مدرسة الألم

مدرسة الألم

ماذا نقصد بمدرسة الألم؟

● فى موضوعنا السابق والأول فى هذه السلسلة. تكلمنا عن الألم كظاهرة عامة تشمل البشر جميعاً بلا استثناء، بصرف النظر عن أجناسهم أو أعمارهم أو ثقافاتهم أو دياناتهم... وكون الألم ظاهرة عامة وُضعَ للجميع أن يتعاملوا معها سواء أرادوا أم لم يريدوا، فهو – والحال هذه – بمثابة المدرسة التى يتدرب فيها الإنسان على إحتمال الألم ومواجهته والاستفادة منه... فالله الكلى الحكمة يريد أو يسمح أن يتألم الإنسان فى بعض الأحيان لخيره... والمهم أن يفطن الإنسان لذلك، فيعمل على الاستفادة من كأس الألم فى كل تجربة تعرض له، أو تسعى إليه، موقناً أن هناك حكمة إلهية من هذا الألم. وهذه الحكمة الإلهية هى بلا شك لخيره... لكن إن لم يفعل ذلك، فأمر الله نافذ، والتجربة واقعة لا محالة... ومسكين هذا الإنسان لأن التجارب تحل به ومعها الآلام، لكنه للأسف الشديد لا يعرف كيف يستفيد منها!!

● ومدرسة الالم مدرسة كبيرة ضخمة، تتعدد فيها المستويات تبعاً لقدرات البشر على تحمّل الآلام.

كما أن فيها مناهج متعددة، بهدف إعداد الإنسان لمواجهة الآلام والاستفادة منها دون تذمرّ.

● والمعلم الأكبر فى هذه المدرسة هو الرب يسوع المسيح نفسه الذى دعاه النبى قديماً رجل أوجاع ومختبر الحزن

(إش 23: 3) على يديه تتلمذ جميع الأبرار والقديسون الذين بتخرجهم فى هذه المدرسة صاروا هم الآخرين معلمين فيها... لكننا فى موضوع هذا المساء سوف نركز دراستنا للمعلم الأكبر ربنا يسوع. أما بقية المعلمين الذين أشرنا إليهم، فقد أرجأنا الحديث عنهم إلى الموضوع الآخري من هذه السلسلة...

● ومدرسة الألم شأنها شأن بقية المدارس الفكرة والعلمية وغيرها – لكى ينجح الدارس فيها – يحتاج إلى الاستفادة من منهج الرب يسوع المعلم الأكبر، فى مواجهته للآلام، والتشبه به، والسير على دربه. ذاك الذى تنبأ عنه إشعياء النبى قديماً.. «من ذا الآتى من آدوم بثياب حمر من بُصرة. هذا البهى بملابسه، المتعظم بكثرة قوته. أنا المتُكلم بالبرّ العظيمُ للخلاص. ما بال لباسك محمرّ وثيابك كدائس المعصرة. قد دست وحدى، ومن الشعوب لم يكن معى أحد. فدستهم بغضبى، ووطئتهم بغيظى، فَرُش عصرهم على ثيابى فلطختُ كل ملابسى» (إش 63: 1 - 3).

● ولا نجانب الصواب إذا قلنا أن مدرسة الألم، هى المدرسة التى يتدرّب فيها المؤمن على حمل الصليب،

وبالنسبة للصليب وحمله. فالمؤمن ليس حراً فى أن يحمله أو لا يحمله. لأن حمله شرط لتبعية الرب حتى الجلجثة.

● والآن نتقدم لدراسة ما يتعلق بمدرسة الألم، من خلال استعراض حياة مخلصنا منذ طفولته حتى صلبه...

السيد المسيح فى مدرسة الألم:

1 - الرب يسوع فى طفولته:

● لا نعدو الحقيقة إن قلنا إن السيد المسيح وُلد وهو يحتضن الصليب، على الرغم مما أعلنته ملائكة السماء من فرح بولادة هذا الطفل الإلهى... «ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب... المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة» (لو 2: 10، 14)... وكلنا نعلم قصة مجئ المجوس من المشرق، ولقائهم بهيرودس ملك اليهود، وما اعقب ذلك من مذبحة أطفال بيت لحم من ابن سنتين فما دون. كانت الخلائق السمائية فرحة. وكان الكهنة اليهود يعلمون أن المسيح يولد فى بيت لحم اليهودية. وجاء المجوس من المشرق ليسجدوا له ويقدّموا له هداياهم... ووسط كل ذلك يصدر هيرودس أمره بقتل الأطفال، على أمل أن يكون الرب يسوع واحد منهم. وبذلك – دون أن يدرى – أتم هيرودس نبوءة إرميا النبى: «صوت سمع فى الرامة نوح وبكاء وعويل كثر. راحيل تبكى على أولادها ولا تريد أن تتعزّى لأنهم ليسوا بموجودين».

