هذا الفصل هو جزء من كتاب: كتابنا المقدس ومسيحنا القدوس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
المسيح وأسفار العهد القديم
تكلمنا يا أحبائى فى المحاضرة الماضية عن المسيح وعبادة العهد القديم، ورأينا فى النماذج التى قدمناها وضوحاً عجيباً فى الممارسات الطقسية فى العبادة، من جهة ما كانت ترمز اليه فى شخص المسيح ربنا، الأمر الذى يظهر بجلاء ووضوح كيف أن المسيح الفادى والمخلص، انما كان غاية العهد القديم وهدفه...
واليوم نتناول موضوعاً جديداً فى هذه السلسلة هو.
«المسيح وأسفار العهد القديم»
ونتناول موضوع هذا المساء من أربعة أوجه:
(أ) شهادة المسيح لأسفار العهد القديم.
(ب) شهادة أسفار العهد القديم لشخص المسيح الفادى والمخلص من نواحى كثيرة...
(ج) التفسير الصحيح لبعض نبوات العهد القديم عن المسيح، والتى يحاول البعض توجيهها وجهة أخرى لتشهد لإنسان آخر.
(د) الرد على محاولة البعض استخدام بعض آيات العهد القديم لتحقيق مآرب خاصة...
(أولاً) شهادة المسيح لأسفار العهد القديم
كما أن أسفار العهد القديم تشهد للمسيح كما قال هو بفمه الطاهر «هى تشهد لى»، كذلك فإن المسيح شهد أيضاً لأسفار العهد القديمة، فى أكثر من موضع كما سوف نرى. وهذه الشهادة لها قيمتها الكبرى والجليلة، ونحن لا نستطيع أن نتجاهلها.
لقد رأينا فى المحاضرتين السابقتين الصلة الوثيقة بين المسيح والعهد القديم، حينما عرضنا لبعض الشخصيات التى كانت رمزاً للمسيح له المجد فى العهد القديم.
كما رأينا أيضاً كيف كانت الممارسات الطقسية فى العهد القديم بدقائقها ترمز لصور من حياة السيد المسيح بالجسد، والخلاص العظيم الذى أكمله على الصليب... مثل الكلام عن خروف الفصح وعيد الفصح وعيد الكفارة، وما يتصل به بسنة اليوبيل وعن شريعة تطهير الأبرص وعن مدن الملجأ... ورأينا كيف أن الرمز ينطبق تماماً مع المرموز اليه وهو المسيح، أو شئ يتصل به بصورة مذهلة.
وإزاء هذه الصلة الوثيقة بين المسيح والعهد القديم لا نعجب إن رأينا السيد المسيح يشهد لأسفار العهد القديم وسلامتها، وشخصياتها...
العهد الجديد وصلته بالعهد القديم:
والحقيقة ان العهد القديم بكل أنظمته وشرائعه الدينية والطقسية هو بمثابة الأساس الذى شيد فوقه صرح العهد الجديد الضخم الشامخ... إنه بمثابة جذور الشجرة الضخمة التى تتآوى طيور السماء فى أغضانها رمزاً لكل الشعوب والأمم... جذور الشجرة غير ظاهرة ولكنها هى التى تحمل الشجرة. وعلى هذا، فلا يمكن فهم العهد الجديد والمسيحية كما ينبغى، ما لم نفهم جيداً كتاب العهد القديم بكل ما فيه... فالمسيحية ليست ديانة مستحدثة ظهرت منذ نحو ألفى عام. وإنى أقاوم بشدة القول بأن هناك ديانة يهودية، وديانة مسيحية. لأن اليهودية هى المقدمة كما سنرى. وكان المفروض أن جميع اليهود يصبحوا مسيحيين ونتلاشى اليهودية وتبتلع فى المسيحية، لو أن اليهود جميعاً آمنوا بالمسيح... فالمسيحية ليست شيئاً مستحدثاً ظهر منذ نحو ألفى عام، لكنها «أى المسيحية» تضرب بجذورها فى أعماق التاريخ البشرى حتى تصل إلى الإنسان الأول آدم.
والكنيسة المسيحية لا تبدأ من يوم الخمسين... هذا أمر على جانب كبير من الأهمية، أن ندرك أن المسيحية كديانة غير منفصلة عن الديانة اليهودية...
فالدين هو التعبير عن علاقة البشر بالله... هذه العلاقة قائمة منذ بدء الخليقة.
ثم جاء وقت انحصرت تلك العلاقة فى جماعة معينة، عرفت باسم شعب الله.
ثم حدث تطور فى هذه العلاقة فى مفاهيمها وممارساتها متمشية مع قصد الله، واستعداد البشر، فصارت فى اكمل وأبهى صورها، وشملت الخليقة كلها، فيما عرف باسم المسيحية... إذن فالديانة واحدة عرف شطرها الأول باسم اليهودية، وشطرها الثانى باسم المسيحية. والكتاب المقدس كتاب واحد يحوى بين دفتيه عهداً قديماً وآخر جديداً. والإله الذى نؤمن به ونعبده هو إله واحد – لا إله سواه. كان غير منظور فى العهد القديم، وصار منظوراً فى المسيح فى العهد الجديد... إن الله واحد، والبشر كبشر طبيعتهم واحدة، ومن المنطق والبديهى انهم يرتبطون بهذا الإله الواحد بعلاقة دينية واحدة...
كانت العلاقة قديماً تربط الله بشعب واحد هم اليهود، ثم حدث – بموت المسيح وقيامته وما نتج عنهما – أن انفتحت المسيحية على العالم كله «اذهبوا الى العالم اجمع. اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها». وهكذا لم يعد اليهود هم شعب الله. بل صار العالم كله بشعوبه هم شعب الله. لا فرق بين يهودى ويونانى أو عبد وحر، أو بربرى وسكيثى... ولا نحسب أن العالم بعد ذلك، بعد هذا الانفتاح، وبعد أن وصلت المسيحية الى أقصى الأرض – لا نحسب أن العالم بعد ذلك، بحاجة الى علاقة أخرى مستحدثة من أى نوع تحدث انتكاساً لمكاسب روحية حققها الإنسان على مدى تاريخ البشرية الطويل، انتقل فيها من ممارسات مادية مثل التطهير وأشياء أخرى – قصد بها أموراً روحية – الى الروحانية الخالصة التى تقدمها المسيحية لكل من يؤمن بالمسيح رباً وفادياً ومخلصاً... وهل ننسى ما قاله المسيح له المجد للسامرية فى (يوحنا 4: 24) «الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا»!!
من غير المعقول أن المسيحية بعد ما قدمته وأتت به – من مفاهيم روحية خالصة، تعود البشرية وتنتكس الى ممارسات مادية والى فهم مادى للنجاسة والتطهير وما يؤكل وما لا يؤكل... أظن أن هذا فيه انتكاس للشريعة. لقد كان الجنس البشرى يتطور بعد أن تجاوز مرحلة الطفولة الروحية. وكان الله يقدم له الروحيات شيئاً فشيئاً بقدر هذا التطور. «لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم، وكطفل كنت افتكر ولكن لما صرت رجلاً ابطلت ما للطفل» (كورنثوس الأولى 13: 11).
نعود الى شهادة المسيح لأسفار العهد القديم المقدسة فنقول... لا غرابة فى أن يشهد المسيح لأسفار العهد القديم فهو «يهوه» الإله الذى عبده اليهود... هو هو الذى أرسل اليهم الأنبياء... وهو هو الذى أعطاهم الأسفار المقدسة... وإذا كان الأمر كذلك، فبديهى ألا يتناقض الله مع ذاته... وهكذا نرى المسيح يأتى فى ظل ناموس العهد القديم « ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى» (غلاطية 4: 4، 5)... ويعيش المسيح خاضعاً للناموس منفذاً له. ولا غرابة فى ذلك فهو معطيه... نضرب بعض الأمثلة:
المسيح يرعى الناموس القديم ويتممه:
بعد عظة المسيح الشهيرة على الجبل، تقدم للمسيح أبرص ليشفيه ويطهره. وبعد أن شفاه قال له.
«اذهب أر نفسك للكاهن وقدم القربان الذى أمر به موسى شهادة لهم» (متى 8: 2 - 4)...
