هذا الفصل هو جزء من كتاب: كتابنا المقدس ومسيحنا القدوس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
المسيح وأسفار العهد الجديد
عرضنا فى المحاضرات السابقة لصلة السيد المسيح بالكتاب المقدس بصفة عامة... وأوضحنا أن السيد المسيح له المجد هو غاية الكتاب المقدس وهدفه وموضوعه... وقد رأينا فيما قدمنا، كيف أن الله ظل يعد البشرية على مدى أجيال طويلة، لمجيئه وتجسده والفداء العظيم الذى أتمه على الصليب، تاره بالرمز – سواء أشخاص أو أحداث أو عبادة بتفاصيلها ودقائقها، وتارة أخرى بالنبوات الكثيرة جداً، التى أعلنها الله على أفواه أنبيائه القديسين فى العهد القديم – تلك النبوات التى من أوجه كثيرة. وكأن يد الله العزيزة كانت ترسم لوحة بديعة لشخص المسيح، الذى قال عنه داود النبى إنه أبرع جمالاً من بنى البشر... كان هذا فى العهد القديم الذى امتد لألاف السنين. واليوم نتكلم عن السيد المسيح له المجد وأسفار العهد الجديد.
لقد شملت نبوءات انبياء العهد القديم نواحى كثيرة من حياة السيد المسيح وهو بالجسد على الأرض، كتجسد وميلاده من عذراء، ومكان ميلاده وهربه الى مصر، ومعجزاته بأنواعها، وآلامه بدقائقها، ولاهوته... إلخ. لكنها شملت أيضاً الإشارة الى وظائف المسيح التى شغلها وهو بالجسد على الأرض، الأمر الذى نود أن نلقى عليه ضوءً لما له من أهمية، كما سوف نرى من دراستنا للأناجيل...
« وظائف المسيح الثلاثة»
هذا الموضوع فى غاية الأهمية لأنه يفسر لنا أشياء كثيرة تبدو عسرة الفهم فى حياة السيد المسيح.
لقد شغل السيد المسيح ثلاث وظائف: وظيفة نبى، ووظيفة كاهن، ووظيفة ملك.
ولعل تقدمة المجوس التى قدموها للمسيح وهو بعد وليد، إنما تشير رمزياً إلى ذلك...
فعن وظيفة النبى التى شغلها المسيح
تنبأ موسى النبى قائلاً «يقيم لك الرب الهك من وسطك من إخوتك مثلى» (تثنية 18: 15)...
وعو وظيفة الكاهن
يقول داود «أقسم الرب ولن يندم، أنت كاهن الى الأبد على رتبة ملكى صادق» (مزمور 110: 4)... وقال زكريا النبى « ويكون كاهنا على كرسيه» (زكريا 6: 13)... وقال أشعياء « وهو حمل خطية كثيرين وشفع فى المذنبين» (أشعياء 53: 12)...
† أما عن وظيفة الملك
فهناك نبوءات كثيرة سنأتى على ذكرها فيما بعد...
إن النبوات عن وظائف المسيح التى قام بها وهو فى الجسد على الأرض ليس كلاماً مجازياً، كما لم تكن مجرد القاب تشريفية لقب بها المسيح... لكن العمل الذى قام به المسيح يتضمن كل ما عمله الأنبياء والكهنة والملوك القدماء...
والحق إن البشر الساقطين كانوا بحاجة الى مخلص يكون نبياً ليعلمهم، وكاهناً ليكفر عن خطاياهم ويشفع فيهم، وملكاً ليملك عليهم ويحميهم. والخلاص الذى اقتبلته البشرية من السيد المسيح يشمل كل عمل النبى والكاهن والملك فى أبقى واسمى صورة.
ونلاحظ أن هذه الوظائف الثلاثة فى العهد القديم لم تجتمع لشخص واحد... وإذا حدث واجتمعت وظيفتان لشخص واحد، كان لابد من انفصال احداهما عن الأخرى... بمعنى أن ذلك الشخص كان يمارس وظيفة من هذه الوظائف الثلاثة، وأحياناً أخرى. أما كونه يجتمع له وظيفتان فى وقت واحد فهذا ما لم يحدث...
أما المسيح له المجد فقد اجتمعت هذه الوظائف الثلاثه كلها فيه متحدة اتحاداً كلياً عجيباً فى وقت واحد معاً.
وفى شخص المسيح نجد هذه الوظائف الثلاثة مرتبطة بعضها ببعض ارتباطاً شديداً... والحق أنها ثلاثة فروع لوظيفة واحدة، هى الوساطة القائمة فى المسيح بالتعليم «النبوة»، والتكفير «الكهنوت»، والتسلط «الملك».
ونحاول الآن ان نلقى ضوء على كل وظيفة من هذه الوظائف.
(1) الوظيفة النبوية:
نريد أن نفهم كيف كان المسيح نبياً؟ وكيف يتوافق هذا مع قولنا إن المسيح ليس مجرد نبى، إنما هو الله الذى ظهر فى الجسد... لفهم ذلك يلزم أن نعلم أولاً:
ماذا يقصد بكلمة نبى فى الكتب المقدسة؟
النبى هو من يتكلم عن آخر..
هذا الأمر نراه واضحاً فى شخصية موسى النبى وأخيه هارون كمثال... قال الرب لموسى حينما أبى أن يبلغ رسالته الى فرعون ملك مصر، محتجاً بأنه «ثقيل الفم واللسان»، قال له الرب «تكلمه «أى تكلم هارون» وتضع الكلمات فى فمه... هو يكلم الشعب عنك، وهو يكون لك فماً. وأنت تكون له إلهاً» (خروج 4: 15، 16)... وعندما نصطدم بكلمة «تكون له إلهاً» لا يمكن أن نفهمها ما لم نفهم معنى النبوة فى الكتاب المقدس. ما هو قصد الله بهذا التعبير؟. قصد الله أن موسى يكون مصدر التبليغ، المعبر عنه بكلمة «تكون له الهاً»، وهارون يكون نبياً « = يكون فماً»... إن هذا الوصف يوضح نسبة النبى الى الله...
نفس المعنى يوضحه قول الرب لإرميا النبى «مثل فمى تكون» (أرميا 15: 19)... وقوله لموسى عن النبى المزمع أن يرسله فى ملء الزمان « وأجعل كلامى فى فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به»... (تثنية 18: 18). لذا – من أجل أن الأنبياء هم مجرد مبلغين لكلام الله ولإرادته، حرص أنبياء العهد القديم على هذا التعبير الذى كثيراً ما نقرأه فى كتاباتهم «هكذا قال الرب».
يتضح مما تقدم أن النبى هو من يتكلم باسم الرب، ويكون آلة بيد الله مباشرة... نقول هذا حتى لا يختلط الأمر بين الأنبياء الملهمين والمعلمين «الخدام» الذين يتكلمون باسم الرب ويبلغون رسالته وتعاليمه... فالأنبياء كانوا ملهمين دون المعلمين.
إن كل من قبل اعلاناً من الله مباشرة، وأوحى اليه بتبليغه، دعى فى الكتاب المقدس نبياً.
