لماذا يسمح الله بالألم

لماذا يسمح الله بالألم

محبة الله للإنسان بدهية من البدهيات بدءً من خلقته، وبالاستمرار فى العناية به فى كل الحالات... اتضحت هذه المحبة وضوحاً عجيباً فى تجسّد ابن الله الأقنوم الثانى، والفداء المجانى الذى تمّ على الصليب من أجل خلاص الإنسان... والخلاصة أن محبة الله للإنسان أمر مسلّم به. لكن الشئ الذى يحيّر عقل الإنسان، ويقف أمامه عاجزاً عن فهمه هو: لماذا يسمح الله بالألم – ليس للخطاة والأشرار والأثمة فقط، بل حتى لمحبيه...

وبدءً نقول إننا إذا سلّمنا بكمال الله وبمحبته للإنسان، وجب أن نسلّم بحكمته فى كل ما يأتيه... فكما أن الله كلّى المحبة، فهو كلّى الحكمة. وإذا انتفت الحكمة عن الله لانتفى كماله الإلهى.. كما نقول إن الضيقات والتجارب التى تحلّ بالإنسان، بما يصاحبها من آلام، ليست دليلاً على غضب الله على هذا الإنسان، إنما هى لخير هذا الإنسان كما سنوضح فيما بعد. لذا يقول يعقوب الرسول: «إحسبوه كل فرح يا إخوتى، حينما تقعون فى تجارب متنوعة. عالمين أن إمتحان إيمانكم ينشئ صبراً. وأما الصبر فليكن له عمل تام، لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين فى شئ» (يع 1: 2 - 4).

فالآلام إذن لا تتنافى مع محبة الله للإنسان. بل إن هناك حكمة إلهية وراء الآلام والضيقات... فما هى حكمة الله من الآلام؟

1 - يسمح الله بالآلام والضيقات للإنسان حتى ما يؤدبه ويحررّه من قيود الخطية والعادات الرديئة... يقول المرتل: «طوبى للرجل الذى تؤدبه يا رب وتعلّمه من شريعتك، لتريحه من أيام الشر» (مز 94: 12، 13)... يقول اليفاز التيمانى أحد أصحاب أيوب ناصحاً: «طوبى لرجل يؤدبه الله. فلا ترفض تأديب القدير. لأنه هو يجرح ويعصب يسحق ويداه تشفيان» (أى 5: 17، 18)...

ونفس المعنى يورده معلمنا القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين حينما يقول: «لأن الذى يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله. إن كنت تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين. فأى ابن لا يؤدبه أبوه». ثم يقارن بين تأديب الآباء الجسديين وتأديب الله، فيقول عنه: « وأما هذا فلأجل المنفعة لكى نشترك فى قداسته» (عب 12: 6، 7، 10)... ويؤكد هذا المعنى ربنا يسوع المسيح فى رؤيا يوحنا فى رسالته التوجهية إلى ملاك (خادم) كنيسة اللاودكيين «إنى كنت مَن أحبه أوبخه وأؤدبه» (رؤ 3: 19)... إذن مثل هذه الآلام ليست عقاباً، بل بقصد التأديب والتحرير من قيود الخطية. لذا يقول: «إنى كل مَن أحبه».

ويمكن القول إن.

نار أتون بابل، الذى ألقى فيها الثلاثة فتية بأمر نبوخذنصر الملك، إنما ترمز إلى الآلام بالنسبة للإنسان المؤمن...

ماذا حدث؟ إن نار الأتون لم تحرق الفتية الثلاثة. ولا ثيابهم، ولا حتى شعرة من رؤوسهم. بل على عكس ما كان متوقعاً ويجب أن يحدث، حرقت تلك النار قيودهم فقط، فتحرروا منها، وصاروا يمشون وسط نار الأتون كما لو كانوا فى نزهة (دا 3: 24، 25). هذا هو عين ما تفعله الآلام مع المؤمنين... وماذا حدث بعد ذلك حينما خرج الثلاثة فتية من وسط نار الأتون؟ قال نبوخذنصر: «تبارك إله شدرخ وميشخ وعبدنغو الذى أرسل ملاكه وأنقذ عبيده الذين إتكلوا عليه» (دا 3).

