نماذج للمتألمين الظافرين
● إذا كان الحكيم فى الأمثال يقول: «ما لك روحه خير ممَن يأخذ مدينة» (أم 16: 32). فكم يكون وضع من يحتمل الآلام الجسدية والنفسية؟!... وسبق أن قلنا.
إن الألم صليب يحمله كل مؤمن. وأنه يسير جنباً إلى جنب مع إيماننا بالمسيح
... « وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضاً أن تتألموا لأجله» (فى 1: 29). البعض يحمله فى شجاعة متحلياً بالصبر، والبعض يحمله متأففاً متذمراً، والبعض الآخر لا يقوى على حمله لأسباب خاصة، أو يرفض حمله فيلقى به عن كاهله... وهذه العينات الأخيرة نماذج فاشلة. وبتصرفاتها لا تعبّر عن إيمانها المسيحى...
وفى موضوع هذا المساء نقدم بعض العينات الممتازة من المتألمين الذين أثبتوا ظفرهم وانتصارهم فى إختبار الألم...
● وفى رسالته إلى مؤمنى رومية، فيما يعبّر الرسول بولس عن محبة المؤمنين للمسيح، وأن لا شئ يفصلهم عن هذه المحبة، وأنهم من أجله يماتون كل النهار وحتى حُسبوا مثل غنم للذبح، يُردف بعدها:
« ولكننا فى هذه جميعها يعظم إنتصارنا بالذى أحبنا» (رو 8: 35 - 37)...
والمعنى أن النصرة الحقيقية تظهر من خلال إحتمال آلام الشدائد والضيقات والاضطهادات والجوع والعرى والخطر والسيف. بمعونة المسيح مخلصنا الذى أحبنا...
● ونحاول فى عظة هذا المساء أن نقدّم بعض نماذج للمتألمين فى مجالات الألم المختلفة وأثبتوا النصرة والظفر...
1 - أيوب الصديق:
●.
وهو نموذج لاحتمال آلام الجسد من الأبرار... بل صار نموذجاً يحتذى به فى الصبر والاحتمال،
حتى فى العهد الجديد بلسان يعقوب الرسول يقول... «خذوا يا إخوتى مثالاً لاحتمال المشقات والأناة... ها نحن نطوّب الصابرين. قد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب» (يع 5: 10، 11)... وتجربة أيوب تقدم الإجابة على التساؤل الخاص بتألم الأبرار...
●.
كان أيوب رجلاً باراً قبل الآلام التى حلّت به. هذا أمر لا شك فيه...
والله نفسه يشهد عن أيوب أنه: «ليس مثله فى الأرض. رجل كامل ومستقيم، يتقى الله ويحيد عن الشر» (أى 1: 8؛ 2: 3). وكان كماله واستقامته وتقواه ليس قاصراً على شخصه، بل حتى فى إهتمامه بأولاده. فلقد كان يصعد محرقات عن بنيه كلهم على الدوام لأنه كان يقول: «ربما أخطأ بنىَّ وجدفوا على الله فى قلوبهم» (أى 1: 5)... أى أخطأوا بمجرد الفكر...
●.
إذاً كان أيوب رجلاً كاملاً باراً، ومع ذلك جاز تجارب عنيفة واحتمل آلاماً مبرحة جسداً ونفساً...
لقد فقد أيوب كل ما له من ثروات بعد أن كان «أعظم كل بنى المشرق» (أى 1: 3)... فقد بقره واتنه وغنمه وجماله وكل غلمانه بعد أن قُتلوا بحد السيف ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل فقد بنيه وبناته جميعاً فى حادث واحد... ورغم هذه التجارب القاسية بسبب كثرتها وتلاحقها، فقد خرّ أيوب على الأرض وسجد، وقال عرياناً خرجت من بطن أمى وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً... ويشهد الكتاب المقدس:
«فى كل هذا لم يخطئ أيوب ولم ينسب لله جهالة» (أى 1: 20 - 22).
● وضرب الشيطان أيوب بالقروح من باطن قدمه إلى هامته
(أى 2: 7)، حتى أن امرأته انتقدته على إحتماله وقالت له: «أنت متمسّك بعد بكمالك. بارك الله ومت». لكن أيوب لامها وقال لها:
«تتكلمين كلاماً كإحدى الجاهلات. أ الخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل. فى كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه» (أى 2: 10).