هنا نرى المسيح يرعى الناموس ولا يكسره...
وكان رد المسيح على الشاب الذى سأله عما يعمله ليرث الحياة الابدية «إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له اية الوصايا فقال يسوع لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد بالزور اكرم اباك وامك واحب قريبك كنفسك» (متى 19: 16 - 19). والسيد المسيح هنا يقصد الوصايا العشر...
ولسنا بحاجة الى التدليل بأمثلة كثيرة على ذلك، لأن المسيح له المجد فر علينا مؤونة البحث والاستنتاج... فلقد قال صراحة للجموع المحتشدة فى عظته الشهيرة على الجبل التى تحوى مبادئ المسيحية «لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل» (متى 5: 17)...
ويؤكد القديس بولس الرسول الوحدة الكائنة بين المسيح له المجد والعهد القديم، حينما يقول فى (رومية 10: 4) «لأن غاية الناموس هى المسيح للبر لكل من يؤمن». وهكذا نرى أن هدف الشريعة القديمة، بل العهد القديم كله وغايته هو المسيح، الذى هو موضوع الكتاب المقدس كله من أوله الى آخره...
هكذا نرى موسى وايليا يظهران مع الرب يسوع فى حادث التجلى كممثلين للعهد القديم. موسى كممثل للشريعة، وايليا كممثل للنبوة وتكلما عن خروجه «أى المسيح» الذى كان عتيداً أن يكمله فى أورشليم» (لوقا 9: 31).
وعندما وقع نظر التلاميذ على الرب يسوع لأول مرة قالوا بدون تردد « وجدنا الذى كتب عنه موسى فى الناموس والأنبياء يسوع» (يوحنا 1: 45). أى أن الأمر كان معروفاً ومنتظراً...
وحينما وفد المجوس من المشرق وذهبوا الى هيرودس الملك وسألوه «أين هو المولود ملك اليهود فإننا رأينا نجمه فى المشرق وأتينا لنسجد له». حينئذ استدعى الكهنة والكتبة وسألهم أين يولد المسيح فأجابوا على الفور فى بيت لحم اليهودية لأنه مكتوب بالنبى كذا وكذا (متى 2: 2 - 6)... لقد كان الشعب اليهودى فى حالة انتظار لمجئ المسيح الذى كتب عنه انبياؤهم وتكلمت عنه اسفارهم.
أمثلة لإستشهاد المسيح بالعهد القديم:
هذا، ولقد شهد المسيح فى أكثر من موضع لأسفار العهد القديم – شهد لها جملة وتفصيلاً:
لقد أشار المسيح الى عشرين رجلاً من رجالات العهد القديم... كما أشار الى خلق الإنسان، وشريعة الزواج، وتاريخ نوح وابراهيم ولوط، وابادة سدوم وعمورة كما وردت فى سفر التكوين. وتكلم عن ظهور الله لموسى فى العليقة، وعن المن والوصايا العشر والضريبة المالية المذكورة فى سفر الخروج... وعن الشريعة الطقسية لتطهير الأبرص والشريعة الأدبية تحب قريبك كنفسك الواردتين فى سفر اللاويين... كما أشار الى الحية النحاسية وشريعة النذور الواردة فى سفر العدد... وكانت إجابة المسيح على إبليس حينما تقدم ليجربه مستمدة مما ورد فى سفر التثنية... لقد ذكر الرب يسوع داود وسليمان وزيارة ملكة سبأ له... ونزول ايليا عند أرملة صرفة صيدا، وابراء نعمان السريانى، مما جاء فى الأسفار التاريخية. كما أشار الى يونان واستشهد كثيراً بسفر المزامير.
ولما شرع فى خدمته الجهارية دخل مجمع الناصرة وقرأ من سفر أشعياء النبى قوله «روح الرب على لأنه مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب لأنادى للمأسورين بالإطلاق وللعمى بالبصر وارسل المنسحقين فى الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلمه الى الخادم. وجلس جميع الذين فى المجمع كانت عيونهم شاخصة اليه فابتدأ يقول لهم إنه اليوم قد تم هذا المكتوب فى مسامعكم» (لوقا 4: 18 - 21)...
لقد قال اليهود فى إحدى المرات للب يسوع «العلك أعظم من أبينا ابراهيم الذى مات والأنبياء ماتوا. من تجعل نفسك» (يوحنا 8: 53).... فكان جوابه عليهم.
«أبوكم ابراهيم تهلل بأن يرى يومى فرأى وفرح... الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن» (يوحنا 8: 56، 58)...
وإذ رفض اليهود دعوته، قال لهم «لا تظنوا أنى أشكوكم الى الآب يوجد الذى يشكوكم هو موسى الذى عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتب عنى» (يوحنا 5: 45، 46)...
ويقول «أليس موسى قد أعطاكم الناموس وليس أحد منكم يعمل الناموس. لماذا تطلبون أن تقتلونى» (يوحنا 7: 19)... كما لام المسيح الفريسيين والكتبة على التقاليد التى انزلوها منزله شريعة موسى، حال كونهم ابطلوا كلام الله بسبب تقليدهم (مرقس 7: 13).... أما عن داود فقد قال عنه إنه يدعوه بالروح رباً (متى 22: 45)...
على أن المسيح له المجد كثيراً ما كان يقول لسامعيه من اليهود «أما قرأتم»... «مكتوب»... «لا يمكن أن ينقض المكتوب»، «ينبغى أن يتم الكتاب»... وكثيراً ما قال المسيح فى عظته على الجبل «سمعتم أنه قيل للقدماء... أما أنا فأقول لكم». وطبعاً كان يشير بذلك الى ما ورد فى أسفار العهد القديم.
وإزاء موقف اليهود المتناقض بين شدة تمسكهم بكتبهم المقدسة وموقفهم العدائى منه، دعاهم للبحث فى كتبهم المقدسة «فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية وهى التى تشهد لى» (يوحنا 5: 39).
المسيح بعد قيامته بفتح أذهان التلاميذ لمعرفة أسفار العهد القديم:
ولعل أعظم شهادة شهد بها الرب يسوع لأسفار العهد القديم كانت بعد قيامته من بين الأموات...
ففى لقائه بتلميذى عمواس عشية أحد قيامته قال لهما «أيها الغبيان والبطيئا القلوب فى الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء أما كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويدخل الى مجده. ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب» (لوقا 24: 25 - 27)... وفى دفعة أخرى ظهر للأحد عشر رسولاً وقال لهم «هذا هو الكلام الذى كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث» (لوقا 24: 44 - 46)... وهنا نلاحظ أن المسيح له المجد لا يشهد لأسفار العهد القديم فحسب بل يثبت أنها تشهد له وتشير اليه...
إن لهذا الكلام الذى قاله المسيح بعد قيامته مغزى خاص... فهو لا يثبت صدق دعوته من غلبته على الموت، بل إنه يثبت ذلك ويؤكده بشهادة أسفل العهد القديم... إن هذا الكلام يذكرنا بكلام القديس بطرس فى رسالته وهو يشير الى حادث التجلى يقول.
«لأننا لم نتبع خرافات مصنعة»
إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه. بل قد كنا معاينين عظمته. لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجداً إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابنى الحبيب الذى أنا سررت به ونحن سمعنا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنا معه فى الجبل المقدس. وعندنا الكلمة النبوية وهى أثبت التى تفعلون حسناً إن انتبهتم اليها كما الى سراج منير فى موضع مظلم... » (بطرس الثانية 1: 16 - 19).
أخيراً نضيف الى كل ما تقدم أن السيد المسيح بعد صعوده الى السماء يظهر فى الرؤيا ليوحنا حبيبه متوشحاً بالمجد والبهاء، وهو لا يزال يقتبس من أسفار العهد القديم المقدسة، مذكراً بذلك شهادته لها حينما كان بعد فى الجسد.
