قصة هذا الكتاب
لهذا الكتاب قصة... فبعد عودتى من لندن فى شهر أكتوبر 1985، بعد أن أجريت لى عملية جراحية فى القلب، تلقيت عدة خطابات، بعضها مَمنْ لا أعرفهم، يطلبون فيها أن أصدر كتاباً يتضمن خبرتى مع الألم، خصوصاً وأن أول مؤلفاتى وهو كتاب بستان الروح الجزء الأول الذى صدر سنة 1960، صدّرته بمقدمة قلت فيها: [هذا الكتاب ثمرة من ثمرات الألم]... وأحسست أن الله يدعونى إلى الكلام والكتابة عن هذا الموضوع.
وحيث ان مادة جميع كتبى التى أصدرتها منذ سيامتى أسقفاً، كانت هى العظات التى ألقيتها فى آحاد الصوم الكبير من كل عام، لذا فقد عوّلت أن تكون سلسلة عظات آحاد الصوم الكبير لعام 1986 عن «المسيحية والألم». فكانت هى مادة هذا الكتاب الذى بين يديك أيها القارئ العزيز كما ألقيت.
على أن حجم هذا الكتاب لا يصل إلى مستوى حجم الكتب الصادرة قبله فى مناسبة الصوم المقدس. وما ذلك إلاَّ لظروفى الصحية التى لا تسمح أن أتكلم لمدة طويلة... لكنى على أية الحالات، تناولت موضوعاً حيوياً هاماً تلبية لرغبة كثيرين، فضلاً عن كونه موضوعاً هاماً يخص الجميع.
فمنذ وطأت قدماً الإنسان هذا الكوكب الذى يعيش فيه، وهو يعانى من الألم كعقاب عن خطيئته وعصيانه... والبشر جميعاً من نسل آدم عاشوا تحت وطأة الألم يعانون منه. وهذا ما يعبَّر عنه القديس بولس الرسول بأن الخليقة كلها تئن وتتمخض معاً... كل الخليقة: لا فرق بين إنسان وإنسان، ولا بين ذكر وأنثى، ولا بين كبير وصغير، أو جنس وجنس!!
وتاريخ البشرية حاف بصنوف المآسى والآلام التى حلّت بها... لكن السيد المسيح ابن الله مخلصنا، الذى حمل خطايا البشر على خشبة الصليب، وبالتالى إحتمل الآلام عنا، حوّل الألم من عقاب إلى بركة أو وسيلة لنوال البركات، ومن مرارة إلى حلاوة استعذبها القديسون... حتى أن الرسول بولس – وهو أحد الذين استعذبوا الألم من أجل إيمانه بالمسيح – حينما يتكلم عن الألم يذكره كهبة روحية تصاحب الإيمان بالمسيح، فيقول: « وُهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط، بل أن تتألموا أيضاً» (فيلبى 1: 29).
كم من أناس – حتى من بين المسيحيين – نتيجة إبتعادهم عن الله، وعدم تذوقهم لمحبته وجهلهم لحكمته، يعثرون بسبب الآلام. يضعفون أمامها، بل قد يصلوا إلى حدّ التجديف على السيد الرب، ناسبين إليه الظلم نتيجة جهلهم... وهكذا، مع الأسف الشديد، نراهم فيما هم يتجرعون كؤوس الألم رغم أنوفهم، يحرمون أنفسهم من بركته!!
لأن الإنسان مولود المرأة، طالما يحيا فى الجسد، لابد وأن يتألم لسبب أو لآخر، رأينا لزاماً علينا أن نعرض لموضوع الألم من منظار مسيحى روحى إيمانى. وذلك حتى – فيما نتألم غصباً وبغير إرادتنا – لا نفقد بركات الألم بسبب جهلنا وعدم إدراكنا لحكمة الله من ورائه... ولا يفوتنا الإشارة هنا إلى أن الحديث عن الألم فى المسيحية مرتبط إرتباطاً وثيقاً بالصليب، الذى يتحتم على كل مؤمن أن يحمله كشرط لتبعيته للرب المخلص، وعلامة للتلميذة الأمينة المخلصة...
