7- ماذا يقول القديس مار يعقوب السروجى عن الكروبيم كمركبة الله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

7 - ماذا يقول القديس مار يعقوب السروجى عن الكروبيم كمركبة الله؟

[كُتِب فى النبوة أنه ركب على الكروبيم وطار... الكروبيم مرتبطون بالله، إن تركهم يسقطون ويتخبطون. هو المُمسِك بهم، ولهذا يطيرون بسرعة. قوته العظيمة حاملة للكروبيم الحاملين له! هو حامل العالم كله، فمن يحمله؟! الخليقة مُعَلَّقة برمزه الخفي وهو يديرها. أية مركبة تقدر أن تكفيه ليتحرك بها؟ هو فوق الأعالى وتحت الأعماق ومحتضن الكل. لا تكفي هذه المركبة لقوته العظيمة بكل الجوانب، فهو المُمسِك الخليقة كى لا تسقط.].

كما يقول: [لا يحمله الكروبيم ولا المركبة، إنما لأجل التدبير ربطها من أجل الأسرار المرتبطة بها. أفرز لها مكاناً ليكون محل إقامته فى بلده، لتقدم إليه الصفوف العلوية مدائحها... صنع له مثل محفة، لكي يظهر فيها، ويكون هناك تجمع ويتمتَّع الكل برؤياه.

وضع علامة له فى مكانٍ واحدٍ للسمائيين، وقاموا قدامه كما لو كان موجوداً هناك بأكمله.

تزاحمت الجموع عند باب الملك العظيم. يخدمه ربوات ربوات حسب أشكالهم، ويرسلون إليه أصوات المجد كما لمكانه! يخرج المجد والبهاء المخوف من المركبة ليجمع السمائيين للمجد العظيم.

ليقفوا صفوفاً صفوفاً يخدمونه. ويتفرَّس كل جنودهم نحو موضع واحدٍ. ويستريح نظر بنى النور على المركبة، ولا يميلون هنا وهناك لرؤية المجد!

يفرح الكروبيم كمن هم حاملون له، ويقدس السيرافيم وهم يتفرسون فى بلدة القدوس.

ويُسَرّ بصفوف السمائيين كمن هم فى باب بيت المملكة. ويهتف الجميع لأنهم تأهَّلوا لنظر مكانه العالى... ببهاء نوره يتمتعون جميعهم ببركاته. بكل حياتهم تحمده القوات ورؤساء القوات، لأنهم تأهَّلوا أن ينظروه فى بلدته العالية.

توقف طلبهم ولم يفقدوا بحثهم عن الأقطار العلوية لبلد ذاك الخفي غير المحدود. جميعهم يتطلعون نحو ذاك المكان المُستعار، الذي اختاره واستراح فيه، ويصرخون ممجدين كرامته.

تعترف صفوف السمائيين حيث اصطفّوا عند المركبة. ويباركه الكروبيم، إذ يرتبطون به ويحملونه. وتمجده الجموع، إذ اجتمعوا لتمجيده... انتفع هؤلاء من ارتباط المركبة، أما هو فليس بمحتاجٍ إلى المركبة.].

6- ماذا قيل عن الكروبيم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

6 - ماذا قيل عن الكروبيم؟

كلمة "كروبيم" هى صيغة الجمع لكلمة "كروب". ذُكِر اسم "كروب" فى الكتاب المقدس قبل أية إشارة إلى الطغمات السماوية، إذ أقامه الرب حارساً على الجنة حتى لا يعبر آدم وحواء إلى شجرة الحياة بعد سقوطهما فى الخطية (تك 3: 24).

أبرز الكتاب المقدس مواقف الكروبيم والسيرافيم كيف تمسّ حياة المؤمنين، وعلاقتهم بالله والسماء. فى العهد القديم لم يُذكَر عن الكروبيم أنهم قاموا بإرساليه للبشر، ولا بخدمة لهم، لكنهم يشفعون فيهم. انهم قريبون من الله، متميزون بمعرفة الله ومداومة تسبيحه بلا فتور ولا انقطاع. فقد ورد ذكر الكروبيم فى الكتاب المقدس 72 مرة، أما السيرافيم، فذُكِروا فى رؤية إشعياء النبى الأصحاح السادس، وكيف ألهبت هذه الرؤيا قلبه للانطلاق إلى خدمة ملكوت الله، وملأت نفسه بالرجاء فى عمل الله لا البشر. فالكروبيم أغنياء فى "المعرفة" يفيضون بالحكمة. يُصورون حاملين للعرش الإلهى كمركبات الله.