لقد اقتبس من سفر أشعياء من موضعين (أشعياء 44: 6) «هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيرى»، (أشعياء 22: 22) « واجعل مفتاح بيت داود على كتفه فيفتح وليس من يغلق ويغلق وليس من يفتح». وقد أوردهما يوحنا فى رؤياه فى (رؤيا 1: 17، 18) «فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت فوضع يده اليمنى على قائلاً لى لا تخف أنا هو الأول والآخر والحى وكنت ميتاً وها أنا حى الى أبد الآبدين آمين ولى مفاتيح الهاوية والموت»، وفى (رؤيا 3: 7) « واكتب الى ملاك الكنيسة التى فى فيلادلفيا. هذا يقوله القدوس الحق الذى له مفتاح داود الذى يفتح ولا أحد يغلق ويغلق ولا أحد يفتح».
(ثانياً) شهادة أسفار العهد القديم لشخص المسيح:
ما أكثر الشهادات التى تقدمها اسفار العهد القديم للمسيح... إن ضياء المسيح شمس البر ساطع فى كل الكتاب المقدس، وفى حالة إشراق دائم، وليس كالشمس الطبيعية التى فيما تشرق على نصف الكرة الأرضية، تغيب عن نصفها الآخر...
ليس فى كتاب العهد القديم جزء تغرب عنه شمس المسيح، بل تشع صفاته وأعماله وظروف حياته من خلال النبوات التى تنبأ بها أنبياء العهد القديم فى كل سفر من أسفاره المقدسة... وإذا كانت أسفار العهد القديم هى أنوار مشعة فى الفلك الروحى لإنارة العالم، فالرب يسوع هو شمس البر، الذى تدور حوله الافلاك بل هو الذى رآه يوحنا فى رؤياه ممسكاً فى يده اليمنى سبعة كواكب (رؤيا 1: 16، 2: 1).
كان اليهود يعترفون أن المسيح هو الذى يدور عليه كتابهم وعبادتهم ورجاؤهم... حتى أن هيرودس الملك لما سألهم أين يولد المسيح – بعد لقائه بالمجوس – كان جوابهم على الفور «فى بيت لحم اليهودية لأنه هكذا مكتوب بالنبى: وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبى اسرائيل» (متى 2: 5، 6).
وسوف لا نستطيع بطبيعة الحال فى محاضرة واحدة أن نأتى على ما بكل سفر من أسفار العهد القديم من شهادات لشخص المسيح المبارك ولكننا ننتقى بعضاً منها...
(1) فى أسفار موسى الخمسة:
(أ) سفر التكوين:
منذ بداية الخليقة،
وبعد سقوط الإنسان بالمعصية نجد الله يعطى رجاء للإنسان المطرود من الفردوس، فى وعد بأن نسل المرأة يسحق رأس الحية» واضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه» (تكوين 3: 15)...
ونسل المرأة هو المسيح الذى لم يأت كثمرة لزواج بشرى بين رجل وامرأة...
« ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من إمرأة مولوداً تحت الناموس» (غلاطية 4: 4).
وهناك وعد الله لإبراهيم
بأن تتبارك جميع أمم الأرض فى نسله (تكوين 12: 3). وجدد الله هذا الوعد المبارك لاسحق « وأكثر نسلك كنجوم السماء وأعطى نسلك جميع هذه البلاد وتتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض» (تكوين 26: 4). ثم كان وعد الله ليعقوب « ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غرباً وشرقاً وجنوباً ويتبارك فيك وفى نسلك جميع قبائل الأرض» (تكوين 28: 14).
ثم كانت بركة يعقوب اسرائيل لإبنه يهوذا، وفيه نبوة بمجئ المسيح «يهوذا إياك يحمد اخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو أبيك. يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابنى. جثا وربض كأسد وكلبوة من ينهضه. لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتى شيلون وله يكون خضوع شعوب. رابطاً بالكرمة جحشه وبالجفنة ابن أتانه. غسل بالخمر لباسه وبدم العنب ثوبه» (تكوين 49: 8 - 11) ومعنى شيلون رجل السلام وهذا وصف واضح عن المسيح رئيس السلام كما جاء فى (أشعياء 9: 6، 7).
وقد دعى السيد المسيح فى سفر الرؤيا الأسد الذى من سبط يهوذا «فقال لى واحد من الشيوخ لا تبك هو ذا قد غلب الأسد الذى من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة» (رؤ 5: 5)... ويؤكد بولس الرسول أن هذه النبوة خاصة بالمسيح فيقول «فإنه واضح أن ربنا قد طلع من سبط يهوذا الذى لم يتكلم عنه موسى شيئاً من جهة الكهنوت» (عبرانيين 7: 14)...
وفى بشارة الملاك للعذراء قال عن المولود إنه.
« ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية» (لوقا 1: 33).
(ب) سفر الخروج:
سفر الخروج هو سفر الفداء، لذا نرى المسيح فى هذا السفر مخلص شعبه وقائدهم.
ونرى الإعلان عن سر التجسد فى العليقة المشتعلة ناراً فى حوريب... ونرى الخبز النازل من السماء الذى كان طعاماً للشعب فى البرية، والصخرة التى تفجر منها الماء، واستقى منها الشعب «خروج 16، 17». وكلاهما رمز للمسح كما أوضح المسيح نفسه ذلك «أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المن فى البرية وماتوا – هذا هو الخبز النازل من السماء لكى يأكل منه الإنسان ولا يموت. أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد» (يوحنا 6: 48 - 51).
وعن الصخرة فى البرية يقول بولس الرسول « وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح» (كورنثوس الأولى 10: 4). ونرى الله يعلن لموسى النبى عن اسمه القديم «يهوه» «هكذا تقول لبنى إسرائيل يهوه إله آبائكم إله ابراهيم وإله إسحق وإله يعقوب أرسلنى إليكم. هذا إسمى إلى الأبد، وهذا ذكرى الى دور فدور» (خروج 3: 14، 15). والمعنى الحرفى لكلمة يهوه «الكائن دائماً» أو «الدائم» أين نجد هذا الاسم فى العهد الجديد؟... قال المسيح لليهود «الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنا 8: 8)... ووتعبير أنا كائن معناه الحرفى أنا الموجود دائماً. وهو نفس التعبير الذى استخدمه يوحنا الرسول عن المسيح فى سفر الرؤيا «يوحنا الى السبع الكنائس التى فى آسيا نعمة لكم وسلام من الكائن والذى كان والذى يأتى ومن السبعة الأرواح التى أمام عرضه» (رؤيا 1: 4)... «الأربعة الحيوانات لكل واحد منها ستة أجنحه، حولها ومن داخل، مملؤة عيوناً ولا تزال نهاراً وليلاً قائلة قدوس قدوس قدوس الرب الاله القادر على كل شئ الذى كان والكائن والذى يأتى» (رؤيا 4: 8)... «الأربعة والعشرون شيخاً الجالسون أمام الله على عروشهم خروا على وجوهم وسجدوا لله. قائلين نشكرك أيها الرب الاله ا لقادر على كل شئ الكائن والذى كان والذى يأتى لأنك أخذت قدرتك العظيمة وملكت» (رؤيا 11: 16، 17)... « وسمعت ملاك المياه يقول عادل أنت أيها الكائن والذى كان والذى يكون لانك حكمت هكذا» (رؤيا 16: 5).
(ج) سفر اللاويين:
أما سفر اللاويين فيمتلئ بذكر الذبائح والممارسات الطقسية التى تشير بدقائقها العجيبة الى شخص المسيح، على نحو ما تكلمنا قبل ذلك فى المحاضرة السابقة.
(د) سفر العدد:
أما سفر العدد فيرد فيه ذكر ماء النجاسة الذى يطهر الشعب من النجاسات. وهو عبارة عن ماء يرش فيه دماء بقرة حمراء لا عيب فيها، ولم يعلها نير، بعد ذبحها وحرقها. (عدد 19: 1 - 10)... وواضح أنه رمز الى دم المسيح الذى يظهر من كل خطية. ويرد فى سفر العدد أيضاً ذكر الحية النحاسية، التى تكلم عنها المسيح صراحة... حدث أن الشعب الحياة المحرقة فلدغت الشعب فمات قوم كثيرون من اسرائيل فأتى الشعب الى موسى وقالوا قد أخطأت إذ تكلمنا على الرب وعليك فصلّ الى الرب ليرفع عنا الحياة فصلى موسى لأجل الشعب. فقال الرب لموسى اصنع لك حية محرقة وضعها على راية فكل من لدغ ونظر إليها يحيا. فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على الراية فكان متى لدغت حية إنساناً ونظر الى الحية النحاس يحيا» (عدد 21: 6 - 9)... قال المسيح إن هذه الحية النحاسية كانت رمزاً له « وكما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى أن يرفع ابن الإنسان لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا 3: 14، 15)...