● إذاً كان هيرودس يريد قتل الرب يسوع وهو بعد طفلاً. لكن الله أحبط مؤامرته،

وأخذ يوسف خطيب مريم العذراء توجيهاً من ملاك الرب فى حلم، بأن يقوم ويأخذ الصبى وأمه ويهرب إلى مصر ويظل بها حتى يُعلن له... أطاع يوسف لتوّه حتى أنه «قام وأخذ الصبى وأمه ليلاً وانصرف إلى مصر» (مت 2).

● كانت الرحلة إلى مصر – تلك التى بدأت ليلاً – رحلة شاقة من بلاد فلسطين إلى مصر. كان الرحلة على دابة. وطبيعى أن تكون مثل هذه الرحلة شاقة والمسافة طويلة... ونضيف إلى مشاق الرحلة، مصاعب الغربة فى أرض غريبة. هذا فضلاً عن أن العائلة المقدسة التى تألفت من يوسف النجار والعذراء مريم والطفل الرب يسوع –.

لم تستقر فى مكان واحد. لكنها ظلت تنتقل من مكان إلى مكان فى البلاد المصرية...

فى الوجه البحرى اولاً ثم فى صعيد مصر حتى وصلت إلى أسيوط... وكأنى لكلمات الرب يسوع «للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار. وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه» (مت 8: 20)، والتى قالها فى مدة خدمته، إنما إنطبقت عليه حتى فى طفولته!!

● لكن ما لنا نفكر فى مشاق الرحلة جسدياً، ولا نفكر فيها إلهياً؟! كان الرب يسوع فى تلك الفترة طفلاً من ناحية قامته الجسدية، ولكنه كان كاملاً فى لاهوته، وبالتالى كان كاملاً فى معرفته وفى كل شئ... ما هذا الذى حدث ويحدث؟! لقد أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس (فى 2: 7). فعل ذلك من أجل خلاص البشر، وفى مقدمتهم خاصته اليهود... لكنهم فى البدء – من وقت مولده رفضه كهنتهم، بل إن ملكهم هيرودس السفاح سفك دماء أطفال بيت لحم الأبرياء... هذا فى الوقت الذى تهللت فيه الخلائق السمائية معلنة البشرى للرعاة، بل حتى الطبيعة الجامدة أيضاً ممثلة فى النجم الذى قاد المجوس من بلاد المشرق... ومع ذلك وقف اليهود منه – وهم خاصته الذين «لهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد. ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد» (رو 9: 4، 5)... وقفوا منه منذ البداية هذا الموقف... إذا لم تكن بداية آلام المخلّص فى الأسبوع الأخير من حياته بالجسد على الأرض، لكنها بدأت وظهرت منذ طفولته... لم يرفضه الشعب اليهودى أمام بيلاطس الرومانى الوثنى، لكنهم رفضوه منذ الطفولة... إنه رفض مع سبق الإصرار...

● استطالت مدة إقامة العائلة المقدسة فى مصر إلى ما يقرب من أربعة سنوات على أرجح الآراء. وكانت عودتها إلى بلاد فلسطين بناء من حلم أعلن ليوسف خطيب العذراء مريم بعد أن مات هيرودس... لكن رغم ذلك لم تنته المشقة، لأن إرّخيلاوس ابن هيرودس ملك خلفاً لأبيه. كان المفروض أن تعود العائلة المقدسة إلى اليهودية، لكنها قصدت الجليل بناء على توجيه لملاك الرب فى حلم ليوسف. وفى الجليل سكن فى الناصرة إحدى مدنها... ويبدو أن سكان هذه المدينة كانوا عصاة حتى قيل: «أمن الناصرة يمكن أن يكون شئ صالح» (يو 1: 46)!!

● إذاً لقد كانت الآلام فى إنتظار الرب يسوع طفلاً فى كل مكان إتجه إليه...

