مشجعات لاحتمال الألم
هناك فضائل كثيرة تشجع المؤمن على إحتمال الألم... ويعوزنا الوقت إن أردنا أن نتناول جميع هذه الفضائل. لكننا سنعرض لبعض هذه المشجعات...
1 - التطلع إلى الله فى إحتماله وطول أناته:
● ونلقى نظرة إلى معاملات الله فى العهدين القديم، ثم إلى معاملاته فى شخص الرب يسوع المسيح فى العهد الجديد...
ذاك الذى «تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكى نتبع خطواته» (1بط 2: 21).
(أ) فى العهد القديم:
● دراسة الكتاب المقدس فى عهده القديم يظهر لنا بكل جلاء طول أناة الله فى تعامله مع بنى إسرائيل شعبه المختار، على الرغم من تعامله معهم بشدة فى بعض الأحيان...
منذ البداية أعلن يهوه لموسى أنه: «إله رحيم ورؤوف بطئ الغضب وكثير الإحسان والوفاء. حافظ الإحسان إلى الوف. غافر الإثم والمعصية والخطية»... لكنه مع ذلك، وفى نفس الوقت، يظهر عدله، وأنه لا يسمح بالشر، بل يفتقد ذنوب الآباء فى الأبناء، وفى أبناء الأبناء فى الجيل الثالث والرابع (خر 34: 6، 7 - انظر عد 14: 18).
● وفى الإعلانات اللاحقة يؤكد الله أكثر فأكثر على طول أناته ومحبته الرحيمة، لأنه يعرف جلبتنا، ولذلك فهو بطئ الغضب ومملتئ حباً... (لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازينا حسب آثامنا» (مز 103: 10)... يقول يشوع بن سيراخ عن معاملات الله مع شعبه... «طالت عليهم أناة الرب، وأفاض عليهم رحمته. رأى وعلم أن منقلبهم هائل، فلذلك أكثر من العفو. رحمة الإنسان بقريبه، أما رحمة الرب فلكل ذى جسد. يوبخ ويؤدب ويعلّم، ويرد كالراعى رعيته. يرحم الذين يقبلون تاديبه، ويبادرون إلى العمل بأحكامه» (سى 18: 8 - 14).
● وعلى الرغم من أن موضوع غضب الله وقصاصه لا يختفيان تماماً من أسفار العهد القديم لكنه يعلن بفم بعض أنبيائه عن غفرانه الإلهى... ففى بعض المواضع من العهد القديم يظهر الله أنه مستعد للصفح والغفران... فيقول مثلاً بلسان يوئيل النبى: «الآن يقول الرب إرجعوا إلىَّ بكل قلوبكم، وبالصوم والبكاء والنوح. ومزّقوا قلوبكم لا ثيابكم، وارجعوا إلى الرب إلهكم، لأنه رؤوف رحيم بطئ الغضب وكثير الرأفة ويندم على الشر» (يوئيل 2: 13)... كما يقول يونان النبى بعد أن قبل الله توبة أهل نينوى: «لأنى علمت أنك إله رؤوف ورحيم بطئ الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر» (يونان 4: 2).
(ب) فى العهد الجديد:
● وإذا إنتقلنا من العهد القديم إلى العهد الجديد. نجد أن.
الرب يسوع باتجاهه نحو الخطاة ومحبته لهم، التى تظهر فى مجالستهم ومؤاكلتهم ودخوله إلى بيوتهم وحنوّه عليهم، يُجسّم صبر الله وطول أناته...
● وعلى سبيل المثال نراه فى إحدى المرات يوبخ تلاميذه لعدم تحلّيهم بالصبر... فحينما رفض السامريون قبول المسيح فى إحدى قراهم، تحمسّ تلميذاه يعقوب ويوحنا وطلبا إليه أن يأذن لهما أن يطلبا لكى تنزل نار من السماء وتفنيهم... لكن المسيح ينتهرهما ويقول لهما: «لستما تعلمان من أى روح أنتما لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليهلك أنفس الناس بل ليخلّص» (لو 9: 51 - 56).
● وفى مثل شجرة التين غير المثمرة لمدة ثلاث سنين،
أراد صاحبها أن يقطعها ولكنه إستجاب للكرّام أن يتركها سنة أخرى لينقُبْ حولها ويضع زبلاً بعلّها تأتى بثمر، وإلاّ ففيما بعد يقطعها (لو 13: 6 - 9)... ويصل الرب يسوع إلى قمة محبته للخطاة فى مثل الابن الضال (لو 15)... وكذلك نرى حنوه فى مثل العبد غير الرحيم الذى كان مديوناً بعشرة آلاف وزنة وسامحه سيده، ورفض هو أن يسامح عبداً آخر زميله كان مديوناً له بمائة دينار (مت 23: 35).