تبع القديس إكليمنضس السكندرى فيلون اليهودى، قائلاً إن كلمة "كروب" تعنى "معرفة"، وكأنه من خلال المعرفة الروحية الصادقة تصير حياتنا مَركبة تحمل الله، فنتمتع برؤيته.

رأى القديس جيروم فى الكروب رمزاً لمخزن المعرفة التى تعمل فى طبيعتنا، لترفعها وتنطلق بها بين القوات السماوية. تعمل فى طبيعتنا خلال أربعة جوانب، إذ تصير صاحبة سلطان على الشهوات كأنها أسد، وتحلق فى الأمور العلوية كأنها نسر، وتعمل مجاهدة كأنها ثور، وتسلك بتعقُّل كإنسانٍ حكيمٍ فى الرب. هذه المعرفة ننعم بها خلال الحياة الإنجيلية خلال الأناجيل الأربعة، إذ يقول القديس جيروم: [متى ومرقس ولوقا ويوحنا هم فريق الرب الرباعى، الكروبيم الحقيقيون أو مخزن المعرفة؛ فإن جسدهم مملوء عيوناً ومتلألئ كالبرق...، أقدامهم مستقيمة ومرتفعة (حز 1: 7)، ظهرهم مجنح، مستعدون للطيران فى كل الاتجاهات (حز 1: 9)، كل واحدٍ منهم يمسك بالآخر ويتحركون حسب نسمات الروح القدس (حز 1: 20) [45].].


[45] On Ps. , hom 10.

5- ماذا قيل عن السيرافيم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

5 - ماذا قيل عن السيرافيم[39]؟

كلمة سيرافيم هي صيغة الجمع لكلمة "سروف"، ومعناها الناريون الملتهبون، وهم يسطعون بالنور الإلهي المُشرِق عليهم. إن كانت طغمة السيرافيم تُعتبر أعلى طغمة بين كل السمائيين، فهي دائمة التسبيح، تمجده، لأنه القدوس الكلي القداسة والكمال والرحمة والعدل والجمال والحكمة. كأن هذه الطغمة تدعو كل الخليقة أن تقترب إلى القدوس على الدوام خلال حياة القداسة والتسبيح بفرحٍ (إش 6: 3).

هنا ندرك دور الألحان في الكنيسة ليس التنافس على حفظ الألحان، بل الاقتداء بالسيرافيم والجهاد على الالتصاق بالقدوس والشركة معه، لنحمل برّ المسيح فينا مع الشكر والفرح، بعمل الله فينا وفى كل الخليقة.

إن كان أحد السيرافيم أخذ من على المذبح السماوي جمرة بملقطٍ (إش 6: 6)، ومسَّ بها شفتي إشعياء، فتطهر النبي وتأهَّل للشهادة للربّ، فإن هذه القطعة من الجمر الناري، تشير إلى جسد الربّ الذي نتناوله، فيلتهب إنساننا الداخلي بنار الحب الإلهي. نصير على مثال الملائكة، خدام الله الناريين، الملتهبين بالحب لله ولخلاص البشرية. هؤلاء الناريون بالحب المقدس يشتاقون أن نستنير بالقدوس، فيلتهب قلبنا بالنار المقدسة التي تُحَطِّم كل ظلال الظلمة التي فينا، وتهبنا استنارة ومعرفة الأسرار الإلهية والحكمة التي من فوق، والثبات الدائم، بل والنمو المستمر في تشبُّهنا بالله[40].