إلهنا القدوس الذى وحده بلا خطية، الذى تألم حبّاً فى جبلته، وإحتمل الآلام عنا وأكمل عمل الفداء ليردّ الإنسان إلى رتبته الأولى ثانية، أسأله أن يصاحب بروحه كلمات هذا الكتاب، ويجعله سبب بركة لكل من يقرأه، وثباتاً فيمن رُفع على الصليب.
وليتمجد الرب فينا وبنا، وله كل المجد والكرامة،.
يوأنس.
بنعمة الله أسقف الغربية.
22 من يونيو سنة 1986م تذكار عيد العنصرة المجيد.
15 من بؤونة سنة 1702ش.
المسيحية ومفهوم جديد للألم
حينما نتكلم عن الألم، فنحن نتكلم عن مشكلة عامة، عانى ويُعانى منها البشر جميعاً فى كل زمان ومكان. بصورة أو بأخرى... وكونها مشكلة عامة يعبّر عنها سفر أيوب فى الكتاب المقدسة حينما يقول:
«الإنسان مولود للمشقةن كما أن الجوارح لارتفاح الجناح» (أى 5: 7).
وقوله: «الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعباً» (أى 14: 1)... نفس المعنى يورده سليمان الحكيم فى سفر الجامعة فيقول: «لأنه ماذا للإنسان من كل تعبه ومن إجتهاد قلبه الذى تعب فيه تحت الشمس. لأن كل أيامه أحزان وعمله غمّ. أيضاً بالليل لا يستريح قلبه» (جا 2: 22، 23)... ونفس المعنى يورده إرميا النبى حينما يقول «لماذا خرجت من الرحم لأرى تعباً وحزناً فتفنى بالخزى أيامى» (إر 20: 18).
● وإذا كانت هذه تعبيرات رجال الله فى العهد القديم عن الألم. فإن الرسول بولس فى العهد الجديد يؤكد ذلك بعبارته الجامعة الواضحة "«فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن. وليس هكذا فقط، بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا أيضاً نئن فى أنفسنا، متوقعين التبنّى فداء أجسادنا» (رويمة 8: 22، 23)... وثمة ملاحظة على الكلمات بولس الرسول هذه فقوله: «فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن» إنما يشير إلى شئ عام ومُسلّم به يشمل كل الخليقة...
● وهناك أسئلة كثيرة تتعلق بموضوع الألم سوف نعالجها بقدر الإمكان فى هذه السلسلة من العظات... لكننا فى موضوع هذا المساء نستعرض ونتتبع فكرة الألم والنظرة إليه عبر الأجيال...
نظرة العهد القديم للألم:
أ - فكرة إرتباط الألم بالخطية:
● مما لا جدال فيه أن الألم لم يوجد مع ظهور الإنسان وخلقته الأولى. فآدم الإنسان الأول عاش مع حواء فى جنة عدن فى حياة خالية من الألم والحزن. وما لبث أن سقط فى المعصية، ومعها وُجد الألم... وهكذا نرى أن الله ليس مسئولاً عن وجود الألم. لكن الإنسان حينما أخطأ بإرادته الحرّة وأساء إستخدامها وسقط فى المعصية، كان لابد للخطية والمعصية من عقاب. فكان الألم الذى هو من بين نتائج الخطية وعقابها... هكذا وجد الألم ودخل إلى حياة الإنسان.
● وفى الكتاب المقدس – خاصة عهده القديم – نرى بوضوح فكرة إرتباط الألم بالشر والخطية... فى حياة الإنسان الأول نرى هذا الأمر...
كان آدم مغززاً مكرماً فى جنة عدن. له سلطان على كل الكائنات الحية التى أحضرها الرب إليه وسماها بأسمائها. ما لبث الرب أن خلق حواء لكى تكون معينة نظيره... لكن مع الأسف سرعان ما سقط الإنسان بغواية الحية. وكان العقاب الإلهى ومعه الألم... « وقال للمرأة تكثيراً اكثر أتعاب حبلك. بالوجع تلدين أولاداً... وقال لآدم... ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكاً وحسكاً تنبت لك... بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التى أخذت منها» (تك 3).