وتنبأ بلعام بن بعور عن المسيح قائلاً.
«أراه ولكن ليس الآن أبصره ولكن ليس قريباً يبرز كوكب من يعقوب، ويقوم قضيب من إسرائيل» فيحطم طرفى موآب ويهلك كل بنى الوغى... ويتسلط الذى من يعقوب» (عدد 24: 17، 19)...
وهذه النبوة سابقة عن ميلاد المسيح بنحو 1500 سنة... وفى ملء الزمان رأى المجوس نجمه فى المشرق. وفى ختام الرؤيا يقول «أنا يسوع أرسلت ملاكى لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس أنا أصل وذرية داود كوكب الصبح المنير» (رؤيا 22: 16).
(ﻫ) سفر التثنية:
وفى سفر التثنية يرد ذرك مدن الملجأ التى تكلمنا عنها فى المحاضرة الماضية، والتى كان يحتمى فيها القاتل بغير عمد ويبقى فيها الى أن يموت رئيس الكهنة التى ارتكبت الجريمة فى عهده، ويتعين خلفه. حينئذ يمكن لذلك القاتل أن يعود الى وطنه... إنها تشير إلى عودتنا إلى وطننا الأصلى السماء بعد موت كهنتنا ربنا يسوع المسيح وهذا ورد فى (تثنية 4: 19)...
وفى هذا السفر نجد نبوءة موسى عن المسيح «أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامى فى فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به – ويكون الإنسان الذى لا سمع لكلامى الذى يتكلم به بإسمى أنا أطالبه» (تثنية 18: 18، 19). وسوف نعود الى معنى هذه النبوه فى آخر المحاضرة.
(2) سفر المزامير:
هذا السفر ملئ بالنبوات عن المسيح من وجوه كثيره... لكننا نسوق بعض أمثلة واضحة:
يتنبأ المرتل عن رفض اليهود للمسيح فيقول:
«الحجر الذى رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب فى اعيننا» (مزمور 118: 22، 23)...
وفى مثل الكرم والكرامين أكد المسيح أن هذه النبوءة قد تمت فى شخصه «فقال لهم يسوع أما قرأتم قط فى الكتب الحجر الذى رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب فى أعيننا» (متى 21: 42)... واستشهد بها بطرس الرسول «فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة وأما الذين لا يطيعون فالحجر الذى رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية» (بطرس الأول 2: 7)... كما استشهد بطرس بهذه النبوة أيضاً أثناء محاكمته، وبعد معجزة شفاء المقعد الذى كان يجلس عند باب الهيكل الجميل «إن كنا نفحص اليوم عن إحسان الى إنسان سقيم بماذا شفى هذا فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصرى الذى صلبتموه أنتم الذى أقامه الله من الأموات بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً. هذا هو الحجر الذى احتقرتموه أيها البناؤون الذى صار رأس الزاوية» (أعمال الرسل 4: 9 - 12).
يقول داود النبى متنبئاً عن آلام المسيح:
«الهى الهى لماذا تركتنى... أما أنا فدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر الشعب. كل الذين يروننى يستهزئون بى. يفغرون الشفاه ويبغضون الرأس قائلين اتكل على الرب فلينجه. لينقذه لأنه سر به... أحاطت بى ثيران كثيرة. أقوياء باشان اكتنفتنى. فغروا على أفواههم كأسد مفترس مزمجر. كالماء انسكبت. انفصلت كل عظامى. صار قلبى كالشمع. قد ذاب فى وسط أمعائى. يبست مثل شقفة قوتى. ولصق لسانى بحنكى والى تراب الموت تضعنى. لانه قد أحاطت بى كلاب. جماعة من الاشرار اكتنفتنى ثقبوا يدى ورجلى. أحصى كل عظامى. وهم ينظرون ويتفرسون فى. يقسمون ثيابى بينهم، وعلى لباسى يقترعون» (مزمور 22: 1 - 12).
ويقول داود أيضاً «يبس حلقى... أكثر من شعر رأسى الذين يبغضوننى بلا سبب... لأنى من أجلك احتملت العار. غطى الخزى وجهى. صرت غريباً عن إخوتى، ونزيلاً عند بنى أمى. لأن غيرة بيتك أكلتنى وتعبيرات معيريك وقعت على... العار قد كسر قلبى. يجعلون فى طعامى علقماً وفى عطشى يسقوننى خلاً» (مزمور 69).
وواضح مما جاء بالمزمورين السابقين ان هذا الكلام قد تم فى المسيح وآلامه. أما داود فمات ميتة طبيعية، ولم تثقب يداه ورجلاه، ولا شرب خلاً. ولم تقسم ثيابه ولم يقترع أحد عليها... واتمام هذه النبوات نجدها فى (متى 27، مرقص 14، لوقا 22، 23، يوحنا 18، 19).
يقول داود أيضاً بروح النبوة عن ذبيحة المسيح الكفارية
«بذبيحة وتقدمة لم تسر ثقبت «فتحت» أذنى. محرقة وذبيحة خطية لم تطلب حينئذ قلت هنذا جئت بدرج الكتاب مكتوب عنى. أن أفعل مشيئتك يا الهى سررت. وشريعتك فى وسط أحشائى» (مزمور 40: 6 - 8). ويستشهد بولس الرسول بهذه النبوه فيقول.
«لذلك عند دخوله الى العالم يقول ذبيحة وقرباناً لم ترد ولكن هيأت لى جسداً» (عبرانيين 10: 5)...
والمقصود من عبارة «هيأت لى جسداً»، أى جسداً يقدم ذبيحة كفارية... والقول «ثقبت أذنى» يعيد الى أذهاننا ما جاء فى (خروج 21: 5، 6) عن العبد الذى يخصص نفسه لخدمة سيده الى النهاية... كان سيده يأتى به الى الباب، ويثقب أذنه بالمثقب، فيخدمه الى النهاية « ولكن إن قال العبد أحب سيدى وامرأتى وأولادى لا أخرج حراً يقدمه سيده الى الله ويقربه الى الباب أو الى القائمة، ويثقب سيده أذنه بالمثقب فيخدمه الى الابد» (خروج 21: 5، 6).
هكذا الرب يسوع بإرادته ومسرته «أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس» (فيلبى 2: 7)... لقد أحبنا وخصص ذاته لفدائنا، وارتضى أن تثقب – لا أذنه – بل يداه ورجلاه وجنبه. كل ذلك تم خارج الباب، أى باب أورشليم (عبرانيين 13: 12).
ويتنبأ داود عن امجاد المسيح فيقول:
«لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب فى الباطل قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه، قائلين لنقطع اغلالهما ولنطرح عنا نيرهما. الساكن فى السموات يضحك. والرب يستهزئ بهم. حينئذ يكلمهم بغضبه وبرجزه يقلقهم. أما أنا فقد مسحت على صهيون جبل قدسى. إنى أخبر من جهة قضاء الرب. قال لى أنت ابنى أنا اليوم ولدتك. أسألنى فأعطيك الأمم ميراثاً لك، وأقاصى الأرض ملكاً لك. تحطمهم بقضيب من حديد مثل إناء خزاف تكسرهم. فالآن أيها الملوك تعقلوا تأدبوا يا قضاة الأرض. اعبدوا الرب بخوف، واهتفوا برعدة. قبلوا الإبن لئلا يغضب. فتبيدوا من الطريق لأنه عن قليل ينفذ غضبه» (مزمور 2)...
فى هذا المزمور نرى أسماء المسيح له المجد: مسيح – ابن الله – ملك الملوك. ولقد تم ما جاء بهذا المزمور فى مخلصنا... وقد أشار الى ذلك رسل المسيح فى صلاتهم التى رفعوها لله عقب شفاء مقعد باب الهيكل الجميل «فلما سمعوا رفعوا بنفس واحدة صوتاً الى الله وقالوا أيها السيد أنت هو الإله الصانع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. القائل بفم داود فتاك لماذا ارتجت الامم وتفكر الشعوب بالباطل قامت ملوك الأرض واجتمع الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه. لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذى مسحته هيرودس وبيلاطس البنطى مع أمم وشعوب اسرائيل ليفعلوا كل ما سبقت فعينت يدك ومشورتك أن يكون» (أعمال الرسل 4: 24 - 28)...