تمتع إشعياء النبي برؤيا السيرافيم (إش 6: 1) في سنة وفاة عزيا الملك الذي ملك على يهوذا وهو ابن 16 سنة لمدة 52 عاماً وعمل المستقيم في عيني الرب، وقد نجح في كل أعماله. لكن إذ ارتفع اسمه جداً سقط في الكبرياء، وأراد أن يوقد للرب على مذبح البخور، فضُرِب بالبرص وهو في الهيكل، وطرده الكهنة، وأصيب بالبرص إلى يوم وفاته، معزولاً في بيتٍ بعيدٍ عن القصر (2 أي 26: 16).

اغتم إشعياء جداً لسقوط عزيا الملك في أيامه الأخيرة. تطلع النبي إلى الشعب ليراه مُنطرِحاً كغنمٍ بلا راعٍ، إذ صار نجساً لا يمارس عمله الملكي (2 أي 26: 18 - 22). أدرك إشعياء أن الشعب في حاجة إلى رعاية سماوية، لأن ذراع البشر يعجز عن إشباع احتياجات الشعب، وكما يقول المرتل: "لا تتكلوا على الرؤساء ولا على بنى البشر الذين ليس عندهم خلاص، تخرج روحهم فيعودون إلى ترابهم" (مز 146: 3 - 4). وسط هذه المرارة أعلن الرب هذه الرؤيا لإشعياء من أجل تعزيته. تحقَّقت الرؤيا في الهيكل غالباً في وقت انفرد فيه النبي للعبادة الخاصة، إذ كان يصرخ إلى الله ليستلم رعاية شعبه. ظهر له السيد جالساً على كرسي عالٍ ومرتفعٍ ليؤكد له أنه هو الراعي السماوي، أفكاره تعلو عن أفكار البشر، وطرقه عن طرقهم. يجلس في الأعالي لكي يحمل كنيسته معه تشاركه أمجاده العلوية. رأى أذياله تملأ الهيكل (إش 6: 1)، إذ هو حال في كنيسته ينتظر كل نفسٍ تُقبل إليه لتتمتع بالاتحاد معه. لقد رأى السيد المسيح في مجده (يو 12: 41) يملأ السماء والأرض بلاهوته ورعايته. كما رأى السيرافيم يسبحونه.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يصيح السيرافيم قائلين: قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت... إن القوات العلوية يأخذ منها الرعب كل مأخذٍ بغير انقطاعٍ، فهي تدير وجهها وتبسط أجنحتها كحائطٍ، يحميها من الإشعاع غير المحتمل الصادر من قبل الله، ومع ذلك فما تراه إنما هو صورة مصغرة للحقيقة... بينما لا يقوى السيرافيم حتى على مشاهدة الله الذي لا يتجلَّى لهم إلاَّ كتنازلٍ منه حسب ضعفهم، نرى أناساً تجاسروا متصورين في عقلهم إدراك طبيعة الله عينها التي يعجز السيرافيم عن إدراكها. إنهم يزعمون أنهم قادرون على التطلُّع إليها بوضوح وبغير حدود! ارتعدي أيتها السماوات واندهشي أيتها الأرض[41].] ويقول: [حقاً إن الله حتى بالنسبة لهذه الطغمات غير مُدرَك، ولا يُمكن الدنو منه. لهذا فهو يتنازل ليظهر بالطريقة التي وردت في الرؤيا. الله الذي لا يحده مكان ولا يجلس على عرش... من قبيل محبته لنا يظهر جالساً على عرش وتحيط به القوات السمائية[42].] وأيضاً: [(رؤى الأنبياء) إعلانات، كلها أمثلة عن تنازله، وليست رؤى لجوهره بالكشف عنه. لأنهم لو نظروا جوهره ذاته لما رأوه تحت أشكال مختلفة، إذ هو بسيط، بغير شكل ولا أعضاء ولا أساليب مُحَدَّدة، طبيعته لا تجلس ولا تقف ولا تمشي[43].].

ما يُعَزّي الخادم هو أن يرى الخدمة الملائكية، فيتحقَّق أن متاعب الكنيسة وضعفاتها تنتهي يوماً ما لتشترك مع السمائيين في التسبيح أبدياً. الكنيسة هنا كأيقونة السماء، تتمتَّع بعربون الخدمة السمائية. ففي احدى العظات القبطية تُعَرَّف الكنيسة أنها: [موضع تعزية، هي اجتماع الملائكة وموضع الشاروبيم والسيرافيم[44].] قيل إن القديس باخوميوس كان يرى الكنيسة مملوءة بالملائكة.