● وفى قصة إبراهيم مع أبيمالك ملك جرار،
قال إبراهيم عن سارة أنها أخته. وكانت النتيجة أن أبيمالك أخذها إلى بيته دون أن يقترب منها... لكن لننظر إلى نتيجة هذا التصرف «جاء الله إلى أبيمالك فى حلم الليل. وقال له ها أنت ميت من أجل المرأة التى أخذتها فإنها متزوجة ببعل»... وعلى الرغم من أن أبيمالك لم يكن قد إقترب إليها، وأنه أخذها بحسن نية كأخت لإبراهيم. ومع ذلك فقد قال الله له: «فالآن رد إمرأة الرجل فإنه نبى فيصلى لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تَردّها، فأعلم أنك موتاً تموت أنت وكل مَنْ لك» (تك 20: 1 - 7).
● نفس الأمر نجده واضحاً فى هزيمة بنى إسرائيل أمام أهل عاى القرة الحقيرة!!
وذلك بعد أن سقطت أمامهم أسواء مدينة أريحا العظيمة بدون قتال. وذلك بسبب خيانة إنسان من بنى إسرائيل هو عاخان بن كرمى الذى أباح لنفسه أن يأخذ من غنيمة أريحا التى حرّمها يشوع عليهم... كان الأمر يدعو للدهشة والغرابة، إذ كيف ينتصر بنو إسرائيل فى أريحا وينهزمون أمام عاى القرية الصغيرة؟!... تذلل يشوع أمام الرب، فكان قول الرب له: «قم لماذا أنت ساقط على وجهك.
قد أخطأ إسرائيل بل تعدّوا عهدى الذى أمرتهم به
، بل اخذوا من الحرام. بل سرقوا، بل أنكروا، بل وضعوا فى أمتعتهم، فلم يتمكن بنو إسرائيل للثبوت أمام أعدائهم... ولا أعود أكون معكم إن لم تُبيدوا الحرام من وسطم... فى وسطك حرام يا إسرائيل. فلا تتمكن للثبوت أمام أعدائك حتى تنزعوا الحرام من وسطكم»... وحكم الله أن «المأخوذ بالحرام يحرق بالنار هو وكل ماله لأنه تعدى عهد الرب، ولأنه عمل قباحة فى إسرائيل» (يش 7)... وبالفعل عُوقب عاخان بن كرمى هو وبنوه وبناته، ورجمهم بنو إسرائيل بالحجارة وأحرقوهم بالنار «فرجع الرب عن حمو غضبه. ».
ب - فكرة العقاب الفردى والجماعى:
● وإن كنا قد رأينا قصة هزيمة شعب إسرائيل كله أمام قرية عاى الصغيرة بسبب خطية فرد واحد منهم هو عاخان بن كرمى، لكن ليس معنى ذلك أنها كانت قاعدة، أنه بسبب خطية إنسان واحد تُعاقب الجماعة كلها... يقول حزقيال النبى: « وكان إلىَّ كلام الرب قائلاً: ما بالكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين الآباء أكلوا الحصرم واسنان الأبناء ضرست. حىّ أنا يقول السيد الرب، لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل فى إسرائيل. ها كل النفوس هى لى. نفس الأب كنفس الابن. كلاهما لى. النفس التى تخطئ هى تموت» (حزقيال 18: 1 - 4)... ونفس المعنى يؤكده الوحى الإلهى بلسان سليمان الحكيم فى سفر الأمثال وهو أن كل إنسان مسئول عن عمله: «مَنْ يحفر حفر يسقط فيها. ومَنْ يدحرج حجر يرجع عليه» (أم 26: 27)... لكن العقاب الذى أنزله الله بعاخان بن كرمى ومَنْ له كان له قصد خاص. وكان الله رمى إلى أن يعطى الجماعة كلها درساً قاسياً من أجل تعليمهم وهم فى مرحلة مبكرة من تاريخهم بعد خروجهم من مصر.
