المحبة إعداد للألم
لا يمكن أن نعالج موضوع «المحبة إعداد للألم» دون أن نلقى نظرة على السيد المسيح مخلصنا، الذى كانت محبته للبشر هى الدافع لآلامه...
محبة المسيح وآلامه:
● بين آلام السيد المسيح لخلاص البشر، ومحبته لهم صلة وثيقة... فالسيد المسيح لم يُدفع دَفعاً لاقتبال الآلام التى إنتهت بالصليب، لكن محبته للبشر هى التى دفعته إلى ذلك... ولا نعدو الحقيقة إن قلنا إن محبة السيد المسيح لخلاص العالم، هى التى قادته إلى الصليب، وليس اليهود بحقدهم وكراهيتهم... فقد كان بإمكانه ألا يتألم ويُصلب، لكنه لهذا أتى إلى العالم... « وأنا أضع نفسى عن الخراف... ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتى. لى سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية قبلتها من أبى» (يو 10: 15 - 18)... إذاً لم يُصلب المسيح عنوة وقهراً رغم إرادته. لكنه بكامل سلطانه وإرادته إحتمل الآلام حتى الصليب... وإلى هذا يشير معلمنا القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين «ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع، الذى من أجل السرور الموضوع أمامه، إحتمل الصليب مُستهيناً بالخزى» (عب 12: 2، 3)... لنذكر هذه العبارة «من أجل السرور الموضوع أمامه»... إذاً لقد كان مسروراً وهو يتألم عنا...
● وفى بستان جثسيمانى ليلة آلام،
حينما أقبل يهوذا ومعه الجند وخدام من عند رؤساء الكهنة والفريسيين ورعاع الشعب ليقبضوا على الرب يسوع، يقول يوحنا فى إنجيله: «فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتى عليه، وقال لهم: مَن تطلبون. أجابوه يسوع الناصرى. قال لهم يسوع: أنا هو... فلما قال لهم إنى أنا هو، رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض. فسألهم أيضاً من تطلبون فقالوا يسوع الناصرى. أجاب يسوع قد قلت لكم إنى أنا هو. فإن كنتم تطلبوننى فدعوا هؤلاء يذهبون ليتم القول الذى قاله إن الذين أعطيتنى لم أهلك منهم أحداً» (يو 18: 4 - 9)... كان بإمكان الرب يسوع أن يهرب منهم لو أراد. لقد رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض. ثم لنتأمل فى مطلب الرب يسوع... «دعوا هؤلاء (تلاميذه) يذهبون، ليتم الذى قاله إن الذين أعطيتنى لم أهلك منهم أحداً»... إن هذه الكلمات تذكرنا بقول الرب يسوع فى ختام زيارته لبيت زكا: «ابن الإنسان قد جاء لكى يطلب ويخلّص ما قد هلك» (لو 19: 10).
● يقول يوحنا فى إنجيله: «أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم أحبهم إلى المنتهى» (يو 13: 1)... ماذا تعنى كلمات يوحنا حبيب الرب «أحبهم إلى المنتهى»... ماذا يعنى المنتهى بالنسبة ليوحنا الذى تبعه حتى الصليب... إنها تعنى أنه أحبهم حتى موته على الصليب. فهذا هو المنتهى فى حياة المسيح بالجسد على الأرض.
● والسيد المسيح يربط الحب بالآلام والموت، فيقول: «ليس لأحد حب أعظم من هذا، أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه» (يو 15: 12)... والمعنى من هذه العبارة أن السيد المسيح مات عن أحبائه، وهذا هو المقياس الحقيقى للحب.
وفى حديثه مع نيقوديموس رئيس اليهود الفريسى «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16). والمقصود بالبذل الموت على الصليب، وما سبق ذلك من آلام...
وحتى فى أشد ساعات حياته ألماً على الصليب، لم يتخلّ لحظة واحدة عن محبته لأعدائه الذين صلبوه، فيقول لأبيه السماوى: «يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (يو 23: 34)...
● والقديس بولس الرسول فى عبارة واحدة يجمع بين محبة الله وآلام المسيح، فيقول:
« ولكن الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا» (رو 5: 8).
مباركة أنتِ أيتها المحبة، يا مَن غلبتِ الموت وقهرتِ الهاوية، واستهنتِ بالخزى والعار والألم...
صلة المحبة بالألم:
● فى موضوعنا هذا، لابد ان نشير بوضوح إلى أن ثمة فارق جوهرى بين محبة المسيح وآلامه، ومحبة الإنسان وآلامه...
