ما هو موقف الإيمان المسيحى من الثقافات البشرية

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف الإيمان المسيحى من الثقافات البشرية

جوهر الإيمان المسيحى كله أن الله ليس فى معزل فى السماء، بل خلق العالم ويهتم به. الله محب البشر. يحتل الإنسان مركزاً خاصاً فى قلب الله، إن صح التعبير. وكما قيل بالنبى: "الرب إلهك فى وسطك... يبتهج بك فرحاً... يبتهج بك بترنم" (صف3: 17). إنه أشبه بالآم التى تحتضن طفلها الوحيد، وتعبّر عن فرحها به بالتهليل والأغانى!

تجسد كلمة الله وحلوله فى عالمنا كواحدٍ منا، قدّس أرضنا وأعمالنا وعقولنا وعواطفنا ومواهبنا وإمكانياتنا. فصارت بعض الأديرة ورجال الدين علماء، يشغفون بالتقدير المستمر دون انتظار لمكافأة. بل وكثير من الجامعات فى الغرب هى فى أصلها من عمل الجماعات الرهبانية. جاء مسيحنا ليقدس العقل كما العواطف، فلا يتوقف الإنسان عن البحث والعمل، حتى بلغ إليه ما بلغ من اقتحام عالم الفضاء، والتقدم التكنولوجى السريع. سيبقى هذا التقدم مادام كلمة الله نفسه نزل ليقدس وينمى، دون الاستخفاف بالحياة البشرية والفكر الإنسانى. إن كان قد وُجد قلة قليلة ذات فكر ضيق أخذوا موقفاً مضاداً، لكن الكنيسة بفكرها الإنجيلى الحىّ لا تكف عن مساندة العالم فيما هو حق وللبنيان!

ما هو دور الكنيسة الأولى فى العمل الاجتماعى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور الكنيسة الأولى فى العمل الاجتماعى؟

يصور لنا الإنجيلى لوقا فى سفر الأعمال الكنيسة فى عصر الرسل أنها تحمل شركة فى العبادة كما فى الممتلكات، فهى تقوم على اتحاد الأعضاء معاً فى جسد واحد، كل عضو يهتم بإخوته.

فى نهاية القرن الثانى ظهر فى روما والإسكندرية وقرطاجنة وفى الشرق إقامة وجبات محبة agape بعد الاحتفال بليتورجيا الإفخارستيا، وذلك إما من أموال الكنيسة أو يقوم بها أحد الأغنياء.

إذ لم تكن بعد قد ظهرت المستشفيات اهتمت الكنيسة بمعالجة المرضى ([224]).

لا يقف واجب العطاء عند الأغنياء تجاه الفقراء، بل الفقير أيضاً يعطى أخاه الفقير؟

إذ يتحدّث القديس بوليكربس عن القس فالنز وزوجته اللذين بسبب الطمع انحرفا عن الإيمان، قائلاً: [إننى حزين جداً يا إخوة من أجل فالنز ومن أجل زوجته أيضاً، يا ليت الرب يمنحهما توبة صادقة! عالجوا هذا الأمر بالذات باعتدال، ولا تحسبوهما أعداء، بل حاولوا أعادتهما كعضوين مريضين تائهين، ومتى عادا يصبح جسدكم كاملاً، إذا فعلتم هذا فإنكم تبنون أنفسكم ([225])].

يقول مينيكوس إن المسيحين يحبون بعضهم "حتى قبل أن يعرفوا بعضهم البعض" ([226]). ويقول إريستيديس: [لا يهمل (المسيحيون) الأرملة، ويحررون اليتيم ممن يتعاملون معه بعنف، ويعطى (المسيحى) المحتاج دون تذمر، وعندما يرون غريباً يأخذونه إلى منازلهم، ويفرحون به كأخ لهم... وعندما يموت فقير، إذ يعرفون بهذا يقدمون لجثمانه مدفناً حسب قدرتهم، وإن سمعوا أن أحدهم سُجن ويعانى ضيقاً من أجل المسيح يتكاتفون معاً ويمدونه باحتياجات وإن استطاعوا يطلقونه من السجن ([227])].