● إن كل المصائب سواء كانت خاصة أو عامة كالخسارة والفقر والحروب والعبودية والسبى والنفى كان ينظر إليها كعقاب على الشر... لكن هل كان الله لا يبالى بآلام البشر؟ بالتأكيد أنه كان يبالى بها من أجل إهتمامه بخليقته التى خلقها على صورته ومثاله... وحينما أخطأ بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر تذمروا على الله وعلى موسى، أرسل الرب عليهم الحيات المحرقة فلدغت الشعب ومات منهم كثيرون... لكن الشعب أتوا إلى موسى واعترفوا بخطأهم، فأمره الرب أن يصنع حية نحاسية ويضعها على راية. وكان كل من لُدغ من الحية وينظر إليها يحيا (عدد 21: 6 - 9) وإن كانت هذه الحية النحاسية رمزاً للمسيح (يو 3: 14)... يقول يشوع بن سياخ عن الله انه: «يمنح الشفاء والحياة والبركة» ((سى 24: 20). «التى لأجلها يشكره الإنسان» (سى 17: 27).
ﺟ - نظرة أبرار العهد القديم للألم والخطية:
● من دراسة الأسفار المقدسة العهد القديم، نرى أن أبرار العهد القديم وحكماءه – محمولين بالإيمان – يكشف الله لهم تدريجياً «سر الألم»... وكمثال لذلك المزمور الثالث والسبعون.... يقول المرتل هذا المزمور فى فاتحته: «إنما صالح الله لإسرائيل لأنقياء القلب. أما أنا فكادت تزل قدماى. لولا قليل لزلقت خطواتى. لأنى غِرْتُ من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار... ليسوا فى تعب الناس ومع البشر لا يصابون... هوذا هؤلاء هم الأشرار ومستريحين إلى الدهر يُكثرون ثروة...
فلما قصدت معرفة هذا إذا هو تعبُ فى عينىَّ، حتى دخلت مقادس الله وانتبهت إلى آخرتهم» (مزمور 73)...
فى هذا المزمور نرى المرتل ينكشف له «سر الألم» حينما يدخل إلى مقادس العلىّ.
فى أسفار العهد القديم نرى هؤلاء الأبرار وهم يكتشفون قيمة الألم وبركاته وفعالياته المنقية والمطّهرة للنفس، مثل النار التى تنقى المعادن من الشوائب. كما يقول داود لله: «لأنك جربتنا يا الله. محصتنا كمَحَص الفضة» (مز 66: 10)... ويعبّر أبرار آخرون بمثل ما عبّر به داود:
● يقول الرب بلسان إرميا النبى: «بالمكر أبوا أن يعرفونى... لذلك هكذا قال رب الجنود: هأنذا أنقيّهم وأمتحنهم» (إر 9: 6، 7)... ويكتشف الأبرار قيمة الألم ويعتبرونه كتوجيه أبوىّ... «اعلم فى قلبك أنه كما يؤدب الإنسان قد أدبك الرب إلهك» (تث 8: 5)... يقول الحكيم: «يا ابنى لا تحتقر تأديب الرب ولا تكره توبيخه. لأن الذى يحبه الرب يؤدبه، وكأب بابن يُسَرّ به» (أم 3: 11، 12)... أنهم يرون فى سرعة العقاب تأثير للإرادة الإلهية الصالحة وهذا واضح فى سفر المكابيين الثانى (6: 12 - 17؛ 7: 31 - 38)... إنهم يتعلمون من الألم أنه يُظهر خطة الله التى تُذهل عقول البشر. هذا ما إكتشفه أيوب فى نهاية تجربته ودُوّنه فى نهاية سفره: «قد علمت أنك تستطيع كل شئ ولا يَعْسُر عليك أمر... قد نطقت بما لم أفهم. بعجائب فوقى لم أعرفها. ا سمع الآن وأنا أتكلم. أسألك فتعلمنى. بسمع الأذن قد سمعت عنك، والآن رأتك عينى. لذلك أرفضُ وأندم فى التراب والرماد» (أى 42: 1 - 6).