والى تمام نبوة هذا المزمور فى شخص المسيح أشار بولس الرسول فى خطابه الكرازى فى المجمع اليهودى بأنطاكية بيسيدية «إن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضاً فى المزمور الثانى أنت إبنى وأنا اليوم ولدتك» (أعمال الرسل 13: 33)... وقال أيضاً «لأنى لمن من الملائكة قال قط أنت ابنى أنا اليوم ولدتك. وأيضاً أنا أكون له أباً وهو يكون لى ابنا» (عبرانيين 1: 5).
وعن قيامة المسيح من بين الأموات
يقول داود بروح النبوة «ارفعوا أيها الملوك أبوابكم، وارتفعى أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد – من هو هذا ملك المجد الرب القدير الجبار. الرب الجبار فى الحروب... رب الجنود هو ملك المجد» (مزمور 24: 7 - 10)... من أجل هذا تستخدم كنيستنا كلمات هذا المزمور فى تمثيلية القيامة فى قداس عيد القيامة.
يقول داود أيضاً «فاض قلبى بكلام صالح... أنت أبرع جمالاً من بنى البشر... تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار... الشعوب تحتك يسقطون. كرسيك يا الله الى دهر الدهور. قضيب الاستقامة هو قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الاثم. من أجل ذلك مسحك الله الهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك» (مزمور 45).
والقديس بولس الرسول يشير الى إتمام نبوءة هذا المزمور فى المسيح « وأما عن الإبن كرسيك يا الله الى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك أحببت البر وأبغضت الاثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الابتهاج اكثر من شركائك» (عبرانيين 1: 8، 9).
وقد رتبت كنيستنا أن تقال بعض كلمات هذا المزمور فى أسبوع البصخه، وترتل بلحن رائع مزمور pek`qronoc «كرسيك يا الله الى دهر الدهور»، وذلك فى الساعة الحادية عشر من يوم ثلاثاء البصخة، والساعة الثانية عشر من يوم الجمعة العظيمة.
كما يقول داود النبى «قال الرب لربى، اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. عصا قوة يرسل لك الرب من صهيون، وتسود فى وسط أعدائك. معك الرياسة فى يوم قوتك، فى بهاء القديسين، من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك. أقسم الرب ولن يندم، أنك أنت هو الكاهن الى الأبد على رتبة ملكى صادق. الرب عن يمينك، يحطم فى يوم رجزه ملوكاً. يقضى بين الأمم» (مزمور 110)...
ولقد أوضح السيد المسيح نفسه. أن نبوءة هذا المزمور خاصة به، حينما قال للفريسيين «ماذا تظنون فى المسيح ابن من هو. قالوا له ابن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربى اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فإن كان داود يدعوه بالروح رباً فكيف يكون ابنه. فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة» (متى 22: 42 - 45)...
كما أشار القديس بطرس الرسول فى عظة يوم الخمسين الى ذلك أيضاً قال «لأن داود لم يصعد الى السموات. وهو نفسه يقول قال الرب لربى اجلس عن يمينى حتى أضع اعداءك موطئاً لقدميك. فليعلم يقيناً جميع بيت اسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً» (أعمال الرسل 2، 43 - 36).
(3) سفر الأمثال:
الاصحاح الثامن من هذا السفر يتكلم عن السيد المسيح أقنوم الحكمة فى الذات الالهية فيقول «أنا الحكمة أسكن الذكاء وأجد معرفة التدابير... أنا أحب الذين يحبوننى. والذى يبكرون الىَّ يجدوننى... الرب قنانى أول طريقه، من قبل أعماله منذ القدم. منذ الأزل مسحت منذ البدء منذ اوائل الارض... لما ثبتت السموات كنت هناك أنا. لما رسم دائرة على وجه الغمر. لما أثبت السحب من فوق. لما تشددت ينابيع الغمر. لما وضع للبحر حده فلا نتعدى المياه تخمه، لما رسم أسس الأرض كنت عنده صانعاً... لأنه من يجدنى يجد الحياة وينال رضى من الرب. ومن يخطئ عنى يضر نفسه. كل مبغضى يحبون الموت» (أمثال 8).
وفى الاصحاح التاسع
يتنبأ عن المسيح الذى أسس كنيسته ورتب فيها الاسرار السبعة فيقول «الحكمة بنت بيتها. نحتت أعمدتها السبعة ذبحت ذبحها. مزجت خمرها. أيضاً رتبت مائدتها» (أمثال 9: 1، 2).
ويتنبأ سليمان عن نزول المسيح من السماء فيقول «لم أتعلم الحكمة، ولم أعرف معرفة القدوس من صعد الى السموات ونزل من جمع الريح فى حفنتيه. من صر المياه فى ثوب. من ثبت جميع أطاف الأرض ما اسمه وما اسم ابنه إن عرفت» (أمثال 30: 3، 4).
(4) سفر أشعياء:
ويدعو علماء الكتاب المقدس أشعياء بالنبى الانجيلى لشدة وضوح نبوءاته عن السيد المسيح بصورة تدعو الى الدهشة.
فهو يتنبأ عن مجئ المسيح من نسل داود فيقول «يخرج قضيب من جزع يسى[19]، وينبت غصن من أصوله» (أشعياء 11: 1)...
وبولس الرسول يشير الى اتمام هذه النبوءة فى شخص المسيح فيقول «ثم عزله « = شاول الملك» وأقام لهم داود ملكاً الذى شهد له أيضاً، إذ قال وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبى الذى سيصنع كل مشيئتى. من نسل هذا حسب الوعد أقام الله لإسرائيل مخلصاً يسوع» (أعمال الرسل 13: 22، 23)... كما يقول « وأيضاً يقول اشعياء سيكون أصل يسى والقائم ليسود على الأمم عليه سيكون رجاء الأمم» (رومية 15: 12).
ويتنبأ عن ميلاده من عذراء، تلك النبوءة الشهيرة «يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل... لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً، ونكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسى داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن الى الابد» (أشعياء 7: 14، 9: 6، 7).
وأشار متى الانجيلى الى ذلك بقوله « وهذا كله كان لكى يتم ما قيل من الرب بالنبى القائل هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا» (متى 1: 22، 23).
وفى لهفة ظل أشعياء يرقب ويطلب سرعة مجئ هذا الشخص الالهى الذى تنبأ عنه فقال مناجياً الله «ليتك تشق السموات وتنزل. من حضرتك تتزلزل الجبال» (أشعياء 64: 1).
ويتنبأ عن المسيح كنور وهدى فيقول « ولكن لا يكون ظلام للتى عليها ضيق. كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض نفتالى، يكرم الأخير طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم الشعب السالك فى الظلمة ابصر نوراً عظيماً. الجالسون فى أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور» (أشعياء 9: 1، 2).
وقد أشار القديس متى الانجيلى الى اتمام هذه النبوة فى شخص المسيح « وترك الناصرة واتى فسكن فى كفرناحوم، التى عند البحر فى تخوم زبولون ونفتاليم.
لكى يتم ما قيل بأشعياء النبى القائل
أرض زبولون وأرض نفتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم. الشعب الجالس فى ظلمة ابصر نوراً عظيماً. والجالسون فى كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور» (متى 4: 13 - 16).
وعن وداعة المسيح
يتنبأ قائلاً «لا يصيح ولا يُسمع فى الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ الى الأمان يخرج الحق» (أشعياء 42: 1 - 3). وأشار متى الى اتمام هذه النبوة فى المسيح بقوله «لكى يتم ما قيل بأشعياء النبى القائل هوذا فتاى الذى اخترته حبيبى الذى سرت به نفسى اضع روحى عليه فيخبر الأمم بالحق لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ حتى يخرج الحق الى النصرة» (متى 12: 17 - 20).