والذهب الذى يحمّى بالنار من أجل تنقيته من الشوائب،

له وقت معين يتنقى فيه، إذا زاد هذا الوقت تلف، وإذا قلّ لا يتنقى الذهب... ويقول خبراء صناعة الذهب، إن العلامة التى تدل على أنه تنقى، أن الصانع يرى صورته فيه بوضوح... هكذا الإنسان تظل الآلام تفعل فعلها فيه، حتى تظهر صورة الله فيه.

2 - والله يسمح بالآلام والضيقات للإنسان لكى يخلّصه من البرّ الذاتى... هذا الأمر واضح من سقطات بعض الأبرار كأيوب وداود وبطرس...

فأيوب تفاخر ببرّه الذاتى وأعماله مرات عديدة حتى قال: «كامل أنا» (أى 9: 21)... فكفّ أصحاب أيوب الثلاثة عن مناقشته «لكونه باراً فى عينى نفسه» (أى 32: 1). وحمى غضب اليهو بن برخيئل البوزى على أيوب «لأنه حسب نفسه أبرّ من الله» (أى 32: 2)... لكن أيوب بعد الآلام التى حلّت به وعملت فيه عملها، قال مخاطباً الله فى إنسحاق روح: «ها أنا حقير فماذا أجاوبك. وضعت يدى على فمى... بسمع الأذن قد سمعت عنك الآن قد رأتك عينى. لذلك أرفض وأندمُ فى التراب والرماد» (اى 40: 4؛ 42: 5، 6).

● وداود الذى اشتهر بالعفة

سقط فى خطية الزنا مع امرأة أوريا الحثى (1مل 15: 5؛ 2صم 11)، الأمر الذى لأجله تمرر كثيراً وبكى بدموع سخينة حتى أنه كان يعوّم كل ليلة سريره وبدموعه يبل فراشه. كما أذل نفسه بالصوم «أذللت بالصوم نفسى» (مز 35: 13)... وقد قبل الله توبته وصار هو رجل الصلاة ومرنم إسرائيل الحلو. ومن نسله حسب الجسد جاء المسيح له المجد.

● وبطرس الرسول

الذى عُرفَ عنه الإقدام، وثق فى نفسه. وحينما قال رب المجد أثناء العشاء الأخير ليلة آلامه: «إن واحداً منكم يُسلمنى»، تجاسر وقال له: « وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبداً... ولو إضطررت أن أموت معك لا أنكرك» (مت 26: 33، 35) بطرس هذا بعد ان قيض على الرب تملكه الجبن، وخاف بصورة مزرية أمام جارية، وأنكر معلمه بقَسَم وجدّف عليه... هذه التجربة جعلت نفسه تصغر أمامه، وندم وبكى بكاءً مراً. وقبل الله توبته وردّه إلى رتبة الرسول ثانية. وحينما ظهر له بعد ذلك على شاطئ بحر طبرية عقب قيامته المجيدة، قال له: «إرعَ خرافى. إرعَ غنمى» (يو 21).

● والقديس بولس الرسول

كان معرضاً لنفس تجربة المجد الباطل. وعالجه الله بالألم ويكشف هو عن ذلك حينما يقول: «لئلا أرتفع بفرط الإعلانات أعطيت شوكة فى الجسد. ملاك الشيطان ليلطمنى لئلا أرتفع. من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقنى. فقال لى تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل. فبكل سرور افتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحلّ علىَّ قوة المسيح» (2كو 12: 7 - 9).