● وقبل أيوب شهد يوسف عن ذلك أمام إخوته حينما قال لهم: «أنتم قصدتم لى شراً، أما الله فقصد به خيراً» (تك 50: 20)... نفس المعنى يقوله الحكيم فى سفر الحكمة:
«أنهم يبصرون موت الحكيم ولا يفقهون ماذا أراد الرب به، ولماذا نقله إلى عصمته» (حكمة 4: 17)...
بل إننا نرى فى بعض أسفار العهد القديم أن الألم نتيجة التأديب يعتبر نوعاً من التكفير عن الخطايا. فى هذا المعنى يقول إشعياء النبى: «عزوا عزوا شعبى يقول إلهكم. طيّبوا قلب أورشليم. ونادوها بأن جهادها قد كمل. إن إثمها قد عُفى عنه. انها قبلت من يد الرب ضعفين عن كل خطاياها» (إش 40: 1، 2).
● وإيماناً بخطة الله الحكيمة، يصبح الألم إختباراً سامياً، يدّخره الله للخدام الذين يفتخر بهم مثل إبراهيم (تك 22)، وأيوب. وطوبيا (12: 13) وذلك ليعلمهم ما يمكن للإنسان أن يحتمله من أجله.
● أخيراً فإن الألم له قيمة شفاعية.
هذه القيمة تظهر فى صلاة موسى الحزينة أثناء حرب إسرائل مع عماليق (خر 17: 11 - 13)، وفى تذمر الشعب وإشتعال النار فى المحلة (عدد 11: 1 - 3). وليس فى صلاته فقط بل فى حياته التى كانت كذبيحة قدمها لينقذ شعباً مذنباً غليظ الرقبة. إن موسى وأولئك الأنبياء الذين جُرّبوا كثيراً بالألم مثل إرميا (إر 8: 18، 21؛ 11: 19؛ 15: 18)، هم أمثلة لخدام يهوه الأمناء:
العهد الجديد والألم:
1 - يسوع المسيح وآلام البشر:
يسوع المسيح رجل الأوجاع ومختبر الحزن، نراه حساساً لآلام البشر... إنه لا يمكنه أن يشاهد إنساناً متألماً دون أن يتحرك نحوه وينعطف إليه برحمته الإلهية. لقد قالت مرثا ومريم أختا لعازر له: «لو كنت ههنا لم يمت أخى» (يو 11: 21، 32). وهو نفسه يظهر هذه العاطفة لتلاميذه حينما قال لهم. «لعازر حبيبنا قد نام. لكنى أذهب لأوقظه» (يو 11: 11، 14)... وفى معجزة إقامة الشاب بن أرملة نايين، نراه يقترب من أمه وتحنن عليها وقال لها لا تبكى (لو 7: 13)... ونراه يذهب إلى بركة بيت حسدا من أجل مريض أعقده المرض ثمان وثلاثين سنة، ولم يكن له إنسان يلقيه فى البركة بعد أن يحرك الملاك الماء فيبرأ (يو 5: 1 - 9)...
● وبالتأمل فى شخصية ربنا يسوع المسيح وموقفه من الألم نراه:
(أ) يسوع المسيح المنتصر على الألم، وذلك فى كل أعمال الشفاء وإقامة الموتى. ولا شك أن هذه المعجزات كان مقدمة لانتصاره النهائى والحاسم فوق الصليب. وفى المعجزات التى تمت على أيدى الرسل، يرى المسيحُ هزيمة الشيطان «رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء» (لو 10: 18)... لقد أتم المسيح نبوءة إشعياء النبى: «لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها» (إش 53: 4)، وذلك بشفاء جميع المرضى (مت 8: 17)... ولم يحتفظ بقوة الشفاء لنفسه، بل أعطى رسله وتلاميذه القوة للشفاء باسمه (مر 16: 17)... وكمثل لذلك شفاء مقعد باب الهيكل الجميل (أع 3).