● ونرى تعاطف الرب يسوع مع الخطاة
من أجل توبتهم فى أسلوب تعامله مع المرأة السامرية (يو 4)، وزكا (لو 19)، والمرأة التى أمسكت فى ذات فعل الزنا (يو 8)... هذه وغيرها هى مجرد إعلانات عن طول أناة الله الذى يريد خلاص الخطاة... وصبر السيد المسيح فى آلامه هى نموذج لصبر البشر الرازحين تحت الآلام والاضطهادات، الذين بدأوا يفهمون القيمة الحقيقية لآلامهم...
● لقد رأى المؤمنون فى تأخير مجئ المسيح الثانى شيئاً غيرمتوقعاً حسبما فهموا، لذا قال لهم بطرس الرسول: «لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطوء لكنه يتأنىّ علينا، وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلى التوبة... احسبوا أناة ربنا خلاصاً» (2بط 3: 9، 15)... لكن إذا أساء إنسان فهم طول أناة الله واستعلان دينونة الله العالدة (رو 2: 5)...
ونذكر فى هذا المقام ما قاله القديس بولس عن السيد المسيح فى الرسالة إلى العبرانيين: «ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذى من أجل السرور الموضوع أمامه إحتمل الصليب مستهيناً بالخزى فجلس فى يمين عرش الله. فتفكروا فى الذى إحتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا تكلّوا وتخوروا فى نفوسكم» (عب 12: 2، 3).
2 - الصَبْر:
فى بداية حديثنا عن الصبر كمشجّع لاحتمال الآلام، نتطلع إلى صبر السيد المسيح الذى يشير إليه القديس بولس، ويكتب إلى أهل تسالونيكى: « والرب يهدى قلوبكم إلى محبة الله وإلى صبر المسيح» (2تس 3: 5)...
منذ البداية صبر الرب يسوع على هيرودس الطاغية الذى أراد قتله طفلاً، وهرب من أمامه، على الرغم من أن حياته كانت بيده... وصبر على رؤساء الكهنة اليهود وطوائف اليهود الدينية وفى مقدمتهم الكتبة والفريسيون... إحتمل رياءهم وجبنهم وشرهم. وصبر على مَن تطاولوا عليه واتهموه إتهامات كاذبة، وإنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين... وصبر على الذين نزعوا عنه صفة الألوهية وجدفوا عليه. وصبر على يهوذا تلميذه الذى خانه. وصبر على بطرس تلميذه الذى أنكره. وصبر على تلاميذه الذين تركوه وهربوا. وصبر على الذين إتهموه أنه ليس من الله لأنه يكسر السبت. وصبر على عبد رئيس الكهنة الذى لطمه. وصبر على كل الآلام الأدبية والجسدية... وبالجملة فقد صبر على المقاومين والمضطهدين له ولكنيسته وأولاده ومعذبيهم وسافكى كمائهم...
يقول القديس أغسطينوس: [أنت يا مَن تحبه نفسى بشّرنى وعلمنى. وماذا تعلّمنى أيها المعلق على الصليب؟ يا مَن لم تشأ أن تنزل عنه. لقد علمتنى كيف تصبر على المجدفين عليك، وكيف أكون قوياً فيك. لما أهانك اليهود وقالوا لك وأنت معلّق على الصليب: إن كنت ابن الله فانزل عن صليبك، لم تنزل عنه بل شئت أن تموت عليه. وهل نزولك عن الصليب يُعَدَ عظيماً أمام قيامتك من القبر. ولكن بما أنك تعلّم الصبر، فقد أرجأت استخدام القوة...].
ماذا قال المسيح عن تعليمه عن الصبر؟
حينما أرسل الرب يسوع تلاميذه الاثنى عشر فى إرسالية تدريبية، زودهم بنصائح عملية، وضمن ما قاله لهم: « وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمى.
ولكن الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص» (مت 10: 22)...
وعاد وكرر نفس هذه العبارة فى حديثه عن علامات نهاية العالم (مت 24: 13؛ مر 13: 13)... وأوردها لوقا الإنجيلى بصيغة أخرى فيقول:
«بصبركم إقتنوا أنفسكم» (لو 21: 19)...
ويقول ربنا يسوع المسيح فى سفر الرؤيا إلى ملاك كنيسة أفسس: «أناعارف أعمالك وتعبك وصبرك» (رؤ 2: 2). وهنا نلاحظ أن الصبر هو الذى يتوّج الأعمال والتعب!! كما يقول لملاك كنيسة فيلادلفيا: «لأنك حفظت كلمة صبرى أنا أيضاً سأحفظك من ساعة التجربة العتيدة أن تأتى على العالم كله لتجرّب الساكنين على الأرض» (رؤ 3: 10).