إن عدو الخير يتربص بنا الدوائر ونحن بعد أطفالاً... لذا رتبت كنيستنا بكمة فى سرّ العماد المقدس وضمن صلواته، طقس جحد الشيطان والاعتراف بالإيمان المسيحى، حتى يصبح من ينال سر العماد صغيراً كان أم كبيراً إبناً لله بالميلاد الثانى الذى من الماء والروح... وكنصيحة نقول إنه على الرغم من براءة الأطفال فيجب تحصينهم وهم بعد صغاراً بالتناول من جسد الرب ودمه الأقدسين، اللذين ترتعب منهما الشياطين، فضلاً عن إتاحة الفرصة للأطفال أن يحضروا القداسات وصلوات الكنيسة المقدسة.

2 - الرب يسوع فى خدمته:

● إن خدمة ربنا يسوع المسيح التى امتدت لأكثر من ثلاث سنوات حفلت بمناورات ومؤامرات كثيرة قام بها معلمو اليهود وفى مقدمتهم الكتبة والفريسيون للإيقاع به، ومحاولة إثبات خطأ وقع فيه... لكن الأناجيل الأربعة التى لم تأت على حياة رب المجد بالجسد بالتفصيل لأن هذا لم يكن هدف كاتبوها، إنما كان هدفهم لمَنْ كتبوا إليهم أن يؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكى تكون لهم بالإيمان به حياة باسمه (يو 20: 31)... نقول إن الأناجيل لم تدوّن بالتفصيل كل حياة المخلص...

لكن هناك إشارات عن مؤامرات معلمى اليهود كما سبق أن أشرنا...

فمثلاً يذكر متى فى إنجيله أن الفريسين «تشاوروا لكى يصطادوه بكلمة» (مت 22: 15). ويذكر مرقس فى إنجيله أنه بينما كان رب المجد فى أورشليم، أرسل إليه رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ «قوماً من الفريسيين والهيرودسيين لكى يصطادوه بكلمة» (مر 12: 13)... ويقول لوقا فى إنجيله: « وفيما هو يكلمهم بهذا إبتدأ الكتبة والفريسيون يحنقون حسداً ويصادرونه على أمور كثيرة، وهم يراقبونه طالبين أن يصطادوا شيئاً من فمه لكى يشتكوا عليه» (لو 11: 53، 54)... وعلى الرغم من الآلام التى سببتها أمثال هذه المؤامرات للرب يسوع، لكنه فى كماله تحداهم قائلاً: «من منكم يبكتنى (يُثبت علىَّ) على خطية» (يو 8: 46)...

ونأتى الآن على بعض الاتهامات الكاذبة التى آلمت نفس رب المجد...

● لسنا نشك فى أن أكثر ما سبّب آلاماً لنفس رب المجد يسوع هو إنكار معلمى اليهود لشخصه الإلهى وسلطانه ومعجزاته، ومحاولة تأويلها تأويلات شيطانية وصلت بهم إلى القول انه يستعين بقوة الشيطان فى إتيانه المعجزات، بل وصل بهم الأمر إلى حدّ إتهامه بالتجديف.. كم كانت آلامه النفسية وهو الذى كان يطوف ويكرز ببشارة الملكوت ويشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب (مت 4: 23؛ 9: 35). (انظر أع 10: 38)... ونعرض هنا لبعض الأمثلة:

● فى معجزة شفاء المفلوج الذى دلاّه أربعة بالحبال من سقف أحد البيوت فى كفر ناحوم،

حينما قال للمفلوج: «ثق يا بنى مغفورة لك خطاياك»، قال الكتبة الحاضرون فى أنفسهم: «هذا يجدّف. لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف. مَن يقدر أن يغفر خطايا إلاَّ الله وحده» (مت 9: 3؛ مر 2: 7؛ لو 5: 21)... وعلى الرغم من أن هذه الأفكار كانت تدور بعقولهم، لكن المسيح قدّم لهم ولجميع الحاضرين الدليل العملى على صحة ما قاله حينما قال للمفلوج: «لك أقول قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك. ففى الحال قام أمامهم وحمل ما كان مضطعاً عليه ومضى إلى بيته» (مت 9؛ مر 2؛ لو 5).

● نسبوا إليه الجنون، وقالوا عنه أنه مختل العقل

(مر 3: 21). بينما هو اللوغوس أو العقل الإلهى... الذى «كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان» (يو 1: 3)... «الذى به أيضاً عمل (الله) العالمين. الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته» (عب 1: 2، 3).