(ب) يسوع المسيح يجعل التأمل بركة على الرغم من أنه لم يحل مشكلة الألم فى العالم لكن المسيح فى الوقت نفسه لم ينفِ صلة الألم بالخطية... وهذا ما نراه واضحاً فى معجزة شفاء المفلوج الذى دلاه الأربعة من سقف البيت حينما قال له: «مغفورة لك خطاياك» (لو 5: 20). وكذلك ما قاله الرب يسوع لمريض بيت حسدا بعد أن شفى: «ها أنت قد برئت. فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر» (يو 5: 14). لكن فى الوقت نفسه رفض أن يركز على العلاقة القائمة بين الخطية أو أى حادث أو مرض [الجليليون الذين خلط هيرودس دماءهم بذبائحهم والذين سقط عليهم البرج فى سلوام (لوقا 13: 1 - 5) والمولود أعمى (يوحنا 9: 3)].
● لقد سمح السيد المسيح للعنة جنة عدن أن تستمر فى ثمارها، لأنه لم يكن ممكناً أن يلغى ما أصدره الله من حكم على آدم وذريته... لم يُبطل المسيح الألم لكنه يُعزى المتألمين... إنه لم يبطل الدموع ومسبباتها لكنه يكفكف بعضها كعلامة للفرح الذى سوف يربط الله بأولاده فى العالم الآخر... « ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه وينزع عار شعبه عن كل الأرض» (إش 25: 8). وهذا ما يؤكده يوحنا فى سفر الرؤيا: « ويمسح الله كل دمعة من عيونهم» (رؤ 7: 17؛ 21: 4)... إن التألم يمكن أن يصبح بركة لأنه يعد الإنسان لاقتبال الملكوت... إن الآلام تهئ الإنسان «أن تظهر أعمال الله فيه» (يو 9: 3)، وتفسح مجالاً لظهور مجد الله ومجد ابنه، كما نقرأ فى موضوع إقامة لعازر من الموت «هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به» (يو 11: 4).
● ولا يفوتنا هنا أن نؤكد أنه ليس كل ألم يعانى منه الإنسان سببه الخطية، حتى فى القديم... إن كلام أصحاب أيوب الثلاثة كله منصب على أن ما حدث لأيوب كان تأديباً إلهياً له – وهذه فكرة كانت شائعة. لكننا نرى فى نهاية سفر أيوب أن الله يظهر برّ أيوب، وطلب إلى أصحابه الثلاثة أن يصلى عنهم أيوب «لئلا أصنع معكم حسب حماقتكم لأنكم لم تقولوا فىَّ الصواب كعبدى أيوب». وتنتهى مأساة أيوب بأن «بارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاه» (أى 42).
نظرة المسيحية للألم من خلال الصليب:
● سبق القول إن الألم هو أحد ثمرات الخطية والشر؛ وإن كان ليس كل ألم من هذا النوع... لكن السيد المسيح بآلامه وبموته على الصليب عوضاً عن جميع البشر الخطاة، أبطل سلطان إبليس وكسر شوكة الخطية... لذا كان الصليب نقطة تحوّل بالنسبة للمسيحية والمؤمنين بالمسيح. ولعل أبرز ما فى الصليب هو محبة الله فى المسيح يسوع التى إحتملت كل شئ. ولا عجب، ففى تعليم المسيح له المجد المحبة هى الوصية الأولى والعظمى، بل يعلن العهد الجديد أن «الله محبة» (1يو 4: 8).
● إذن هناك شئ برز ووضح فى العهد الجديد. هذا الشئ هو محبة الله
«الفائقة المعرفة» (أف 3: 19)... التى أظهرها فى المسيح يسوع... محبته للخطاة وسعيه نحوهم من أجل خلاصهم، كالسامرية وزكا، وحدبه على الضعفاء والمعوزين.
... وبدأ المؤمنون ينظرون إلى الألم من خلال المسيح الذى تألم عوض الخطاة وهو القدوس الذى بلا شئ...