فالمسيح الكامل فى صفاته الإلهية لم تكن المحبة فى ذاته الإلهية تعدّه للألم واقتباله وإحتماله. فهذا تدبير أزلى من أجل فداء الإنسان الذى سقط فى الخطية والمعصية. وعلى ذلك فالمسيح له المجد لم يكن بحاجة لأن تعده المحبة لاقتبال الآلام. أما بالنسبة للإنسان فالأمر مختلف... الإنسان يتدرب ويتدرج بالمحبة لإحتمال الآلام على نحو ما ذكرنا فى الموضوع السابق «مدرسة الألم». انه – أى الإنسان – باعتباره من البشر ينمو فى روحياته ويتكمّل فيها شيئاً فشيئاً.
(أ) الألم عن حب شركة مع المسيح الذى تألم ويتألم:
● إذا كان السيد المسيح هو المحبة ذاتها «الله محبة»، وإذا كان قد تألم حباً فى البشر. فلا شك أن كل من يحبه عليه أن يشاركه آلامه لكى يشابه صورته (رو 8: 29)... بل إن الألم مع المسيح ولأجله إنما هو الدليل العملى على محبته له.
● أول مرة نلتقى فى العهد الجديد بالقديس بولس الرسول (شاول الطرسوسى)، كان فى مقتل استفانوس أول شهيد مسيحى...
فقد وضع راجموه ثيابهم «عند رجلى شاب يقال له شاول... وكان شاول راضياً بقتله» (أع 7: 58؛ 8: 1)... ومن المفيد فى هذا المقام أن نذكر قصة إهتداء شاول إلى المسيحية...
● بعد استشهاد استفانوس يذكر سفر أعمال الرسل: «أما شاول فكان لم يزل ينفث تهدداً وقتلاً على تلاميذ الرب» (أع 9: 1)... وبعدها مباشرة يروى قصة سفر شاول إلى دمشق حاملاً معه رسائل من رئيس كهنة اليهود بقصد القبض على المؤمنين بالمسيح ويسوقهم موثقين إلى أورشليم...
وعند مشارف دمشق حدث ما لم يكن أحد يتوقعه على الإطلاق... لقد أعلن الرب نفسه لشاول
وهو قاب قوسين أو أدنى من تحقيق غرضه ضد المسيحيين، الأمر الذى إنتهى به إلى الإيمان بالمسيح المخلّص.
وما يهمنا فى هذا، أن الرب يسوع بادر شاول بقوله: «شاول شاول لماذا تضطهدنى».
ولما استعلم شاول عن شخصية الذى يكلمه، أجابه: «أنا يسوع الذى أنت تضطهده» (أع 9: 4، 5)...
● لنتأمل فى كلمات الرب «لماذا تضطهدنى... أنا يسوع الذى أنت تضطهده» لم يرّ شاول الطرسوسى (القديس بولس) المسيح بالجسد. ولقد صعد الرب يسوع إلى السماء قبل لقاء دمشق بنحو ست أو سبع سنوات، ومع ذلك يقول له: «لماذا تضطهدنى؟! » إنه يعتبر آلام المؤمنين به آلاماً له، واضطهادهم إضطهاداً له...
● ثم يظهر السيد المسيح بعدها مباشرة إلى حنانيا الذى يذكر التقليد المسيحى أنه كان أسقفاً على دمشق وأحد السبعين رسولاً، ويأمره فى رؤيا أن يذهب إلى شاول ويحدد له مكان إقامته... كانت دهشة حنانياً كبيرة وقال للرب:
«قد سمعت من كثيرين عن هذا الرجل، كم من الشرور فعل بقديسيك فى أورشليم. وههنا له سلطان من قبل رؤساء الكهنة أن يوثق جميع الذين يدعون باسمك»...
فكان رد الرب يسوع على حنانيا «إذهب لأن هذا لى إناء مختار ليحمل اسمى أمام أمم وملوك وبنى إسرائيل. لأنى سأريه كم ينبغى أن يتألم من أجل اسمى» (أع 9: 10 - 16)... هل هذا هو جزاء من يلبى دعوتك ويظهر طاعته الفورية لها فيؤمن بك؟!... نعم هذا هو جزاؤه ليس إنتقاماً، بل بركة من البركات التى يخصه الرب بها.
● فى إحدى المرات قال بطرس للرب يسوع نيابة عن بقية التلاميذ:
«ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك فماذا يكون لنا».