† هنا نتساءل كيف كان المسيح نبياً بالمفهوم السابق؟
كان المسيح نبياً من حيث أنه أبلغ البشر أفكار الله وإرادته... ويتضح ذلك من قوله «الكلام الذى تسمعونه ليس لى بل للآب الذى أرسلنى» (يوحنا 14: 24)... وقوله «تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى» (يوحنا 7: 16) وقوله «لست أفعل شيئاً من نفسى، بل اتكلم بهذا كما علمنى أبى» (يوحنا 8: 18)... بهذا المعنى كان المسيح نبياً وخاتم السلسلة النبوية للعهد القديم وبه وفيه انتهت الوظيفة النبوية...
وأود أن أنبه إلى نقطة معينة، حتى لا يختلط الأمر على البعض... نحن نقرأ فى العهد الجديد عن موهبة النبوة، وهى موهبة من مواهب النعمة أو مواهب الروح القدس. وهذا يختلف تماماً عن مفهوم النبوة فى العهد القديم الذى تحدثنا عنه.
نعود الى الكلام عن السيد المسيح كنبى، فنقول إن هذه الحقيقة عبر عنها الرسول حينما قال «إن يسوع المسيح قد صار خادم الختان من أجل صدق الله، حتى يثبت مواعيد الآباء» (رومية 15: 8). بهذا المعنى كان رب المجد يسوع هو المشار إليه فى نبوءة موسى السابقة، أنه هو النبى العتيد أن يقيمه الله. وأشار الى ذلك استفانوس الشهيد، شهيد المسيحية الأول (أعمال الرسل 7: 37).
بالمفهوم السابق – مفهوم التبليغ – نفهم لماذا تحدث المسيح عن نفسه فى بعض المواقف كنبى. فعندما رفضه أهل الناصرة قال «ليس نبى مقبولاً فى وطنه» (لوقا 4: 24)... وعندما حذره الفريسيون من غضبه هيرودس الملك قال «ينبغى أن أسير اليوم وغداً وما يليه، لأنه لا يمكن أن يهلك نبى خارجاً عن اورشليم» (لوقا 13: 33)...
(2) الوظيفة الكهنوتية: -
من هو الكاهن؟
يتضح من نصوص الكتاب المقدس، ومن التقليد البشرى، والاستعمال الشائع فى اللغات الشرقية «الكتاب المقدس يحوى التقليد الشرقى»، ان الكاهن – فى المفهوم السائد قبل العصر المسيحى – هو:
(أ) الشخص المعين للقيام بأعمال البشر أمام الله... فالبشر خطاة ولا يحق لهم القدوم الى الله. لذا فالكاهن وسيط بين الله والناس.
(ب) الشخص المعين لتقديم قرابين وذبائح عن الخطايا... وهو بذلك يقوم بدور المصالحة بين البشر والله... وهو يكفر عن خطاياهم ويقدم أشخاصهم واعترافاتهم وقرابينهم لله.
(ج) الشخص الذى يشفع فى الشعب، لا عن طريق الصلاة لأجلهم، كما يصلى انسان لآجل آخر، بل بشفاعة خاصة بوظيفته...
لكن ما الدليل على صحة هذه الاختصاصات الخاصة بالكاهن؟
(1) فى الشعوب الوثنية: -
وعندما نقول الشعوب الوثنية ذلك لأن الحاجات التى فى الشعوب الوثنية لها جذور تمتد الى الإنسان الأول. وعندما نجد شيئاً فى الشعوب الوثنية فيه اجماع بخصوصها مثل استرضاء الآلهة عن طريق الذبائح. هنا لازم نقف... هذا الإجماع غير ممكن بالرغم من أن الناس متفرقين ووسائل الاتصال بين البشر زمان كانت صعبة. لا يمكن أن نصمت أو نغمض أعيننا. ولكن لابد أن الإجماع له دلالة. صحيح أن العبادات الوثنية اختلطت بكثير من الأساطير والخرافات. إنما احنا بنأخذ دلالة منها وهذه الدلالة تفيدنا أيضاً. هناك اجماع عام عند جميع الشعوب الوثنية فى كل الأجيال بصحة ما أشرنا اليه... فالبشر شعروا بالخطية فى كل مكان وزمان. وتبع هذا الشعور احساس بعدم الأهلية للاقتراب الى الله... وكانت ضمائرهم تحثهم دائماً على ضرورة التكفير عن الخطية بايفاء العدل الإلهى حقه، مع احساسهم بعجزهم عن ذلك وعدم استحقاقهم لتقديم كفارة كافية...
من أجل ذلك فكروا فى إنسان أو طبقة من الناس ينوبون عنهم ولأجلهم...
فاقاموا الكهنة ليستعطفوا الآلهة بواسطة الذبائح الكفارية، أو التقدمات والصلوات... وأود أن أشير الى أهمية هذا الإجماع حتى بين الشعوب الوثنية. حيث أن هذا الإجماع يدل على أن المصدر المأخوذ عنه واحد، على الرغم من بعد الشقة بين البشر فى تلك الأزمنة، وعدم وجود وسائل اتصال سريعة وجيدة... وبالنسبة للبشر فإن المصدر الواحد هو الانسان الأول آدم، الذى أخذ عن الله نفسه أشياء كثيره... وكمثال نقوم إن اجماع الشعوب البشرية على استرضاء الآلهة بواسطة الذبائح الدموية، يدل على أن مصدر واحد وهو آدم. الذى أخذ من الله نفسه...
(2) فى العهد القديم:
أما فى الشريعة الموسوية، فقد وجد الكهنوت والكهنة، للقيام بالوساطة بين بنى اسرائيل والله وللاقتراب إليه دائماً، وذلك بتقديم ذبائح تكفر عن خطايا الشعب، وللشفاعة فى من يتعدون ناموي الله.
فى شريعة موسى لم يؤذن للشعب أن يقتربوا من الله بل للكاهن فقط...
وكان عقاب من يتجاوز هذا الأمر صارماً للغاية. ولدينا قصة رهيبة أوردها موسى فى سفر العدد فى الاصحاح السادس عشر... نقرأ عن قورح وداثان وابيرام، الذين قاوموا موسى وهارون واتهموهما بالتعالى عليهم والانفراد بأعمال الكهنوت. ويقول الكتاب المقدس عنهم «اجتمع على موسى وهارون وقالوا لهما كفاكما. إن كل الجماعة بأسرها مقدسة وفى سطها الرب. فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب»... ولما أرادوا أن يكهنوا للرب أسوة بهارون وقربوا للرب بخوراً فى المجامر، فتحت الأرض فاها وابتلعتهمز ليسوا هم وحدهم بل وكل بيوتهم، وكل من كان لهم وانطبقت الأرض عليهم، وخرجت نار من عند الرب وأكلت المائتين وخمسين رجلاً الذين قربوا البخور...
بالإضافة الى ذلك، نذكر رئيس كهنة اليهود فى شريعة موسى، الذين كان وحده مصرحاً له بالدخول الى قدس الأقداس، وفى يوم واحد من كل عام هو يوم الكفارة... ورأينا كيف كان يدخل بالدم ليكفر عن خطاياه، وعن خطايا الشعب... ولا شك أن كهنوت العهد القديم كان رمزاً لكهنوت المسيح، وكهنوت العهد الجديد.
