حكاية القمر – الراهب صليب الصموئيلي

حكاية القمر

... وهكذا صرت أدور في مدار حول الأرض, لا أعلم شيئاً عن كل ما حولي, كالثور الدائر في الطاحونة,.

إلى أن جاء ذلك اليوم الذي راسلني فيه نور الشمس ببرقية من شعاعه المنبعث الهادئ الدافي,.

فألهبني بناره, وأذاب الجليد الذي إكتسيت به,.

فتدفق سيل المشاعر, ولمع وجهي بالمحبة المتبادلة بيننا,.

وإبتدأ النور ينتشر في أعماقي, ويزداد بهاؤه عليَّ كلما خرجت من جعبة الأرض, في محاولة لمراسلة نور الشمس كي يحيطني كلي بأشعته, وليس أطرافي فقط.

وهكذا صرت بدراً جميلاً, تعلق الناس بي, وجعلوني رمزاً للجمال, وتعبيراً يصفون به كل ما هو جميل.

وتعلقت بنور الشمس, وإشتهيته, ورغبت أن يشاركني الحياة.

وحلمت أن أدور في أقرب مدار يحيط به, كي يتسنى لي أن أراه على الدوام, دون حاجز يمنعني, أو عابر يحجب تواصلنا معاً.

وساعدني نور الشمس بجاذبيته,.

وأوجد لي المدار الذي يقربني منه,.

وشعرت كم هو يحبني؟!!!.

لقد فضَّلني على سائر النجوم, والكواكب, والأجرام السمائية.

وأصبحت طائراً في فلك الحب,.

لا أرى سوى نور الشمس,.

فقد ملأ العيون والوجدان,.

وأفاض من شعاعه المنير, وحرارته المنبعثة,.

فملأ كل الأركان.

وحان الوقت, وجاء الزمان.

فالعُرس مُستعَد, ولابد من الإنطلاق الآن.

وهممت بالإفلات من قبضة الأرض,.

ولكن...

كانت قوة جاذبية الأرض أقوى من كل محاولاتي للهروب,.

ولم أستطع مقاومة الأرض,.

وإستغثت بنور الشمس, لعله يزيد من جاذبيته لي, فيعضدني.

ولكن الأرض...

مالت لتقطع خطوط أشعة الشمس المتواصلة معي,.

وظلت تقطع بأطرافها كل إتصال لي بالشمس,.

حتى رجعت إلى مداري حول الأرض,.

أدور كالثور في الطاحونة.

وإنقلب الفرح إلى حزن.

وتغلب اليأس, وساد الظلام.

وبدأت الأرض في إغرائي, كي تشغلني عن حبيبتي الشمس,.

وبكلام ألين من الدهن قالت لي:

أنا أحبك, وأنت الجمال الذي أبتغيه, وأنا أكرمك,.

فلماذا تريد أن تبتعد عني؟.

فقلت: لأني أحب نور الشمس, وقد سباني كلي دون أن يترك فراغ فيَّ يمكن لأحد غيره أن يملأه.

فقالت لي: ولكنه نار تحرق كل من يقترب منه, وأنا أخشى عليك من النار, لأني أحبك.

فقلت للأرض متسائلاً: ولماذا لم تحترق العليقة التي إرتبطت به؟

فسكتت الأرض سكوت من لا إجابة له,.

وتحول الكلام اللين إلى سهام من الغضب ملتهبة بالكراهية,.

وهمَّت بإفتراسي,.

ولكن الشمس منعتها بسلطانها على حركة الكواكب في المدارات,.

فبدأت الأرض في إستسلام وخضوع تتحرك بخطوات الأسير في الحرب,.

وبدأت نور الشمس يظهر من جديد,.

مُرسِل أشعته الدافئة والمنيرة في إنسيابية وإستقامة,.

مُبدد الظلام واليأس والحزن من ملامحي.

وظهر المشهد كتقابل الحبيبين.

وفي لحظة من أروع اللحظات,.

أردت أن أتبادل أطراف الهمس مع من أحبه,.

كاسراً بيدي حجاب السرِّية والخصوصية,.

معلناً له كل فكر يجول في خاطري,.

فقلت له: هل تسمح لي بالإقتراب منك الآن؟ وأنا أعلم أنك قادر إن أردت أن تجعل كل شئ في الإمكان.

فقال لي بنغمة هادئة مليئة بالحب والسلام:

أنا أحبك, وأنت تعلم كم أنا أشتاق إليك.

ولكن لك الآن رسالة, لم تُتممها بعد,.

ومتى أتممتها, آتي وآخذك إلى حيث أكون أنا تكون أنت أيضاً معي.

فقلت له: وماذا تريد مني أن أفعل؟

فقال لي: أنت مرآة لي, تعكس وجهي فتبدد ظلمة الليل,.

أنت سفير لي في البلاد التي تُدير ظهرها في وجهي, لعل نورك الذي تستمده مني يُرشد من يريد المجئ إليَّ لئلا يضل الطريق,.

أنت حملاً وسط ذئاب, تترصد لك, وتهاجمك, وتسعى بكل قوة الشر للفصل بيننا, فينطفأ نورك حتى لا تنكشف أعمالهم الشريرة.

ولكنهم لا يقدرون عليك, لأني أنا معك لأنقذك,.

حتى وإن حاصروك من كل جهة, وقد ظنوا أنهم أطفاؤك,.

سوف أقيمك من جديد, وأشرق عليك ببهائي,.

وأجعلك بدراً في كمال الجمال.

فإطمئن ولا تخف...

سلسلة قصائد للراهب صليب الصموئيلي
سلسلة قصائد للراهب صليب الصموئيلي