أجابه الرب: «الحق أقول لكم ليس احد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل إلاَّ ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً وإخوة وأخوات وأمهات وأولاد وحقولاً مع اضطهادات وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية» (مت 19: 27 - 29؛ مر 10: 28 - 30)... لنلاحظ أن الرب يسوع يحصى الاضطهادات فى الحياة الحاضرة ضمن البركات...
● فى العظة على الجبل فى فاتحة خدمته يقول الرب يسوع المسيح: «احبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. إحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم» (مت 5: 44). ولقد شتم المسيح وأهين وعيّر ويأتى رسله ويعلّمون عن مشاركته فى الألم... يقول القديس بطرس فى رسالته الأولى عن المسيح: «الذى إذ شُتم لم يكن يشتم عوضاً. وإذ تألم لم يكن يهدد، بل كان يسلّم لمَن يقضى بعدل... غير مجازين عن شرّ بشر أو عن شتيمة بشتيمة بل بالعكس مباركين، عالمين أنكم لهذا دعيتم لكى ترثوا بركة» (1بط 2: 23؛ 3: 9).
● ويقول معلمنا القديس بولس الرسول: «نُشتم فنبارك. نضطهد فنحتمل. يُفترى علينا فنعظ. صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شئ إلى الآن... أسرّ بالضيقات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح. لأنى حينما أنا ضيعف فحينئذ أنا قوى» (1كو 4: 12؛ 2كو 12: 10). عجيب أمر الرجل بولس هذا!! هل يُسَرّ مسرته هى أنها «لأجل المسيح»... وماذا يعنى بقوله «لأنى حينما انا ضعيف فحينئذ انا قوى»... نعم ضعيف فى نظر الناس، ولكنه قوى فى نظر الله الذى يشاركه آلامه وضيقاته واضطهاداته... بل إن هذه القوة لا توافينا إلاَّ حينما نتشبه بالمسيح ونشاركه آلامه... إن القوة الروحية وما يتبعها تكلم حينما نكون «مشابهين صورة ابنه» (رو 8: 29)... لا عجب إن قال بولس ذلك، فهو القائل: «لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته» (فى 3: 10).
(ب) الألم عن حب شهادة للمسيح وسط العالم:
● كان وما يزال الألم الذى كابده ويكابده المسيحيون حتى الآن من أجل إيمانهم المسيحى، شهادة حيّة وقوية على صدق المسيح وتعاليمه... لقد جازت الديانة المسيحية إمتحانات صعبة للغاية، كلفت أبناءها كل ما يملكون، بل كلفتهم حياتهم ذاتها... ورغم هذه الامتحانات الصعبة خرجت المسيحية منها أكثر قوة وثباتاً، وأكثر عدداً من جهة عدد أتباعها... وحياة المؤمنين الحقيقيين والمعترفين والشهداء شاهد قوى على صدق هذا الكلام... وعلى نحو ما تختبر المعادن الثمينة بالنار، هكذا يختبر الإيمان المسيحى بالآلام والشدائد والضيقات والاضطهادات... ومن هنا فإن الآلام التى إحتملها المؤمنون المسيحيون عبر العصور – أياً كانت هذه الآلام – شهادة للمسيح والإيمان باسمه وسط العالم... وليس من المبالغة إن قلنا أن الشهادة للمسيح وسط الآلام الشديدة المروّعة، كان لها أثر أكبر فى إنتشار الإيمان المسيحى طولاً وعرضاً وعمقاً، من كرازة الكارزين والمبشرين. فكم ربح ثبات المسيحيين واحتمالهم للعذابات كثيرين من غير المؤمنين.
● كان أحد هؤلاء هو الفيلسوف الوثنى يوستينوس
الذى وفد فى النصف الثانى من القرن الأول، ولما آمن بالمسيح صار واحداً من أكثر المدافعين عن المسيحية... يقول: [ها أنت تستطيع أن ترى بوضوح، انه حينما تقطع رؤوسنا ونُصَلب ونلقى للوحوش المفترسة، ونقيّد بالسلاسل، ونلقى فى النار، وكل أنواع التعذيب، أننا لا نترك إيماننا وديانتنا باسم يسوع المسيح. إن الكرّام يقطع أغصان الكرمة التى تحمل ثماراً حتى تنمو أغصان أخرى. وهذا يصّيرها أكثر حيوية واكثر إثماراً. وهذا ما يحدث معنا. فالكرمة التى غرست بواسطة الله مخلصنا يسوع المسيح هى شعبه].
