الإنسان لا يقدر أن يرى نفسه فكيف يدعوه الله لرؤيته؟!

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

الإنسان لا يقدر أن يرى نفسه فكيف يدعوه الله لرؤيته؟!

يا للعجب الإنسان مدعو لرؤية الله غير المنظور. "طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله" (مت5: 8). الله روح، فلا يقدر الجسد على معاينته، لهذا تجسد ابن الله ليهبنا الميلاد الجديد الروحى، فنرى ذاك الذى لا يُرى (عب11: 27)، ونحيا به. هو وحده يفتح الختوم (رؤ5: 9) لنتعرف على أسرار الله الآب[214]. يقول ماريعقوب السروجى: [نفس الإنسان مثل المرآة الجميلة، فإذا نُظفت تنظر وترى بها حتى الخفايا. أما إذا حملت الغبار والوسخ، أى الاهتمام، فلن ترى حتى ذاتها كيف إنها سمجة[215].].


[214] أرجو الرجوع إلى كتابنا "رؤية الله عند آباء الكنيسة".

[215] راجع الدكتور الأب بهنام سونى: الإنسان فى تعليم مار يعقوب السروجى الملفان، 1995، ص55.

هل يتحيّر السمائيون فى الإنسان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يتحيّر السمائيون فى الإنسان؟

فى تصويرٍ عجيبٍ يرى القديس مار يعقوب السروجى الطغمات السمائية وهى تُمجِّد الله خالقها تدهش لعمل الخلقة. لقد أّعدت الورود لعمل تاجيْن للعروسين، وكل الخليقة استعدت لتقديم هدايا لهما، حتى الشمس تشرق وتغرب وهى تترقب مجئ العروسيْن المجهوليْن لهما، وأيضاً القمر والأيام والليالى تعْبُر والعروسان لم يحضرا بعد. الأشجار بكل ثمارها والكروم بعناقيدها تنتظر من يقطفها، حتى الأسماك تلعب فى المياه تترقب من يصطادها... كل الخليقة تتساءل: متى يأتى العروسان! [كانت العساكر السماوية منذهلة بذلك الإتقان، لأنها لم تكن تعلم لمن هو...].

هوذا المخلوقات تحمل المهر والهدايا لتقدمها للعريس والعروس اللذين لم يكونا مصنوعَين... الشمس تشرق وتأتى وتروح لأجله، والقمر مسرع ليغيّر الأزمنة لأجله.

كانت الأيام والليالى تتعاقب، وتفتش على آدم، وآدم ليس بين الأشجار.

الدار مشيدة، ولا ساكن ليسكنها، وكثر المُقتنى ولا مالك ليتسلط عليه.

النور حسن، ولا ناظر ليتفرس فيه، والبقعة جميلة، ولا ساكن ليشتهيها.

تتناثر الأثمار من الأشجار ولا (يوجد) من يأكلها، والجفنات جميلة بعناقيدها، ولا (يوجد) قاطف. تلعب الأسماك فى الأنهار، ولا (يوجد) صياد، وتنتظر البرية لترى الوارث وليس موجوداً ليرثها. الجنة مفتوحة وتنتظر أن يدخل البستانى، وتنتظره الأثمار الشهية ليقطفها[213].].


[213] الميمر 71.

من يغرس فردوس نفسي؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

من يغرس فردوس نفسي؟

إن كان الله قد هيأ الأرض كقصرٍ للإنسان الملك، وأعد جنة عدن ليعيش مع حواء كعروسيْن متهللين، فإنه يريد ان يحمل الإنسان جنة أجمل وأكثر ثمراً فى أعماقه، فأقام نفسه فردوساً مثمراً بغنى نعمته الفائقة. يقول القديس يعقوب السروجى:

[النفس هى أرض ذلك الفردوس المباركة، لا تقبل فيها زرعاً مسروقاً ليس خاصاً بها...

لا تقبل فيها الكبرياء ولا الحسد، الشتلة الشريرة، لئلا تصير غريبة عن الله.

لا يسكن فيها الحقد والضغينة والغضب، لئلا تفسد أرض النفس المملوءة جمالاً...