وتتحدث الرسالة الى العبرانيين بنوع خاص عن كهنوت المسيح وافضليته على الكهنوت اللاوى «كهنوت العهد القديم أو كهنوت هارون». ويتلخص ما جاء بالرسالة الى العبرانيين فى الآتى:
† للمسيح جميع الصفات التى تؤهله للكهنوت.
† المسيح معين من الله ككاهن.
† المسيح كاهن على رتبة أعلى وأسمى من رتبة هارون «العهد القديم».
† كهنوت المسيح يبطل الكهنوت اللاوى «كهنوت العهد القديم».
† أتم المسيح جميع أعمال الكهنوت وهى الوساطة والذبيحة والشفاعة.
† فاعلية ذبيحة المسيح كلية وشاملة ودائمةن فلا احتياج لتكرارها لأنه «ليس لى اضطرارا كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولا عن خطايا نفسه، ثم عن خطايا الشعب لأنه فعل هذا مرة واحدة، اذ قدم نفسه» (عبرانيين 7: 27)...
بالمعنى السابق كان المسيح له المجد كاهناً ورئيس كهنة، ومارس عمل الكهنوت كوسيط وشفيع بين البشر والله. أما الذبيحة التى قدمها فهى ذاته... كان هو الكاهن والذبيحة... كان هو المقدَّم والمقدَّم.
(3) الوظيفة الملكية:
إن الله بحكم كونه الخالق فهو المالك لكل خلائقه... لقد عصى البشر الله، وتمردوا على سلطانه... ومن هؤلاء العصاة كون ابليس مملكته، مملكة الظلمة... لكن الله بنعمته ورحمته أراد أن يخلص الانسان من عواقب السقوط بفاد يبيد سلطان ابليس وقوته... وكون الله مملكته الروحية ممن اختارهم من العالم، وردهم الى طاعته بتجديد الروح القدس...
كانت خطة الله إنه كون له شعباً خاصاً يعد الطريق لمجئ الفادى المخلص الموعود به...
ولتحقيق ذلك أقام عهداً مع ابراهيم ومع ذريته، المتناسلة عن اسحق ابنه، الذى فيه كانت المواعيد... هؤلاء جعلهم الله ملكوته المنظور.
ثم كان ما كان من تغرب هذا الشعب فى مصر، وخروجهم من مصر. هؤلاء ألفوا جماعة تحت سلطان الله المباشر، ووضع الله لهم التشريعات الخاصة فى العبادة وغيرها، لكى يحقق الله مقاصده فى الخلاص. إذن نستطيع القول إن ملكوت الله كان قائماً منذ آدم، ويتألف ممن يطيعون الله الواحد. لكن قبل المسيح كان هذا الملكوت من قبيل الاستعداد فقط لمجئ الملك الحقيقى. لذا فقد قيل فى العهد القديم عن مملكة المسيح انها تنتهى فيها أخيراً سائر الممالك.
ماذا قال العهد القديم عن ملك المسيح؟
أشار يعقوب أبو الآباء الى المسيح على أنه.
«شيلون الذى يكون له خضوع الشعوب» (تكوين 49: 10)..
. وأقام الله عهداً مع داود بأن مملكته تبقى الى الأبد، وكرسيه يكون ثابتاً (صموئيل الثانى 7: 16)... وتنبأ أشعياء عن مملكة المسيح، وأن هذا الملك يكون على كرسى داود وعلى مملكته الى الأبد (أشعياء 9: 6، 7)... والمرتل فى المزمور الثانى يقول «مسحت ملكى على صهيون جبل قدسى... اسألنى فأعطيك الأمم ميراثاً لكن وأقاصى الأرض ملكاً لك» (مزمور 2: 6، 8)... هذا والمزامير 45، 72، 110هى عن المسيح الملك.
وتنبأ دانيال عن المسيح الملك الذى أعطى.
«سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض» (دانيال 7: 14)...
وهكذا أيضاً تنبأ ميخا النبى عن قرية بيت لحم، وأنه يخرج منها «الذى يكون متسلطاً على اسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل» (ميخا 5: 2)... وتنبأ زكريا عن مقدم هذا الملك ابتهجى جداً يا ابنة صهيون. اهتفى يا بنت أورشليم هوذا ملكك يأتى اليك. هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان» (زكريا 9: 9)... ومعلوم أن هذه النبوة قد تمت فى دخول المسيح الأخير الى أورشليم فيما يعرف باسم يوم أحد الشعانين.
ماذا قال العهد الجديد عن المسيح الملك:
منذ البداية أعلن الملاك للعذراء مريم عن الطفل الإلهى « ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه.
ويملك على بيت يعقوب الى الأبد
. ولا يكون لملكه نهاية» (لوقا 1: 32، 33)... ويوحنا المعمدان سابق المسيح أعد الشعب لمجئ المسيح بقوله «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات» (متى 3: 2)... وواضح أن كلمة ملكوت من ملك.
والسيد المسيح نفسه
كثيراً جداً ما تكلم عن هذا الملكوت فى كلامه التعليمى، وفى الأمثال التى قالها مما لا نرى داعياً لذكره تفصيلاً... وعندما سأله بيلاطس «أأنت ملك اليهود» كان جوابه عليه «أنت تقول» (متى 27: 11، مرقس 15: 2، لوقا 23: 4)... لكنه أردف «مملكتى ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتى من هذا العالم لكان خدامى يجاهدون لكى لا أسلم الى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتى من هنا. فقال له بيلاطس أفأنت إذاً ملك أجاب يسوع، أنت تقول إنى ملك. لهذا قد ولدت أنا، ولهذا قد أتيت الى العالم لأشهد للحق» (يوحنا 18: 33 - 37).
وهناك فقرتان خاصتان فى الصلاة المثالية التى علمها الرب يسوع لتلاميذه «ليأت ملكوتك... لأن لك الملك والقوة والمجد الى الأبد»... وفى صلوات البصخه المقدسة نقول «يا عمانوئيل الهنا وملكنا» والملكوت هنا ملكوت روحى.
«المسيح فى البشائر الأربعة»
ننتقل الآن للكلام عن المسيح فى البشائر الأربعة...
المسيح الذى تطلع إليه رجال الله الأبرار فى العهد القديم، وتنبأ عنه الأنبياء كأمر عتيد أن يحدث، صار واقعاً تاريخياً فى العهد الجديد... ومن كان رجاء فى القديم صار هو حقيقة المسيحية الكبرى فى العهد الجديد...
قال أيوب قديماً لله بعد أن اجتاز تجربة طويلة حافلة «بسمع الأذن قد سمعت عنك، والآن رأتك عينى» (أيوب 42: 5)... فى العهد القديم ومن خلال أسفاره المقدسة، سمعت البشرية عن المسيح «بسمع الأذن»، لكن فى العهد الجديد رآه البشر...
لكن قبل استعراض شخص المسيح فى البشائر الأربعة نشير الى ملاحظة فى غاية الأهمية:
(1) هناك بعض الأمور التى يسجلها الإنجيل
المقدس عن المسيح تبدو فى نظر البعض أنها لا تليق بلاهوته وبكماله الإلهى، كالجوع والعطش والتعب والبكاء والتعجب والفرح والحزن والغضب.... ا لخ.
