بركات الألم

بركات الألم

لعل بركة الألم الكبرى هى أنه معبرنا القوى والثابت من عالم الشقاء إلى المجد الأبدى... الألم يسير جنباً إلى جنب مع المجد... وهذا واضح من كلمة الله... وحينما يذكر العهد الجديد آلام الرب يسوع مخلصناً، يذكر معها أمجاد هذه الآلام...

وهكذا بالنسبة لنا. فالآلام التى يمرّ فيها المؤمنون هى جانب واحد من جوانب الحياة. أما ما يليها من أمجاد فهى تقع على الجانب الآخر. لذا لا ينبغى أن ننظر إلى الآلام منفصلة عن أمجادها الأبدية...

آلام الرب يسوع ما تلاها من أمجاد:

● قال ربنا يسوع المسيح قبيل آلامه مباشرة:

«قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان» (يو 12: 23)...

ربما ظن البعض أن السيد المسيح يشير هنا إلى أمجاد القيامة. لكن العدد التالى لهذه الآية، يوضح لنا خطأ هذا الظن حيث يقول الرب يسوع: «الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة وتمت فهى تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير» إنه يتحدث عن الآلام كساعة مجد... إن أمجاد القيامة مرتبطة بآلام المخلص... وفى صلاته الوداعية للآب يقول: «ايها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضاً» (يو 17: 1)... هنا يشير الرب يسوع إلى تلك الساعة نفسها. فما هى هذه الساعة؟ أنها ساعة الصليب!!

● إن الآلام التى لاقاها واحتملها الرب يسوع فى تلك الساعة كانت آلاماً مبرحة لا مجد فيها على الاطلاق... ولكن كل ما جرى فوق مسرح الأحداث فى ذلك الوقت، وما أكمله الرب يسوع فوق الصليب كان مجد عظيم لله الآب وابنه ربنا يسوع المسيح... هذا ما يجب أن نتعلمه، ألاَّ نقف عند حدود ما هو منظور، بل نتخطاه وننظر إلى ما وراء الآلام ذاتها، إلى ما يليها من أمجاد.

● نفس المعنى يورده ربنا يسوع عشية قيامته المجيدة فى حديثه إلى تلميذى عمواس...

«أما كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده» (لو 24: 26).

.. وواضح من هذا الكلام أن الرب يسوع دخل إلى مجده عن طريق الآلام... يقول معلمنا القديس بولس الرسول: « ولكن الذى وضع قليلاً عن الملائكة يسوع نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت، لكى يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد. لأنه لاق بذاك الذى من أجله الكل وبه الكل، وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد، أن يكمّل رئيس خلاصهم بالآلام» (عب 2: 9، 10)... يقول القديس بولس الرسول فى الآيتين السابقتين عن الرب يسوع: «نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت... ». إن اليهود الذين رأوا يسوع المسيح معلقاً على الصليب فوق الجلجثة لم يروه متوّجاً بإكليل المجد والكرامة، إنما رأوه مكللاً بإكليل من شوك. هذا هو ما نظرته عيونهم... لكن الرسول فى كلامه إلى العبرانيين إنما يشير إلى الأمجاد التى تلت آلام الموت على الصليب... إن الآلام والأمجاد يسيران جنباً إلى جنب.

● وفى حادث التجلى

نجد بطرس ويعقوب ويوحنا وهم التلاميذ الثلاثة الذين رافقوه إلى جبل التجلى، يرون مجد التجلى، كما شاهدوا موسى وإيليا يتحدثان معه «عن خروجه الذى كان عتيداً أن يكمّله فى أورشليم» (لو 9: 31)... لقد أراد الرب يسوع أن يُظهر لهؤلاء التلاميذ لمحة خاطفة من المجد العتيد. وأوصاهم ألاَّ يحدثوا أحداً بما أبصروا إلاَّ بعد قيامته من بين الأموات (مت 17: 9؛ مر 9: 9؛ لو 9: 36). لأنه ما من أحد – قبل قيامة الرب يسوع – كان قادراً أن يدرك معنى هذا المجد الذى عاينه التلاميذ. لكن بعد القيامة المجيدة أمكن فهم قيمة هذه الأمور...

