الخروج من مصر – الراهب صليب الصموئيلي

الخروج من مصر

نزل يعقوب مع بنيه إلى مصر هرباً من المجاعة تاركين الأرض التي أعطاهم الله إياها, مستندين على المعونة البشرية لحل مشكلة جوع الجسد ومتطلباته, متكلين على إعالة الأب البشري لهم (يوسف الصديق) , الذي عالهم كما يعول الأب البنين, ولكنه كان لابد أن يمضي في طريق الأرض كلها, كما يقول داود النبي: "تخرج أرواحهم فيعودون لترابهم".

ولكن تبقى الحاجة إلى الشبع, فيلتصق الإنسان بكل ما يظنه مصدر شبع له, ولا يدري أنه بهذا يُقتاد إلى العبودية, فيستعبد لفرعون رئيس الأرض.

فقد يعرض عليك الشيطان شهوة, وإذا قبلت كرر عرضه, فإذا إعتدت عليها وتلذذت بها, يبدأ في الضغط عليك لتنفيذ كل أوامره دون جدال لتنال شهوتك, وهكذا تصير عبداً له, قد تم قيده في سجل العبيد الذين ملك عليهم الشيطان ولن يتنازل عنهم.

وإذ يشعر الإنسان بهذه العبودية المرة, والذل والعار الذي يحل عليه, يتمنى أن يتحرر منها, وأن تعود حريته إليه. فيصرخ من أنين الأسر وقسوة المستعبِد, ونداء إستغاثة للمساعدة على الخلاص. والله الذي ينظر إلى شقاء المساكين وتنهد البائسين, هو الذي يقوم ليصنع الخلاص علانية.

ولكي يخلص الله شعبه من عبوديتهم, كان لابد من أن يُقيِّد هذا المستعبِد أولاً, والذي كان يظن أنه سيمتلكهم إلى الأبد, ثم يطرحه في البحر الأحمر (أي النار) , وبعد هذا يُخرِج شعبه مظهراً لهم عجائبه في تحريرهم من العبودية, وإعتاقهم من الأسر, وإطلاقهم أحرار.

وليس هذا فقط.....

بل أراد الله أن يُدخِلهم أرضه التي لا مثيل لها, فيكون هذا الشعب ملوكاً وكهنة, مملوئين من كل فرح, هذا الذي كان يوماً ما تحت العبودية.

ولكن كان لابد لهذا التحول العجيب من تدرج في مراحل يمر بها الشعب حتى يكون مستعداً لهذه الكرامة والبركة والميراث في مدينة الملك العظيم.

وكانت هذه المراحل هى...

الإيمان:

أيقن الشعب جيداً أنه قد أُصطيد في فخ العبودية المُرة, وأنه في أمس الحاجة لمن يخلصه, فتنهد وصرخ, ولكن لمن؟!!.

كان لابد لهذا الشعب أولاً أن يعرف الله الموجود والكائن قبل الوجود, الذي يسمع صراخ المساكين وتنهد البائسين, القادر على خلاصهم, بل ويريد لهم الخلاص.

ولكن كيف يعرف الشعب هذه الحقيقة؟.

في الواقع أن فترة العبودية والتي طالت إلى أكثر من أربعة قرون, ثقل فيها الجسد بالملذات, وفتر القلب عن لهيب الحب الإلهي الذي إلتهب به قلوب الآباء, ونسى العقل ذكر الله الذي حفظ الشعب وأكثرهم وأعطاهم مهابة أمام الجميع, بل والأكثر من هذا أن الحواس بدأت تنجذب إلى العبادات الوثنية التي تحيط بها, وتعلقت بآلهة الأمم.

ولذلك حينما صرخ الشعب, كان الصراخ تعبيراً عن الألم من المذلة والسخرة, وإستمطار لمراحم أياً من كان في قدرته خلاصهم, ولم يكن هذا الصراخ موجهاً إلى الله الذي لم يعرفوه بعد كي يدعوه, وكيف يدعوه إن لم يؤمنوا به؟! , وكيف يؤمنون إن لم يرسل الله إليهم رسولاً وكارزاً, ويعضده بالقوة والآيات والمعجزات. وهذا ما حدث بالفعل...

أرسل الله موسى النبي مؤيِّداً إياه بالآيات والمعجزات, فآمن الشعب بالله وسجدوا له, وهكذا تمت الخطوة الأولى بنجاح.

غير أن الإيمان المجرَّد من الأعمال ميت, لذلك كان لابد أن يتبع هذا الإيمان أعمال...

الأعمال:

كانت الأعمال هى النتيجة الحتمية لهذا الإيمان الذي زرعه الله في قلوب الشعب, والذي لم يكن قد نضج بعد.

كانوا أطفالاً في الإيمان, حتى أنهم إذا ما واجهتهم ضيقات تذمروا, غير مصدقين أن الله قادر أن ينقذهم منها.

وكان الله يحملهم ويحتملهم, معطياً لهذا الضعف قوة بالآيات والمعجزات والتأديبات.

وهكذا بدأ الإيمان في النمو, وبدأت الأعمال تعلن عن هذا النمو.

فكل ما يأمر الله به موسى النبي, كان الشعب يفعله ويعمل به.

فصنع جميع الشعب فصحاً للرب, مُظهرين علامة الدم على الأبواب لكي ينجوا من الهلاك, وجاءت الأعمال تجري تباعاً...