● ونسبوا إخراجه للأرواح النجسة وشفاءه الأمراض على أنه بقوة رئيس الشياطين. وقالوا إن معه بعلزبول. وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين (مت 9: 34؛ 12: 24؛ مر 3: 22؛ يو 7: 20؛ 8: 52؛ 10: 20).

● وقالوا عنه إنه سامرى وبه شيطان...

«السنا نقول حسناً إنك سامرى وبك شيطان» (يو 8: 48). كان العداء شديداً من اليهود والسامريين الذين إختلطت عبادتهم التوحيدية بالعبادة الوثنية. وبعد عودة اليهود من سبى بابل رفضوا أن يشترك السامريون معهم فى إعادة بناء هيكل أورشليم واحتقروهم... وبمرور الوقت صار العداء بين اليهود والسامريين تقليدياً. وصارت أشر النعوت التى صاغها اليهود قولهم عن أحد أنه سامرى، وهو ما وجهوه للرب يسوع.

● نزع اليهود عنه كونه أتى من السماء، بل إتهموه أنه ابن زنى.

قالوا له: «أليس هذا هو يسوع بن يوسف الذى نحن عارفون بأبيه وأمه. فكيف يقول هذا إنى نزلت من السماء» (يو 6: 42)... ولماذا قال اليهود ذلك. قالوه كنوع من التحقير... لقد نسوا تعاليمه التى لم يعلّم بها معلم أو فيلسوف. وعمل بينهم آيات لم يعملها أحد من قبل. وبعد كل ذلك قالوا عنه: «أليس هذا ابن النجار. أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا. أو ليست إخواته جميعهن عندنا. فمن أين لهذا هذا كله. فكانوا يعثرون به. اما يسوع فقال لهم، ليس نبى بلا كرامة إلاَّ فى وطنه وفى بيته» (مت 13: 54 - 57).

● فى إحدى المرات شفى مجنوناً أعمى وأخرس،

حتى أن الأعمى الأخرس تكلم وأبصر. وفى الوقت الذى بهتت كل الجموع بسبب المعجزة الباهرة الظاهرة أمام الجميع ولا سبيل لإنكارها، أنكر الفريسيون هذه المعجزة وقالوا: «هذا لا يخرج الشياطين إلآَّ ببعلزبول رئيس الشياطين» وكان رد المسيح عليهم بديهياً ومقنعاً. لأنه إذا كان مرض هذا الإنسان بسبب الشيطان، فكيف يُخرج الشيطان شيطاناً. إذن لقد انقسم الشيطان على ذاته. وكل شئ ينقسم على ذاته لا يثبت (مت 11: 22 - 29)... وأضاف المسيح إلى ذلك أن مثل هذا الادعاء والاتهام هو إنكار للاهوته وهو تجديف على الروح القدس لا يغفر لا فى هذا العالم ولا فى الآتى (مت 12: 32).

● لقد عانى الرب يسوع من اليهود خاصته حتى قال فيهم:

«زمرّنا لكم فلم ترقصوا، نُحنا لكم فلم تبكوا.

لأنه جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزاً ولا يشرب خمراً فتقولون به شيطان. جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون هذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخاطة. والحكمة تبررت من جميع بنيها» (مت 11: 17 - 19؛ لو 7: 32 - 34).

3 - الرب يسوع فى جثسيمانى:

● تكلمنا فيما سبق عن آلام الرب يسوع فى طفولته ثم فى خدمته والإهانات التى وجهت إليه من خدام الدين اليهود... كان خلالها هادئاً، وكانت ردوده تتّسم بالبساطة والحكمة والإقناع... والآن نصل إلى المرحلة التى سبقت الصلب مباشرة، حيث نرى الرب يسوع فى بستان جثسيمانى يعتصره الألم النفسى، حتى أن عرقه كان يتصبب من جبينه الطاهرة كقطرات دم من فرط آلامه... الرب يسوع الذى أخلى نفسه آخذاً صورة عبد، كان يتجرع كأس غضب.

الله الذى يستحقه الإنسان الخاطئ... هنا نراه فى أعلى مراتب مدرسة الألم...