هنا يكشف لنا المسيح عن بركة الصبر وفعاليتها...
بل إن يوحنا الرسول الذى أعلنت له الرؤيا ودوّنها لنا، يذكر تعبيداً عجيباً حينما يقول فى بداية الرؤيا: «أنا يوحنا أخوكم وشريككم فى الضيقة، وفى ملكوت يسوع المسيح وصبره» (رؤ 1: 9)... ماذا يعنى هذا التعبير: «ملكوت يسوع المسيح وصبره»؟ إن كلمة صبره هنا إضافة للملكوت. وكأن الصبر هنا يعنى الكثير، وكأن الملكوت لا يُنال إلاَّ بالصبر!!... وبولس فى رسالته إلى أهل رومية يدعو الله: «إله الصبر والتعزية»... «لأن كل ما سبق فكّتب كُتب لأجل تعليمنا حتى بالصبر والتعزية بما فى الكتب يكون لنا رجاء. وليُعطم إله الصبر والتعزية أن تهتموا إهتماماً واحداً فيما بينكم بحسب المسيح يسوع» (رو 15: 4، 5)... والسيد المسيح فى مثل الزارع الذى فسرّه بنفسه « والذى (الزرع) فى الأرض الجيدة هو الذى يسمعون الكلمة فيحفظونها فى قلب جيد صالح ويثمرون بالصبر» (لو 8: 15)... وفى الرؤيا التى أعلنت ليوحنا ترد عبارة «صبر القديسين» مرتين فى (رؤ 13: 10؛ 14: 12) تعبيراً عن النفوس التى إحتملت الآلام حتى الاستشهاد.
يقول القديس أغسطينوس:
[لقد علّمنا السيد المسيح الصبر الحقيقى فى مثل الزوان والحنطة حينما قال السيد لعبيده الذين تأثروا من ظهور الزوان مع الحنطة، وأرادوا أن يجمعوه: «دعوهما ينميان معاً إلى وقت الحصاد» (مت 13: 3)]... كما يقول: [لقد أعطى السيد المسيح هو نفسه مثلاً فى هذا الصبر حين تحمّل قبيل آلامه التلميذ الخائن يهوذا من قبل أن يكتشفه خائناً، وقبل تجربة الوثاقات والصليب والموت لم يرفض قبلة السلام الغاشة من شفتيه الماكرتين].
إن الصبر يؤهل الإنسان المؤمن للمجد الابدى...
يقول القديس بولس إلى العبرانيين: «لأنكم تحتاجون إلى الصبر حتى إذا صنعتم مشيئة الله تنالون الموعد» (عب 10: 36). ويقول فى رسالته الثانية إلى تيموثاوس... «لأجل ذلك أنا أصبر على كل شئ لأجل المختارين لكى يحصلوا هم أيضاً على الخلاص الذى فى المسيح يسوع مع مجدٍ أبدى. صادقة هى الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه. إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه» (2تى: 10 - 12)...
والصبر كفضيلة يزكىّ الإنسان أمام الله.
لذا يقول بولس الرسول: «نفتخر أيضاً فى الضيقات عالمين أن الضيق ينشئ صبراً والصبر تزكية والتزكية رجاءً والرجاء لا يخزى» (رو 5: 3 - 5).
يقول القديس مارافرام السريانى: [مَن لا صبر له على الأحزان هو كبناء لا أساس له]... ويقول القديس أغسطينوس: [إن الصبر الحقيقى الذى يستحق اسم فضيلة هو الذى يجعلنا نتحمل الأذى بهدوء خوفاً من أن نخسر بالإثم الخيرات التى بها نبلغ إلى ما هو أسمى منها... وعديم الصبر الذى يرفض أن يتحمل الضيق لا ينجيه عدم صبره من الضيقات التى تحلّ به، بل يزيدها وطأة عليه].
علاقة الصبر بالفضائل:
يقول القديس بطرس فى رسالته: «لأن هذا فضل إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزاناً متألماً بالظلم. لأنه أى مجد هو إن كنتم تلطمون مخطئين فتصبرون. بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون فهذا فضل عند الله. لأنكم لهذا دعيتم» (1بط 2: 19 - 21). ويقول معلمنا القديس بولس الرسول عن.
علاقة الصبر بالرجاء: « ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر» (رو 8: 25)،
كما يقول لأهل تسالونيكى: «متذكرين بلا إنقطاع إيمانكم وتعب محبتكم وصبر رجاءكم» (1تس 1: 3)...