السيرافيم هم خدام العرش الإلهي، يحملون الرب بفرحٍ وتهليلٍ، يسبحونه بلا انقطاعٍ. وكأن عمل كل خادمٍ أو نبيٍ فى الكنيسة هو جذب كل نفسٍ إلى الرب كعرشٍ له يسكنه، ويقيم ملكوته داخله، فيصير أشبه بالسروف النارى السماوى. لكل سروف ستة أجنحة، باثنين يُغَطِّى وجهه علامة اتسامه بالمخافة الإلهية، لا يقدر أن يدرك كل البهاء الإلهي. وباثنين يُغَطِّى رجليه علامة الحياء، إن صح هذا التعبير. وباثنين يطير مُحَلِّقاً فى السماويات. هكذا يليق بنا أن نتشبَّه بالسروف، ننعم بالمخافة الإلهية فى احتشامٍ مع نموٍ دائمٍ وارتفاعٍ مستمرٍ نحو السماويات.

بينما يحمل الكروبيم العرش الإلهى، إذ بالسيرافيم يرفرفون حول العرش، يصرخون واحد قبالة الآخر يعلنون أن الله قدوس قدوس قدوس وأن مجده ملء كل الأرض (إش 6: 3).

يرى البعض أن السيرافيم يقومون بعمل كهنوتى ليتورجى، حيث لا ينقطعون عن تقديم التسبيح بالثلاثة تقديسات. يعلنون قداسة الله لكي يفكر الإنسان فى جديةٍ نحو تقديسه حتى يقدر أن يقترب من القدوس. يلزم المؤمن أن يقتدى بإشعياء النبى، فيتقبل جمرة النار التى يقدمها السروف بملقطٍ من على مذبح الرب ويلمس بها شفتيه ليطهره من خطاياه (إش 6: 6، 7).


[40] cf. The Celestial Hierarchy, Ch 8.

[41] In Isai. Hom. 2: 2.

[42] - راجع للمؤلف: القديس يوحنا الذهبي الفم، 1988، ص 299.

[43] - المرجع السابق، ص 32.

[44] The author: Church, House of God, 1982, p. 333.

4- ماذا قيل عن الرتبة الأولى التي تضم السيرافيم والكروبيم والكراسي؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

4 - ماذا قيل عن الرتبة الأولى التي تضم السيرافيم والكروبيم والكراسي؟

الرتبة الأولى أكثر التصاقاً بالله، وفوق كل الرتب الأخرى. تضم الثلاث طغمات وهم: السيرافيم المملوئين أعيناً، وذوي أجنحة كثيرة والشاروبيم (الكروبيم) والكراسي (العروش). وهم متساوون في الرتبة، كاملون أكثر من غيرهم في تشبههم بالله، ومتحدون مباشرة بالنور الأول للاهوت.


[39] - راجع تفسير إش 6 (سلسلة من تفسير وتأملات الآباء الأولين).

3- ماذا قَدَّم لنا كتاب الرُتب (الهيراركي) السماوية Celestial Hierarchies؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

3 - ماذا قَدَّم لنا كتاب الرُتب (الهيراركي) السماوية Celestial Hierarchies؟

أبرز هذا الكتاب الذي لديونيسيوس الأريوباغي أن الله إله نظام وليس إله تشويش (1كو 14: 33)، لهذا حتماً للسماء وللسمائيين طقس خاص ونظام دقيق. وواضح أن لهم اجتماعات ربما دورية كما يظهر من (أي 1: 6؛ 2: 1). اجتمعوا أثناء الخلقة في دهشة يُمَجِّدون الخالق ويُسَبِّحونه (أي 38: 7). وقد تحدَّث المرتل عن اجتماعاتهم (مز 89: 5، 6). تظهر دقة النظام في المعركة بين رئيس الملائكة ميخائيل ومعه ملائكته ضد إبليس وملائكته (رؤ 12: 7 - 9).