● ويقول الشهيد والفيلسوف يوستينوس أيضاً:
[فى الوقت الذى كنت أستمتع فيه بمبادئ أفلاطون، وفى الوقت الذى كنت أستمع فيه إلى المصائب التى يكابدها المسيحيون، قلت لنفسى: حيث أنى رأيتهم لا يرهبون الموت حتى وسط الأخطار التى يعتبرها العالم مرعبة، فمن المستحيل أن يكونوا إناساً يعيشون فى الشهوة والجرائم].
● ويقول العلامة ترتليانوس
الذى عاش وسط الاضطهادات الوثنية فى القرنين الثانى والثالث، موجهاً كلامه إلى الحكام الوثنيين: [استمروا فى تعذيبنا. اصحنوننا إلى مسحوق. فإن أعدادنا تتزايد بقدر ما تصحنوننا. إن دماء المسيحيين لهى بذار محصولهم. إن عنادكم هو فى ذاته معلّم. لأنه مَن ذا الذى لا يتحرك بالتأمل فيما تعملونه، ليستعلم عن حقيقة الأمر. ومن ذا الذى بعد أنضمامه إلينا لا يشتاق إلى التألم؟!].
● ويقول الشهيد كبريانوس أسقف قرطاجنة
وهو يصف شهادة المسيحيين للمسيح وسط الآلام: [لقد كان المعذَّبون أكثر شجاعة من معذبيهم، إذ غلبت الأعضاء المضروبة الممزقة الآلات التى ضربتها ومزّقتها. لقد كانت السياط تكرّر الجلدات بكل ما فيها من قوة، لكنها لم تقدر أن تهزم الإيمان غير المنظور].
(ﺟ) المحبة تزيد طاقة المؤمن فى إحتمال الآلام:
● المحبة تعبئ الإنسان بطاقات كبيرة فى أى مجال من المجالات. ولا عجب فى ذلك.
فالمحبة «تحتمل كل شئ» (1كو 13: 7)، بمعنى أنها تستهين بكل الصعاب والضيقات والأحزان حتى الموت ذاته
«من أجلك نمات كل النهار» (رو 8: 36؛ مز 44: 22). والقديس بولس فى رسالته إلى أهل رومية حين يتكلم عن المحبة ومعوّقاتها يقول: «مَن سيفصلنا عن محبة المسيح. أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف... فإنى متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التى فى المسيح يسوع ربنا» (رو 8: 35 - 39).
● المحبة تمدّ الإنسان بقوة علوية، تعين المؤمن على تنفيذ وصايا السيد المسيح... إنها القوة التى تحوّل المرارة إلى حلاوة، والأعداء إلى أحباء. إنها القوة التى تعين على العطاء والبذل وقطع الميل الثانى، وتحويل الخد الأيسر بعد الخد الأيمن... إنها تعطى قوة ونعمة على حمل الصليب أياً كان هذا الصليب، سواء كان صليب مرض أو عوز أو إزدراء أو إضطهاد أو زيجة... إلخ... الإنسان الذى يحسّ بثقل الصليب بإمكانه أن يلقيه عنه، لكن محبته للمسيح تمنعه عن ذلك وتجعله يستهين بثقل الصليب...
● ما أفضع بعض الأمراض بآلامها. وما أصعب بعض الزيجات بشقاقاتها. وما أشق الحياة الآن بضيقاتها وصعوبة العيش... إن هذه الأمثلة تجعل المؤمن الأمين يواجه إمتحانات صعبة كالارتداد عن الإيمان، ونزاهته وأمانته، وبالجملة وبحسب تعبير القديس بولس: «الخطية المحيطة بنا بسهولة» (عب 12: 1)... لكن شيئاً واحداً هو الذى يعين المؤمن على الثبات فى كل صنوف الآلام. هذا الشئ هو محبة الإنسان للمسيح، التى تجعله يستهين بكل المصاعب، ويظل مطيعاً للوصية...
● المحبة تصيّر الصعب سهلاً، والعسير هيناً، وما يبدو مستحيلاً يصبح ممكناً... ما أجمل كلمات قسمة الصوم الأربعينى المقدس... «الصوم والصلاة هما اللذان عمل بهما الأبرار والصديقون ولبّاس الصليب، وسكنوا فى الجبال والبرارى وشقوق الأرض،.
من أجل عظم محبتهم فى الملك المسيح»...
إن سكنى الجبال والبرارى وشقوق الأرض شئ فى غاية الصعوبة، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بتنفيذ عقوبة. لكن إذا كان الدافع إليه محبة المسيح فإنه يصبح شيئاً شهياً ومحبباً... وهذا الأمر ليس خاصاً بالنسّاك والمتوحدين والرهبان، لكن المسيحيين الأوائل فى عصور الاضطهاد، عاشوا هذه الحياة. ومازالت فى روما سراديب تحت الأرض سكنها المسيحيون الأوائل فى العصور الأولى. وتركوا آثارهم على جدرانها، تشهد بمحبتهم لإلهم...