فخرج كل الشعب وراء موسى النبي في البرية, وخيراً صنع الله, إذ كيف يحرر شعبه وهم داخل أرض العبودية؟! , لذلك كان لابد من خروجهم من أرض مصر, تلك الأرض التي صارت لهم تذكاراً للمذلة والسخرة والإهانة والعبودية, إنه تذكار الشر الملبس الموت.

ولكي يعالج الله هذه الآلام النفسية في نفوس الشعب, أخرجهم من مصر أحراراً وليس كعبيد بعد أن سلبوا المصريين نظير خدمتهم لهم أثناء العبودية, وهكذا أصبحت العبودية وكأنها عملاً تقاضوا عليه أجرة. وليس هذا فقط بل أذل المصريين أمامهم وإنتقم لهم منهم, ففرح الشعب بالرب فرحاً عظيماً جداً إذ دافع عنهم وهم صامتون.

وأراد الله أن يخرج شعبه من بيت العبودية دون رجعة, وعلى هذا الأساس خرج الشعب إلى البرية.

فهل صار بذلك مستعداً لدخول مدينة الملك العظيم؟!!.

التجديد:

لم تكن الحرية التي أرادها الله لشعبه هى مجرد الخروج من بيت العبودية أو ترك الخطية كمظهر خارجي فقط, وإنما كانت في حل قيود الشر التي ملكت زمام الإنسان كله داخلياً وخارجياً, ففي الداخل قلب تعلق بشهوة وعقل يفكر فيها, وفي الخارج حواس تجول في الأرض لتشبع بها.

لقد خرج الشعب إلى البرية تاركين مكان العبودية, إلاّ أن العقل والقلب كانا لايزالان داخل أرض مصر وكأنهما لم يخرجا مع الشعب, فصاروا في الخارج أحرار, ومن الداخل سبايا.

ويا له من أمر يثير الدهشة, فالعبودية إرتعدت من وجه الرب وتركت الشعب بل ولازت بالفرار, ولكن الشعب هو الذي لم يتركها, ولذلك عمل الله بعدما أخرج الشعب من أرض العبودية إلى البرية على تجديد تلك الطبيعة التي فسدت بالخطية.

لقد تأثر الشعب بعبادات مصر وأصنامها, وخيراتها وملذاتها, بل وتأثر أيضاً بتجبر قلب فرعون أمام الله, وتأصل هذا التأثير فأفسد الطبيعة التي أحبت الله, ولأجله خرجت تائهه, تاركه الأهل والأرض دون أن تعلم إلى أين؟!! , وقدمت إلى الله أعز ما لديها الأبن الوحيد الحبيب, وهذا الأبن الذي إرتضى من أجل الله أن يُقَدَم ذبيحة طاعة لأبيه, وذلك الحفيد الذي من أجل البركة قبِلَ أن يكون مطارد من أخيه, تلك الطبيعة التي تجلت في حياة الآباء إبراهيم واسحق ويعقوب.

وهكذا صارت طبيعة الأبناء بعكس طبيعة الآباء, وتلاشى كل هذا الحب وحل موضعه محبة العالم عوضاً عن محبة الله, وبفساد تلك الطبيعة أصبح هناك عائق يمنع من الدخول إلى المدينة المقدسة.

ولكن الله الذي سُرَّ بأن يتمم عهده مع الآباء في الأبناء أراد أن يجدد تلك الطبيعة لتستحق الدخول...

فجذب الروح التي سيطر عليها الجسد بشهواته, إلى السماء بالمعجزات والآيات والحلول الإلهي في السحاب وعمود النار, فإنتعشت الروح بالله وآمنت به, وفرحت مهلله بالتسبيح على جميع أعماله, إذ رجعت إليها الحياة بعد أن سدَّ عليها القبر بابه.

وجذب الله النفس بتعضيده وحمايته, فرجعت الثقة إليها, وهرب القلق والإضطراب إذ صارت في آمان مع الله.

وأما الجسد فجذبه الله إليه بإنزال المن من السماء له ليقتات به, فجذب حواسه نحو السماء التي يتغذى منها, وجعل له السلوى, وفجَّر له الماء من الصخرة كي لا يكون محتاجاً بعد لشئ.

وإذ كان يضعف بعد كل هذا, كان الله يقويه بالمعونة والتأديب.

وبعد أن تغير الوسط المحيط تماماً, فأصبح جو روحي يُلهب القلب بنار المحبة الإلهية, فتأصلت جذور عشرة الله في أعماق القلب والفكر, تمم الله تجديده للطبيعة التي فسدت بالموت, لتبقى الطبيعة الجديدة التي لم تعرف العبودية ولا الخطية, ولذلك مات جميع الذين خرجوا من أرض العبودية, وأما الذين ولدوا في البرية إستحقوا أن يدخلوا مدينة الملك العظيم.

إلاّ أن الآباء والأبناء إشتركا كليهما في عاملين, هما:

القيادة الإلهية: ويمثلها يشوع ابن نون.

العمل الصالح: ويمثله كالب ابن يفنه.

فبدون قيادة رب المجد يسوع المسيح لا يمكننا الدخول إلى المدينة المقدسة, وأما العمل الصالح فهو جواز المرور عبر بوابات المدينة المقدسة, إشارة إلى فاعلية الإيمان والتباعية لربنا يسوع المسيح.

سلسلة قصائد للراهب صليب الصموئيلي
سلسلة قصائد للراهب صليب الصموئيلي