واهتمت الأديرة الباخومية، باستضافة الغرباء، وخدمة الفقراء والمرضى فى القرى المحيطة لكل دير. وأنشأ القديس باسيليوس الكبير مجموعة من المبانى على أطراف مدينة قيصري كبادوكية لاستقبال الغرباء والمرضى، خاصة المنبوذين منهم، وجهز هذه المؤسسة بأشخاص مؤهلين للعمل فيها ([228]). وفى إنطاكية أقامت الكنيسة مستشفى ضخمة وبيتاً للغرباء. اهتم كثير من الأساقفة بالعمل الاجتماعى للجميع وليس للمسيحيين وحدهم، نذكر القديس أمبروسيوس، ومكسيموس أسقف تورين، وبولنيوس أسقف نولا، ومارتين أسقف تورز، ونيسيتديوس أسقف ليون، وغيرهم.


[224] [] Popycarp, 1: 6.

[225] [] Martyr, Polycr. 4: 11.

[226] [] Octavius, 2: 9.

[227] [] Aristides, Apal. 15 (Suriac version).

[228] [] Sozomen: H. E. 34: 6.

ما هى أسس العمل الاجتماعى فى الكنيسة الأولى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى أسس العمل الاجتماعى فى الكنيسة الأولى؟

قام العمل الاجتماعى فى الكنيسة الأولى على أساس إنجيلى، أسس العمل الاجتماعى هى:

أ. الحب الأخوى المتلاحم مع المحبة الإلهية، وتحقيق العدالة.

ب. الاهتمام بالمصلحة العامة لكل البشرية دون تجاهل الاهتمام الفردى بكل أحد ما أمكن.

ج. العمل على التساوى بين جميع البشر، دون محاباة لجنس أو طبقة ما أو أصحاب مواهب معينة.

د. يكرم كل عضو الآخر، وتُعطى الكرامة لمن له الكرامة، دون السماح بالمذلة لإنسان ما.

ﻫ. تقديس الحرية الإنسانية، ليعبر الإنسان عن نفسه كسفير للسيد المسيح ووكيل السماء، محققاً رسالته التى من أجلها خلقه الله وقدم له الخلاص.

و. تكريس الطاقات والمواهب وتقديسها، أيا كانت!

س. تحقيق العضوية الكنيسة العاملة، بأن يمارس كل شخص دوراً إيجابياً فى المجتمع والكنيسة، مع خلق روح القيادة الصادقة بروح التواضع والشعور بالالتزام والمسئولية.

ما هو منهج الكنيسة الأولى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو منهج الكنيسة الأولى؟

يُعرف القديس إكليمنضس الإسكندرى بثالوثه المشهور أو أعماله الكتابية الثلاثة الرئيسية، وهى: نصح لليونانيين Protrepticus، والمعلم أو المربى Paedagogus، والمتفرقات Stromata.

يقول: Osborn إن مشكلة العلاقة بين هذه الأعمال الثلاثة الكبرى جذبت الانتباه بطريقة ملحوظة فى الخمسين سنة الأخيرة ([219]). ويقول: Swete "ربما ليس فى كل الأدب الآبائى الأول أكثر جاذبية للقارئ الحديث مثل ثالوث (إكليمنضس) العظيم فى تدريج التعليم فى الحياة المسيحية... ومفهوم إكليمنضس للمسيحية فى علاقتها بكل ميادين الفكر البشرى، الأمر الذى له قيمته فى أيامنا... ونفعه متزايد فى العصر الحاضر ([220]).

يرى القديس إكليمنضس أن خطة الله نحو البشرية تأخذ مراحل ثلاث وهى تطابق كتبه الثلاثة ([221]). كأنه يميز بين اللوغوس الإلهى كهادى Protrepikos يدعو الناس للخلاص، وكمربى Paedagogus يحث المؤمنين على الحياة الأفضل ويشفيهم من آلامهم ممارساً عمله الروحى فيهم، وكمعلم Didaskelos ([222]). وأخيراً يعلم الأسس العامة ويشرحها، مفسراً المنطوقات الرمزية فى المتفرقات. وهو يقول: [المرشد السماوى، اللوغوس يُدعى الهادى عندما يدعو البشرية للخلاص... لكنه إذ يعمل كطبيب أو مربِ يصير اسمه "المربى"... فالنفس المريضة تحتاج إلى مربِ يشفى آلامها. ثم تحتاج إلى المعلم الذى يعطيها الإدراك... "إعلان اللوغوس". هكذا إذ يريد اللوغوس خلاصنا خطوة فخطوة يستخدم وسيلة ممتازة: إنه فى البداية يهدئى، ثم يصلح، وأخيراً يعلم ([223])]. فالحياة وحدة واحدة، ليس من فصل بين العقيدة والعبادة والسلوك والعلم والمعرفة.