(2) ما نقرأه فى الأناجيل عن المسيح
أنه كان فى بعض الأحيان يصلى كما ذكر عنه أنه صام... فلمن كان يتجه بالصلاة، ولماذا صام، ولمن قدم صومه؟!
(3) ما ورد على لسان السيد المسيح نفسه
من أقوال تبدو فى ظاهرها صعبة، لأنها لا تتفق مع كمال لاهوته، مثل قوله «أبى أعظم منى» (يوحنا 14: 28) وقوله وهو يتكلم عن نهاية العالم، إن ذلك اليوم وتلك الساعة «لا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين فى السماء ولا الإبن الا الآب» (مرقس 13: 32)... فكيف لا يعرف الابن إن كان هو الله؟! وكيف يكون الآب أعظم منه، ونحن نقول فى قانون ايماننا «مساو للآب فى الجوهر أو واحد مع الآب فى الجوهر... ».
(4) ما يثار حول آلام المسيح وموته...
وسوف لا نجيب عن هذه النقاط واحدة فواحدة، لأن ذلك يتطلب – لا موضوعاً خاصاً – بل سلسلة من الموضوعات. لكننا نجمل ردنا فى الآتى: -.
† يجب الا ننسى – ولو للحظة واحدة – ونحن نستعرض حياة السيد المسيح فى أسفار العهد الجديد، خاصة الأناجيل المقدسة، أن المسيح لم يكن انساناً وحسب، ولا الهاً وحسب. لكنه كان الإله المتأنس، أى الذى أخذ جسداً بشرياً وصار انساناً، وشابه البشر فى كل شئ ما خلا الخطية وحدها... ثم أنه تجسد أى أخذ جسداً، وتأنس أى صار انساناً، من أجل غاية مقدسة هى فداء البشر ومصالحتهم مع أبيه...
لذا لا نعجب إذا رأينا السيد المسيح، يتصرف فى بعض الأحيان – قولاً أو عملاً – كإبن البشر «ابن الانسان» أدم الثانى، وفى أحيان أخرى كإبن الله، وأحيان أخرى كنائب عن البشرية... وحينما نقول «كإبن البشر أو ابن الانسان» نقصد انه تصرف تصرفاً بشرياً. وحينما نقول «كإبن الله» نعنى أنه تصرف كإله. وحينما نقول «كنائب عن البشرية» نقصد انه ناب عن جنسنا البشرى فى ترضية الله وايفاء العدل الإلهى. وهو فى كل ذلك قدم مثالاً للكمال الإنسانى وطبعاً هناك فرق جوهرى بين الكمال الانسانى «الكمال النسبى» والكمال الإلهى «الكمال المطلق»...
يضاف الى ذلك نقطة هامة وهى أنه كان لابد لنجاح تدبير الفداء أن يختفى اللاهوت بالناسوت على حد قول بولس الرسول «بل نتكلم بحكمة الله فى سر. الحكمة المكتومة التى سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا. التى لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر. لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد» (كورنثوس الأولى 2: 7، 8)... أى من الذى يجرؤ على صلب المسيح لو رأوه فى كمال لاهوته؟!!
ومعنى ذلك أن المسيح أخفى لاهوته فى بعض الأحيان لحكمة من أجل تدبير الفداء.
ماذا يحدث لو لم نفطن لهذه المسألة؟!
يحدث أننا حينما ننظر الى المسيح كإبن الله الواحد مع أبيه فى الجوهر، أى من جهة لاهوته فقط، فإن تصرفه كإنسان – أو بحسب ناسوته – يصدمنا ويصيبنا بالدهشة...
على ضوء هذه الملاحظة المبدئية تتقدم لنجيب جملة على التساؤلات التى قدمناها، وسنراعى فى ذلك الإيجاز. وكأمثلة فقط تعيننا على فهم شخصية السيد المسيح التى لا نظير لها..
أولاً:
ما يذكر عن السيد المسيح من جوع وعطش وتعب وبكاء... الخ... يجب الا ننظر الى هذه الأمور على أنها نقط ضعف فى شخص المسيح ولا تليق بمقامه الالهى. ان اللاهوتيين يسمونها الخصائص البشرية فى المسيح. انها جزء مكمل لطبيعته البشرية. ولولاها لما كان المسيح فى تجسده قد أخذ ناسوتاً أو طبيعة انسانية كاملة. الطبيعة الانسانية الكاملة تجوع وتعطش وتحزن... الخ. هذه هى خصائص بشرية... خصائص الجسد الذى أخذه من العذراء مريم. فمثلاً بعد أن صام أربعين يوماً واربعين ليلة، يذكر عنه الانجيلى أنه جاع أخيراً وهكذا... انها جزء مكمل لطبيعته البشرية. ولولاها لما كان المسيح فى تجسده قد أخذ ناسوتاً أو طبيعة انسانية كاملة.
على أن هناك نقطة نحب أن نلفت النظر اليها... فى أجيال المسيحية الأولى، حتى فى القرن الأول ذاته فى أواخر عصر الرسل، قامت بعض البدع والهرطقات من بين الغنوسيين، انكرت ناسوتية المسيح الكاملة، أى أن المسيح لم يأخذ جسداً حقيقا. وهذا الأمر واضح فى رسائل يوحنا الرسول... نقرأ قوله.
«لأنه قد دخل الى العالم مضلون كثيرون، لا يعترفون بيسوع المسيح آتياً فى الجسد. هذا هو المضل والضد للمسيح» (يوحنا الثانية 7)
. والذى قاد هؤلاء الهراطقة لمثل هذا الزعم أنهم نظروا الى الجسد على أنه شر، فكيف نتحد الطبيعة الإلهية السامية بالطبيعة الإنسانية المعتبرة شراً؟!!
يقول القديس واللاهوتى الكبير كيرلس عمود الدين بطريرك الإسكندرية الرابع والعشرون.
«إن الكلمة المتجسد «المسيح» اتخذ هذه الخصائص الإنسانية ليظهر حقيقة كإنسان ثم لكى يشفيها... لقد تألم المسيح وكابد الألم البشرى من جوع وعطش وتعب وموت تدبيرياً»
أى أنه كان يمكنه الا يجوع أو يعطش أو يتعب، لكنه جاع وعطش وتعب تدبيراً، أى أنه دبر ذلك لحكمة خاصة... كما قال أيضاً «لقد مزج المسيح خصائصه الإلهية بضعفات الجسد الإنسانى، حتى ينقل الى طبيعتنا قوته الإلهية... إن الله الكلمة قد اتحد بطبيعة الإنسان كلها حتى يخلص الإنسان كله. إن الجسد وقد فقد الخلود نتيجة الخطية، كان لابد أن يشفى باتحاده بالكلمة المحيى».