3 - والآلام هى من العوامل الهامة جداً لارتباط الإنسان بالله، فضلاً عن أنها تجعله يختبر الله ومعاملاته وتقرّبه إليه... وحكمة الله، إن الإنسان أثناء الضيقة أو التجربة حينما يحسّ أنه عاجز عن التخلص منها، يلجأ إلى الله لكى ما ينقذه... بل إن الله نفسه يحضنا على ذلك... «ادعنى فى يوم الضيق انقذك فتمجدنى» (مز 50: 15)... ولإثبات صحة هذا الكلام نقول إن أى إنسان يمكن أن يختبر نفسه فى حالتين. يختبر نفسه حينما يكون مستريحاً، وحينما يكون متألماً. فى الحالة الأولى ربما لا يفكر فى الله. أما فى الحالة الثانية فإنه يلجأ إلى معين. ولا شك أن أفضل معين هو الله... يقول داود عن إختبار: «فى يوم ضيقى أدعوك لأنك تستجيب لى» (مز 86: 7)... لذا حينما ينسى الإنسان الله يجلب عليه الضيقات بآلامها لكى ما يتذكره... وما أكثر حنان الله. فحينما تُسدّ أمامنا كل الأبواب، يظل باب الله مفتوحاً أمامنا، وصوته يدعونا إليه.

4 - والله يسمح بالألم حتى ما نتذكر خطايانا السابقة... وهذا الأمر فى غاية الأهمية. فحينما ينسى الإنسان خطاياه الله لا ينساها له، وحينما يتذكرها الله يغفرها له... إن إخوة يوسف فى مصر، بعد أن تعرف عليهم يوسف، ووقفوا أمامه كمتهمين، وأمر أن يُحتجز واحد منهم وينطلق الباقون ليحضروا آخاهم الصغير، كما طلب إليهم يوسف دون أن يتعرفوا على شخصيته بعد – بدأ إخوة يوسف يقولون بعضهم لبعض: «حقاً إننا مذنبون إلى أخينا (يُوسف) الذى رأينا ضيقة نفسه لما استرحمنا ولم نسمع. لذلك جاءت علينا هذه الضيقة. فأجابهم رأوبين قائلاً ألم أكلمكم قائلاً لا تأثموا بالولد وأنتم لم تسمعوا. فهوذا دمه يطلب» (تك 42)...

وأرملة صرفة صيدا التى نزل عندها إيليا النبى

ضيفاً وأطعمته... وحال وجود إيليا عندها مرض ابنها واشتد مرضه جداً حتى لمَ تبق فيه نسمة... وهنا أيقظ ألم ابنها ضميرها. فقالت لإيليا: «ما لى ولك يا رجل الله. هل جئت إلىَّ لتذكير إثمى وإماتة ابنى» (1مل 17: 8)... إن مرض ابن هذه الأرملة وآلامه جعلتها تتذكر آثامها السالفة...

5 - التنقية وكثرة الإثمار – ويسمح الله بالألم من أجل تنقية أولاده من ضعفاتهم لكى يكثر أثمارهم... يتكلم ملاخى النبى بروح النبوة عن السيد المسيح فيقول: «لأنه مثل نار المُمَحَّصْ، ومثل أشنان القصَّار. فيجلس ممحصاً ومنقياً للفضة، فينقى بنى لاوى ويصفيّهم كالذهب والفضة ليكونوا مقرَّبين للرب تقدمة بالبرّ» (ملا 3: 2، 3)... ويقول بلسان إشعياء النبى: «هأنذا قد نقّيتك وليس بفضة. إخترتك فى كور المشقة» (إش 48: 10)... والكور المذكور هنا هو المستخدم فى تنقية الذهب والفضة، ولا يقصد به كور التعذيب... كما يقول الرب أيضاً بلسان إشعياء النبى: « وأرد يدى عليك، وأنقى زَغَلَك كأنه بالبورق وأنزع كل قصديرك» (إش 1: 25)...

ومتى تنقى الإنسان تزداد قيمته ويكثر ثمره... يقول ربنا يسوع: «أنا الكرمة الحقيقية وأبى الكرّام. كل غصن فىَّ لا يأتى بثمر ينزعه. وكل ما يأتى بثمر ينقيه ليأتى بثمر أكثر» (يو 15: 2)... وواضح أن نتيجة هذه التنقية التى يقوم بها الآب السماوى أن المؤمن «يأتى بثمر أكثر»... بعدها مباشرة يقول ربنا يسوع: «بهذا يتمجد أبى أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذى» (يو 15: 8).

إن التنقية هدفها كثرة الثمر. وهو موضوع فى غاية الأهمية...