وعن علاقة الصبر بالإيمان يقول القديس بولس: «إننا نحن أنفسنا نفتخر بكم فى كنائس الله من أجل صبركم وإيمانكم فى جميع إضطهاداتكم والضيقات التى تحتملونها بيّنة على قضاء الله العادل أنكم تؤهلون لملكوت الله، الذى لأجله تتألمون أيضاً» (2تى 1: 4، 5). وعن علاقة الصبر بالخدمة يقول معلمنا بولس: «فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله فى صبر كثير، فى شدائد، فى ضرورات، فى ضيقات» (2كو 6: 4). كما يقول فى رسالته إلى العبرانيين: «لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة، ولنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا» (عب 12: 1).
وعن علاقة الصبر بالفضائل الأخرى يقول معلمنا بولس:
«متقوّين بكل قوة بحسب قدرة مجده لكل صبر وطول أناة بفرح» (كو 1: 11)... وفى رسالته إلى تيموثاوس يقول: « وأما أنت يا إنسان الله فاهرب من هذا واتبع البرّ والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة» (1تى 6: 11)... « وأما أنت فقد تبعت تعليمى وسيرتى وقصدى وإيمانى وأناتى ومحبتى وصبرى وإضطهاداتى وآلامى» (2تى 3: 10، 11)... ويقول القديس بطرس فى رسالته الثانية: « ولهذا عينه وأنتم باذلون كل إجتهاد، قدّموا فى إيمانكم فضيلة. وفى الفضيلة معرفة. وفى المعرفة تعففاً. وفى التعفف صبراً. وفى الصبر تقوى» (2بط 1: 5، 6)... ويصل الصبر إلى ذروة عالية فيما كتبه يعقوب الرسول: «عالمين أن إمتحان إيمانكم ينشئ صبراً. وأما الصبر فليكن له عمل تام، لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين فى شئ» (يع 1: 3، 4)... عجيبة كلمات يعقوب الرسول هذه: «الصبر له عمل تام»!!... كما يقول أيضاً: «ها نحن نطوّب الصابرين. قد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب» (يع 5: 11)... من أجل هذا يصلى الكاهن فى تحليل الكهنة بعد صلاة نصف الليل: «ثبت فينا الصبر والرجاء والمحبة والإيمان الارثوذكسى». ونلاحظ هنا أن الصبر تقدمه الكنيسة عن فضائل المسيحية الثلاث الكبرى.
يقول القديس أغسطينوس عن الصبر كمشجع لاحتمال الآلام:
[اصغ إلى ما فى الكتب المقدسة من وصايا فى الصبر: يا بنىَّ إن أقبلت لخدمة الرب الإله فاثبت على البرّ والتقوى واعدّ نفسك للتجربة. ارشد قلبك واحتمل. امل أذنك واقبل أقوال العقل ولا تعجل وقت النوائب. انتظر بصبرما تنتظر من الله. لازمه ولا ترتد لكى تزداد حياة فى أواخرك. مهما أصابك فاقبله وكن صابراً على حروف اتضاعك، فغن الذهب يمّحص فى النار، والمرضيين من الناس يمحصون فى أتون الاتضاع (سيراخ 2: 1 - 5)].
3 - الحب:
لا شك أن محبة الإنسان لله مشجّع قوى من مشجعات إحتماله للألم...
وقد سبق أن عالجنا هذه النقطة فى الموضوع الثالث من هذه السلسلة تحت عنوان «المحبة إعداد للألم»... واستعرضنا فى ذلك الموضوع عدة نقاط: «محبة المسيح وآلامه»، «صلة المحبة بالألم». وتحت هذا العنوان تكلمنا عن ثلاث جزئيات: «الألم عن حب شركة مع المسيح الذى تألم ويتألم» و«الألم عن حب شهادة للمسيح وسط العالم» و«المحبة تزيد طاقة المؤمن فى إحتمال الآلام». لذا سوف لا نتناول فى موضوع هذا المساء محبة الإنسان كمشجع لاحتمال الألم، إكتفاء بما سبق أن ذكرنا وإنما نضيف قليلاً...
يقول القديس بولس فى اصحاحه الرائع عن المحبة فى رسالته الأولى إلى كورنثوس، أنها «تصبر على كل شئ» (1كو 13: 7)... نعم المحبة الكاملة تصبر على كل شئ... يقول القديس أغسطينوس: [لا صبر حقيقى من دون محبة، لأن محبة الله فى الصالحين تحتمل كل شئ، كالشهوة العالمية فى الأشرار. إن مَنْ يعطينا المحبة هو عينه يهبنا الصبر... لا يجوز أن يخامرنا أدنى شك بأن محبة مَنْ يحبون بقداسة، وصبر، مَنْ يحتملون بتقوى، هما عطية من الله].