وهناك نقطة حيرت القديس والفيلسوف أغسطينوس ووقفت أمامه وعطلته عن أن يعتنق المسيحية بعض الوقت. هذه النقطة هو من الذى أوجد الشر؟... فلكل موجود موجد، ولكل معلول علة وحيث أن الشر موجوداً فلابد من موجد له. فمن الذى أوجده أو خلقه.. وبسبب هذه الفكرة اعتقدت بعض الشعوب بوجود الهين، إله للخير وآخر للشر... لكن الله فى نظر أغسطينوس هو الخير الأعظم، ولا يمكن أن يصدر عنه الشر... أما النتيجة التى وصل إليها أغسطينوس أخيراً وأراحت نفسه فهى أن الشر ليس جوهراً حتى يقتضى صنع الخالق. وإنما الشر ببساطة هو عدم الخير، أى ليس شيئاً قائماً بذاته... وإذا كان الله هو الذى خلق الجسد، فكيف يعتبر هذا الجسد شراً وهو من صنع الخالق الخير الأعظم؟!.
نخلص من هذا إلى أن الجسد ليس شراً، أو شيئاً غير مقدس لا يليق بالله أن يتحد به، وبالتالى فإن خصائص هذا الجسد من جوع وعطش وتعب وحزن، لا تعتبر عيباً او نقصاً إن وجدت فى الجسد الذى اتحد به ابن الله من أجل خلاصنا.
ثانياً: لماذا صلى المسيح؟
هنا يجيب القديس كيرلس الكبير قائلاً «هو نفسه اشترك فى الصلاة معنا اذ قال انتم تسجدون لما لستم تعلمون، لكننا نسجد لمن نعلم.
لقد عبد معنا لأنه أخذ الطبيعة التى تسجد. لكن إليه أيضاً تقدم العبادة، لأنه أسمى من كل المخلوقات التى تسجد. إنه الله»...
وفى موضوع صوم المسيح
نضيف الى هذا الكلام السابق، أن ضبط النفس عن الأكل يقابل الخطية الأولى التى بها سقط جنسنا وهى الأكل من الشجرة المنهى عنها فى الفردوس... وعن هذا يقول مار اسحق «إن أول قضية وضعت على طبيعتنا فى البدء كانت ضد تذوق الطعام. ومن هذه النقطة سقطت أول جنسنا... مخلصنا الصالح حينما أظهر نفسه للعالم عند الأردن ابتدأ من هذه النقطة. فحينما اعتمد قاده الروح الى البرية مباشرة وصام أربعين يوماً وأربعين ليلة. وكل الذين يريدون أن يتبعوا خطواته عليهم أن يضعوا أساس جهادهم على مثال عمله»... ولا ننسى أن المسيح – كما يقول بطرس – ترك لنا مثالاً لكى نتبع خطواته (بطرس الأول 2: 21)...
ثالثاً: -
أما بعض التعبيرات التى تبدو صعبة، كقوله «أبى أعظم منى» (يوحنا 14: 28)... فلا ننسى أن المسيح «أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس» (فيلبى 2: 7)... ومعنى أخلى نفسه أى تخلى عن مجده وأخذ صورة الإنسان العبد من أجل تدبير فداء الجنس البشرى. فى مثل هذه الحالة فقط – الحالة التى اتخذ فيها ابن الله صورة الانسان العبد – يكون الآب أعظم منه.
أما من جهة ما جاء فى (مرقس 13: 32)، أن ابن الله لا يعرف ساعة انتهاء العالم، فقول مردود عليه... فالمسيح كإبن الله – أى حسب اللاهوت – يعرف، لكن كإبن الإنسان – أى حسب الناسوت – لا يعرف، لأنه كان يتكلم حسب الجسد... وهذه المعرفة التى هى موضوع الكلام هنا هى المعرفة التى لا تقال... ومثل ذلك كالمدرس الذى يضع امتحاناً لطلابه، فيسأله تلاميذه عن أسئلة الإمتحان أو أجزاء المقرر التى عنها الأسئلة، فيجيبهم «لا أعرف»... بينما هو يعرف لأنه واضع الإمتحان. ولكنها المعرفة التى لا تقال...
ثم كيف لا يعرف المسيح تلك الساعة – ساعة انتهاء العالم – وهو الذى سيدين العالم «لأن الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للإبن. لكى يكرم الجميع الإبن كما يكرمون الآب» (يوحنا 5: 22، 23)... هذا، وفى نفس الموضع الذى قال المسيح فيه أنه لا يعرف، أعطى كل العلامات السابقة على انتهاء العالم... فكيف يعطى كل هذه العلامات الدالة على قرب النهاية، ولا يعرف هو تلك الساعة؟!!.
رابعاً:
أما ما يثار حول موضوع آلام المسيح وموته، وما يتصل به، فهذا موضوع كبير ومتشعب... نذكر بعض الاعتراضات:
يقول السيد المسيح «نفسى قد اضطربت» (يوحنا 12: 27)... «نفسى حزينة جداً حتى الموت» (مرقس 14: 34)... «يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس» (متى 26: 39)...
أما الجواب على ذلك، فان هذه الأمور تنسب جميعها بلا تفريق للجسد. هكذا يقول القديسان اثناسيوس الرسولى وكيرلس الكبير...
يقول اثناسيوس رداً على الأريوسيين الذين انكروا الوهة الإبن «إن المسيح فى الواقع كان قد اتخذ جسداً فانياً وقابلاً للفساد، وخاضعاً لمثل هذه الآلام. فكان من الضرورى أن يختص ذاته مع الجسد بهذه الآلام. ولما كان الجسد قد كابدها، فقد قيل إنه هو ذاته قد احتملها... وإذا قلنا أنه صلب وأنه مات، فإنما كان الجسد هو الذى احتمل هذه الأشياء وليس الكلمة «إن الله» فى ذاته... فالكلمة غير قابل للآلام وهو لا يموت»...
ويقول كيرلس الكبيرة «اذاكان الكلمة «ابن الله» قد صار انساناً، فليس لكى يتكلم أو يتصرف بصفته الله فقط، كما كان الحال قبل التجسد. ولكن لكى يتكلم أيضاً كإنسان بفضل التدبير بعد التجسد فلا ينبغى أن نعثر اذن إن سمعناه يتكلم على نحو انسانى فله سلطان أن يتكلم كإله، وله سلطان أيضاً أن يتكلم كإنسان. الواقع أنه قال ناسوتياً « = حسب الجسد»الآن نفسى قد اضطربت. لكنه قال أيضاً لاهوتياً لى سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها. فكونه قد اضطرب، هو إذن ألم خاص بالجسد. أما سلطان الوضع والأخذ فعمل فى سلطان الكلمة»...
أما عن موت المسيح فنقول:
هناك فرق جوهرى بين الجسد الخاضع للموت، والجسد القابل للموت. ذلك أن الخضوع للموت هو خضوع ناشئ عن فساد الطبيعة الإنسانية. بينما قابلية الجسد للموت هو وضع طبيعى بسبب ما آلت إليه الإنسانية بعد السقوط. وهو ما يحدث لنا نحن الذين تقدسنا، ورفع عنا حكم الموت... يقول أثناسيوس الرسولى «كان أمراً مستحيلاً أن يموت الكلمة لأنه غير قابل للموت. ولذلك أخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى يمكن أن يقدمه كجسده نيابة عن الجميع»...
نعود للمسيح فى البشائر الأربعة:
فى الأناجيل الأربعة نرى يسوع المسيح فى صورته الجسدية يسير على الأرض، ويكمل عمل الفداء. وفى سفر الأعمال والرسائل نراه يؤسس الكنيسة ويملأها ويقودها بروحه... وفى رؤيا يوحنا يظهر مجده مع عروسه – كنيسة القديسين – يملك الى الأبد فى الأرض الجديدة، فى مدينة الله.