يقول يوحنا المعمدان لمَنْ كانوا يأتون ليعتمدوا منه: «اصنعوا أثماراً تليق بالتوبة... كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى فى النار» (مت 3: 8، 10)... ويؤكد ربنا يسوع نفس المعنى حينما يقول: «إجعلوا الشجرة جيدة، وثمرها جيداً... لأن من الثمر تعرف الشجرة» (مت 12: 33)... وفى المثل الذى ضربه رب المجد عن شجرة التين التى لا تعطى ثمراً، قال للكرّام: «إقطعها. لماذا تبطلّ الأرض». فأجاب الكرّام: «يا سيد إتركها هذه السنة أيضاً حتى أنقب حوله اوأضع زبلاً. فإن صنعت ثمراً وإلاَّ ففيما بعد تقطعها» (لو 13: 6 - 9).

6 - الألم وبعض الفضائل:

الألم موصل جيد للفضائل، بل للسماء ذاتها بكل أمجادها... يقول معلمنا بولس الرسول: «نفتخر أيضاً فى الضيقات، عالمين أن الضيق ينشئ صبراً» (رو 5: 3)... وإذا كان الضيق ينشئ صبراً، فما هى أهمية الصبر كفضيلة... يقول رب المجد: «الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص» (مت 10: 22)... «بصبركم إقتنوا أنفسكم» (لو 21: 19)... ولعل هذا يوضح لنا ما ذكره القديس يوحنا فى رؤياه، وهو يكتب إلى المؤمنين والكنائس: «أنا يوحنا أخوكم وشريككم فى الضيقة، وفى ملكوت يسوع المسيح وصبره» (رؤ 1: 9)... نلاحظ هنا أن يوحنا يتكلم عن «الضيقة والصبر» وهما من مؤهلات ملكوت المسيح الأبدى... إن الصبر وثيق الصلة بالآلام والضيقات... وماذا يقول القديس بولس الرسول عن الصبر: «إن كنا نصبر، فسنملك أيضاً معه» (2تى 2: 12)... ويقول يعقوب الرسول عن الصبر أن "«له عمل تام لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين فى شئ» (يع 1: 4).

● وفى آية واحدة يتكلم القديس بطرس الرسول عن عدة فضائل مرتبطة بالألم يقول... « وإله كل نعمة الذى دعانا إلى مجده الأبدى فى المسيح يسوع، بعدما تألتم يسيراً، هو يكلمكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم» (1بط 5: 10). فى هذه الآية نرى القديس بطرس يسّجل أربعة نتائج هامة مرتبطة بالألم:

(أ) الألم يكملّ الإنسان المؤمن

والمقصود هنا التكميل الروحى، وهو مطلب مسيحى كما جاء فى عظة السيد المسيح على الجبل: «كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل» (مت 5: 48)... يقول القديس بولس إلى أهل أفسس: «إلى أن ننتهى جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله. إلى الإنسان كامل. إلى قياس قامة ملء المسيح» (أف 4: 13). ويكتب إلى أهل كولوسى: «أفرح فى آلامى لأجلكم... المسيح فيكم رجاء المجد. الذى ننادى به منذرين كل إنسان ومعلمين كل إنسان بكل حكمة لكى نُحضر كل إنسان كاملاً فى المسيح يسوع. الأمر الذى لأجله أتعب أنا أيضاً مجاهداً بحسب عمله الذى يعمل فىَّ بقوة» (كو 1: 24، 27 - 29)... وفى رسالته الثانية إلى تيموثاوس يحثه على معرفة الكتب المقدسة: «لكى يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح» (2تى 3: 17).