● النفس المحبة تتطلع دائماً إلى محبوبها وتنشغل به... والمسيح هو محبوب نفوسنا. علينا أن نتطلع إليه دواماص فى كل أمر من الأمور التى تتصل بحياتنا... بعد أن زوّد الرب يسوع الإثنى عشر الذين إختارهم رسلاً بالنصائح، وكشف لهم عن مصاعب الخدمة التى سوف تقابلهم، قال لهم: «ليس التلميذ أفضل من المعلم، ولا العبد أفضل من سيده. يكفى التلميذ أن يكون كمعلمه والعبد كسيده. إن كان قد لقبّوه رب البيت بعلزبول فكم بالحرى أهل بيته» (مت 10: 24، 25)...
● ليتنا فى كل ما يقابلنا من ضيقات وشدائد وأحزان ومحن نتطلع إلى رب المجد رجل الأوجاع ومختبر الحزن... ولنرهب السمع إليه، وسنجده يعزينا فى كل آلامنا وشدائدنا بقوله لنا: «ليس التلميذ أفضل من معلمه، ولا العبد أفضل من سيده. يكفى التلميذ أن يكون كمعلمه والعبد كسيده»... والمعنى أنه يكفى أن تكون كالمسيح معلمك ومخلصك... تذكّر دائماً أنه يحمل الصليب ويتقدمك، وانه سلك الطريق الضيقة قبلك...
● واستعرض سريع لحياة الشهداء والمعترفين وسيرهم،
بل والمؤمنين القديسين تظهر لنا بكل جلاء ووضوح أن محبتهم جعلتهم يحتملون آلاماً تجلّ عن الوصف، ومجرد ذكرهم تقشعر لها الأبدان وتشيب لها الولدان... بل إن محبتهم لمسيحهم ساقتهم إلى أعظم التضحيات... كان شعارهم «لى الحياة هى المسيح والموت هى ربح» (فى 1: 21).
من أجلك يا سيدى:
● أيها الإله العجيب فى محبته، والمخلّص بنعمته. يا مَن ملأت قلوبنا من محبة لم يعرفها العالم لأنه لم يعرفك، بل سكبتها فى قلوبنا بروحك القدوس (رو 5: 5). أيها المسيح إلهنا يا مَن أتيت لأجل خلاصنا، وأحببتنا إلى المنتهى، واحتملت الآلام نيابة عنا، وسابقاً لنا. ومت ميتة العار حباً فى خلاص جبلتك... تعرّيت من ثيابك لتكسو الإنسان بحلة البرّ. وتكللت باكليل من شوك لكى ما تكللنا بالمجد والكرامة. وفى عطشك سقوك خلاً ممزوجاً بمرارة لتعطى الحلاوة لحلقنا... سمروا يديك الطاهرتين على عود الصليب حتى ما يظل حضنك مفتوحاً أبداً لكل الخطاة البؤساء. وتتم كلماتك: «مَن يقبل إلىَّ لا أخرجه خارجاً»، وحتى ما يرتمى المتعبون فى حضنك فتتم كلماتك: «تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم»...
● أيها الإله العجيب الذى طلب المغفرة لصاليبه:
«اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون»... إغفر لنا فتور محبتنا لك، واضرم قلوبنا بنار حبك المقدس... اعطنا القوة والثبات والعزيمة والشجاعة لكى نتبعك بلا تردد، مثبتين أنظارنا نحوك وحدك. معرضين عن كل المعطلات المعطلين وأشرار هذا العالم... اعطنا أن نحبك نحن غير المستحقين لمحبتك... واعطنا أن نكمّل آلامك، ونحمل صليبنا بشجاعة من أجلك، مستهينين بالخزى والعار والألم. فعارك. كما إختبره موسى نبيك وكليمك – غنى أعظم من خزائن مصر (عب 11: 26)...
● أيها الإله المحب الذى هو المحبة ذاتها،
ذوّقنا طرفاً من حبك وحينئذ نحسب كل الأشياء نفاية لكى نربحك ونوجد فيك (فى 3: 8، 9)... وزد إيماننا ويقيننا فى الرجاء المبارك لحياة الأبد معك، موقنين أن «خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً. ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التى تُرى. بل إلى التى لا تُرى. لأن التى تُرى وقتية وأما التى لا تُرى فأبدية» (2كو 4: 17، 18).
[Place Image #03 here].
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.