وعن المسيح الراعى الصالح
يقول أشعياء «على جبل عالى اصعدى يا مبشرة صهيون ارفعى صوتك بقوة يا مبشرة أورشليم ارفعى لا تخافى. قولى لمدن يهوذا هوذا إلهك هوذا السيد الرب بقوة يأتى... كراع يرعى قطيعه. بذراعه يجمع الحملان وفى حضنه يحملها» (أشعياء 40: 9 - 11)... والكلام عن المسيح كراع صالح ورد فى أناجيل العهد الجديد بغاية الوضوح.
وعن مجئ المسيح ورسالته
واعداد يوحنا المعمدان الطريق أمامه قال أشعياء «عزوا عزوا شعبى يقول الهكم. طيبوا قلب أورشليم... صوت صارخ فى البرية. أعدوا طريق الرب. قوموا فى القفر سبيلا لإلهنا. كل وطاء يرتفع وكل جبل واكمة ينخفض ويصير المعوج مستقيماً والعراقيب سهلا. فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعاً لأن فم الرب تكلم» (أشعياء 40: 1 - 5)...
والى اتمام هذه النبوة أشار الانجيليان مرقس ولوقا فى انجيليهما «صوت صارخ فى البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة» (مرقس 1: 1 - 3)... «فى أيام رئيس الكهنة حنان وقيافا كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا فى البرية. فجاء الى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا كما هو مكتوب فى سفر أقوال أشعياء النبى القائل صوت صارخ فى البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة. كل واد يمتلئ وكل جبل وأكمة ينخفض وتصير المعوجات مستقيمة والشعاب طرقاً سهلة ويبصر كل بشر خلاص الله» (لوقا 3: 2 - 6).
وعن معجزات الشفاء المتنوعة التى أجراها المسيح يقول أشعياء «حينئذ تنفقع عيون العمى، وآذان الصم تتفتح، حينئذ يقفز الأعرج كالأيل، ويترنم لسان الاخرس... ومفديون الرب يرجعون، ويأتون الى صهيون بترنم وفرح أبدى على رؤوسهم. إبتهاج وفرح يدركانهم. ويهرب الحزن والتنهد» (أشعياء 35: 5 - 10).
أما عن آلام الفادى فقد أفاض فيها أشعياء النبى فيقول:
«بذلت ظهرى للضاربين وخدى للناتفين. وجهى لم استر عن العار والبصق» (أشعياء 50: 6) ويقول «من صدق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع الرب. نبت قدامه كفرخ وكعرق من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر اليه، ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن، وكمستر عنه وجوهنا. محتقر فلم نعتّد به. لأن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولا. وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه، وبحبره «جراحاته» شفينا. كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد الى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا. ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق الى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه. من الضغطة ومن الدينونة أخذ. وفى جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء. أنه ضرب من أجل ذنب شعبى. وجعل مع الأشرار قبره، ومع غنى عند موته. على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن فى فمه غش. أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن أن جعل نفسه ذبيحة أثم... سكب للموت نفسه، وأحصى مع أثمه. وهو حمل خطية كثيرين وشفع فى المذنبين» (أشعياء 53: 1 - 12).
وإذا رجعنا الى سفر أعمال الرسل نجد وزير كنداكة ملكة الحبشة الذى عمده فيلبس المبشر يسأله عن هذا الفصل من سفر أشعياء، ويقول له «عن من يقول النبى هذا، عن نفسه، أم عن واحد آخر. ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب «سفر أشعياء» فبشره بيسوع» (أعمال الرسل 8: 26 - 35).
(5) سفر دانيال النبى:
يتنبأ دانيال النبى عن موعد مجئ المسيح المخلص فيقول:
«سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم. وليؤتى بالبر الأبدى، ولختم الرؤيا والنبوءة ولمسح قدوس القديسين» (دانيال 9: 24).
وعن سلطان المسيح وملكوته يقول «كنت ارى فى رؤى الليل. وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء الى القديم الأيام، فقربوه قدامه. فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لنتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض» (دانيال 7: 13، 14).
(6) سفر هوشع النبى:
ويكتب هوشع النبى متنبئاً عن هرب المسيح الى مصر من وجه هيرودس «لم كان اسرائيل غلاماً أحببته. ومن مصر دعوت إبنى» (هوشع 11: 1)... والى اتمام هذه النبوة فى شخص المسيح أشار متى الإنجيلى «فقام وأخذ الصبى وأمه ليلاً وانصرف الى مصر وكان هناك الى وفاة هيرودس. لكى يتم ما قيل من الرب القائل من مصر دعوت إبنى» (متى 2: 14، 15).
(7) سفر زكريا النبى:
ويتنبأ زكريا النبى عن خيانة يهوذا الإسخريوطى وأخذه الثلاثين من الفضة من الكهنة ورؤسائهم مقابل تسليمه سيده، وما انتهى اليه أمره، فيقول «قلت لهم إن حسن فى أعينكم، فاعطونى أجرتى والا فامتنعوا، فوزنوا أجرتى ثلاثين من الفضة. فقال لى الرب القها الى الفخارى الثمن الكريم الذى ثمنونى به. فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخارى فى بيت الرب» (زكريا 11: 12، 13)... وهذا ما تم حرفياً «حينئذ لما رأى يهوذا الذى أسلمه أنه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة الى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلاً قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً. فقالوا ماذا علينا أنت أبصر فطرح الفضة فى الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها فى الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخارى مقبرة للغرباء» (متى 27: 3 - 8).
أود أن أشير الى ملاحظة، وهى أن كتاب العهد القديم كتاب مشترك بيننا وبين اليهود. اليهود هم الذين قتلوا المسيح وهناك عداوة بيننا وبينهم من هذه الزاوية. ونحن لا نستطيع أن نغير حرفاً من كتاب العهد القديم لأن الكتاب فى أيدى أناس ضدنا وكتاب العهد القديم هو نفس التوراة الذى فى أيدى اليهود الآن بالحرف الواحد.
(ثالثاً) التفسير الصحيح لبعض نبوات العهد القديم عن المسيح
يدعى البعض أن النبوات التى وردت فى أسفار العهد القديم، والتى تشير الى رب المجد يسوع المسيح، إنما تشير الى غيره... ونعرض الآن لبعض هذه الإدعاءات:
المثل الأول:
(1) جاء فى سفر (التثنية 18: 15 - 19)، قوله «يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلى له تسمعون... أقيم لهم نبياً من وسط اخوتهم مثلك واجعل كلامى فى فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيته به. ويكون أن الإنسان الذى لا يسمع لكلامى الذى يتكلم به باسمى أنا أطالبه».
قالوا إن المقصود بهذه النبوة، نبى من نسل اسماعيل. واسماعيل أخ اسحق جد بنى إسرائيل. فيكون هو النبى الموعود به فى هذه الآيه. وهذا يتمشى مع قوله «من اخوتك»...
والسؤال هنا الان هل تنطبق الأخوة الواردة فى هذه النبوة على اسماعيل؟...
ونحن نقول أن إبراهيم بعد موت سارة أخذ زوجة اسمها قطورة، فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحا... « واعطى إبراهيم إسحق كل ما كان له. وأما بنو السرارى اللواتى كانت لإبراهيم، فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن اسحق إبنه شرقاً الى أرض المشرق وهو بعد حى» (تكوين 25: 1 - 6)... وواضح ان الذى أخذ كل ما لإبراهيم هو ابنه اسحق.
إن اليهود لم يعتبروا نسل إسماعيل ولا نسل السته المولودين من سرارى إبراهيم، ولا نسل عيسو أخوة لهم... بل نظروا إليهم نظرتهم إلى الاجنبى العدو... فقد قال الله لموسى «ضايقوا المديانين واضربوهم لأنهم ضايقوكم بمكايدهم التى كادوكم بها فى أمر فغور وأمر كزبى أختهم بنت رئيس لمديان التى قتلت يوم الوباء بسبب فغور» (عدد 25: 16 - 18)... كما أمرهم الرب أن يمحوا ذكر عماليق من تحت السماء «اذكر ما فعله بك عماليق فى الطريق عند خروجك من مصر. كيف لاقاك فى الطريق وقطع من مؤخرك كل المستضعفين وراءك وأنت كليل ومتعب، ولم يخف الله. فمتى اراحك الرب إلهك من جميع أعدائك حولك فى الأرض التى يعطيك الرب إلهك نصيباً لكى تمتلكها، تمحو ذكر عماليق من تحت السماء لا تنس» (تثنية 25: 17 - 19)... وعماليق هم نسل عيسو وعيسو أخو يعقوب.
