ما هى غاية العناية الإلهية فى كل كيان الإنسان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى غاية العناية الإلهية فى كل كيان الإنسان؟

يوضح القديس إكليمنضس أن العناية الإلهية تحتضن الإنسان ككلٍ: جسده وعقله ونفسه. الله الصديق الحقيقى للإنسان يعمل لأجل تقديسه، فيصير أيقونة لخالقه القدوس! يقول العلامة أوريجينوس: [ "ليس قدوس مثل الرب"، فمهما كان نمو الإنسان فى القداسة عظيماً، ومهما بلغ من طهارةٍ وأمانةٍ، لا يقدر أحد أن يبلغ قداسة الرب. هو واهب القداسة، بينما الإنسان ينالها. هو ينبوع القداسة، بينما الإنسان يشرب منه. هو نور القداسة، بينما الإنسان يتطلع إليه! [245]].


[245] In 1 Sam. Hom2. (See Drewery).

هل تتوقف العناية الإلهية عن العمل؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل تتوقف العناية الإلهية عن العمل؟

يقول القديس إكليمنضس إن صلاح الله دائم العمل، كاهتمام الراعى بخرافه، والملك برعيته والأب بأولاده[243]. ويقول العلامة أوريجينوس: [كما أن الفلاح فى فصول السنة المتغيرة يؤدى أعمالاً زراعية متنوعة فى الأرض ومحاصيلها، هكذا يهتم الله فى كل الدهور والأزمان... يفعل ما يحتاجه الكون، الأمر الذى لا يُدرك بحقٍ فى عمق مفهومه وحقه إلاَّ بالله وحده[244].].


[243] Stromata 17: 6: 157,158.

[244] C. Celsus 69: 4. (See Drewery).

هل تشمل العناية الإلهية الحيوانات؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل تشمل العناية الإلهية الحيوانات؟

يقول العلامة أوريجينوس: [لما كان الله يهيمن هيمنة واضحة على حركة السماوات وكل ما فيها، وكل ما على الأرض، وما فى البحر بقدرته الإلهية، فيتحكم فى المواليد وأصل الأشياء والأطعمة والنمو لكافة الحيوانات والنباتات، فمن الحماقة أن نغلق أعيننا ولا نتطلع إلى الله[242].].


[242] Exhortation to Martyrdom 4.

ما هو مدى العناية الإلهية فى حياة الإنسان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو مدى العناية الإلهية فى حياة الإنسان؟

الله فى حبه للإنسان يهتم بكل شئون حياته، وعنايته تشمل كل شيءٍ حتى عدد شعر رأس الإنسان (مت10: 30؛ لو12: 7). لهذا يليق بنا أن نعرف أن كل الأحداث تحدث بعناية الله. يقول العلامة أوريجينوس: [إلى هذه الدرجة تشمل العناية الإلهية كل شيءٍ، حتى أنه يهتم بأن يحصى شعور رؤوسنا بنفسه! [241]].


[241] Contra Celsus 70: 8. (See Drewery).

لماذا وضع الله صانع الخيرات وصية لآدم وحواء فى الفردوس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا وضع الله صانع الخيرات وصية لآدم وحواء فى الفردوس؟

لم تكن هذه الوصية حملاً على آدم وحواء، بل هبة قُدمت لهما بفضل عنايته الإلهية. كيف؟

أ. خلق الله الإنسان على مثاله، أى يحمل طبيعة الحب، يشتاق أن يحب ويُحَب من الآخرين. لقد أشبعه الله بحبه الخاص الشخصى، وكان الإنسان محتاجاً أن يُعَبر عن استجابته لحب الله بالحب. لذا جاءت الوصية طريقاً به يُمكن لأبوينا الأولين أن يعلنا عن حبهما العملى لخالقهما.