وهناك سؤال:
لماذا الاناجيل أربعة، ولماذا لم يكن الإنجيل واحداً؟!
إن انجيل المسيح حسبما كتبه متى ومرقس ولوقا ويوحنا هو صورة رباعية لحقيقة شخص المسيح وعمله... إن التمثال يمتاز عن الصورة، إذ يمكن للناظر أن ينظر اليه من كل الجهات، هكذا صورة المسيح الرباعية اعنى الشهادة له من أربعة انجيليين.
إن الأناجيل الأربعة ليست سوى تنوعات لنفس الموضوع، ووصف رباعى لنفس الشئ. هكذا يصفها ايريناوس اسقف ليون فى القرن الثانى... هى ليست سيرة كاملة لحياة المسيح بالجسد على الأرض. يقول يوحنا فى خاتمة إنجيله. « وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب فى هذا الكتاب... وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع، إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة» (يوحنا 20: 30، 21، 25)...
إن الأناجيل ما هى الا مختارات لملامح هامة فى حياة المسيح وعمله، دونها كل إنجيلى كما تأثر بها، وناسبت الغرض الذى لأجله كتب، ومن وجه اليهم إنجيله... ولكن ومع ذلك، نجد الإنجيليين الأربعة يقدمون قصة المسيح كاملة...
اعترفت الكنيسة المسيحية منذ البداية أن الأناجيل أربعة فقط. وطبقت رؤيا حزقيال التى رأى فيها الأربعة حيوانات، وكذا رؤيا يوحنا عن الأربعة حيوانات غير المتجسدين[21].
اننا نتذكر ما جاء بسفر التكوين «كان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة، ومن هناك ينقسم ويصير أربعة رؤوس» (تكوين 2: 10)... إنه إنجيل واحد فى أربع بشائر.
ننتقل الآن لنتكلم عن المسيح فى كل أنجيل من الأربعة أناجيل.
(1) المسيح فى انجيل متى
يقدم متى فى إنجيله المسيح الملك السماوى...
لقد كتب متى بشارته لليهود. وهذا واضح من كثرة استشهاداته واقتباساته من أسفار العهد القديم. إنه يكتب لقوم يعرفون هذه الأسفار... إنه يكتب لليهود الذين قال فيهم بولس الرسول «لهم التبنى والمجد والعهود والإشتراع والعبادة والمواعيد. ولهم الآباء، ومنهم المسيح حسب الجسد» (رومية 9: 4، 5)... إن متى يبدأ بشارته هكذا.
«كتاب ميلاد يسوع لامسيح ابن داود ابن ابراهيم» (متى 1: 1)...
انه يدلل بهذا على أن المسيح هو الموعود به كإبن ابراهيم، والملك كإبن داود... إنه توكيد لمقامه الملوكى. وهذا الأمر فى غاية الأهمية بالنسبة لليهود، لأنهم يعرفون من نبوات الأنبياء أن المسيح هو ابن داود وأنه ملك ومشكلة اليهود فى عدم قبولهم المسيح، أنهم لم يستطيعوا أن يتعرفوا فى شخصه على أنه الموعود به...
إن متى يعيد ذكر نبوءة أشعياء عن إسم الطفل الإلهى «عمانوئيل – الله معنا»... وينفرد متى بذكر زيارة المجوس للمسيح المولود، وسؤال على شفاههم «أين هو المولود ملك اليهود فإننا رأينا نجمه فى المشرق وأتينا لنسجد له» (متى 2: 2). إن سجودهم للمسيح يرمز الى سلطانه العام. والذهب الذى قدمونه له، هو ما يليق بالملوك...
ومتى ينفرد أيضاً بذكر مذبحة هيرودس لأطفال بيت لحم – كان هيرودس الملك مغتصباً لعرش داود، لأنه كان معين من قبل الرومان. وحاول ما وسعته الحيلة أن يقتل هذا الملك الوارث أى المسيح!!
ثم يقدم لنا متى فى انجيله يوحنا المعمدان سابق المسيح، وهو يكرز قائلاً «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات» (متى 3: 2)... ثم يسجل متى قصة تجربة ابليس للمسيح... إن المسيح هو الملك، وإبليس مختلس عرشه، لكن المسيح الملك الحقيقى يقهر هذا الشيطان المختلس الذى دعاه رئيس هذا العالم... وبعد ما انتهى المسيح من لقائه مع إبليس يقول عنه متى «من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات» (متى 4: 17)... قد انتهى فى هذه الجولة من إبليس المختلس وابتدأ يكرز لكى يؤسس ملكوت الله على الأرض قائلاً لقد اقترب ملكوت السموات.
إن انجيل متى الذى يقدم لنا المسيح الملك يورد لفظة «الملكوت» خمساً وخمسين مرة. ووردت مضافة الى السموات ثلاثاً وخمسين مرة... لأن هذا الإنجيل وإنجيل المسيح الملك.
ويقدم متى الموعظة على الجبل فى ثلاثة اصحاحات (5، 6، 7) وكل هذه العظة تدور حول شريعة الملكوت،... فى الإصحاح 13 يذكر متى سبعة أمثال عن الملكوت كل منها يبتدئ بعبارة «يشبه ملكوت السموات»... يشترك متى مع لوقا فى ذكر مثل العرس. لكن متى يذكر صاحب العرس على أنه «ملك»، بينما يذكره لوقا على أنه «إنسان» (متى 22، لوقا 14)...
إن هذا يوضح لنا أن كل بشارة متى محورها المسيح الملك...
أخيراً نجد متى يختم إنجيله بعبارة ينفرد بها، هى قول المسيح لتلاميذه «دفع الى كل سلطان فى السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم» (متى 28: 18، 19)...
من هذا الذى له كل سلطان على السماء والأرض؟ إنه المسيح ملك الملوك ورب الأرباب
.
(2) المسيح فى إنجيل مرقس
وإذا انتقلنا الى إنجيل مرقس، نجد ان مرقس كتب بشارته للرومان الأمميين «الوثنيين»... إن الرومان يقدسون العمل ويمجدون القوة، ولذلك فإن مرقس يقدم لهم المسيح كخادم يعمل مشيئة من أرسله... هو لا يفتتح إنجيله بسلسلة أنساب المسيح الجسدية لعدم لزومها. ولا بسيرة أيامه الأولى، بل يبدأ بخدمة المسيح الكرازية.
يتصف مرقس بأنه يكثر من ذكر أعمال المسيح على تعاليمه، على عكس البشائر الأخرى. ولعل اتجاهه فى هذه الناحية، نجده فى صدر انجيله، عندما يسجل كلمات الرب يسوع «لنذهب الى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضاً، لأنى لهذا خرجت» (مرقس 1: 38)..