وفى (تثنية 15: 12) نجد تحديداً للأخوة بأن يكون عبرانياً. يقول السيد الرب «إذا بيع لك أخوك العبرانى أو أختك العبرانية وخدمك ست سنين ففى السنة السابعة تطلقه حراً من عندك». والعبرانى هو من نسل يعقوب اسرائيل، من الأسباط الاثنى عشر الذين استعبدوا فى مصر وأخرجهم الرب من مصر...
هناك إيضاح آخر فى (تثنية 17: 14، 15) يقول الرب لبنى إسرائيل «متى أتيت الى الأرض التى يعطيك الرب الهك وامتلكتها وسكنت فيها فإن قلت أجعل على ملكا كجميع الأمم الذين حولى، فإنك تجعل عليك ملكاً الذى يختاره الرب الهك من وسط إخوتك تجعل عليك ملكاً لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبياً ليس هو أخاك»...
وحكمة الله واضحة فى هذا التحديد والتحذير من الأجانب الخارجين عن الأسباط الإثنى عشر، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام ويسلكون فى الشر، وحتى لا يفسدون بنى إسرائيل إذا اختلطوا بهم.
فإذا كان هذا التحذير فيما يختص بإقامة ملك، فكيف يقصد الله أن يكون نبى من غير اليهود...
ولنذكر ما قالته سارة لإبراهيم عن هاجر وإبنها إسماعيل «أطرد هذه الجارية وإبنها. لأن إبنى هذه الجارية لا يرث مع إبنى إسحق. فقبح الكلام جداً فى عينى إبراهيم لسبب إبنه». إذا إنتهى الامر عند هذا الحد لكان هذا الكلام هو كلام سارة، ولا نعرف موقف الله منه. لكن الله قال لإبراهيم «لا يقبح فى عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك. فى كل ما تقوله لك سارة إسمع لقولها. لأنه بإسحق يدعى لك نسل» (تكوين 21: 9 - 12)...
فإذا كان الله وافق على أن اسماعيل ابن الجارية لا يرث مع إسحق، فكيف يبعث الله من نسله نبياً لبنى اسرائيل ويلزمهم بالخضوع له وطاعة أقواله.
إن هذه النبوه خاصة بالسيد المسيح...
كان اليهود يعرفون هذه النبوة جيداً التى سجلها موسى نبيهم العظيم وأنها تخص المسيح. لذا نجد بطرس الرسول بعد معجزة شفاء مقعد باب الهيكل الجميل، يوجه كلامه الى الشعب اليهودى المحتشد فى الهيكل فيقول «توبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم، لكى تأتى أوقات الفرج من وجه الرب. ويرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل. الذى ينبغى أن السماء تقبله الى أزمنة رد كل شئ التى تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر. فإن موسى قال للآباء إن نبياً مثلى سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون فى كل.
ما يكلمكم به. ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبى تباد من الشعب
وجميع الأنبياء وأيضاً صموئيل فما بعده. جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام» (أعمال الرسل 3: 19 - 24)...
وواضح من كلام بطرس أن ذاك الذى تنبأ عنه موسى هذه النبوة، كان هو الرب يسوع المسيح... وواضح من كلامه أنه لا يقدم لليهود مفهوماً جديداً، بل ما يعرفونه...
واستفانوس أول شهداء المسيحيه، فى خطابه الكرازى قبيل استشهاده يؤكد أن هذا النبى الذى أنبأ عنه موسى والذى ينفرد بصفات خاصة عن سائر الأنبياء، إنما هو المسيح «هذا هو موسى الذى قال لبنى اسرائيل نبياً مثلى سيقيم لكم الرب الهكم من إخوتكم له تسمعون» (أعمال الرسل 7: 37).
ثم ان الصفات التى ذكرت عن هذا البنى لا تنطبق الا على المسيح.
« ويكون أن الانسان الذى لا يسمع لكلامى الذى يتكلم به باسمى أنا أطالبه»...
الا يتمشى هذا مع ما قاله السيد المسيح لرسله «الذى يسمع منكم يسمع منى. والذى يرذلكم يرذلنى. والذى يرذلنى يرذل الذى أرسلنى» (لوقا 10: 16)... وقوله أيضاً «من رذلنى ولم يقبل كلامى فله من يدينه الكلام الذى تكلمت به هو يدينه فى اليوم الأخير» (يوحنا 12: 48)...
أما عبارة «نبياً مثلى»[20]، فلنعلم أن السيد المسيح حال كونه فى الجسد أخذ وظيفة نبى، حيث أنه أنبأنا عن الآب بأمور لم نكن نعرفها... «الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى فى حضن الآب هو خبر» (يوحنا 1: 18)... كما أنبأنا عن أمور مستقبله تحققت فيما بعد.
أما عن كلمة «مثلى»، فلأن موسى كما ذكرنا فى محاضرة سابقة كان رمزاً للمسيح من عدة وجوه منها أن موسى أعطى بنى اسرائيل شريعة تلك التى عرفت باسم شريعة العهد القديم، أما المسيح فقط أعطى شريعة العهد الجديد شريعة الكمال.
المثل الثانى:
(2) جاء فى «مزمور 45: 3» لداود النبى «تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك»...
قالوا إن هذه نبوءة عن نبى آخر حمل السيف وخاض غمار الحروب، وغزا الغزوات... ونحن نقول.
إن السيد المذكور فى هذه الآية بالمعنى المجازى
. فحسب قواعد اللغة تصبح كل من كلمة «جلالك» وكلمة «بهاءك» بدل من سيف. وهذا البدل يدعى بدل كل من كل. وهذا النوع من البدل معناه أنه هو عين المبدول منه. وعلى ذلك يكون الجلال والبهاء هو عين السيف...
إذن فالسيف هنا ليس سيفاً مادياً بل هو سيف مجازى معناه الجلال والبهاء...
وكلمات المزمور كلها لا تدل على إنسان يستخدم العنف... إن هذا المزمور نبوة عن شخص المسيح المبارك الذى قال فيه داود فى نفس هذه المزمور «أنت أبرع جمالاً من بنى البشر... كرسيك يا الله الى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الاثم»... ثم هو يتكلم عن بنات ملوك بين حظياتك. جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير. اسمعنى يا بنت وانظرى واميلى اذنك وانسى شعبك وبيت أبيك. فيشتهى الملك حسنك لأنه هو سيدك فاسجدى له».. وواضح أن النبى الذى يشيرون اليه لم يكن بين محظياته من بنات الملوك ولم تجعل ملكة عن يمينه... ثم هو يطالب هذه البنت أن تسجد له!! وليس هناك سجود الا لله!!. إن الكلام هنا مجازى ويرمز للكنيسة وللعذراء مريم وللنفس البشرية.
المثل الثالث:
(3) جاء فى (أشعياء 63: 1 - 6) قوله «من ذا الآتى من آدوم بثياب حمر من بصرة، هذا البهى بملابسه المتعظم بكثرة قوته. أنا المتكلم بالبر العظيم للخلاص. ما بال لباسك محمراً وثيابك كدائس المعصرة. قد دست المعصرة وحدى ومن الشعوب لم يكن معى أحد، فدستهم بغضبى – ووطئتهم بغيظى. فرش عصيرهم على ثيابى فلطخت كل ملابسى. لأن يوم النقمه فى قلبى وسنة مفديى قد أتت. فنظرت ولم يكن معين، وتحيرت إذ لم يكن عاضد. فخلصت لى ذراعى وغيظى عضدنى فدست شعوباً بغضبى وأسكرتهم بغيظى، وأجريت على الأرض عصيرهم»...
قالوا إن هذه الكلمات نبوءة عن نبى آخر وليست عن المسيح. والذى دعاهم الى ذلك أن هذه النبوءة تشير الى الى رجل حرب وقتال وأنه فتح هذه البلاد. وظنوا أن «بصرة» المذكورة هنا هى مدينة بصرة الشهيرة، مع أنها كما هو مذكور فى العدد الأول أنها من بلاد آدوم على مسافة قصيرة جنوبى البحر الميت أى بلاد فلسطين...