فلماذا حدث فى جثسيمانى ليلة آلام مخلصنا؟

(أ) الصلاة والسهر:

● يقول متى الإنجيلى: «حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يُقال لها جثسيمانى فقال للتلاميذ إجلسوا ههنا حتى أمضى وأصلَّى هناك» (مت 26: 36). ويقول لوقا الإنجيلى: « وإذ كان فى جهاد، كان يصلى بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض» (لو 22: 44). كان رب المجد يسوع قاب قوسين أو أدنى من الصليب. لذى نرى المخلص يصلى ويجاهد فى الصلاة بلجاجة... كان السيد المسيح يصلى كآدم الثانى نائباً عن البشرية. لكنه من ناحية أخرى كان نموذجاً لنا فى مثل هذا الموقف... يقول بطرس الرسول: «لأنكم لهذا دعيتم. فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكى تتبعوا خطواته» (1بط 2: 21). ونلاحظ هنا أن الرسول يربط بين تألم المسيح والمثال الذى يجب أن نتبع خطواته.

● ابتعد الرب يسوع عن تلاميذه الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا، وصلى ثم عاد إليهم فوجدهم نياماً، فقال لبطرس:

«أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة. اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا فى تجربة»

(مت 26: 41)... إنه هنا يقرن الصلاة بالسهر. وهذا هو الدرس الثانى فى جثسيمانى... ويقول القديس لوقا أن الرب لما وجد تلاميذه نياماً قال لهم: «لماذا أنتم نياما. قوموا وصلوا لئلا تدخلوا فى تجربة» (لو 22: 46).

● فيما يختص بالصلاة، فلقد امتلأت الأناجيل بالكثير من تعليم رب المجد عن وجوب الصلاة وفعاليتها وشروطها إبتداء من العظة على الجبل. وكثيراً ما ذكرت الأناجيل أنه كان يمضى الليل كله فى الصلاة (مت 14: 23؛ مر 1: 35؛ 6: 46؛ لو 5: 16؛ 6: 12؛ 9: 18، 28)... وإذا كان قد علّم كثيراً عن الصلاة، فقد علّم أيضاً عن السهر مقترناً بتجاوز التجارب... وفى بستان جثسيمانى، قبيل أن يذهب للصلاة على إنفراد، أوصى تلاميذه الثلاثة: «إمكثوا واسهروا معى» (مت 26: 28)... وبعد أن عاد ووجدهم نائمين قال لهم: «أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة. اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا فى تجربة» (مت 26: 41).

(ب) التسليم الكامل لله الآب:

● نحن لا نعلم تماماً ماذا كانت تحوى مناجاة الرب يسوع مع الآب... لكن هناك فقرة أبرزها الإنجيليون فى هذه المناجاة: «يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس. ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت» (مت 26: 39)... ومرة ثانية يردد فى صلاته: «يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عنى هذه الكأس إلاَّ أن أشربها فلتكن مشيئتك» (مت 26: 42)... وعلى الرغم من أن يسوع ليس له سوى مشيئة واحدة هى نفس مشيئة الآب. ومع ذلك فهو يعلّمنا أن نسلّم مشيئتنا لله الآب. ولعل فى هذا تأكيد لما علمنا إياه فى الصلاة الربية: «لتكن مشيئتك».

● نحن فى التجارب التى تعرض لنا بحاجة ماسة إلى التسليم لله أبينا الذى يحبنا، ويتمم مشيئته بحكمة... لقد أتم الرب يسوع مشيئة الآب التى هى مشيئته...

«ثم قلت هنذا أجئ فى دَرْج الكتاب مكتوب عنى لأفعل مشيئتك يا الله... ثم قال هنذا أجئ لأفعل مشيئتك يا الله» (عب 10: 7، 8).

● لنلاحظ أن هناك ألماً بحسب مشيئة الله، الذى يقول عنه بطرس الرسول: «فإذا الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فلستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين فى عمل الخير» (1بط 4: 19)... فى سفر أيوب نرى الألم الذى حسب مشيئة الله... فعلى الرغم من أن الكتاب يشهد عن أيوب أنه كان «رجلاً كاملاً ومستقيماً يتقى الله ويحيد عن الشر» (أى 1: 1). ومع ذلك فقد سمحت مشيئة الله أن يتألم ذلك الرجل الكامل المستقيم بأشد أنواع العذاب... «سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب» (يع 5: 11). وعاقبة الرب أنه أعاد له جماله وأملاكه... لقد قال الآب عن ابنه: «هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت»، ومع ذلك نقرأ: «أما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن» (إش 53: 10).