وإذا كانت المسيحية هى المحبة فى ابهى صورها، فهى أيضاً الألم فى مفهوم جديد ومذاق جديد من أجل هدف مجيد...
● فى شخص رب المجد يسوع سعى الحب نحو الألم ليكشف سرّه ويفسر مغزاه وهدفه... وهكذا تغيّر مفهوم الألم فى المسيحية وتغيرت مذاقته. وبعد أن كان الألم نوعاً من المذلة وإحتماله ضعفاً، صار شعاراً للمجد والغلبة والنصرة، حينما غدا شركة مع الرب المتألم حباً فى البشر... وصدق من قال: [أينما وجد الصليب (بآلامه)، وجدت المحبة، لأنه هو علامة الحب الذى غلب الموت وقهر الهاوية، واستهان بالخزى والعار والألم].
● هكذا فى المسيحية تبدّلت صورة الألم وفعاليته ومذاقته، فارتفع إلى مستوى الهبة الروحية
« وُهبَ لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط بل أن تتألموا أيضاً» (فى 1: 29)... وحينما تبدلت صورة الألم، وصار له مفهوم جديد أصبح شركة مع الرب فى آلامه «إن كنا نتألم معه لكى نتمجد أيضاً معه» (رو 8: 17)... «لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته» (فى 3: 10)... «أكمل نقائص شدائد المسيح فى جسمى لأجل جسده الذى هو الكنيسة» (كو 1: 24).
● ومن أجل كل هذا أضحى الألم فى المسيحية – أياً كان نوعه، أو المعاناة الناتجة عنه – متعة روحية...
ولا أقول الألم وحده، بل حتى الألم الذى ينتهى بالموت لأجل المسيح. وهذا هو إكليل الشهادة... وسير الشهداء حافلة بروائع إختبارات هؤلاء الشهداء، وما عبّروا به عن فرحهم بالآلام!!
● وثمة نقطة أخيرة نوضحها،
لعلها كانت سبب راحة وعزاء لكل مؤمن متألم إن كأس الآلام لا نقتبلها من يد إنسان أياً كان، بل من يد الرب المحب نفسه... أثناء محاكمة الرب يسوع أمام بيلاطس الوالى الرومانى، كان الرب يسوع صامتاً لا يتكلم ولا يجيب على أسئلة. لكنه خرج عن صمته حينما قال له بيلاطس: «ألست تعلم أن لا سلطاناً أن أصلبك، وسلطاناً أن أطلقك»، فقال له: «لم يكن لك علىَّ سلطان البتة، لو لم تكن قد أعطيت من فوق» (يو 19: 10، 11)... كان بيلاطس مخطئاً حينما ظنّ أن بأمكانه أطلاقه أو صلبه!! المؤمن يقتبل كأس الآلام من يد الرب ذاته المحبة والحكيمة...
● نفس هذا المفهوم طالما عزّى يوسف الصديق فى مصر رغم قساوة إخوته،
وما سببوه له من آلام. فبعد أن تعرف إخوته عليه فى مصر وها لهم مركزه، اعتراهم خوف شديد إذ كان بإمكانه أن ينتقم منهم. لكن يوسف قال لهم: «ليس أنتم أرسلتمونى إلى هنا بل الله... أنتم قصدتم لى شراً. أما الله فقصد به خيراً» (تك 45: 8؛ 50: 20).
● من أجل هذه النظرة الجديدة للألم فى المسيحية حفلت رسائل رسل المسيح بالترحيب بالآلام وتمجيدها من أجله...
يقول بولس الرسول: «لذلك أسرّ بالضعفات والشتائم والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح، لأنى حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى» (2كو 12: 10)... «آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا» (رو 8: 18)... ويقول لأهل تسالونيكى: «نحن أنفسنا نفتخر بكم فى كنائس الله من أجل صبركم وإيمانكم فى جميع اضطهاداتكم، والضيقات التى تحتملونها، بينة على قضاء الله العادل أنكم تؤهلون لملكوت الله الذى لأجله تتألمون أيضاً» (2تس 1: 5، 4).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.