ولقد أكثر مرقس من ذكر أتعاب المسيح كخادم... إنه يصف كيف تجمهرت الجموع وطلب المسيح سفينة من تلاميذه لسبب الجمع كى لا يزحموه (مرقس 3: 9)... ويصف المدينة وقد اجتمعت كلها على باب البيت الذى كان فيه (مرقس 1: 33)... وأن كثيرين اجتمعوا، حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب (مرقس 2: 1، 2)... ويروى كيف تراكض الكثيرون إليه من جميع المدن مشاة، وقد حملوا مرضاهم على أسرة سعياً وراءه... وأن كثيرين لمسوه وبرئوا من أمراضهم (مرقس 6: 55، 56)...
يفتتح مرقس انجليه بقوله «بدء انجيل يسوع المسيح ابن الله»... انها البشارة المفرحة... ويختم انجليه بقوله «ثم أن الرب بعد ما كلمهم ارتفع الى السماء وجلس عن يمين الله. وأما هم فخرجوا وكرزوا فى كل مكان، والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة» (مرقس 16: 19، 20)... حتى بعد ما صعد المسيح الى السماء ما زال يعمل.
(3) المسيح فى انجيل لوقا:
كتب لوقا انجيله لمنفعة اليونانيين الأمميين...
انه يقدم لهم المسيح كإبن الانسان المخلص. لذلك فهو يذكر سلسلة أنسان المسيح حتى آدم، وليس لإبراهيم
كما فى انجيل متى. لأن ابراهيم هو أب لليهود وأخذ الوعد أن من نسله يأتى المسيح الذى تتبارك فيه كل أمم. هم لا يعرفون شيئاً عن ابراهيم ولذلك يصل بسلسلة الأنساب الى آدم أول الخليقة البشرية، مبيناً أن المسيح هو ابن الإنسان، كما هو ابن الله. وتبعاً لهذا الهدف فإن لوقا يهتم بأن يسجل بشارة الملاك للرعاة بميلاد المخلص بقوله « ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب» (لوقا 2: 11)... ويسجل ما قاله سمعان الشيخ – وهو الوحيد الذى سجل هذا فى انجليه – عندما حمل الطفل يسوع على يديه «الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام، لأن عينى قد ابصرتا خلاصك، الذى أعددته قدام وجه جميع الشعوب نور اعلان للأمم، ومجداً لشعبك اسرائيل» (لوقا 2: 29 - 31)... ولوقا ينفرد بأنه كتب عن حنه بنت فنوئيل التى لازمت الهيكل أربعاً وثمانين سنة، ويقول عنها « وقفت تسبح الرب، وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداء فى أورشليم» (لوقا 2: 38)...
ويذكر لوقا بدء خدمة الرب فى المجمع اليهودى بالناصرة، وكيف قرأ الجزء من سفر أشعياء الذى يقول فيه بروح النبوة عن المسيح «روح الرب على لأنه مسحنى لأبشر المساكين – أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب، لأنادى للمأسورين بالاطلاق، وللعمى بالبصر، وأرسل المنسحقين فى الحرية» (لوقا 4: 18)...
إن لوقا الذى كتب عن المسيح ابن الإنسان،
اهتم بأن يسجل مشاركة المسيح الإنسانية لأرملة نايين، التى أقام ابنها من الموت (لوقا 7)... وسجل رحمته العميقة للمرأة الخاطئة، ودفاعه عنها فى بيت سمعان الفريسى (لوقا 7)... وسجل قصة لقائه مع زكا العشار (لوقا 19)... ويسجل الثلاث أمثلة الرائعة التى أراد أن يدلل بها على عظم حنوه على الخطاة ومحبته لهم وهى الخروف الضال والدرهم المفقود والإبن الضال (لوقا 15)... ثم يسجل معجزات الشفاء.
ولعل اللمسة الإنسانية نراها واضحة فيما دونه لوقا من أمثلة المسيح، كمثل السامرى الصالح (لوقا 10)... والفريسى والعشار (لوقا 18)... والأرملة وقاضى الظلم (لوقا 18)... اذ يبتدئ كل منها بكلمة «انسان».
ويسجل لوقا فى بشارته مثل العشاء العظيم الذى يقول فيه السيد لعبيده اذهبوا الى مفارق الطرق والزموهم بالدخول حتى يمتلئ بيتى (لوقا 14)... وينفرد لوقا بذكر خبر بكاء المسيح على أورشليم حالما نظر اليها، لأنها لم تعرف زمان افتقادها (لوقا 19: 41 - 44)... كما ينفرد لوقا بذكر.
لقاء المسيح مع تلميذى عمواس (لوقا 24)...
(4) المسيح فى انجيل يوحنا:
ننتقل الآن للكلام عن المسيح فى انجيل يوحنا.
وانجيل يوحنا هو انجيل اللاهوت وانجيل الحب، ولا عجب فإن يوحنا هو التلميذ الذى كان يسوع يحبه. إن يوحنا فى انجيله يقدم للبشر «ابن الله»...
يشبه بعض العلماء انجيل يوحنا بأنه قدس أقداس كتاب العهد الجديد واكليمنضس الإسكندرى مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتية فى القرن الثانى، يشبهه بالروح بينما الأناجيل الثلاثة الأخرى بالجسد. ويدعوه أوريجينوس «تاج الأناجيل كما أن الأناجيل هى تاج جميع الكتابات المقدسة»... ويقول القديس أغسطينوس الفيلسوف المسيحى «لقد سار الانجيليون الثلاثة الآخرون مع الرب على الأرض كما مع انسان، ولم يذكروا الا القليل عن لاهوته. أما يوحنا، فكما لو كان يأبى السير على الأرض، يدوى فى فاتحة انجيله، ويحلق – ليس فوق الأرض وكل دائرة الهواء والسماء فحسب، بل حتى فوق كل جيش الملائكة وكل رتب القوات غير المرئية، ويصل الى ذاك الذى به كان كل شئ... ».
الى جانب ابراز يوحنا للجانب اللاهوتى للسيد المسيح فإنه يقدم لنا الله المحب فى لقاءاته مع الخطاة والمتعبين كما حدث مع المرأة السامرية (يوحنا 4)... ومريض بيت حسدا (يوحنا 5)... والمولود أعمى (يوحنا 9)... وأسرة لعازر ومريم ومرثا (يوحنا 11)... وتوما الذى شك، وبطرس الذى أنكر وجحد ولعن والذى يلتقى به المسيح عقب قيامته ويرده الى رتبة الرسولية بعد أن قال له «يا سمعان بن يونا اتحبنى»... إنه انجيل الحب.
إن يوحنا يسجل المعجزة الأولى التى صنعها الرب يسوع وهى تحويل الماء الى خمر فى عرس قانا الجليل...
وهذا يعلن عن مشاركة المسيح لنا... وفى هذا الإنجيل يعلن الرب يسوع أن صلتنا به كصلة الكرمة بأغصانها (يوحنا 15: 1)...
أما عن محبته فقد قال عنها يوحنا «إذا كان قد أحب خاصته الذين فى العالم أحبهم الى المنتهى» (يوحنا 13: 1)... كما نرى محبة المسيح واضحة فى صلاته الوداعية (يوحنا 17)...
ونلاحظ على يوحنا أنه يسجل فى بشارته ما أعلنه المسيح عن نفسه من أنه «خبز الحياة» (يوحنا 6: 35)... «نور العالم» (يوحنا 8: 12)... «باب الخراف» (يوحنا 10: 7)... «الراعى الصالح» (يوحنا 10: 11)... «القيامة والحياة» (يوحنا 11: 25)... «الطريق والحق والحياة» (يوحنا 14: 6)... ويعوزنا الوقت لو تكلمنا عن كل واحدة من هذه التشبيهات...