[219] [] F. F. Osborn: The Philosophy of Clement of Alexandria, Cambridge 1957, p. 5.

[220] [] H,B, Swete: Patristic Study, London, 1902, p. 48.

[221] [] Cf. Neander: Church History, vol. 2,, p. 11 - 12.

[222] [] Osborn, p. 5.

[223] [] Paedagogus 1: 1.

ماهى نظرة العهد الجديد للخط الاجتماعى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماهى نظرة العهد الجديد للخط الاجتماعى؟

أولاً: فى العهد الجديد لكن يتعامل الله مع المؤمن كإنسان ناضج، يهبه الفكر الحىّ والحياة الداخلية النقية، لكى يقدم العمل الاجتماعى حسب احتياج كل عصر بروح إيمانى عملى واقعى. من هنا نجد فى كتابات الآباء الأولين منذ عصر الآباء الرسوليين تطوراً فى العمل الاجتماعى، لكن بخط إيمانى واضح غير متغير. فالفكر حى وثابت، يتكيف حسب احتياجات العصر.

ثانياً: عرّف القديس يوحنا الذهبى الفم الكنيسة بأنها "الحياة الجديدة"، حيث يختبر المؤمن عمل الله الآب محب البشر خلال الخلاص الذى قدمه كلمة الله المتجسد على الصليب، وعمل روحه القدوس الذى يشكلنا لنكون أيقونة حية للسيد المسيح. يصعب علينا أن نحدد الخط الاجتماعى للكنيسة الأولى كما لو كان فى معزل عن الخط الروحى او الثقافى أو غيره. إنما هو خط واحد متكامل، وخبرة حياة معاشة. وليس من فصل بين علاقة المسيحى بالله وعلاقته ببنى البشر. وليس من عزل بين نموه الروحى واهتمامه بنموه الدراسى، ولا بين تقديس النفس وتقديس العقل، وأيضاً الجسد والحواس والعواطف!

ما هى نظرة العهد القديم للخط الاجتماعى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى نظرة العهد القديم للخط الاجتماعى؟

ليس ما يشغل الناموس مثل حياة البرّ وتحقيق العدل، حتى أنه كثيراً ما يحدث خلط بينهما. والعدالة فى الناموس تمس معاملات الإنسان مع الله ومع أخيه الإنسان، بل ومع الحيوانات والطيور، حتى الجمادات. إنها قوانين تفصيلية قدمت للإنسان فى بدء حياته الروحية لتكون ناموساً له، لا يحيد عنه يمينا ولا يساراً. بدونها ليس من قبول لذبائحه وصلواته وأصوامه وعطاياه وكل عبادته.

كيف تمارس الكنيسةأمومتها مع الالتزام بالخط الروحى الاجتماعى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف تمارس الكنيسةأمومتها مع الالتزام بالخط الروحى الاجتماعى؟

الكنيسة وإن كانت لا تتدخل فى الشئون السياسية والقوانين المدنية والعسكرية والاقتصادية والمنظمات الاجتماعية، لكنها تحمل امومة صادقة نحو كل إنسان وكل أسرة وتحب كل المجتمع، وتشتهى أن تتحول الأرض إلى سماء متهللة ليست فى عوز، كما لا تحتمل أن ترى إنساناً مظلوماً أو متألماً. تود أن ترى كل إنسان فى العالم يحمل ثقة فى نفسه بالرب، له دوره الحىّ فى البشرية، يحمل فى داخله روح القيادة الجادة الملتزمة بتواضع داخلى، فى غير خمول أو شعور بالنقص. فالخط الاجتماعى المسيحى هو حياة إنجيلية كنسية تمس أعماق الفكر والقلب والحواس، وتُترجم خلال السلوك اليومى.