● ويشرح القديس بولس فى رسالته

إلى العبرانيين فكرة الأمجاد التى تعقب الآلام فى شخص المسيح فيقول: «ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع، الذى من أجل السرور الموضوع أمامه، إحتمل الصليب مستهيناً بالخزى فجلس فى يمين عرش الله» (عب 12: 2)... وعبارة: «من أجل السرور الموضوع أمامه»، توضح لنا أن الرب يسوع كان ينظر إلى الأمجاد التى تعقب آلام الصليب. ومن أجل ذلك إستهان بالخزى والعار وآلام الصليب... إن الرب يسوع يريد من كل أولاده وتلاميذه أن يسلكوا كما سلك هو. وفيما نقاسى شدة الآلام علينا أن نثبّت أنظارنا على المجد العظيم الذى سيعقبها. حينئذ تتغير نظرتنا.

● ومعلمنا القديس بولس الرسول أيضاً

فى رسالته إلى أهل فيلبى يوضح إرتباط الآلام بالأمجاد فى شخص المسيح فيقول... «فليكن فيكم هذا الفكر الذى فى المسيح يسوع أيضاً. الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلصة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد، صائراً فى شبه الناس. وإذ وجد فى الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضاً واعطاه اسماً فوق كل اسم، لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء، ومن على الأرض، ومَن تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب» (فى 2: 5 - 11)... ماذا يقصد القديس بولس «بالفكر الذى فى المسيح يسوع»، إلاَّ فكر إرتباط الآلام بالأمجاد... فبعد أن أخلى نفسه وأخذ صورة عبد، رُفع وأعطى اسماً فوق كل اسم... ما السبب؟ نجد الإجابة فى كلمة «لذلك». فلأنه أخلى نفسه وأخذ صورة عبد، ووضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الألم والصليب، «لذلك» رفعه الله واعطاه اسماً فوق كل اسم.

● وفى مجال إرتباط الأمجاد بالآلام،

يقول بولس الرسول إلى أهل رومية: «إن كنا نتألم معه، لكى نتمجد أيضاً معه» (رو 8: 17). نلاحظ الهاء ضمير الغائب المفرد فى معه. وفى رسالته إلى أهل أفسس يقول معلمنا بولس عن المسيح: « وأقامنا معه وأجلسنا معه فى السماويات فى المسيح يسوع» (أف 2: 6)... إنه لا يتركنا للآلام نعانى منها... لقد أعقبت القيامة الآلام والصلب... وهكذا بالنسبة للمؤمنين. لقد أقامنا معه وأجلسنا معه فى السماويات.

● ويصف لنا يوحنا الرسول فى رؤياه مشهداً عجيباً:

رأى على يمين الجالس على العرش سفراً مكتوباً ومختوماً بسبعة ختوم « وسمع ملاكاً ينادى بصوت عظيم من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه». فلم يستطع أحد فى السماء وعلى الأرض وتحت الأرض أن يفتح السفر. فبكى يوحنا كثيراً لأنه لم يوجد أحد مستحقاً أن يفتح السفر ويقرأه ولا حتى أن ينظر إليه. فقال أحد الشيوخ ليوحنا:

«لا تبك هوذا قد غلب الأسد الذى من سبط يهوذا اصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة»...

ثم يروى يوحنا ما رأه... رأى خروفاً قائماً مذبوح. هذا أتى وأخذ السفر... وأظن أنه ليس من الصعب أن نتبين حقيقة هذا الخروف القائم كأنه مذبوح. إنه يرمز للمسيح... بعد ذلك يروى لنا يوحنا فى رؤياه أن القوات العلوية أخذوا يسجدون ويعزفون بقيثاراتهم، ويترنمون بترنيمة جديدة قائلين: «مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه». لماذا؟ «لأنك ذبحت وأشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وامة»... ثم قالوا: «مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة... » (رؤ 5)... وكررت هذه الكلمات كل خليقة مما فى السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر... أما سرّ هذا التمجيد العظيم «لأنك ذُبحت واشتريتنا»... وفى هذا إشارة واضحة للآلام والصليب... إن هذا يرينا المجد العظيم الذى يختفى وراء الآلام...