إلى يومنا هذا يتبع بعض الدارسين ما ورد في هذا الكتاب عن رتب الملائكة وطغماتهم، خاصة وأن بعض الليتورجيات التي يحفظها لنا التقليد اتبعت ما ورد في ديونسيوس.

أشار الكتاب إلى تسع طغمات، لكل طغمة اسم يدل على دورها ووظيفتها. كما أشارت نصوص الليتورجيات إلى هذه التسع طغمات. فى الفصل الثالث من كتب الرتب السمائية المنسوب لديونيسيوس الأربوباغي[34] يذكر الكاتب أن نظام الرتب السمائية هو نظام مُقَدَّس فيه تنعم الكائنات السمائية بإشراقات إلهية حسب استحقاقها، فتصير مُتشبهة بالله. ينعكس عليها الجمال الإلهي، فيهبها صلاحاً واتحاداً وانسجاماً بكل كمالٍ.

جاء في الفصل السادس أن الخالق الإلهي وحده يعرف تماماً عدد الكائنات السمائية الفائقة وطبيعتهم وأنظمتهم. وما كان يمكننا أن نعرف شيئاً عنهم لو لم يُعَلِّمنا الله ذلك خلال خدامه السمائيين الذين يعرفون طبيعتهم. لهذا يليق بنا ألا نتحدَّث عنهم حسب تخيلاتنا، بل بما أُعلِن لنا حسب قدرتنا على الإدراك خلال الرؤى الملائكية التي نظرها اللاهوتيون المكرمون.

يقول الكاتب أيضاً أن جميع الطغمات السمائية يمكن دعوتها "ملائكة". فقد خلق الله هؤلاء الكائنات السماوية خلال صلاحه الإلهي، وتحمل كلمة "ملائكة" معنى مرسلين، لأن جميع الطغمات كائنات تسمو عن المخلوقات الأرضية العاقلة وغير العاقلة.

[هكذا يشترك هؤلاء أولاً بكل وسيلة مختلفة في (النور) الإلهي، ويعلنون بطرقٍ كثيرة عن الأسرار الإلهية. لهذا فهم فوق كل شيءٍ مستحقون لاسم "ملائكة"، إذ يتقبَّلون النور الإلهي وينقلونه إلينا بإعلانات تفوق إدراكنا... قبل أيام الناموس كما بعده قاد الملائكة آباؤنا المشهورين رجال الله، إما بإعلانها لهم عما يجب أن يفعلوه، أو بقيادتهم من الحياة الخاطئة والشريرة إلى طريق الحق المستقيم، أو بإعلانها لهم عن الشريعة الإلهية. يستخدمون طريقة المفسرين، فيوضحون لهم النظم السمائية، أو يقدمون لهم رؤى سرية عن أسرار العالم الفائق، أو يقدمون لهم نبوات إلهية معينة[35].].

يرى واضع الكتاب أن الرتب الملائكية تُقسم إلى ثلاث رتب، كل رتبة تضم ثلاث طغمات.

الرتبة الأولى (فصل 7): أكثر التصاقاً بالله، وفوق كل الرتب الأخرى. تضم ثلاث طغمات وهم: السيرافيم المملوئين أعيُناً، وذوي أجنحة كثيرة، والشاروبيم (الكروبيم) Cherubim، والكراسي (العروش) Thrones.

الرتبة الثانية (فصل 8): وهي تضم ثلاث طغمات وهم: الأرباب virtues (Lordships) والقوات Powers والسلاطين (Authorities) Dominions.

الرتبة الثالثة (فصل 9): تضم ثلاث طغمات وهم: الرئاسات Principalities، ورؤساء الملائكة Archangels والملائكة Angels.

يرى ابن العبري[36] أن هذه الثلاث مجموعات أشبه بكنائس سمائية:

الكنيسة الأولى تضم السيرافيم والكروبيم والكراسي، يمثلون معاً العرش الإلهي. فيظهر في حزقيال أن السيرافيم هم مركبة الله، وجاء في المزامير: "يا جالساً على الكروبيم أشرق" (مز 80: 1). "الرب قد ملك، ترتعد الشعوب وهو جالس على الكروبيم، تتزلزل الأرض" (مز 99: 1).