ب. بدون الوصايا لا يختبر الإنسان واحدة من أعظم عطايا الله له، أعنى حرية الإرادة؛ فمن خلال الوصايا يكون للإنسان حق الخيار أن يقبل الله فى حياته ويطيعه أو يرفضه ويعصى وصاياه!

ج. لم يتركهما الله وحدهما، بل كان معيناً لهما، إن أرادا. ويتحدث القديس مقاريوس الكبير عن إمكانيات آدم فى الله: [قدر ما كان كلمة الله (اللوغوس) معه، ومعه أيضاً الوصية كان يملك كل شيءٍ. كان الكلمة بالنسبة له هو ميراثه وملبسه ومجده، وقد صار مدافعاً عنه. كان مرشده... فكان كل شئ هو له، من معرفةٍ وخبرةٍ وميراثٍ وإرشادٍ... وهكذا مادام يتمسك بالوصية ويلتزم بها يصير صديقاً لله[240].].


[240] St. Macarius the Great, hom 6: 12 - 8.

ما هو دور العناية الإلهية فى خلقتنا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور العناية الإلهية فى خلقتنا؟

إننا مدينون لله صانع الخيرات بحبه لنا حتى من قبل أن نوجد! يعلن القديس إكليمنضس السكندرى، أن الإنسان هوأشرف المخلوقات، وأعزها لدى الله، كان فى فكره قبل الخليقة. ففى محبته اللانهائية خلق الكون لأجل الإنسان، ثم خلق الإنسان على صورته ومثاله ليتذوق الشركة معه. إنه يقول: [الإنسان بالحقيقة هو عزيز فى عينى الله، لأنه صنعة يديه، فقد أوجد الله الأعمال الأخرى فى الخلق بكلمةٍ (أمر فكانت)، أما الإنسان فخلقه بيديه، ونفخ فيه من عنده[238].].

يقول أوريجينوس: [ليس أحد – سواء كان يهودياً أو أممياً – خالٍ من هذا الناموس الذى فى البشر بالطبيعة. فقد أعطى الله الإنسان كل المشاعر والأحاسيس التى يستطيع بها أن يصارع لأجل بقائه فى الفضيلة ونموه فيها. بجانب هذا غرس الله فيه قوة العقل، به يدرك ماذا ينبغى أن يفعل وماذا يتجنب. وهب الله هذا للجميع على حد سواء[239].].


[238] Paidagogos 3: 1,8: 1: 63.

[239] Comm. In Ep. ad Rom. 6: 3.

ماذا يعنى أن الله يدبر أمور العالم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى أن الله يدبر أمور العالم؟

الله الكلي الصلاح يعتنى بالإنسان ويهيّئ له الفرص كى يتمتع بالحياة المقدسة، فيحقق خطة الله نحوه، ويتمتع بالميراث الأبدى.

يعطينا الله الفرصة كى نسأل ونطلب ونقرع، فنشعر بحبه ومسرته أن يهبنا أكثر مما نسأل وفوق ما نطلب. خلال تعاملنا معه نتلامس مع حنوّه وحكمته وقداسته.

الله فى رعايته طويل الأناة لا يتوقف عن تقديم الفرص للخطاة كى يرجعوا إليه حتى فى اللحظات الأخيرة من حياتهم. نسمعه دوماً يقول: "رأيي يقوم، وأفعل كل مسرّتى" (إش46: 10).

يشبِّه كل من القديسين ثاؤفيلس الأنطاكى ويوحنا الذهبى الفم الله بقائد سفينة يبحر إلى ميناء السلام ليكشف عن حكمته وإرادته المقدسة ليعبر بمؤمنيه إلى ميناء السلام. لن يحدث شئ ما فى العالم قضاءً وقدراً أو مصادفةً، إنما عناية الله تسبق وترى وتعرف ما سيحدث. فلا يحدث شئ مصادفة كما يظن البعض.