الإنسان مخلوق سماوى:

● تكلمنا فيما مضى عن تلازم الأمجاد والآلام... وطبعاً الأمجاد فى السماء. فكيف نشأ هذا التلازم والارتباط؟

نشأ هذا التلاميذ بين الأمجاد والآلام بالنسبة للإنسان منذ البداية.

فالإنسان مخلوق سماوى حتى ولو كان فى تكوينه جوهر ترابى... فالسماء بالنسبة للإنسان هى الأول والآخر. فبداية الإنسان كان يوم خلق فى السماء، وسوف تكون نهايته حينما يعود إليها.

● الإنسان موجود على الأرض فى فترة غربة. والأرض ليست وطن الإنسان، لكنه غريب فيها...

هذا الشعور العميق بالغربة متأصل فى البشر منذ البداية...

ونحن نرى هذا الشعور واضحاً سواء فى أبرار العهد القديم أو العهد الجديد... فداود يقول: «غريب أنا فى الأرض فلا تخفِ عنى وصاياك... لأنى أنا غريب عندك، نزيل مثل جميع آبائى» (مز 119: 19؛ 39: 12).

● ومعلمنا القديس بولس فى رسالته إلى العبرانيين، بعد أن عدّد أسماء بعض أبرار العهد القديم يقول: «فى الإيمان مات هؤلاء أجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدّقوها وحيّوها، وأقرّوا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض» (عب 11: 13). ويكتب إلى أهلك كورنثوس... «فإذا نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون فى الجسد فنحن متغربون عن الرب... فنثق ونسر بالأولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب» (2كو 5: 6 - 8).

● وبطرس الرسول فى رسالته الأولى يكتب إلىا المؤمنين... «أيها الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التى تحارب النفس» (1بط 3: 11).

● وبولس الرسول يكتب إلى أهل كولوسى شاكراً الله من أجل إيمانهم ومحبتهم لجميع القديسين: «من أجل الرجاء الموضوع لكم فى السموات» (كو 1: 3 - 5). فرجاؤهم فى السموات.

● وداود البار يفيض شوقاً إلى الله ويقول: «عطشت نفسى إلى الله، إلى الإله الحىّ. متى أجئ وأتراءى قدام الله» (مز 42: 1، 2).

● والسيد المسيح فى عظته على الجبل يقول: «لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل إكنزوا لكم كنوزاً فى السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب السارقون ولا يسرقون»... فالمكان الأمين الذى يدخر فيه الإنسان هو السماء، حيث مشتقره الأخر... كما يطوّب السيد المسيح المطرودين لأجل البرّ لأن أجرهم عظيم فى السموات (مت 5: 12).

● والأمر فى غاية الوضوح فيما يكتبه بولس...

«لأننا نعلم أنه إن نُقض بين خيمتنا الأرضى فلنا فى السموات بناء من الله، بيت غير مصنوع بيد أبدى. فإننا فى هذه أيضاً نئن مشتاقين إلى أن نلبس فوقها مسكننا الذى فى السماء» (2كو 5: 1، 2)... إنه بناء إلهى غير مصنوع بيد بشرية، والمؤمنون فى شوق إلى هذا المسكن.

● وبولس أيضاً فى رسالته لى العبرانيين بعد أن يذكر بعض أبرار العهد القديم الذى تغربوا فى العالم يقول: « ولكن الآن يبتغون وطناً أفضل أى سماوى» (عب 11: 6). وحينما يعالج قضية الراقدين المنتقلين يقول: « وكما لبسنا صورة الترابى، سنلبس أيضاً صورة السماوى» (1كو 15: 49).

● كما يقول معلمنا بولس أيضاً: «لأنه ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة» (عب 13: 14)... ويستبد به الشوق فيقول: «لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً» (فى 1: 23)... وإذا سألنا بولس عن المكان الذى يكون فيه مع المسيح، يجب بكل تأكيد أنه السماء.

[Place Image #05 here].

تلازم المجد والآلام بالنسبة للإنسان المؤمن:

● ويتطلع القديس بولس الرسول إلى الآلام الموصلة للمجد الأبدى

فيقول: «لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً. ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التى تُرى، بل إلى التى لا تُرى. لأن التى تُرى وقتية، وأما التى لا ترى فأبدية» (2كو 4: 17، 18)... إنه ليس مجرد تأمل من جانب بولس بل إظهار لما هو خفى... نلاحظ أن كلمة «خفة» تقابلها كلمة «ثقل». وكلمة « وقتية» تقابلها كلمة «أبدياً». « والأشياء التى تُرى» تقابلها «التى لا تُرى».

