السمع والكلام... أنه دور نبى يسمع صوت الله ويكرر على مسامع البشر ورسالته... ».
وعلى الرغم من أن هذا التخريج جديد لكنه على ضوء ما ذكرناه سابقاً يعتبر لغواً سفسطة.
أعتقد أن الكلام الذى قلناه والذى ختمنا به هذه المحاضرة بالبراكليت. تكفى لمن يحاول أن يهاجم كتبنا المقدسة.
إن العلم الحديث يقدم كل يوم أدلة وإثباتات جديدة على صدق الكتاب المقدس وعلى أنه كتاب الله الحى الذى كما قال عنه المسيح السماء والأرض تزولان أما كلمة منه أو حرف لا يزول.
[Place Image #01 here].
[5] - كلمة ناموس تعنى مجموع الشرائع الدينية الأدبية والطقسية والقضائية التى حواها كتاب العهد القديم.
[6] - قارن فصلا 4، 5 من رسالة برنابا مع «انجيل متى 22: 14، 9: 13».
[7] - عالم ايطالى نسبت اليه الوثيقة المذكوره لأنه أول من نشرها. وهذه الوثيقة تحوى الاسفار المقدسة التى قبلتها الكنيسة المسيحية كأسفار قانونيه موحى بها من الله. وهذه الوثيقة لها أهمية كبيره لأنها ترجع الى النصف الثانى من القرن الثانى.
[8] - استشهد سنة 155م.
[9] - سميت كذلك لانها رسالة عامة للكنيسة كلها وغير موجهه الى أشخاص معينين أو كنائس خاصة.
[10] - رسالة يعقوب ورسالتان لبطرس وثلاثة رسائل ليوحنا ورساله ليهوذا.
[11] - هكذا يذكر يوم الأحد باسم اليوم الثامن أى التالى للسبت فى رسالة برنابا التى ترجع الى أواخر القرن الأول.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.