ما هو مدى العناية الإلهية للكون؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو مدى العناية الإلهية للكون؟

يؤكد القديس إكليمنضس السكندرى أكثر من مرة تنزيه الله وسموه عن الكون، ربما ليوضح الهوة القائمة بين جوهر الله وطبيعته وجوهر الكون وطبيعته، إذ يقول: [حديث الإنسان بالطبيعة قاصر وعاجز عن أن يعلن عن الله... لا أعنى جوهره لأن هذا مستحيل، وإنما أقصد قوة الله وعلمه[229].].

إذ يشرح القديس إكليمنضس تلك الهوة بين الله والخليقة، يعلن فى نفس الوقت أن الله ليس بعيداً عن العالم، خاصة عن أرقى خليقته، أعنى الإنسان. فقد خلق الله الكون من أجل حبه للإنسان كنعمةٍ من عنده؛ وبذات الدافع لا يزال يعتنى بكل شئون الكون؛ فهو يتدخل فى عالمنا من أجل حبه اللانهائى وأبوته السماوية لنا.

يعتقد القديس إكليمنضس أن الكون برهان ساطع على عناية الله. يقول W. E. G. Floyd: [إن دليل إكليمنضس على وجود العناية الإلهية، إذا ما كانت هناك حاجة إلى دليل. هو استخدام حوار لاهوتى يقوم على نظام الكون وتنسيقه. فهو يحاجج بأنه حتى فى النظرة السطحية جداً للعالم يوجد ما يضاد مهاجمى التعليم الصحيح[230].].

ويعبر القديس إكليمنضس عن العلاقة الوطيدة بين الله والكون، قائلاً: [البعيد للغاية قد صار قريباً جداً. يا له من أمر عجيب لا يدرك، "العليً إله من قريب، يقول الرب" (إر23: 23)... هو قريب جداً بفضل قوته (عناية) التى تهيمن على كل ما هو تحت سلطانه[231].].

يتحدث القديس أثناسيوس عن تنزيه الله فيؤكد أيضاً حضوره، قائلاً: [الله فى الكل وفى كل جزءٍ... هو يحوى كل شيءٍ ومع الكل[232].] يعلن القديس أن الله بصلاحه ونعمته ليس ببعيدٍ عن أى أحد منا، لأننا فيه نحيا ونتحرك ونوجد (أع17: 28). كما يقول: [اللوغوس فى الآب إذ ولده، أما المخلوقات فلأنها خارجة عنه تتصل به، لكنها غريبة عنه، تتصل بحرية اختيارها. الابن هو بالطبيعة واحد مع الذى ولده؛ أما من هو خارج عنه وقد صار ابناً فإنه ينتسب إلى الأسرة. من ثم يضيف موسى على الفور: "لأنه أى شعب هو عظيم له إله قريب منه كالرب إلهنا؟" (تث4: 7 الترجمة السبعينية)؛ وفى موضع آخر قيل: "أنا إله قريب" (إر23: 23 الترجمة السبعينية) [233]، فبالنسبة للمخلوقات يقترب منها مع كونها غريبة عنه، أما بالنسبة للابن، بكونه ابنه الخاص به، فهو لا يقترب منه، بل هو فيه[234].].

يا لمحبة الله العجيبة! نحن الذين كنا غرباء، صرنا ملتصقين بالله المنزه بفضل صلاحه ونعمته!

أوضح القديس إكليمنضس السكندرى أن الله الصالح لن يكف عن صنع الصلاح، وإلا توقف عن كونه إلهاً صانع خيرات[235]. يقول بأن الكون يشبه فأساً لا قوة لها فى حد ذاتها، لكنها تحتاج إلى يد الله ليستخدمها فى العمل اللائق لتحقيق غاية وجوده. [كما أن الفأس لا تقطع ما لم يستخدمها أحد، كذلك المنشار بدون إنسان لا ينشر؛ لأنهما آلتان لا تعملان من تلقاء ذاتيتهما، لكن لهما خواص مادية تحقق عملهما بمساعدة الحطاب الذى يستخدمهما، هذا أيضاً ما يُقصد بالعناية الإلهية[236].].