● وكانت تجربة أيوب شديدة جداً، حتى أن أصحابه الثلاثة لما سمعوا بالمصائب التى حلّت به، جاءوا إليه، لكنهم من فرط تغير هيئته لم يتعرفوا عليه. ومزقوا ثيابهم وذروا تراباً فوق رؤوسهم، وجلسوا معه على الأرض سبعة أيام وسبع ليال، لم يقدروا أن يعزّوه بكلمة لأنهم رأوا أن كآبته كانت عظيمة جداً (أى 2: 12، 13).
● وزاد من قسوة التجربة أن أصدقاء أيوب الثلاثة الذين أتوا ليعزّوه، أخذوا يستسذنبوه، بمعنى أنهم حسبوا كل ما حلّ به هى نتيجة خطاياه وذنوبه (أى 32: 3)، حتى أن أحدهم وهو اليفاز التيمانى قال له: «أذكر مَنْ هلك وهو برئ، وأين أبيد المستقيمون. كما قد رأيت أن الحارثين إثماً والزارعين شقاوة يحصدونها» (أى 4: 7، 8).
● وقساوة التجربة وشدتها أخذ أيوب يبرر ذاته
حتى قال: «كامل أنا» (أى 9: 21) ولذلك كفّ أصحاب أيوب الثلاثة عن مجاوبته «لكونه باراً فى عينى نفسه» (أى 32: 1). وحمى غضب اليهو بن برَخيئل البوزى على أيوب «لأنه حسب نفسه أبرّ من الله» (أى 32: 2).
● وإن كان أيوب من شدة وطأة التجربة والألم قد نسب البرّ لذاته، لكن ذلك لم يمنع أنه تمحّص فى بوتقة الألم نفسياً وجسدياً، فصحح ما وقع فيه من خطأ، فنجده يقول عن الله:
«لأنه يعرف طريقى إذا جرّبنى أخرج كالذهب. بخطواته استَمْسكتْ رجلى. حفظت طريقه ولم أجِدْ» (أى 23: 10، 11)... وأحسّ بقوة الله فنجده يقول: «الله قد أضعف قلبى والقدير روّعنى» (أى 23: 16).
● ورغم قساوة التجربة التى إجتازها أيوب، فقد خرج منها ظافراً ومستفيداً،
فيقول فى نهاية تجربته: «ها أنا حقير، فماذا أجاوبك. وضعت يدى على فمى» (أى 40: 4)... «قد علمت أنك تستطيع كل شئ ولا يعسر عليك أمر... قد نطقت بما لم أفهم. بعجائب فوقى لم أعرفها... بسمع الأذن قد سمعُت عنك والآن رأتك عينى. لذلك أرفضُ وأندم فى التراب والرماد» (أى 42: 2 - 6).
● لقد نجح أيوب فى هذه التجارب التى سمح بها الله، واحتمل آلام الجسد والنفس التى تمثلت فى تعييرات أصحابه له. لذلك يأمرهم الله أن يطلبوا إلى أيوب أن يشفع فيهم...
«إذهبوا إلى عبدى أيوب... وعبدى أيوب يصلى من أجلكم لأنى أرفع وجهه لئلا أصنع معكم حسب حماقتكم، لأنكم لم تقولوا فىَّ الصواب كعبدى أيوب» (أى 42: 8).
[Place Image #08 here].
2 - ارميا النبى:
● وهو أحد نماذج الأبرار فى إحتمال الآلام النفسية.
● ولد ارميا نحو منتصف القرن السابع قبل الميلاد فى قرية صغيرة تدعى عناثوث على بُعد ستة كيلو مترات من أورشليم. نشأ فى أسرة كهنوتية، فشب على التقوى... ومن فرط ما واجهه ارميا وما احتمله يسمى بالنبى الباكى أو رجل الألم... عاش ارميا فى فترة بالغة الحساسية فى تاريخ الأمة اليهودية. فعلى الرغم من أنه عاش فى الفترة التى تلت إنقاذ الرب لأورشليم من يد سنحاريب ملك آشور (إش 37: 36)، إلاَّ أن الشعب تعالى معتمداً على برّ ذاتى زائف وكاذب، وفى وثوق أنهم لن يُسبَوا إلى بابل!!