الكنيسة الثانية تضم السيادات والقوات والسلاطين.

الكنيسة الثالثة تضم الرئاسات ورؤساء الملائكة والملائكة.

فى العهد القديم كان رئيس الكهنة يحمل 12 حجراً كريماً على كتفيه، تسع حجارة تُمَثِّل الطغمات الملائكية. الصف الأول: عقيق أحمر يرمز للسيرافيم الناريين، وياقوت أصفر يُمَثِّل الكروبيم أصحاب المعرفة، والزمرد يُمَثِّل الكراسي (خر 28: 17). الصف الثاني: بهرمان وياقوت أزرق وعقيق أبيض (خر 28: 18). الصف الثالث: عين الهروشيم وجمشت (خر 28: 19).

أما الصف الرابع فهو يُمَثِّل كنيسة بني البشر المنضمة إلى الكنائس السمائية، وتضم زبرجداً وجزعاً ويشباً، إشارة إلى درجات الكهنوت الثلاث: رؤساء الكهنة والكهنة والشمامسة.

جاء في القداس الاغريغوري: [أنت الذي يسبحه الملائكة، ويسجد لك رؤساء الملائكة، أنت الذي يباركك الرؤساء، ويصرخ لك الأرباب،.

أنت الذي ينطق السلاطين بمجدك، أنت الذي يرسل لك الكراسي الكرامة،.

ألوف ألوف وقوف قدامك، وربوات ربوات يقدمون لك الخدمة،.

أنت هو القيام حولك الشاروبيم والسيرافيم، ستة أجنحة للواحد، وستة أجنحة للآخر، فبجناحين يغطون وجوههم، وباثنين يغطون أرجلهم ويطيرون باثنين[37]، ويصرخون واحد قبالة واحدٍ منهم.].

وجاء في القداس الكيرلسي (المرقسي): [أنت الذي يقوم أمامك المخلوقان الحيان الكريمان جداً، ذا الستة أجنحة، الكثيرا العيون، السيرافيم والشاروبيم.].

وجاء في الثلاثة تقديسات في خولاجى الأسقف سرابيون: [أنت هو الذي يقف حولك، ألوف ألوف وربوات ربوات الملائكة ورؤساء الملائكة، والعروش والسلاطين والرئاسات والقوات. السيرافان الرهيبان ذا الستة أجنحة...].

كما أن القديس إيرينيؤس يرى أنه يوجد سبع طغمات ملائكية[38].


[34] - ديونيسيوس الأريوباغى: غالباً هو كاتب من القرن الخامس / السادس في سوريا، كتب باليونانية، ونسب كتاباته إلى ديونيسيوس الأريوباغى (أع 17: 34) حتى يعطي كتاباته صبغة رسولية وتقليدية. وهو كاتب مسيحي لاهوتي، تأثر بالأفلاطونية الحديثة ويميل إلى الباطنية (السرية mystical). نجح فى نشر كتاباته التى كان لها أثرها الواضح على كثير من اللاهوتيين والمتصوفين والشعراء فى الشرق والغرب، مثل مكسيموس المعترف، والبابا غريغوريوس (الكبير) وأندرو من كريت ويوحنا سكوتس أريجينا وبونافينتير والبرت الكبير وواضع كتاب "سحابة غير المعروف" ودانتي وايخارت ويوحنا تيلور ويوحنا ميلتون.

[35] Dionysius the Areopagie: The Celestial Hierarchies, ch. 4.

[36] ركن 5، الباب 2، فصل 1، مقصد1، 2.

[37] See The Euchologium of Bishop Serapion.

[38] Against Heresies, Book 2. PG 18: 7.

2- هل يمكننا التمييز بين الطغمات السماوية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

2 - هل يمكننا التمييز بين الطغمات السماوية؟

في التعرُّف على التسع طغمات السماوية يوجد سمات مشتركة تجعلنا نعجز عن تصوُّر التمييز بينها، خاصة وإن كل الطغمات روحية ليس لها جسد مادي مثلنا، وتفوق فكرنا، والكل يتمتَّع بالحضرة الإلهية، وإشراق النور الإلهي عليها. والكل يشترك فى خورُس سماوي يُسَبِّح الله ويُمَجِّده بطريقة رائعة!