(ب) الألم يثبت الإنسان المؤمن

فى شخص الرب يسوع المسيح... وما أعظمها نعمة أن يثبت المؤمن فى شخص المسيح. والسيد المسيح وهو يتكلم عن الإفخارستيا يقول: «من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىَّ وأنا فيه» (يو 6: 56)... ومعنى ذلك أنه أعطى المؤمن جسده ودمه الأقدسين من أجل نعمة الثبات فيه... وفى مجال المجاز شبّه ذاته بالكرمة والمؤمنين بالأغصان ليوضح أهمية الثبات فيه. يقول الرب يسوع: «إثبتوا فىَّ وانا فيكم. كما أن الغصن لا يقدر أن يأتى بثمر من ذاته إن لم يثبت فى الكرمة، كذلك أنتم أيضاً إن لم تثبتوا فىَّ... الذى يثبت فىَّ وأنا فيه هذا يأتى بثمر كثير... إن كان أحد لا يثبت فىَّ يُطرح خارجاً كالغصن، فيجف ويجمعونه ويطرحونه فى النار فيحترق. إن ثبتم فىَّ وثبت كلامى فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم... كما أحبنى الآب كذلك أحببتكم أنا. إثبتوا فى محبتى. إن حفظتم وصاياى تثبتون فى محبتى، كما أنى أنا قد حفظت وصايا أبى وأثبت فى محبته كلمتكم به لكى يثبت فرحى فيكم ويكمل فرحكم» (يو 15: 4 - 11)... ويقول القديس بولس الرسول: «من أجل ذلك إحملوا سلاح الله الكامل لكى تقدروا أن تقاوموا فى اليوم الشرير. وبعد أن تتمموا كل شئ أن تثبتوا» (أف 6: 13).

(ج) الألم يقوى الإنسان المؤمن...

طبعاً الألم مرتبط بالتجارب. وكلما إنتقل الإنسان من تجربة إلى تجربة فهو يتقوى. إنه كمن ينتقل فى مدرسة التجارب من فرقة إلى فرقة أخرى أعلا منها... ولنا فى إبراهيم أب المؤمنين مثال على ذلك... فى البداية كان أمر الرب إليه أن يترك وطنه وبيت أبيه إلى الأرض التى يعيّنها له الله، أى يترك وطنه إلى المجهول... وبعد ذلك ينفصل عن لوط ابن أخيه وهو الشخص الوحيد الذى بقى له من أسرته فى تلك الجهة... ثم انتظر طويلاً حتى ولد إسحق. وبعدما كبر إسحق، وصار شاباً طلب إليه الرب أن يقدمه ذبيحة... هذه التجارب حلّت بإبراهيم الواحدة تلو الأخرى... ولا شك أنه فى هذه جميعها قد قوى إيمانه، وصار مثالاً يحتذى فى الإيمان.

(د) الألم يمكّن الإنسان المؤمن...

والتمكين يعبّر عن المقدرة نقول عن شخص أنه متمكّن من علمه أو فنه أو فى الروحيات... هذا هو ما وصل إليه إبراهيم بعد التجارب العديدة. لقد صار متمكناً فى إيمانه. والتمكن فى الروحيات هو درجة عالية، ولعل كلمات القديس بولس تعبّر عنها حينما يقول: «إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولادة العالم على ظلمة هذا الدهر. مع أجناد الشر الروحية فى السماويات» (أف 6: 11، 12).

7 - الألم والاتضاع:

الإتضاع وثيق الصلة بالألم.. فالألم الذى يعانى منه الإنسان لأى سبب من الأسباب يجعل الإنسان يتضع أمام الله...

فالإنسان حينما تواجهه الضغطات والضيقات والشدائد بما يصاحبها من آلام، وحينما تُعييه الحيل والوسائل فى التخلص من الآلام، ويصل إلى طريق مسدود، ينسحق أمام الله، طالباً إليه أن يرفع عنه هذه الآلام.. وإذا كان الألم يجلب معه الإنسحاق والاتضاع، فمرحباً به... فمعلوم أن الاتضاع هو أساس الفضائل، ويشبهه القديسون بالأساس المخفى تحت سطح الأرض الذى يحمل البناء كله. والإتضاع يحفظ نعمة الله فى الإنسان، وبه نقهر الشياطين...