● لكن ارميا كان رجل الله، وكان نبياً صريحاً وجريئاً. لذلك كثيراص ما وبّخ الشعب على خطاياهم وُينبئهم بقصاص الله المزمع أن يحل بهم على أيدى البابليين. وكان مثل هذا الكلام سبباً فى إتهامه بالخيانة، معتبرينه مثبطاً للهمم... ولذا فقد تعرض ارميا لمتاعب واضطهادات من الملوك والكهنة والشعب والأنبياء الكذبة...
● الملوك:
كانوا يلّحون عليه أحياناً أن يعلن لهم عن الأمور المستقبلية. لكن حينما كان يصارحهم،.
كانت صراحته تجلب عليه المصائب، لأنه ما كان يتنبأ بنبوات تسرّ قلوبهم وتأتى على مرامهم...
فى إحدى المرات أستدعاه الملك صِدقيّا إلى بيته سراً وقال له: «هل توجد كلمة من قبل الرب. فقال أرميا توجد... إنك تُدفع ليد ملك بابل». ثم قال ارميا للملك: «ما هى خطيتى إليك وإلى عبيدك وإلى هذا الشعب حتى جعلتمونى فى بيت السجن». فأمر الملك صدقياً أن يضعوا ارميا فى دار السجن (أر 37: 17 - 21).
● وحدث أن ارميا أنبأ الشعب بما هو عتيد أن يحل بأورشليم وبالشعب من ويلات وأن المدينة ستسقط فى يد ملك بابل... فقال الرؤساء للملك: «ليقتل هذا الرجل لأنه بذلك يُضعف أيادى رجال الحرب الباقيين فى هذه المدينة، وأيادى كل الشعب... هذا الرجل لا يطلب السلام لهذا الشعب بل الشر». وكانت النتيجة أن الملك صدقيا صرح للشعب بأن يفعلوا بارميا ما يريدون فأخذوه وألقوه فى جب ودلّوه بحبال ولم يكن فى الجب ماءً بل وحل. فغاص ارميا فى الوحل (إر 38: 1 - 6).
● الكهنة:
وكمثال لمضهديه من الكهنة فشحور بن إميّر الكاهن ناظر أول فى بيت الرب... هذا الكاهن ما أن سمع ارميا يتنبأ بالويلات للشعب حتى ضربه وجعله فى المقطرة (إر 20: 1)...
فتبنأ ارميا ضده وكل أهل بيته بأنهم سيذهبوا إلى السبى فى بابل، وأنه سيموت ويدفن هناك هو وكل محبيه الذين تنبأ لهم بالكذب (إر 20: 6).
● الشعب:
ولعل أكبر مثال لمتاعب الشعب كانوا أهل مدينته عناثوث الذين كانوا فى مقدمة مَن عاندوه وقاوموه وكانوا يطلبون نفسه،
فتنبأ عليهم بأن الله يعاقبهم بموت شبابهم بالسيف، وبنوهم وبناتهم بالجوع، ولا تكون لهم بقية (إر 11: 21، 22).
● الأنبياء الكذبة:
وهؤلاء كانوا يتنبأون بما يوافق أهواء الملوك والكهنة والشعب... هؤلاء قال فيهم الرب:
«بالكذب يتنبأ الأنبياء باسمى. لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم. برؤيا كاذبة وعرافة وباطل ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم... » (إر 14: 14).
« وكان لما فرغ ارميا من التكلم بكل ما أوصاه الرب أن يكلّم كل الشعب به أن الكهنة والأنبياء وكل الشعب أمسكوه قائلين تموت موتاً» (إر 26: 8).
● كان ارميا مثالاً للإنسان الذى يتألم لأجل الحق. وقد ظُلم لا لذنب أتاه سوى أنه بأمانة أبلغ كلمة الرب كنبى صادق...
ومن العجيب أنه فى الوقت الذى لاقى فيه كل عنت من بنى جنسه سواء الملك أو الكهنة أو الشعب، فإن نبوخذنصر وعبيده الوثنيين أظهروا كل إكرام لارميا. ومع ذلك فقد رفض ان يذهب إلى بابل حيث كان من المحقق أن يجد هناك كل راحة وإكرام، مفضلاً أن يُذَل مع شعبه الذين بقوا فى أرض يهوذا... رفضوا تحذيراته وعاملوه أسوأ معاملة وحملوه إلى مصر...
أما نهاية حياته فيُظن أنه مات شهيداً إذ رجمه شعبه اليهود فى مصر وذلك حسب التقليد اليهودى.