لنستعير كلمات القديس مقاريوس الكبير، الذى عبَّر عن حلول الله فى حياتنا الروحية، قائلاً: [إن كنت تبحث عن الرب فى العمق، هناك تجده. إن كنت تفتش عنه فى المياه، هناك تجده "صانعاً عجائب" (خر15: 11). إن كنت تطلبه فى الجب، فهناك تجده بين أسدين يحرسان دانيال البار. إن طَلَبْتَه فى النار، تجده هناك ينقذ عبيده. إن بحثت عنه أعلى الجبل، تراه مع موسى وإيليا. إنه فى كل مكان؛ تحت الأرض وفوق السماوات وفى داخلنا أيضاً[237].].


[229] Stromata 18: 6: 166.

[230] W. E. G. Floyd: Clement of Alexanria’s Treatment of the Problem of Evil, Oxford University Press, 1971, p. 36.

[231] Stromata 2: 2.

[232] De Incarnatione, 42.

[233] Contra Arians, 5: 4.

[234] St. Clement: Protroptecius 63: 4.

[235] Stomata 14: 5: 141, 12: 6, 16: 6.

[236] Stomata 16: 6.

[237] See Prof. I. M. Kontzevich: Fifty Spiritual Homilies, St. Makarius the Great, 1974, Homily 12: 12 - 13.

ما هى العناية الإلهية فى الفكر الكنسي السكندري؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى العناية الإلهية فى الفكر الكنسي السكندري؟

قام العديد من قدامى الفلاسفة أمثال فيلون وشيشرون وسينيكا وابيكتيتوس ومرقس أوريليوس وآخرين بالتأمل فى الكون بقوانينه الجبارة وقدراته وجماله الخ. فآمنوا بعناية الله للكون كحقيقة واقعية لكنهم غالباً ما حسبوها قاصرة على خلق الكون بقوانينه الطبيعية، حاسبين أن الله قد تركه بعدما خلقه، تحكمه قوانينه! غير أن آباء الإسكندرية الذين تطلعوا إلى الفلسفة بكونها هبة إلهية تعلن الحق جزئياً، وليس فى كماله، آمنوا بالعناية الإلهية من مفهوم كتابى لا فلسفى، أعني أن العناية قد شملت كل الخليقة بوجه عام، والإنسان بوجه خاص. وأنها قد فاقت وتجاوزت الزمان والمكان، فقد اهتمت بأمر الإنسان حتى قبل خلقته، أى عندما كان فى فكر الله! هذه العناية الإلهية لا تزال تهتم بشئون الإنسان على الأرض، وستستمر فى عملها حتى فى الدهر الآتى. إنها تحتضن المؤمنين، بل وحتى المخلوقات غير العاقلة. ويُستعلن هذا من خلال مراحم الله الرقيقة وعطفه علينا وتأديبه لنا؛ فى الأحداث السارة والمحزنة. ترتبط العناية الإلهية بالنعمة الإلهية، التى تجلّت فى تجسد كلمة الله وصلبه وقيامته لنتمتع بالبنوة لله، ونتأهل للميراث الأبدى.

ما هو عمل العناية الإلهية فى حياتنا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو عمل العناية الإلهية فى حياتنا؟

فى العهدين القديم والجديد تعمل العناية الإلهية حتى فى الأمور التى تبدو لنا تافهة فى حياتنا، فلا نشعر أن أمراً ما يحدث لنا مصادفة. فالله يهب زنابق الحقل جمالاً فائقاً. وهو يطعم الطيور والحيوانات، فكيف لا يقوت بني البشر. لقد ميَّز الإنسان عن كل الخليقة الأرضية، إنه يُعد له ملكوت السماوات.

رعايته العامة للخليقة الأرضية تبقى إلى حين، أما الخاصة بأبراره المؤمنين فأبدية.