والله نفسه يرفع المتضعين... يقول القديس بطرس الرسول: «تسربلوا بالتواضع، لأن الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعين فيعطيهم نعمة. فتواضعوا تحت يد الله القوية، لكى يرفعكم فى حينه» (1بط 5: 5، 6)... ويقول يعقوب الرسول: «إتضعوا قدام الرب فيرفعكم» (يع 4: 10)... وقال الرب قديماً بلسان إشعياء النبى... «إلى هذا أنظر. إلى المسكين والمنسحق الروح، والمرتعد من كلامى» (إش 66: 2).

يقول مار افرام: [إنا محتاجون إلى التواضع لنجذب رأفات الله إلينا. لأنه قد كتب، انه بتواضعنا ذكرنا الرب وأنقذنا من أعدائنا]... ويقول داود النبى: «إتضعت فخلّصنى» (مز 116: 6)...

يقول مار إسحق: [يسمح الله بالتجارب والعوارض – بما يصاحبها من آلام – أن تأتى علينا – حتى القديسين – لكى ندوم فى الاتضاع. فإذا قسّينا قلوبنا تجاه العوارض والتجارب يشدّد الله التجارب ويُصعّبها. أما إذا قابلنا التجارب – بآلامها – باتضاع وقلب منسحق، فالله سوف يمزج التجربة بالرحمة].

إن إحتمال الآلام يولّد فى الإنسان الاتضاع... يقول ما رإسحق: [يترك الله البلايا والتجارب على محبّى البرّ، حتى يعرفوا ضعفهم. إذ أن آلام البلايا تولّد الاتضاع. قال الرب قديماً عن شعب إسرائيل: « وأنا أيضاً قد سلكت معهم بالخلاف، وأتيت بهم إلى أرض أعدائهم، إلى أن تخضع حينئذ قلوبهم الغلف، ويستوفوا حينئذ عند ذنوبهم» (لا 26: 41)... كما يقول أيضاً: «حقاً يا رب إنك لا تكف عن إذلالنا بشتى التجارب والأتعاب إلى أن تتضع نفوسنا»].

أيها الإله الكلى الحكمة...

نتعب من كثرة التفكير لفهم حكمتك الفنية فى سياسة هذا الكون الذى خلقته... وحقّ لرسولك وكارزك وخادمك بولس – بعد أن استعرض حكمتك فى خلاص الشعوب – أني يهتف: «يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء. لأن مَن عرف فكر الرب أو مَن صار له مشيراً» (رو 11: 33، 34)...

أنت الذى تُخرج من الآكل أكلاً ومن الجافى حلاوة... أيها الطبيب الحقيقى الذى تداوى بالآلام جراحات نفوسنا، حتى نستعيد صورتك الأولى فى شخصك المبارك، ولا نخسر نصيبنا الأبدى...

أنت الذى خلقتنا لنكون لك... وأنت الذى تتعامل معنا بشتى الوسائل حتى لا نخسر جعالتنا العليا فى المسيج يسوع ربنا...

أيها الإله المحب... صادق أنت فيما قلته: «أنا أمضى لأعدّ لكم مكاناً، وإم مضيت وأعددت لكم مكاناً آتى أيضاً وآخذكم إلىَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً» (يو 14: 2، 3).

عجيب أنت يا إلهنا الحلو، الذى بحكمتك دبّرت أمر خلاصنا. وتنقى نفوسنا بالآلام، لكى تؤهلها للمجد الأبدى بخفة ضيقات وقتية... أنت تفعل كل شئ بحكمة حتى لو لم نفهم حكمتك... لكن ومع لك نتمم وصية رسولك بطرس الأمين: «الذين يتألمون بحسب مشيئة الله، فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين فى عمل الخير» (1بط 4: 19).

ليتك بحنوّك تكشف لنا ولو يسيراً عن سرّ حكمتك على نحو ما قلت لتلميذك بطرس: «لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع، ولكنك ستفهم فيما بعد» (يو 13: 7). حينئذ نسلّمك كل شئ فى حياتنا بلا تحفّظ، واثقين من محبتك، مؤمنين بحكمتك، مترجّين خلاصك لنا نحن عبيدك الخطاة غير المستحقين.

[Place Image #04 here].

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

بركات الألم

المحبة إعداد للألم

المحتويات
المحتويات