هل نعتز بالكنيسة لأنها ممتدة من القدم أم لأنها جديدة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل نعتز بالكنيسة لأنها ممتدة من القدم أم لأنها جديدة؟

يقول العلامة أوريجينوس: [لا تظن أن هذه الكلمات قد وُجهت فقط إلى "إسرائيل" التى هى "حسب الجسد" (كو10: 18)، بل هى موجهة بالأكثر إليكم، يا من صرتم "إسرائيل" روحياً، بالحياة فى المسيح. يا من أختنتم، لا فى لحمكم، بل فى قلوبكم ([214])].

ورثت كنيسة العهد الجديد كل ما كانت تتمتع به كنيسة العهد القديم، لا حرفياً، بل روحياً. ففى وصف الرسول بولس لكنيسة العهد القديم بأن "لهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد" (رو9: 4)، يؤكد بولس أن هذه المزايا قد آلت إلى كنيسة العهد الجديد، من أجل إيمانها بالمسيح، فيقول: "لهم هذه الوعود.... ([215])".

الكنيسة جديدة فى حياتها فى المسيح، إذ تقبل عمل الروح القدس الذى يُحدد أفكارنا وحياتنا بغير توقف. كما انها بالغة القدم، إذ هى كائنة فى عقل الله الذى خطط لخلاصنا، قبل تأسيس العالم. يقول العلامة أوريجينوس: [ما كنت لأدعك تفترض أن "عروس المسيح" (رؤ21: 2)، أى الكنيسة، قد بدأ ذكرها فقط بعد مجئ المخلص بالجسد، بل هى منذ بداية الجنس البشرى، منذ تأسيس العالم. ويمكننى متابعة بولس وهو يتقصّى أصل هذا السرّ، حتى إلى أبعد من ذلك، أى إلى ما قبل تأسيس العالم لنكون قديسين "(أف1: 4 - 5). يقول الرسول أيضاً، إن الكنيسة قد بُنيت على أساس، ليس من الرسل فحسب، بل أيضاً من الأنبياء (أف2: 20). والآن، فآدم يعتبر بين الأنبياء، إذ تنبأ عن ذلك السرّ العظيم، فيما يتعلق بالمسيح والكنيسة، بقوله" لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكونان جسداً واحداً (تك2: 24). اما بالنسبة للرسول، فواضح أنه يتكلم فيما يختص بالمسيح والكنيسة بقوله، "هذا السر عظيم، لكننى أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أف5: 32). كما يقول أيضاً: "كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة، وأسلم نفسه من أجلها، لكى يُقدسها، مطهراً إياها بغسل الماء" (أف5: 25 - 26). فى هذا يُظهر أنه لا يرفض الرأى القائل بوجوده من قبل. إذ كيف أحبها ما لم تكن موجودة؟ فالكنيسة بدون شك موجودة فى جميع القديسين الذين كانوا منذ بدء الزمن. هكذا بمحبته للكنيسة أتى إليها. "وإذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم، اشترك هو أيضاً كذلك فيهما" (عب2: 14)، وبذل نفسه عنهم. كان هؤلاء القديسين هم الكنيسة التى أحبها، ليزيدها عدداً، ويعضدها بالفضائل وينتقل بها من الأرض إلى السماء ([216])].

أوريجينوس هو أول من أعلن أن الكنيسة هى مدينة الله هنا على الأرض ([217])، تحيا إلى حين، جنباً إلى جنب مع الدولة المدنية ([218]).


[214] [] In Exod. Hom 12: 7.

[215] [] Fr. T. Y. Malaty: The Church 1991, p. 7 - 8.

[216] [] Comm. On Cant. 2 [Bettenson; Early Christian Fathers, 1956, p. 338 - 9].

[217] [] In Jer. Hom. 9. 2; In Jos. Hom. 8. 7.

[218] [] Quasten, Patrology, vol 2, p, 82.

