الصمت – الراهب صليب الصموئيلي

الصمت.

إذا تذكرت أني سوف أعطي حساب عن كل كلمة, لابد وأن أجتهد في تعلم لغة الصمت مهما كلفني الأمر من ألم وجهد وخسارة أحياناً.

ها هى لغات كثيرة في العالم هذا عددها, وقد تبذل جهداً مضنياً لكي تتقن واحدة منها, وأما الصمت فهو اللغة التي إرتقت فوق القواعد والمفردات والأحرف والأبجديات, وتسامت حتى عن النطق واللهجات.

الصمت لغة بسيطة في معرفتها, وسريعة في ممارستها, وجوهرة ثمينة للذين يتقنونها, وحارساً قوياً للملتجئين إليها.

وبالرغم من كل جمالها هذا وسماتها, إلاّ أن كثيرون يستصعبونها, والأكثر يملُّون منها, والقليل جداً هم الذين تمتعوا بها, وإشتهوا ألاّ تفارقهم, فذهدوا من أجلها المحافل والمجالس والخلطة حتى بأقرب الأقارب, وأسلموا حياتهم إليها فقادتهم إلى العزلة والهدوء والإنفراد, وفي عزلتهم وإنفرادهم بها وجدوا الشبع بشكل لم أجدهم يشتاقون إلى الكلام, ولكنهم ينمون ويسمون من حالة إلى أخرى.

وهكذا صار الهروب من الدينونة بداية تعلم لغة الصمت والنمو فيه بمؤآزرة النعمة, وبينما تتصارع اللغات في أجودها, وأتقنها, وأشرفها, وأجملها, وأبسطها وأعرقها, يخترق الصمت بهدوءه هذا العالم ليصل إلى السماء في لمح البصر.