لا تكن فيها الخطايا السمجة التى تدنسها، لئلا تحترق كأرض السادوميين.

لا تنبت فيها هذه الزروع، وقود النار، لئلا تحترق مع الزارع الذى زرعها.

لتكن نفسك كفردوس عدن العظيم، فتُنبت وتُخرج شتلة صالحة تحمل الثمرات[209].].

يذكر المرتل آلتين موسيقيتين هما القيثارة والكينارة ذات العشرة أوتار، ليعلن أن يليق بالإنسان كموسيقارٍ فريد أن يسبح الله ويعزف التسابيح بكل كيانه بجسده كما بنفسه؛ بلسانه كما بقلبه، جهاراً كما سراً. يسبح الصديقون الرب بأجسادهم التى يقدمونها ذبيحة حية مقبولة (رو12: 1). يقول القديس أغسطينوس: [ليته لا يفكر أحد فى الآلات الموسيقية التى للمسارح، فالأمر هنا يشير إلى أمورٍ داخلية، كما قيل فى موضع آخر: "فىَ يا الله أرد لك التسبيح".].

تشير القيثارة إلى الجسد المقدس الذى يمجد الله، يشكره ويسبحه لا باللسان فحسب، بل وبكل كيان الإنسان: الجسد بحواسه الخمس والنفس بحواسها أو قدراتها الداخلية الخمس. وكأن رقم 10 فى الكينارة ذات عشرة أوتار يشير إلى الجسد والنفس والعقل والعواطف والأحاسيس الخ. الكل يسبح الله بتناغمٍ وانسجامٍ بقيادة الروح القدس، خلال الطاقات والقدرات المنظورة وغير المنظورة. يقول القديس جيروم: [أجسادنا ونفوسنا هى قيثاراتنا تعمل فى تناغم معاً بكل أوتارها فى لحن! [210]].

فسّر القدّيس إكليمنضس السكندرى المزمور 150 الذى تسبحه الكنيسة أثناء التناول بطريقة رمزية جميلة، فيها قّدم الكنيسة المقامة من الأموات خلال عريسها القائم من الأموات كأداة موسيقيّة، حيّة يلعب عليها الروح ليخرج تسبحة حب صادق لله.

[فى الخدمة الإلهيّة يترنم الروح... "سبّحوه بصوت البوق"، لأنه بصوت البوق يقيم الأموات. "سبّحوه بالمزمار"، فإن اللسان هو مزمار الرب. "سبّحوه بالقيثارة"، هنا يقصد الفم الذى يحرّكه الروح كالوتر. "سبّحوه بطبول ورقص"، مشيراً إلى الكنيسة التى تتأمّل القيامة من الأموات خلال وقع الضرب على الجلود (إشارة إلى الأموات، حيث تّصنع الطبول من جلد الحيوانات الميتة). "سبّحوه بالأوتار والأرغن"، يدعو جسدنا أرغناً، واعصابه هى الأوتار التى يضرب عليها الروح، فتعطى أصوات بشريّة منسجمة. "سبّحوه بصنوج حسنة الصوت": يدعو اللسان صنجاً، إذ يعطى الصوت خلال الشفتين. لذلك يصرخ إلى البشريّة، قائلاً: "كل نسمة فلنسبح اسم الرب"، لأنه يعتنى بكل مخلوق يتنفّس. حقاً إن الإنسان هو آلة السلام[211].] حسبَ مار يعقوب السروجى نفسه قيثارة، تبقى أوتارها صامتة بلا نفع، ما لم يُحرك الرب أصابعه عليه كقيثارته الخاصة، لينشد تمجيداً لائقاً به. إنه ليس فى حاجة إلى تسابيحنا، إنما بتسبيحنا له نتمجد نحن! [212].


[209] الميمر 66 على شجرة معرفة الخير والشر وعلى الصدقات وعلى الفقر (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سونى).

[210] Homilies on the Psalms, 21.

[211] Paedagogus 4: 2.

[212] راجع الدكتور الأب بهنام سونى: الإنسان فى تعليم مار يعقوب السروجى الملفان، 1995م، ص36.