ولعل الإشارة التى أوردها القديس بولس فى رسالته إلى العبرانيين تخصه: « وآخرون تجربوا فى هزء وجلد، ثم فى قيود أيضاً وحبس. رجموا... وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم» (عب 11: 36 - 38).
[Place Image #09 here].
3 - بولس الرسول:
● يعتبر بولس بحق أكثر مَنْ تعب من الرسل سواء فى أعمال الكرازة أو فى الآلام التى إحتملها فى سبيلها «أنا تعبت أكثرمنهم جميعهم.
ولكن لا أنا بل نعمة الله التى معى» (1كو 15: 10). وعلى الرغم من أنه أكثر رسولا من رسل المسيح، لدينا عنه معلومات، سواء مما كتبه القديس لوقا فى سفر أعمال الرسل أو ما جاء بالرسائل الأربع عشر التى كتبها بولس نفسه، ومع ذلك فنحن نجهل الكثير جداً عن أتعابه فى الكرازة مما يشير إليه هو فى الأصحاح الحادى عشر من رسالته إلى أهل كورنثوس كما سوف يأتى الكلام.
● بعد ثلاث سنوات من إيمانه – أى من سنة 40م تقريباً إلى وقت إستشهاده فى سنة 67 أو سنة 68م قام بولس بثلاث رحلات تبشيرية كبيرة إلى جانب بعض رحلات صغيرة أخرى، وأمضى أكثر من أربع سنوات أسيراً فى قيصرية روما.
● بعد إهتدائه للمسيحية بدا يخدم بغيرة كبيرة فى دمشق مبشراً بالرب يسوع، فى نفس المكان الذى اقتبل فيه الإيمان ودعى للخدمة...
أثار نشاطه الكرازى وخدمته حفيظة اليهود حتى أنهم استعدوا عليه الحارث والى دمشق، الذى شدّد فى حراسة أبواب المدينة بقصدّ القبض علي. لكن المؤمنين دبروا أمر هروبه بان دلّوه فى زنبيل من طاقة فى سور المدينة (أع 9: 25؛ 2كو 11: 32، 33).
● فى رحلته التبشيرية الأولى حرّض اليهود الوثنيين فى مدينة لسترة فحاولوا قتله رجماً بالحجارة، ولكنه نجا من الموت وتمكن من الهرب... فى رحلته التبشيرية الثانية التى بشر فيها بلاد اليونان سجن فى مدينة فيلبى بعد أن كرز فيها بنجاح. لكن أبواب السجن فتحت بطريقة معجزية وكان ذلك سبباً فى إيمان حافظ السجن هو وأهل بيته.
● وفى ربيع سنة 58م ذهب إلى مدينة أورشليم لآخر مرة حاملاً معه إلى فقرائها تقدمات كنائس الأمم. لكن اليهود المتعصبين دبروا ثورة ضده واتهموه هيكلهم بادخال يونانيين إليه. وجرّوه خارج الهيكل واوسعوه ضرباً بقصد قتله، وحتى لا يدنسوا الهيكل بدمه. كانوا سيقتلونه لا محالة لولا أن ليسياس ضابط رومانى تدخل وأنقذه من أيديهم.
وقد نذر أكثر من أربعين يهودياً صوماً إنقطاعياً غير محدد، ينتهى بقتل بولس.
أى أنهم تعاهدوا ألاَّ يأكلوا أو يشربوا إلاَّ بعد قتله (أع 23: 12). ثم أرسله الضابط الرومانى ليسياس إلى فيلكس الوالى الرومانى فى قيصرية تحت حراسة مشددة. وقد مثل بولس أمامه ثم أمام الوالى فستوس الذى خلفه. وبقى أسيراً فى قيصرية لمدة سنتين (58 – 60م) فى إنتظار المحاكمة. وطلب بولس من الوالى فستوس كمواطن رومانى أن يحاكم أمام محكمة قيصر. فوافق الوالى على ذلك وأرسله فى حراسة إلى روما.
● وفى رحلته إلى روما تحطمت السفينة التى كان فيها بفعل العواصف... وأخيراً وصل إلى روما وأمضى بها سنتين فى إنتظار الفصل فى قضيته وكانت إقامته محددة فى تلك الفترة. ثم أطلق سراحه لبعض الوقت ثم أعيد القبض عليه. ووضع فى هذه المرة تحت حراسة مشدّدة. وفى أسره الثانى هذا والأخير فى مدينة روما، كتب بولس آخر رسائله وهى الرسالة الثانية إلى تيموثاوس، ويختمها بصيحة الإنتصار حينما كان يُسكب سكيباً ووقت إنحلاله يقترب «قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعى وحفظت الإيمان، وأخيراً وضع لى إكليل البر الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل» (2تى 4: 6 - 8).