1- هل توجد سمات مشتركة بين الطغمات السمائية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

1 - هل توجد سمات مشتركة بين الطغمات السمائية؟

توجد سمات عامة مشتركة بين الطغمات السمائية مع انسجام كامل معاً، حتى يمكن إن جاز لنا أن ندعو الكل خورُس السمائيين. هذا الخورُس العام المتناغم يضم على الأقل تسع طغمات، لكل طغمة اسم خاص بها، ولها ما يشترك فيه أعضاء الطغمة من سمات خاصة بالطغمة. وكل طغمةٍ أو كل خورُس يتَّسِم بوحدة متميزة في سمات خاصة بكل الأعضاء، وإن كان لكل عضوٍ أيضاً له ما يُمَيِّزه عن بقية أعضاء نفس الخورُس.

يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير: [أُعطيت لهم أسماء مختلفة حسب نوع كل واحدٍ منهم. فالبعض ملائكة ورؤساء ملائكة، والبعض كراسي وربوبيات ورئاسات وسلاطين وشاروبيم (كروبيم). أعطيت هذه الأسماء لهم حين حفظوا مشيئة خالقهم. ومن الجهة الأخرى فإن شرّ الآخرين جعل من الضروري تسميتهم بأسماء: إبليس وشياطين بسبب حالتهم الشريرة، والبعض منهم دُعوا أرواح شريرة وأرواح نجسة، والبعض أرواح مُضِلَّة، والبعض دُعوا بلقب رؤساء هذا العالم، وتوجد أنواع أخرى كثيرة.].

12- لماذا يُسر الملائكة باجتماع المؤمنين معاً؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

12 - لماذا يُسر الملائكة باجتماع المؤمنين معاً؟

يقول العلامة أوريجينوس: [كما يتواجد الملائكة عند العماد، يتواجدون أيضاً في كل اجتماع مسيحي. "ملاك الرب حال حول خائفيه، ويخلصهم" (مز 34: 7). معنى هذا، أنه إذا اجتمع عدد من الناس لمجد المسيح، فسيكون مع كل واحدٍ منهم ملاكه (الحال حوله)، إذ كلهم من خائفي الرب. سيكون كل ملاك في صحبة من خُصِّص له لحراسته وإرشاده، أي أنه عندما يجتمع القديسون، توجد كنيستان، واحدة من الناس والأخرى من الملائكة[32].].

كما يقول: [ليس عندي شك، في أنه توجد ملائكة في وسط اجتماعنا أيضاً. ليس فقط في الكنيسة ككل، بل وفي كل كنيسة منفردة، في كل كنيسة تضم من قيل عنهم إن "ملائكتهم تنظر وجه الآب الذي في السماوات" (مت 18: 10). فعندنا هنا إذاً كنيسة مزدوجة، إحداها من الناس، والأخرى من الملائكة. إن كان ما نقوله متمشياً مع المنطق، ومع روح الأسفار المقدسة، فالملائكة تفرح وتُصلِّى معنا. وحيث أن الملائكة متواجدون في الكنيسة، أي في الكنيسة التي تستحق وجودهم، فمن واجب النساء المصليات أن يكون لهن ما يُغطي رؤوسهن من أجل الملائكة (1كو 11: 10).].

يقول القديس أنبا أنطونيوس عن الحراسة السماوية: [عندما تغلق باب مسكنك وتبقى بمفردك، اعلم أن معك ملاكاً، مُعَيَّناً من قبل الله لكل إنسانٍ، وهو الذي يُلَقَّبه اليونانيون "روح البيت". إنه لا ينام، ويرى كل شيء بمرافقته الدائمة لك، ولا ينخدع، ولا يختفي عنه شيء في الظلام. واعلم أن الله بجوارك حال في كل مكانٍ، فإنه لا يوجد مكان أو حيِّز ليس الله موجوداً فيه. إنه أعظم من الكل وممسِك بيده الجميع[33].].


[32] On Prayer 4: 31.

[33] - الفيلوكاليا: القديس أنبا أنطونيوس 170 نصاً عن حياة القداسة، 62.