والمتأمل فى هذه النبوة يجد أن المحارب هو الله رب الجنود الذى انتقم من آدوم على خطاياها وعلى ظلمها لنبى يهوذا شعب الله، كما قال أشعياء نفسه، كاتب هذه النبوة «لأنه قد روى فى السموات سيفى. وهوذا على آدوم ينزل وعلى شعب حرمته للدينونة. للرب سيف قد امتلأ دماً اطلى بشحم بدم خراف وتيوس بشحم كلى كباش. لأن للب ذبيحة فى بصرة وذبحاً عظيماً فى أرض آدوم» (أشعياء 34: 5 - 8)... ويؤيد أرميا النبى صدق هذا الكلام، فيقول «عن آدوم، هكذا قال رب الجنود... بذاتى حلفت يقول الرب أن بصرة تكون دهشاً وعاراً وخراباً ولعنة وكل مدنها تكون خرباً أبدية» (أرميا 49: 7 - 13)... وهكذا يتضح لنا أن النبوة لا علاقة لها ببلاد خارج فلسطين ولا بنبى آخر. وانما هى نبوة عن المسيح الذى يظهر بثياب حمر رمز لدمه الكريم...
(رابعاً) محاولة تفسير بعض آيات العهد القديم تفسيراً خاصاً لتحقيق قصد معين:
ما ذكرناه فى النقطة السابقة هو عن آيات من العهد القديم نتنبأ عن السيد المسيح، ولكن البعض فسرها تفسيراً خاصاً راق لهم.
لكن هناك بعض نبوات فى العهد القديم لا نتنبأ عن المسيح، ويحاولون تفسيرها وفق هواهم ليصلوا الى قصدهم وهو أن هناك نبوات فى العهد القديم عن نبى آخر... نسوق على ذلك مثالين:
المثال الأول:
(1) ورد فى «تثنية 32: 21»
قول الرب «هم أغارونى بما ليس الهاً أغاظونى بأباطيلهم. فأنا أغيرهم بما ليس شعباً بامة غبية أغيظهم»...
قالوا إن المقصود بهذه الآية الأمة العربية، وليس الإغريق الذين فاقوا أهل زمانهم فى العلوم وظهر منهم الفلاسفة والأدباء.
والرد على ذلك فى غاية البساطة أن الغباوة فى الآيه السالفة وفى الكتاب المقدس كله لا يقصد بها نقص المعرفة بالعلوم الدنيوية، لكن النقص فى معرفة الله وجهلهم به... وهناك نصوص كثيرة فى الكتاب المقدس تدل على ذلك.
يقول داود «قال الجاهل فى قلبه ليس إله» (مزمور 14: 1).
ويقول سليمان الحكيم «مخافة الرب رأس المعرفة» (أمثال 1: 7)...
ويقول بولس الرسول «لأن حكمة هذا العالم هى جهالة عند الله لأنه مكتوب الآخذ الحكماء بمكرهم» (1كورنثوس 3: 19).
ويصف الرب شعب إسرائيل بالغباوة لما عبدوا الأصنام وقال لهم «يا شعباً غبياً غير حكيم اليس هو أباك ومقتنيك. هو عملك وأنشأك» (تثنية 32: 6)...
وقال السيد المسيح لمعلمى اليهود «يا أغبياء اليس الذى صنع الخارج صنع الداخل أيضاً» (لوقا 11: 40).
وقال لتلميذى عمواس فى لقائه معهما يوم قيامته من بين الأموات «أيها الغبيان والبطيئا القلوب فى الإيمان» (لوقا 24: 25)...
وواضع من هذا أن الأمة الغبية فى هذه الآية ليست هى أمة العرب بل هى أى أمة تجهل معرفة الله. وهم الأمم الذين صار لهم الدخول الى الإيمان بيسوع المسيح ربنا...
وقد طبق بولس الرسول هذه النبوة عن دخول الإمم الى الإيمان فقال «لكنى أقول العل إسرائيل لم يعلم. أولاً موسى يقول أنا أغيركم بما ليس أمة». بأمة غبية أغيظكم... وجدت من الذين لم يطلبونى وصرت ظاهراً للذين لم يسألوا عنى» (رومية 10: 19، 20).
المثل الثانى:
(2) جاء فى «تثنية 33: 2» قوله «جاء فى الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم»...
قالوا أن هذه الآيه تتكلم عن اليهودية والمسيحية والإسلام
. فمجئ الرب من سيناء هنا يشير الى إعطاء الشريعة لموسى. واشراقه من سعير يشيرالى إعطائه الإنجيل لعيسى «المسيح». وتلألؤه من فاران يشير الى إنزاله القرآن على نبى المسلمين.
لأن فاران من جبال مكة كما يقولون... ولكن هذا غير صحيح.
وبقراءة هذه الآية مع ما سبقها وما بعدها يتضح أن كلام موسى هنا لا علاقة له بالإنجيل ولا بالقرآن. بل إن قصده واضح حدده فى الآية السابقة « وهذه هى البركة التى بارك بها موسى جل الله بنى اسرائيل قبل موته» ثم بعدها يقول «فأحب الشعب جميع قديسيه فى يدك وهم جالسون عند قدميك، يتقبلون من أقوالك بناموس أوصانا موسى ميراثاً لجماعة يعقوب وكان فى يشورون ملكاً حين اجتمع رؤساء الشعب أسباط اسرائيل معاً» (تثنية 33: 1 - 5)...
ومعنى الكلام أن موسى هنا يبارك إسرائيل ويذكرهم بإحسان الله اليهم بانزال الشريعة، بينما كان الجبل يدخن كما جاء فى سفر الخروج « وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار وصعد دخانه الأتون، وارتجف كل الجبل جداً» (خروج 19: 18).
وقصد موسى من هذه الآية أن يصف إتساع الدائرة التى أظهر فيها الرب مجده حيث كان يسكن جميع اليهود...
هذا من ناحيه المعنى...
فإذا انتقلنا الى الناحية الجغرافية نقول إنه اذا جاز تأويل الكلام فهل يمكن نقل الجبال من مواضعها؟! ذلك لأن جبل فاران لا علاقة له بمكة بل هو أحد مرتفعات سيناء من الشمال. هكذا ورد ذكرها وموضعها فى مواضع مختلفة من العهد القديم فضلاً عن الاطالس القديمة الموثوق بها.
« والحوريين فى جبلهم سعير الى بطمة فاران التى عند البرية» (تكوين 14: 6).
« وسكن اسماعيل فى برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر» (تكوين 21: 21).
«فارتحل بنو إسرائيل فى رحلاتهم من برية سيناء فحلت السحابة فى برية فاران» (عدد 10: 12).
« وبعد ذلك ارتحل الشعب من حضيروت ونزلوا فى برية فاران» (عدد 12: 16).
«فأرسلهم موسى من برية فاران حسب قول الرب كلهم رجال هم رؤساء بنى اسرائيل» (عدد 13: 3).
«هذا هو الكلام الذى كلم به موسى جميع إسرائيل فى عبر الأردن فى البرية فى العربة، قبالة سوف بين فاران وتوفل ولابان وحضيروت وذى ذهب» (تثنية 1: 1).
« ومات صموئيل فاجتمع جميع إسرائيل وندبوه ودفنوه فى بيته فى الرامة وقام داود ونزل الى برية فاران» (صموئيل الأول 25: 1).
« وقاموا من مديان وأتوا الى فاران وأخذوا معهم رجالا من فاران وأتوا الى مصر الى فرعون ملك مصر فأعطاه بيتاً وعين له طعاماً واعطاه أرضاً» (ملوك الأول 11: 18).
وواضح من هذا الكلام أن فاران فى سيناء وليست فى شبه الجزيرة العربية... وما زال فاران حتى اليوم معروفاً بهذا الاسم فى سيناء.
الرب يبارك على هذه الكلمة ويحفظنا جميعاً غير عاثرين الى يوم ظهوره...
[Place Image #05 here].
[19] - يسى هو والد داود النبى.
[20] - انظر كلامنا عن وظيفة المسيح النبوية فى الموضوع السادس من هذا الكتاب.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.