● ومما دونه بولس فى رسالته الثانية إلى كورنثوس تتكشف أمامنا بعض أتعابه وآلامه
التى لم تذكر لا فى أعمال الرسل ولا فى رسائله، والتى اضطر بولس أن يذكرها فى معرض دفاعه عن قانونية رسوليته... «فى الأتعاب أكثر. فى الضربات أوفر. فى السجن أكثر. فى الميتات مراراً كثيرة. من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلاَّ واحدة، ثلاث مرات ضربت بالعصى. مرة رجمت. ثلاث مرات إنكسرت بى السفينة. ليلاً ونهاراً قضيت فى العمق. بأسفار مراراً كثيرة. بأخطار سيول. بأخطار لصوص. بأخطار من جنسى. بأخطار من الأمم. بأخطار فى المدينة. بأخطار فى البرية بأخطار فى البحر. بأخطارمن إخوة كذبة. فى تعب وكد. فى أسهار مراراً كثيرة. فى جوع وعطش. فى أصوام مراراً كثيرة. فى برد وعرى... الله أبو ربنا يسوع المسيح الذى هو مبارك إلى الأبد يعلم أنى لست أكذب» (2كو 11: 23 - 31)... وباستثناء ما ذكره بولس عن رجمه. فنحن نجهل معظم ما يشير إليه فى كلامه السابق... وعلى الرغم من كل هذه الآلام والأتعاب نجده يقول: « ولكننا فى هذه جميعها يعظم إنتصارنا بالذى أحبنا» (رو 8: 37).
4 - القديس مقاريوس الكبير:
● نموذج لاحتمال الافتراءات الكاذبة...
● حدث أن القديس مقاريوس فى بداية توحّده، ان بتولاً قريبة من المكان الذى كان يقيم فيه، سقطت فى خطية زنا مع شاب وحملت... ولما بدأت أعراض الحمل تظهر عليها، سئلت عمَن فعل معها هذا الفعل الشائن، فأجابت «المتوحد»، تقصد القديس مقاريوس (أبو مقار)... وسرعان ما خرج الناس إليه وساقوه فى هزء شديد إلى الضيعة حيث كانت تقيم الفتاة. وهناك شهرّوا به بوسائل صعبة وهم يطوفون به شوارع تلك الضيعة. وكان يضربونه قائلين: "إن هذا الراهب أفسد عفة ابنتنا البتول"... فتجمع عليه الناس وضربوه ضرباً مبرحاً حتى شارف على الموت... وفى أثناء ذلك جاء أحد الشيوخ فقال لهم: [إلى متى هذه الإهانة. أما يكفيه كل ذلك خجلاً؟] فكانوا يشتموه قائلين: "ها هو المتوحد الذى شهدت له بالفضل انظر ماذا فعل؟". أخيراً قال والدها: "لن نطلقه حتى يأتينا بضامن بأنه يتعهد بالانفاق عليها"... فقال الشيخ: [الخادمى أن يضمننى]. فضمنه خادمه، وعاد أبو مقار إلى قلايته...
● ودفع أبو مقار القفف التى كان قد صنعها بقلايته إلى خادمه، وقال له: [بعها وادفع ثمنها لامرأتى لتأكل بها]... وكانت يتعب نفسه فى العمل اليدوى وهو يخاطب نفسه: [كدّ يا مقارة ها قد صارت لك امرأة]. فكان يشتغل ليلاً ونهاراً ليقوم بالإنفاق عليها...
● ولما حان وقت ولادة الجنين، تعسّرت جداً ومكثت أياماً وهى معذبة وما استطاعت أن تلد. فسألوها ما هو هذا؟ فبدأت تعترف وقالت لمَنْ حولها إن كل ما أصابها كان بسبب ظلمها المتوحد واتهامه وهو برئ، لأنه ما فعل بها شراً. لكن فلان الشاب هو الذى أخطأ معى... فأسرع خادم أبو مقار مسروراً يبلغه ما حدث... فخرج أهل القرية جميعاً قاصدين أبو مقار ليعتذروا عما كان منهم ويسألونه الصفح والمغفرة... فلما سمع أبو مقار ذلك وأن الناس مقبلين إليه أسرع وهرب إلى الاسقيط وكان هذا الحادث هو سبب سكناه فى الإسقيط.