هل من نصرات مستمرة لا تنقطع؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل من نصرات مستمرة لا تنقطع؟

كان العلامة أوريجينوس يمتدح المؤمنين الحقيقيين لانتصارهم على الشيطان وعلى جميع الخطايا. فرجال الكنيسة يسحقون كل قوات الظلمة بالنعمة الإلهية، بل وأبواب الجحيم لن تقوى عليهم (مت16: 18).

يقول العلامة أوريجينوس: [أما وقد مزق (الشباك) ووطأها، فهو يشجع أيضاً كنيسته لتدوس الفخاخ وتطأ الشباك، ثم تقول بكل الفرح: "انفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين، الفخ انكسر ونحن نجونا" (مز124: 7). من الذى مزق الفخاخ إلا ذاك الوحيد الذى لا يُمكن الإمساك به؟ فمع أنه قاصى الموت، إلا أن ذلك تم بإرادته، وليس كما يحدث لنا بسبب خطايانا. فهو وحده صار حُراً بين الأموات. وإذ هو الحىّ بين الأموات، عندما أباد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت "(عب2: 14)، وأتى بالذين ذاقهم الموت. لم يُصعد ذاته فقط من الموت بل أصعد معه أولئك الذين غلبهم الموت، وجعلهم يجلسون معه فى الأمجاد السمائية." إذ صعد إلى العلاء سبى سبياً "(أف4: 8). لم يأتِ بالنفوس فحسب، بل وأقام الأجساد أيضاً، كما يشهد بذلك الإنجيل:" وقام كثير من أجساد القديسين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا مدنية الله الحى أورشليم السماوية، وظهروا لكثيرين "(راجع مت27: 52؛ عب12: 22) ([212]).

كما يقول: [الكنيسة، كبناء للمسيح الذى بنى بيته بحكمة على الصخر (مت7: 24)، لا يحق لها إفساح المجال لأبواب الجحيم، التى تسود على من هم خارج الصخرة والكنيسة، ولكن لن تقوى عليها ([213])].


[212] [] Comm. On the Songs of Songs, book 13: 3 (Acw).

[213] [] Commentary on Matthew, book 11: 12 (Cf. ANF).

كيف تنطلق الكنيسة باستمرار من مجد إلى مجد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف تنطلق الكنيسة باستمرار من مجد إلى مجد؟

يقول الرسول: "ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما فى مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح" (2كو3: 18)، أو التمتع الدائم بالتجديد الروحى.

نزل إلينا كلمة الله لينطلق بنا من حرفية الناموس إلى حرية مجد أولاد الله. هذه الانطلاقة لن تتوقف مادمنا تحت قيادة روحه القدوس. يقول القديس مار يعقوب السروجى:

[تقول الكنيسة: "لا أطلب العتيقات لأتشرف بها، بل أطلب الأمور الجديدة الخاصة بأسرار ابن الله. لا أطلب الأردن حيث تطهّر الأبرص، لأنه هوذا المعمودية تعطى الحياة (2مل5: 14).

لا أحتاج إلى بركة سلوام لشفاء المرضى (يو9: 7)، لأن فى داخلى عين الحياة مفتوحة، مُضمدة الجروح. لا أطلب المن الذى متى بات أنتن (خر16: 20)، لأننى ها أنا آخذ جسد الابن كل أيامى. به تختفى فىّ الحياة الجديدة... يشفى جراحاتى، ويطهرنى من دنسى.

لا أطلب عمود السحاب، ولا الحية النحاسية التى صنعها موسى. عوضهما صار لى صليب الحياة يضئ ظلمتى، ويحفظنى من الأمور المؤذية.

لا أطلب قبة (خيمة) العهد التى فُسرت جميع أسرارها بحضن مريم.

إنى لا أتشبه بابنة صهيون التى ظلمت سيدها، وبعد أن نالت جميع الحسنات علقته على الخشبة. ولأنها تركته وزنت طردها، وأخرجها من بيته، وأعطانى أنا الضالة جميع غناه.

تعالى أيتها الكنيسة، وكونى وارثة لخزائن الابن، لأن العجوز قد عتقت وخرجت بأصنامها.

تعالى أيتها الزانية التى قدسها الصليب بالمعموديّة، وصيرها حرة، لتفرحى معه فى الملكوت].