أخيراً يجمل يوحنا هدفه من كتابة بشارته، وهو أن يؤمن الناس أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى يكون لهم متى آمنوا حياة باسمه (يوحنا 20: 31)..
(5) المسيح فى سفر أعمال الرسل
إذا كانت البشائر الأربعة «الأناجيل» قد تكلمت عن حياة السيد المسيح بالجسد مدة وجوده على الأرض، فإن سفر أعمال الرسل يتناول الكلام عن المسيح العامل بروحه القدوس فى كنيسته التى هى جسده غير المنظور بعد صعوده الى السماء... لقد وعد المسيح تلاميذه بأن يرسل هم الروح القدس. وهذا ما تم فى يوم الخمسين لقيامة الرب من بين الأموات، حين انسكب الروح القدس بقوة وبغنى على أعضاء الكنيسة الأولى... ومنذ تلك الساعة ابتدأ التلاميذ يشهدون للمسيح، اتماماً لرغبته وقصده «تكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة والى اقصى الأرض» (أعمال الرسل 1: 8)...
إن هذا السفر كله يشهد للمسيح.
ولا عجب فهذا عمل الروح القدس انه يشهد للمسيح... « ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لى» (يوحنا 15: 26)... وهو يمجد المسيح أيضاً... «ذاك «الروح القدس» يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم» (يوحنا 16: 64)...
إن سفر أعمال الرسل كله هو شهادة حية لصدق أقوال المسيح، وصدق تعاليمه وفعاليتها... « وبقوة عظيمة، كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع. ونعمة عظيمة كانت على جميعهم» (أعمال الرسل 4: 33)...
لقد تمجد الرب يسوع بآيات ومعجزات كثيرة صنعها رسله وتلاميذه باسمه
كما فى معجزة شفاء الرجل المقعد عند باب الهيكل الجميل، الذى بعد أن ظل مقعداً عاجزاً عن النهوض على قدميه، هب واقفاً عليهما بقوة اسم يسوع المسيح (أعمال الرسل 3)...
لقد أثبت المسيح فى هذا السفر صدق مواعيده التى وعد بها تلاميذه وهو معهم بالجسد قبل ارتفاعه الى السماء، وانه بالفعل معهم كل الأيام وحتى انقضاء الدهر.
لقد عمل المسيح بالتلاميذ، وتكلم فيهم وثبت كل ما قالوه، ولم يسقط حرف واحد منه... هكذا نشاهد قوة كنيسة المسيح فى شفاء مقعد باب الهيكل الجميل (أعمال 3).... ونرى مهابتها وسلطانها فيما حدث مع حنانيا وسفيرة (أعمال 5)... حتى أن القديس لوقا كاتب سفر الأعمال يقول « وصار خوف فى كل نفس» (أعمال 2: 43)... ونرى ظل بطرس الرسول يشفى الأمراض (أعمال 5: 15)... والخرق التى يلقيها بولس الرسول عن جسده تشفى الأمراض، وتخرج الأرواح الشريرة (أعمال 19: 12)... لقد تمت كلمات المرتل فى المزمور «عجيب هو الله فى قديسيه»... فى هذا السفر نرى كيف تحولت تعاليم المسيح الشفوية الى فضائل معاشة. نرى المحبة المسيحية العملية فى حياة الشركة التى عاشتها الكنيسة الأولى، حتى ان «جميع الذين آمنوا معاً وكان عندهم كل شئ مشتركاً والأملاك والمقتنيات كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج» (أعمال 2: 44، 45)...
فى سفر الأعمالي نرى كيف تم كلام المسيح فى مثل حبة الخردل والخميرة التى خبأتها امرأة فى ثلاثة أكيال دقيق (متى 13: 31 - 33). وان مثل حبة الخردل يشير الى انتشار المسيحية وانفتاحها على العالم. ومثل الخميرة التى خبأتها المرأة فى الثلاثة أكيال دقيق، يشير الى عمل النعمة الالهية فى داخل الانسان.
(6) المسيح فى سفر الرؤيا
اذا انتقلنا الى سفر الرؤيا نجده يتحدث عن المسيح فى مجده العتيد.
وسوف أقول نقطة واحدة. نحن نقرأ فى هذا السفر عن المسيح الممجد الذى نتعبد له كل القبائل والشعوب والخلائق، المرئية وغيرالمرئية... « ورأيت فإذا فى وسط العرش والحيوانات الأربعة وفى وسط الشيوخ.
خروف قائم كأنه مذبوح
له سبعة قرون وسبع أعين هى سبعة أرواح الله، المرسلة الى كل الأرض. فأتى وأخذ السفر من يمين الجالس على العرش. ولما أخذ السفر خرت الأربعة الحيوانات والأبعة والعشرون شيخاً أمام الخروف ولهم كلواحد قيثارات، وجامات من ذهب مملؤة بخوراً هى صلوات القديسين. وهم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه، لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمه. وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة فسنملك على الأرض. ونظرت وسمعت صوت ملائكة كثيرين حول العرش والحيوانات والشيوخ وكان عددهم ربوات ربوات وألوف ألوف قائلين بصوت عظيم مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة. وكل خليقة مما فى السماء وعلى الأرض وتحت الأرض. وما على البحر كل ما فيها سمعتها قائلة للجالس على العرش وللخروف البركة والكرامة والمجد والسلطان الى أبد الآبدين. وكانت الحيوانات الأربعة تقول آمين. والشيوخ الأربعة والعشرون خروا وسجدوا للحى الى أبد الآبدين» (رؤيا 5: 6 - 14)...
أيها الأخوة قد يختلف المفسرون فى مدلولات سفر الرؤيا الرمزية النبوية، لكن لن يختلف اثنان فى من هو الخروف المذبوح أو الحمل المذبوح، وطبيعة العبادة التى تقدم له متمثلة فى السجود والعبادة اللذين لا يقدمان إلا لله وحده. هذا هو المسيح إلهنا الممجد فى سفر الرؤيا الذى ذهب ليعد لنا مكاناً، ومتى أعد المكان يأتى ويأخذنا، حيث يكون هو نكون نحن أيضاً.
ثم يرسم لنا يوحنا صورة ثلاثة فئات تقدم العبادة للمسيح « = الخروف القائم كأنه مذبوح».
الفئة الأولى:
الأربعة حيوانات غير المتجسدين، والأربعة وعشرون كاهناً...
الفئة الثاينة:
يقول عنها يوحنا «كل خليقة مما فى السماء وعلى» (رؤيا 5: 8 - 14)...
الرب يبارك على هذه الكلمة، ويحفظنا جميعاً غير عاثرين الى يوم ظهوره... والذى وعد أن أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة يحفظها، ويحفظنا جميعاً فى قداسة وبر له كل مجد وكرامة من الآن والى الأبد أمين.
[Place Image #06 here].
[21] - حزقيال 1: 15؛ 10: 1؛ 11: 22؛ رؤيا 4: 6 - 9؛ 5: 6...... الخ.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.