[Place Image #10 here].
5 - الشهيدة فبرونيا:
● وهى نموذج لاحتمال الآلام من أجل العفة والطهارة...
● فى أثناء الاضطرابات التى عمت مصر كلها سنة 749م، بسبب فرار مروان بن محمد آخر الخلفاء الأموريين إلى الوجه القبلى، أمام أبى العباس، حدث أن جنود مروان دخلوا ديراً للعذارى قرب أخميم... وبعد عن نهبوه، أرادوا إغتصاب عذراء صغيرة تدعى فبرونيا، فتنوا بجمالها. وإذا وجدت فبرونيا نفسها بين أيدى هؤلاء الجنود الشرسين، طلبت منهم مهلة قصيرة، ودخلت إلى قلايتها، وألقت بذاتها بين يدى الله باكية، وطالبة أن يخلّصها من الدنس... وسرعان ما خرجت إلى هؤلاء الجنود بحيلة...
توسلت إليهم أن يتركوها لعبادتها، مقابل جميل تسديه إليهم، تعلمته من أسلافها...
أما هذا الجميل فكان زيتاً تقتنيه فيه سراً، بحيث إذا دهن به أى جزء من الجسم، فلا تعمل فيه السيوف. ولكى تبرهن لهم على صدق كلامها، دهنت عنقها بهذا الزيت، وطلبت أن يهوى أقواهم بسيفه على عنقها حتى يتأكدون من صدق كلامها...
وما أن فعل ذلك حتى إنفصل رأس العذراء العفيفة عن جسدها...
أما الجند فاعتراهم خوف شديد، وأسرعوا بمغادرة الدير، بعد أن تركوا كل ما كانوا قد نهبوه... كان الموت بالنسبة لهؤلاء القديسين أخف من الدنس...
6 - الشهيد يعقوب المقطّع:
● وهو نموذج لاحتمال الألم من أجل الإيمان...
يعقوب الفارسى الشهير باسم المقطع لأنهم قطعوا كل أعضائه، كان من أسرة شريفة، مقرباً من يزدجّرد ملك الفرس، الذى أثار اضطهاداً شديداً ضد المسيحيين لأن أحد أساقفتهم أحرق معبداً للشمس.
وفى هذا الاضطهاد أنكر يعقوب إيمانه المسيحى
إلى عبادة الشمس تقرباً من الملك... ولما نما خبر إنكاره للإيمان إلى أمه وزوجته، كتبتا إليه رسالة توبيخ شديدة لايقاظ ضميره. كما أخبرتاه أنه إذا استمر فى عبادة الشمس فهما يتبرآن منه.
● وجاءت هذه الرسالة بالفائدة المرجوة، فاستيقظ ضميره واستحوذ عليه خوف الله.
وأخذ فى قراءة الكتاب المقدس. وكلما كان يزداد فى قراءته كانت تزداد مرارته وندمه... كُشف أمر مطالعته للكتاب المقدس لبعض المجوس من عبّاد الشمس،.
فأبلغوا الملك ورهاران الخامس الذى خلف أباه يزدجر فاستحضره أمامه وسأله: "أأنت نصرانى؟" أجابه: [نعم أنا نصرانى]..
وما أن سمع ذلك حتى توعّده بأشد العقاب والعذاب. لكن يعقوب أظهر أمامه ثباتاً عجيباً وقال له: [لا تتعبّن نفسك يا سيدى الملك بكثرة التهديدات والتخويفات التى لا أكترث لها البتة. فإنى كالصخرة الثابتة التى لا تقدر الرياح الشديدة أن تزعزعها].
● وإزاء غضب الملك وغيظه فاجتمع الفقهاء، وتشاوروا فيما بينهم فى أمره، فقام أحدهم وكان شرساً وقال: "رأيى أن لا يموت هذا الكافر ميتة واحدة أو خمس ميتات أو عشر ميتات، بل أن تقطع أصابع يديه ورجليه واحدة بعد واحدة، ثم يداه ورجلاه، ثم ساقاه وذراعاه ثم يُجَزّ رأسه". فاستحسنوا جميعاً رأيه هذا. وساقوا القديس إلى مكان العذاب.