كما يقول القديس أغسطينوس: [المحبة تصبر فى الشدة،
وتتّسم بالاعتدال فى الأزدهار... كثيرون تعلموا كيف يقدمون الخد الآخر، ولكنهم لم يتعلموا كيف يحبون ضاربيهم... اللهم الهمنى المحبة فأعلم الوداعة. واعطنى الصبر فأعلم النظام. وانر عقلى فاعلم المعرفة... كلما ازدادت المحبة كلما هان التعب].
ويقول الشهيد كبريانوس أسقف قرطاجنة:
[كن مسروراً بكل ما يعمله الرب معك. إن كنت تحبه لأجل ذاته فإنك ستكون سعيداً أن تجده على الجلجثة كما على جبل التجلّى... لا تنظر إليه فى إيهما وتختبئ منه فى الأخرى. لا تفرح إذا لاطفك وتهرب من الصلب، ولا حينما يأتى الصلب تبحث عن إنسان ما ليعزّيك. ليس عزاء فى أى مكان آخر، إلاَّ فى نفس الشئ الذى يرسله الله. من المستحيل أن نحب الله دون الطريقة التى يتبعها معنا. إن الله يعطينا ما يرى أنه الأفضل. وما يعطينا إياه إنما هو من يده].
4 - الاتضاع:
ليس من شك فى أن الاتضاع مشجّع قوى من مشجعات إحتمال الألم...
يقول القديس اغسطينوس: [إن الاتضاع يجتذب الله إليه. مع أنه تعال عالٍ، فإن اتضعت فهو يتنازل إليك. وإن تكبرت فإنه يبتعد نائياً عنك]. ومعنى كلام أغسطينوس أن الله يكون قريباً من المتألمين المتضعين...
الإنسان المتكبر دائم الشكوى، متبرم من الحياة. يشعر أنه مظلوم وحقه مهضوم، والناس لا يقدرونه حق قدره... وعلى العكس من ذلك فإن الإنسان المتواضع الذى يعرف نقائصه، ويصبر على ما يأتى عليه من البلايا، وينسب إلى ذاته اللوم فى كل شئ، ولا يقيم وزناً لتقدير الناس له، لأنه يهدف إلى إرضاء الله، ولسان حاله ما قاله ميخا النبى:
« ولكنى أراقب الرب. أصبر لإله خلاصى... واحتمل غضب الرب لأنى أخطأت إليه» (مى 7: 7، 9).
هكذا نرى أن الاتضاع يدرّبنا على الصبر والاحتمال... ويقول يشوع بن سيراخ: «يا بنى إذا تقدمت لخدمة الرب. اعدد نفسك للتجربة، وضع قلبك واحتمل... إلتصق بالله وكن صبوراً... كل ما أتاك فاقبله، واصبر على الوجع. وفى إتضاعك كن صبوراً» (سى 2: 1 - 4).
يقول القديس أغسطينوس: [إنه لعدل لنا نحن الذين حرمنا من سعادة الفردوس الأولى بسبب خطايانا وميولنا الشهوانية الوقحة، أن نعود إليه بفضل صبرنا على الشدائد وتواضعنا...]...
كما يقول أيضاً: [نعمل الشر فنهرب ونحتمل الضيق فنعود. فى ذاك نقاوم البرّ، وفى هذا نصبر فى سبيل البرّ]...
[إن صبر الاتقياء نازل من فوق من عند أبى الأنوار. صبر الأثمة أرضى، وصبر الأتقياء سماوى. هذا صبر روحانى وذاك حيوانى. هذا شيطانى وذاك إلهى]
.
قصد البابا ثاوفيلس البطريرك السكندرى (23) الاسقيط (وادى النطرون). وطلب أن يتقابل مع الأنبا بفنوتيوس (ببنوده) أب البرية وخليفة القديس أبو مقار فى رياسة الإسقيط... ولما التقى به قال له: [ماذا استفدتم أيها الأب من إقامتكم الطويلة فى البرية؟] فأجاب:
[ليس أفضل من أن يرجع الإنسان باللائمة على نفسه فى كل أمر]...
هذه الإجابة المقتضبة إنما تحمل فى طياتها خلاصة روحية عالية وجميلة، وهو أن ينسب الإنسان لذاته اللوم فى كل ما يأتى عليه. وبذلك يستريح... وحينما يرى الله إتضاعه وإنسحاقه، قد يرفع عنه التجربة والألم.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.