● وفى الرسالة إلى أهل رومية يقول بولس:

«إن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً. ورثة الله ووارثون مع المسيح. إن كنا نتألم معه لكى نتمجد أيضاً معه. فإنى أسحب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا»

(رو 8: 17، 18). نلاحظ تقابل الألفاظ التى يستخدمها بولس: «نتألم» يقابلها «نتمجد»... «آلام الزمان الحاضر» يقابلها «المجد العتيد أن يستعلن فينا».

● إن آلام الزمان الحاضر التى يسمح بها الرب أن تأتى على أولاده هى بمثابة جواز المرور إلى الحياة الأبدية المجيدة... وعلينا ألاَّ نركزّ على الآلام والتجارب وحدهما، بل ننظر إلى الآلام والتجارب والشدائد الوقتية فى ضوء حياة الأمجاد الأبدية. إن متاعب الزمان الحاضر لا تقاس بأمجاد المستقبل... إن الحاضر له أثره الذى يمتد إلى المستقبل، والآلام الحاضر هى التى تعدنا للمجد العتيد.

● يقول القديس أغسطينوس:

[يحس بك أن تنتظر المسيح الذى لا يغش أحداً. إنتظره لأنه وعدك بالفرح فى ذاته وليس فى العالم، وطلب أن ترجو المُلك معه إلى الأبد بعد زوال هذه الأشياء كلها].

الآلام ومحبة العالم:

● محبة العالم بحسب تعبير الكتاب المقدس الذى تعنى شهوات العالم، شديدة الخطورة على الإنسان... يكفى لتبيان خطورتها، ما قاله يعقوب الرسول: «أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله. فمّنْ أراد أن يكون محباً للعالم، فقد صار عدواً لله» (يع 4: 4)... ويقول يوحنا الرسول: «لا تحبو العالم ولا الأشياء التى فى العالم. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب. لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظّم المعيشة. ليس من الآب بل من العالم» (1يو 2: 15، 16).

● إن الآلام تشدّ قلوبنا بعيداً عن محبة العالم، وهذا يقودنا إلى أن نتغيّر. وبعبارة أخرى نقول إن الآلام تفطمنا من محبة العالم... إن يوماً واحداً فى الأبدية يعوضنا عن سنين طويلة مليئة بالآلام.

● يقول القديس أغسطينوس:

[لا ترجع النفس إلى الله إلاَّ إذا إنتزعت عن العالم. ولا ينزعها بحق إلاَّ التعب والألم]... ويقول: [لا عنقود العنب يصير خمراً، ولا حبة الزيتون تسيل زيتاً ما لم يمرّ فوقها حجر المعصرة]... كما يقول: [إن التجارب والضيقاتن وإن كثرت سبيل إلى الكمال وليست سبباً للهلاك].

● المجد لن يناله الإنسان إلاَّ مقابل الألم وحمل الصليب...

حتى على المستوى الروحى، نجد بعض الناس يفكرون فى المجد بمقياس العالم... فى إحدى المرات تقدمت أم ابنى زبدى مع ابنيها إلى الرب يسوع وسجدت له وطلبت منه شيئاً. فقال لها: «ماذا تريدين قالت له قل أن يجلس ابناى هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار فى ملكوتك». فأجابها الرب وقال: «لستما تعلمان ما تطلبان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التى سوف أشربها أنا، وأن تصطبغا بالصبغة التى أصطبغ بها أنا. قالا له نستطيع. فقال لهما أما كأسى فتشربانها وبالصبغة التى أصطبغ بها أنا تصطبغان. وأما الجلوس عن يمينى وعن يسارى فليس لى أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبى» (مت 20: 20 - 23؛ مر 10: 35 - 40).

● هناك فئة من الناس يعلنون عن محبتهم للمسيح (هكذا)، ويريدون أن يتبعوه بدون تعب. وفى نفس الوقت يحصلون على كرامات العالم وأمجاده، ويتناسون تعليم المسيح «إجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق» (مت 7: 13، 14؛ لو 13: 24)...