وفى مكان التعذيب طلب يعقوب إلى معذبيه أن يمهلوه قليلاً ريثما يصلى إلى الله الذى من أجله كان مزمعاً أن يتألم... بعدها دار حديث بين معذبيه وبينه بقصد تخويفه والتأثير على حالته المعنوية، لكنه ظل راسخاً فى إيمانه...
● بدأ المعذبون فى قطع أصابع يده اليمنى إبتداء بالإبهام إصبعاً وراء إصبح.
وكان عقب كل إصبع يرفع صلاة من الكتاب المقدس... ثم انتقلوا إلى أصابع يده اليسرى مبتدئين بالخنصر، وفعل كما فعل فى يده اليمنى... وفى خلال عمليات التقطيع كان معذبوه يحاولون تثبيط همته دون جدوى... ثم بدأوا بأصابع القدم اليمنى ثم أصابع القدم اليسرى... ثم قطعوا رجله اليمنى ثمن رجله اليسر. ثم يده اليمنى وبعدها اليسرى، ثم ذراعه اليمنى فاليسرى. ثم قطعوا ساقه اليمنى ثم ساقه اليسرى... ولم يبقى من القديس سوى الرأس والصدر والبطن مطروحاً على الارض مصبوغاً بالدم... حينئذ رفع صلاة إلى الله وقال: [أيها الرب الرحوم الشفوق اسمع صلاتى واقبل طلبتى. ها إنى مطروح وأعضائى مقطعة. ونصفى ملقى لا حراك فيه البتة. ليس لى رجلان أقف عليهما أمامك. ولا يدان أبسطهما قدامك. فاقبل نفسى إليك يا رب]. ثم أكمل صلاته وحالما قال آمين، أسرع واحد من الجلادين وقطع رأسه بالسكيّن، ففاضت روحه إلى إلهه الذى أحبه.
● وكان استشهاده فى سنة 420 أو 422م فى السابع والعشرين من شهر تشرين الثانى (نوفمبر). وتحتفل به كنيستنا فى اليوم السابع والعشرين من شهر هاتور... وإتى المؤمنون وجمعوا أعضاءه المقطعة وكان عددها تسعة وعشرين مع الرأس ووضعوها كلها فى وعاء... بركة صلاة هذا الشهيد العظيم وآلامه فلتكن معنا آمين...
● ونختم هذه السلسلة عن المسيحية والألم بمقولة قالها الأنبا باخوميوس أب الشركة الرهبانية يقول فيها... [تقبّل كل التجارب بفرح عالماً بالمجد الذى يتبعها. فإنك إن تحققت من ذلك فلن تملّ إحتمالها، لدرجة أنك تطلب إلى الله ألاَّ يصرفها عنك]...
إبتهال...
نشكرك أيها الرب إلهنا يا من جعلت من الألم بركة، وجعلته السبيل الموَصل إلى المجد. لقد سلكت أنت طريق الآلام من بيت لحم إلى الجلجثة، أنت المنزّه عن الألم... لكنك احتملته فى الجسد الذى أخذته من الطاهرة مريم. كل ذلك من أجلنا... ما أروع ما قاله عبدك ورسولك بولس... «يسوع نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت، لكى يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد. لأنه لاق بذاك الذى من أجله الكل وبه الكل، وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد، أن يكمّل رئيس خلاصهم بالآلام... لأنه فى ما هو قد تألم مجرَّباً يقدر أن يعين المجربين» (عب 2: 9، 10، 18)... أهّلنا يا إلهنا أن نتشبه بك فى آلامك، لكى نستحق أن نشاركك مجدك... وشددنا فى إحتمال الآلام المختلفة، وقوَّ ضعفنا واسندنا، لكى نشابه قديسيك فنستأهل مجدك... وجرّدنا من محبة العالم والعالميات وحينئذ سنحسب عارك غنى أفضل من كل خزائن الأرض... إذكر العالم المحترق بنار الشهوات واسكب عليه ندى رحمتك، وأعلن ذاتك لمَنْ لم يعرفك ولم يتعامل معك بعد، لكى يعرف أنه ليس بأحد غيرك الخلاص. وليس اسم آخر تحت السماء به ينبغى أن يخلص البشر. ولك كل المجد والكرامة والعظمة يا مِنْ احتملت الآلام عنا.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.