[Place Image #01 here].

(ﺟ) خيانة يهوذا والقبض على يسوع:

إن ما فعله يهوذا مع معلمه فى جثسيمانى صار عبر الأجيال مضرباً للأمثال فى الخيانة. جاء يهوذا ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. ثم تقدم يهوذا إلى الرب وقبّله وقال السلام يا سيدى... كانت القبلة هى العلامة التى أعطاها يهوذا لأتباعه من الرعاع ليقبضوا على الرب يسوع (مت 26: 47 - 50)... قال الرب يسوع ليهوذا:

«يا يهوذا أبقبلة تسلّم ابن الإنسان» (لو 22: 48)...

قال الرب يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه: «كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى. إذ كنت معكم كل يوم فى الهيكل لم تمدّوا علىَّ الأيادى. ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة» (لو 22: 52، 53)... إن الحديث عن خيانة يهوذا التلميذ يحتاج إلى حديث طويل، لأننا نرى خياناتنا لمخلصنا فى شخص يهوذا وخيانته... لقد خان يهوذا المسيح مرة واحدة حينما أسلمه لمَنْ قبضوا عليه، أما نحن فخياناتنا تتكرر كل يوم حتى الآن... كم تكون آلام السيد النفسية؟! يكفى تعبير داود عن يهوذا وخيانته: «كل مبغضىّ يتناجون معاً علىَّ. علىَّ تفكروا بأذيتى... أيضاً رجلُ سلامتى الذى وثقت به، آكل خبزى رَفَعَ علىَّ عقبه» (مز 41: 7، 9)... وماذا كانت نهاية يهوذا الخائن. لقد إنتحر بعد أن رد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلاً: «قد أخطأت إذ سلّمت دماً بريئاً... ثم مضى وخنق نفسه» (مت 27: 3 - 5).

(د) هرب التلاميذ:

بعد أن ألقى الرعاع اليهود – يتقدمهم يهوذا التلميذ الخائن وقواد جند الهيكل والشيوخ – القبض على الرب يسوع، يقول مرقس فى إنجيله: «فتركه الجميع وهربوا» (مر 14: 50)...

أين بطرس الذى قال لمعلمه: « وإن شكّ فيك الجميع فأنا لا أشك أبداً» (مت 26: 33)

كما قال له: « ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك». ونفس هذا القول ردده أيضاً جميع التلاميذ (مت 26: 35)... أين بطرس وبقية التلاميذ. هل نسوا معلمهم ومحبته لهم... هل مُحيت من أذهانهم كل معجزاته التى تدل على حقيقته الإلهية. لقد صحبوه أكثر من ثلاث سنوات. أين ذهبت أحداث هذه السنوات والمعجزات التى تمت خلالها. هل نسوا سلطانه على كل الكائنات التى تدل على ألوهته... لكنه الضعف البشرى الذى مازال فينا ومازال يسبب آلاماً مبرحة لمخلصنا... لقد تمت كلمات المخلص: «هوذا تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونى وحدى» (يو 16: 32).

4 - إنكار بطرس:

وكأن ما حدث فى بستان جثسيمانى لم يكن كافياً ليملأ كأس آلام المخلص، فأتى بطرس لكى يزيد آلاماً هذه الكأس... لقد أبدى بطرس حباً ظاهرياً حينما تبع معلمه إلى دار قيافا رئيس الكهنة، ودخل إلى داخل الدار، وجلس بين الخدام لينظر النهاية... بطرس الذى قال له: « ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك». بطرس هذا أنكره ثلاث مرات. المرة الأولى أمام جارية وحينما واجهته الجارية أنكر أمام الجميع. والمرة الثانية أمام جارية أخرى. والمرة الثالثة أمام الحاضرين الذين قالوا له «إن لغتك تظهرك»... وتمت كلمات المسيح عن بطرس أنه قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرنى ثلاث مرات (مت 26).

كان إنكار بطرس أكبر التلاميذ سناً ذا واقع مؤلم جداً على نفس السيد. لكن الأمر نكرره مرات كثيرة فى حياتنا وتصرفاتنا.

ونتوقف عند هذا الحد، ولا نتعرض لآلام المخلص فيما يختص بصلبه لأن هذا يحتاج إلى موضوع مستقل.

[Place Image #02 here].

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

المحبة إعداد للألم

المسيحية ومفهوم جديد للألم

المحتويات
المحتويات