11- هل للملائكة دورهم في العمل الكنسي؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

11 - هل للملائكة دورهم في العمل الكنسي؟

يرى العلامة أوريجينوس أن ملاكاً يتقبَّل من ينال العماد بفرحٍ من أجل ما يناله المُعَمَّد من بركات إلهية فائقة. ولا يقف الأمر عند الحضور والفرح، إذ يقول: [في الوقت الذي نلت فيه سرّ الإيمان، كان من حولك قوات سمائية تستقبلك، خدمة كهنوتية للملائكة كنيسة أبكار (عب 12: 23). إذا علمنا أن كلمة "إسرائيل" تعني "رؤية الرب بالذهن"، فسنرى أن هذا الاسم يصير أكثر تطابقاً إذا استخدم بالنسبة للملائكة الذين يخدموننا. فكما قال الرب عن الأطفال – وقد كنت أنت طفلاً عند عمادك – "إن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السماوات" (مت 18: 10)... هكذا كان بنو "إسرائيل" ينظرون وجه الرب ويتواجدون ويعطون لك أسرار الإيمان [29].] كما يقول: [قبل الاهتداء كان الإنسان عبداً للشيطان، أما بعد الاهتداء فيحظى برعاية ملاك خاص ليُحِثّه على العمل الصالح، ويحميه من الملائكة الأشرار. بالإشارة إلى الكلمات "عندما صرت من خلال الجُرْن طفلاً في المسيح"، يمكن القول إنه لا يوجد ملاك مقدس مع من هم بعد في الرذيلة. ففي فترة جحودهم يصيرون تحت قيادة ملائكة إبليس. أما بعد تجديدهم، فيعهد بهم من فداهم بدمه إلى ملاك مقدس هو أيضاً وبسبب طهارته يعاين وجه الله[30].].

يقول العلامة أوريجينوس إن الملائكة يترددون بين الإنسان والسماء. [فنحن نُسلّم فعلاً أنهم يصعدون حاملين صلوات الناس، ثم يعودون نازلين ومعهم لكل واحدٍ ما يرغب فيه من أمورٍ صالحةٍ، عيَّنهم الرب لتقديمها إلى من يحبونه[31].].


[29] In Jos. hom. 4: 9.

[30] Comm. on Matt. 28: 13 (ANF).

[31] Ibid. 5,4. See also Hom. in Num. , 11,5; Hom. In Lev. , 9,8. Hilary has this testimony to give; "There is positive grounds to the teaching (auctoritas absoluta) that the angels preside over the prayers of the faithful. They offer to God every day the prayers of those who have been saved" (Comm. in Matt. , 18,5). See also Tract. Ps. 129.

10- هل تخضع الملائكة للدينونة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

10 - هل تخضع الملائكة للدينونة؟

الطغمات السمائية كخليقة تخضع للدينونة، فقد سقط كوكب من أعظم الطغمات السمائية (إش 14: 12)، وسحب معه كثيرين من الطغمات الأخرى. سقط إبليس وملائكته في التشامخ، وصاروا تحت الدينونة، حيث أُعِدَّت لهم جهنم الأبدية.

يمكننا القول إن جميع الطغمات تقف أمام الله لتُقَدِّم حساباً، غير أنهم الآن وقد رفضوا الخضوع لإبليس، بل أخذوا موقف المقاومة لحساب ملكوت الله لا يمكن سقوطهم، ليس لأن طبيعتهم غير قابلة للسقوط، ولكن لأنهم قد نجحوا في امتحان التواضع، ولا زالوا يسلكون بروح التواضع بفرحٍ عظيمٍ.

يمكن القول إنه صار موقفهم كموقف القديسين بعد رحيلهم من هذا العالم مع الفارق أن الإنسان كان له ضعفاته بسبب الجسد الهيولي الثقيل وقد تقدَّس خلال الدم الثمين بعمل الروح القدس الناري.

لقد دين رئيس هذا العالم، إبليس (يو 16: 11)؛ وفي يوم الرب العظيم يقول السيد "للذين على اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدَّة لإبليس وملائكته" (مت 25: 41).