ينبغى أن نعلم شيئاً جيداً، ونعيه تماماً دون أن ننساه. هذا الشئ هو أن «المجد فى المسيحية مدخله الألم»...

● ولنا مثال واضح جداً على ذلك فى شخص كبولس الرسول...

● كلنا يعلم، وسبق أن اشرنا إلى قصة إهتداء بولس إلى المسيحية... والرؤيا التى أعلنها الرب لحنانيا فى دمشق عقب ظهوره لشاول الطرسوسى وقال له فيها عن شاول: «سأريه كم ينبغى أن يتألم من أجل اسمى» (أع 9: 16)... هذه الكلمات القليلة هى مفتاح شخصية ذلك الرسول العظيم بعد ذلك... «سأريه كم ينبغى أن يتألم من أجل اسمى»... وقد روى بولس طرفاً من هذه الآلام مضطراً وهو يدافع عن رسوليته فى (2كو 11: 16 - 23)... «فى الأتعاب أكثر. فى الضربات أوفر. فى السجون أكثر. فى الميتات مراراً كثيرة. من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلاّ واحدة. ثلاث مرات ضربت بالعصى. مرة رجمت. ثلاث مرات إنكسرت بى السفينة. ليلاً ونهاراً قضيت فى العمق. بأسفار مراراً كثيرة. بأخطار سيول. بأخطار لصوص. بأخطار من جنسى. بأخطار من الأمم. بأخطار فى المدينة. بأخطار فى البرية. بأخطار فى البحر. بأخطار من إخوة كذبة. فى تعب وكد. فى أسهار مراراً كثيرة. فى جوع وعطش. فى أصوام مراراً كثيرة. فى بلاد وعرى... »...

● وبقدر ما إحتمل هذا الرسول العظيم من آلام، بقدر ما تأهل للمجد... نحن لا يمكن أن نتذكر ما كتبه عن أتعابه فى الخدمة، دون أن نذكر كلماته الأخيرة وهو قاب قوسين أو أدنى من الاستشهاد: «إنى أنا الآن أسكب سكيباً ووقت إنحلالى قد حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن. أكملت السعىز حفظت الإيمان. وأخيراً قد وضع لى إكليل البرّ الذى يهبه فى ذلك اليوم الرب الديان العادل. وليس لى فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً» (2تى 4: 6 - 8). إن كلماته الأخيرة هذه وهو فى أسره الثانى فى روما يجب أن توضع جنباً إلى جنب مع ما كتبه هو عن أتعابه فى (2كو 11)... لنذكر أن «المجد فى المسيحية مدخله الألم»... إن بولس يتكلم بصيغة الماضى تعبيراً عن يقينه بما سيحدث فى المستقبل: « وأخيراً قد وضع لى إكليل البرّ».

● إن القديس بولس يضع مقياساً للمجد والفخر يختلف عن بقية البشر...

الناس يضعون كل مجدهم فى الثروات يتعبدون لها، وتمتلئ نفوسهم بطموحات يجاهدون بلا هوادة فى السعى نحوها. ملذات هذا العالم الزائل هى التى تستأثر بكل إهتماماتهم... أما بولس فينظر إلى مثل هذه الأمجاد والملذات العالمية مثلما ينظر إليها إنسان معلق على صليب يزحف نحوه الموت شيئاً فشيئاً... هل يعبأ إنسان يموت بمثل هذه الأشياء؟! إنه يموت عنها من كل قلبه وفكره. إن معلمنا بولس يجعل من الصليب وما يتصل به من آلام، المقياس لكل الأشياء... إنه يحضر كل أمجاد العالم إلى الصليب. وهناك عند الصليب يزنها كما فى ميزان، فيجد أنها لا تساويه... لا شئ يفتخر به بولس أفضل من الصليب « وأما من جهتى فحاشا لى أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذى به قد صُلب العالم لى وأنا (صُلب) للعالم» (غل 6: 14).

● فى حديثه الوداعى إلى قسوس مدينة أفسس قال بولس الرسول لهم: «الروح القدس يشهد فى كل مدينة قائلاً إن وثقاً وشدائد تنتظرنى. ولكننى لست أحتسب لشئ، ولا نفسى ثمينة عندى حتى أتمم بفرح سعيى والخدمة التى أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله» (أع 20: 23، 24)... لنتأمل أيها الإخوة فيما قاله هذا الرسول العملاق: «إن وثقاً وشدائد تنتظرنى.. لست أحتسب لشئ... نفسى ليست ثمينة عندى»... إلى متى يا بولس تظل هكذا؟ «حتى أتمم بفرح سعيى».

● وفى مدينة قيصرية التقى ببولس شخص له موهبة النبوة يدعى أغابوس.

هذا أخذ منطقة بولس وربط يدى نفسه ورجليه وقال هذا يقوله الروح القدس. الرجل الذى له هذه المنطقة هكذا سيربطه اليهود فى أورشليم ويسلمونه إلى أيدى الأمم». فلما سمع المؤمنون هذا الكلام طلبوا إلى بولس ألاَّ يصعد إلى أورشليم... أما بولس فقال لهم:

«ماذا تفعلون تبكون وتكسرون قلبى لأنى مستعد ليس أن أربط فقط بل أن أموت أيضاً فى أورشليم لأجل اسم الرب يسوع» (أع 21: 10 - 13).

[Place Image #06 here].

أخيراً أيها الإخوة:

● عندنا نضع فى إعتبارنا تلك الأمجاد التى تعقب الآلام، نتذكر ما قاله يوحنا الرسول فى رسالته: «أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو» (1يو 3: 2).

● وبعد أن تكلم الرسول بطرس عن.

«الآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها»

، يقول للمؤمنين: «لذلك منطقوا أحقاء ذهنكم صاحين، فالقوا رجاءكم بالتمام على النعمة التى يؤتى بها إليكم عند إستعلان يسوع المسيح» (1بط 1: 11، 13)... ومعنى هذا الكلام، أننا يجب أن نثبّت الفكر والعقل والقلب على الهدف البعيد والبركات التى سنحصل عليها.

● والرسول بولس يوضح تماماً أن الأمجاد العتيدة تقترن بالآلام الحاضرة فيقول: «إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه. وإن كنا ننكره فهو أيضاً سينكرنا. وإن كنا غير أمناء فهو يبقى أميناً لن يقدر أن ينكر نفسه» (2تى 2: 12، 13)... إن كلام الرسول هنا يشير إلى حالتنا وقت الآلام... إننا ننكر المسيح إذا تذمرنا وقت الآلام أو إذا تشككنا فى قصد الله وحكمته منها... إن كلمة الله بفم معلمنا بولس تؤكد أن إمتيازاتنا المقبلة فى السماء تعتمد على الآلام الحاضرة. لذا يقول بولس: «فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً. ورثة الله ووارثون مع المسيح. إن كنا نتألم معه لكى نتمجد أيضاً معه» (رو 8: 17).

● يقول الرب يسوع فى سفر الرؤيا «مَن يغلب فسأعطيه ان يجلس معى فى عرشى، كما غلبت أنا أيضاً وجلست مع أبى فى عرشه» (رؤ 3: 21)... وكيف نغلب؟ الإجابة من فم يوحنا الرسول: «من هو الذى يغلب العالم إلاَّ الذى يؤمن أن يسوع هو ابن الله» (1يو 5: 5)... والإيمان بابن الله يرتبط بآلامه وصليبه، لأن بولس بعد أن قال إن لا شئ من الشدائد والضيقات تقدر أن تفصله عن محبة الله وأننا «من أجلك نمات كل النهار قد حسبنا مثل غنم للذبح». قال بعدها مباشرة: « ولكننا فى هذه جميعها يعظم إنتصارنا بالذى أحبنا» (رو 8: 35 - 37).

● إن بولس أراد أن يتشبه بسيده وقال: «لأعرفه وقوة قيامته وشركة ألامه متشبهاً بموته» (فى 3: 10)... هذه الكلمات تعبّر عن رغبة بولس أن يجاهد ويتألم مع المسيح، لأنه أراد أن يتشبه بسيده فى أمجاده.

[Place Image #07 here].

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

مشجعات لاحتمال الألم

لماذا يسمح الله بالألم

المحتويات
المحتويات